يوسف ماجد
09-10-2009, 04:12 AM
هذيان، بقلم يوسف نايف
-1-
عند مكتب المدرس الخاص به...
قال المدرس لصالح بازدراء:
- الواجب...
لم يبرح صالح مكانه إلا بعد فترة إذ أنه كان ينظر إلى سقف مكتب المدرس، يعطيه الواجب بيده المنتفخة من ضرب العصا. يلقي المدرس نظرة على واجب صالح بسرعة. يقاطع قراءته ويقول لصالح بهدوء:
- تذكر أنه بوسعي أن أبرحك ضربا.
شاخصا ببصره إلى السقف، لا ينفعل صالح لما قاله المدرس. يكمل المدرس قراءة الواجب ويشرب ما تبقى من الشاي. يخرج شيئا علق بين أسنانه، ثم يضرب بالكوب على مكتبه بقوة فيفزع صالح وهو لا يزال ينظر إلى أعلى. يقول المدرس برفق زائف:
- صالح؟...
فينظر صالح إلى مدرسه بعينيه العسليتين، الخائفتين، ويجيبه بـ"نعم"، ويحكّ رقبته بأربع من أصابعه. يقول له المدرس:
- صالح...أخبرني بصراحة...أأنت معقد نفسيا؟ أم متخل عقليا؟ أم مجنون؟ فمن واقع الأمر، وبعد قراءتي لواجبك، لا يمكن أبدا أن أعتبرك من زمرة العقلاء...إطلاقا...ما هذا الذي كتبته؟ ألم أأكد على جميع الطلبة كتابة إنشاء عن شعورهم تجاه آبائهم؟ ماذا تسمي هذا؟! ما بك؟! ما قصتك؟
فيقول صالح:
- هذا ليس من شأنك.
يمزق المدرس ورقة الواجب بعنف وغضب شديدين. يشير له أن أخرج فيخرج صالح، ويقول لمدرسه قبل أن يختفي عن نظره:
- حفظتـُه...حتى وإن مزقته فقد حفظته...
ويخرج صالح. ينزل المدرس ذراعه، ثم يسند ظهره إلى كرسيه القديم ويهمس لنفسه:
- ماذا يقصد بما كتبه في الواجب؟ حتى أنا قد حفظته...
"خبزة تكفي لكي لا أتكلمْ
ولإن هيْ سلبت لن أتعلمْ
لا تصدقني لكي لا تتندمْ
لا تعانقني لكي لا أتهدمْ
فضح الله النفوس البشرية ْ
وأنا منهم ونفسي لهبية ْ"
يقوم المدرس من مقعده ويجلس ثانية. ثم يقول:
-يبدو لي بأنه مرهق نفسيًا...مسكين...يجب أن أساعده يوما ما...
يدخل الفرّاش إلى مكتب المدرس، فينتبه لمجيئه ويقول له بقسوة:
-أحضر لي كوبا آخر من الشاي، وبسرعة.
-2-
يصرخ أحدهم بتهكم: ها هو طالح!
فيردد الآخرون وراءه وهم يصفقون ويضحكون: طالح! طالح! طالح!
يحيطون بصالح فيدفعونه ويعرقلونه.
وبعد لحظة يجيء مدرس طويل القامة فيفرق الجمع ويهرب صالح إلى الباص بسرعة.
يدخل صالح المنزل بعد أن تخلص من مضايقة زملائه له في الباص، ويضع حقيبته إلى جانب الباب. ثم يسمع صوتا غريبا، وكأنه صراخ قطة. يعتقد أولا بأنه وهم ولكن سرعان ما يدرك أن هذا هو صوت صراخ والدته، فعرف أن أباه قد عادت إليه "الحالة العصبية".
هل يخرج من البيت؟ هل يهرب؟
يمشي صالح بخطى ثابتة نحو غرفة نوم والديه، لا يجد أحدا. ينصت جيدا فيعرف أن الصوت آت من الحمام القريب من الصالة. تعلو الصرخات والتوسلات. يصل إلى هناك، ويفتح باب الحمام قليلا.
-حرمت! حرمت يا وائل! حرمت!
فيقول أبوه والحزام في يده:
-لقد أنذرتك كثيرا يا امرأة. أنت لست سوى حشرة، لا تضرين ولا تنفعين! ليتني لم أعرفك من قبل!
ضربة.
-أرجوك! أناشدك بالله أن تتوقف! أنا لا أتحمل هذا العذاب! سأفعل أي شيء -أي شيء- كي أرضيك!
فيجيبها:
-أنت أكبر مخادعة وكاذبة على وجه الأرض.
ضربة.
تجيبه:
-لو أنني كذلك لما بقيت معك، أتعرف لماذا بقيت؟ لأني أحبك.
فينهال عليها ضربا، وصالح لا يزال ينظر إليهما. يتوقف الوالد عن الضرب محاولا التقاط أنفاسه. ثم يحل السكوت كالضيف الغريب. يقول الوالد أخيرا:
-قد جاء دورك، يا صالح.
ويدير رأسه إلى ولده، فيهرب صالح إلى غرفته، ويتبعه أبوه.
-3-
وجهها كالبدر، في ليلة ليس فيها مصباح ولا شعلة. قلبها حي ينبض، يعيش بحياة غيره. تعطي، تعطي الكثير، والإخلاص في عينيها ساطع. لا تقبل الذل، ولا الظلم. صوتها يثلج الصدور. وتغار منها الطيور، لبرائتها. وابتسامتها...
هي صديقة صالح في نهاية الأمر.
...يجلس صالح معها كل خميس في مقهى صغير قريب من مدرسته...
عرفا بعضهما منذ أن كانا في الصف الخامس. ولم يمنع انتقالها إلى مدرسة أخرى من تلاقيهما...
واليوم هو الخميس
يجلس صالح في المقهى، وكأنه بقايا زجاج مكسور، ينظر إلى البدر في السماء الكاحلة.
يدنو الجارسون من صالح، ويقول له الجارسون بصوته الرقيق الهادئ الذي اعتاد عليه:
-هناك من يريدك، سيد صالح.
يتفاجئ صالح ويقول بدقة:
-ماذا؟ ولكن موعد قدومها لم يحن بعد!
فيجيبه الجارسون من دون أن يغير من نبرة صوته:
-لا سيدي، إنه شخص آخر. وأعتقد بأنه والدها.
يكتم صالح خوفه، ثم يقول:
-سآتيه حالا.
يقول الأب لابنته التي تجهش بالبكاء، وهو لا يزال غضبانا:
-لن أتحمل كل هذا! مشاكل في المدرسة وخارج المدرسة؟! سأجن! سأجن! تريدين أن تساعديه؟! نحن لا نستطيع أن نتحمل أنفسنا فكيف لنا بأن نتحمل هموم هؤلاء الناس الحمقى. هو ليس ذنبك يا هالة، هو ذنب أمك! آه! أستغفر الله العظيم.
يلقي بسيجارته على الأرض، ويخرج سيجارة أخرى. وقبل أن يشعلها يحضر صالح مغطيا وجهه بيديه من الخوف. يقول الأب:
-تعال يا ولد. أأنت صديق بنتي؟ ...
فيجيبه ويداه لا زالتا على وجهه:
-نعم.
فيتميز الأب من الغيظ ويقول:
-أبعد يديك عن وجهك، وكلمني كالرجال!
يبكي صالح، ويمسك الأب بذراعي صالح وينزلهما بقوة ليبدي وجهه...يندهش الأب ويشهق. ثم يقول:
-أنت؟ أهو أنت يا صالح؟!
تندهش البنت فتقول لأبيها:
-أتعرفه، أبي؟
-إنه أحد طلابي!
يحاول صالح أن يذهب فيمسك المدرس بيده، وينظر صالح إليه، ثم يعانقه المدرس طويلا ويقول له:
-سأساعدك.
تعلو الدهشة وجوه الجالسين في المقهى.
-4-
صالح قد أتم الخامسة عشر يومها. بالنسبة لأبيه، فإن يوم ميلاد صالح هو كأي يوم في السنة، عدى أول كل شهر. "المال ثم البنون" هو مبدؤه، كرجل حريص على أسرته. عندما يقل المال، يقل العقل، وإن قل عقل بعض الرجال فقدوا سمعهم وحسهم وإنسانيتهم حتى يسترجعوا حقوقهم بأيديهم. كل ما تقدم ذكره قبل قليل لا يعرفه أبو صالح، وقد أخبر صالح مدرسه به موضحا مشكلة أبيه النفسية. فاتفقا على أن يزوره في بيته في يوم ميلاده.
...
يفتح أبو صالح الباب بملابسه الرثة القديمة.
-مرحبا، سيد وائل. هل بإمكاني الدخول؟
أبو صالح:
-ليس قبل أن أعرف من أنت.
يجيبه المدرس:
-أنا هو مدرس صالح.
أبو صالح:
-الذي يضربه بالعصا في الفصل؟
يعتقد المدرس أن باب النقاش قد سد الآن، وإذا بصالح يقول:
-أبي، لقد جاء لكي يحل مشكلتك.
فيرد الأب:
-مشكلتي، يا ولد؟ وما مشكلتي يا أستاذ؟
يجيبه المدرس:
-أنت تعرف مشكلتك سيد وائل، وجراح ابنك تشهد.
يمسك الأب بيد ابنه بشدة ويقول:
-صالح؟ منذ متى وأنت تفتن عنا؟ أهذا جزائي لأني أريد مصلحتك؟! أهذا من شيم الرجال يا ولد؟!
فيقول صالح أخيرا:
-أرجوك، أبي لا تغضب.
يجيبه أبوه:
-يا حسرتي! يا حسرتي!
تجيئ والدة صالح مسرعة وتقول:
-ماذا هناك؟
فيقول زوجها وهو يلهث من شدة الغضب:
-إن ابنك يعمل فتانا يا امرأة!
يخطو المدرس خطوة داخل منزلهم ويقاطعهم بهدوء جاد قائلا:
-أرجوك يا سيد وائل، التوتر يضر بصحتك و...
يدفعه الأب بيديه خارج المنزل ويغلق الباب ويقفله بسرعة. ويقول والغضب في عينيه:
-ماذا أفعل بكما الآن؟! ماذا أفعل؟!
يصيح المدرس من وراء الباب:
-لا تضربهم!
فيذهب أبو صالح إلى الباب ويقول للمدرس بازدراء:
-ولماذا، يا أستاذ؟! أنصحك بأن تخرس لأن هذا الأمر لا يعنيك.
يمشي أبو صالح نحو صالح وأمه، وإذا بباب المنزل يكسر فيدخل رجال الشرطة ومعهم ضابط. ينزل الضابط قبعته. ثم يقول المدرس:
-ولكنه يعني العدالة، يا سيد.
-1-
عند مكتب المدرس الخاص به...
قال المدرس لصالح بازدراء:
- الواجب...
لم يبرح صالح مكانه إلا بعد فترة إذ أنه كان ينظر إلى سقف مكتب المدرس، يعطيه الواجب بيده المنتفخة من ضرب العصا. يلقي المدرس نظرة على واجب صالح بسرعة. يقاطع قراءته ويقول لصالح بهدوء:
- تذكر أنه بوسعي أن أبرحك ضربا.
شاخصا ببصره إلى السقف، لا ينفعل صالح لما قاله المدرس. يكمل المدرس قراءة الواجب ويشرب ما تبقى من الشاي. يخرج شيئا علق بين أسنانه، ثم يضرب بالكوب على مكتبه بقوة فيفزع صالح وهو لا يزال ينظر إلى أعلى. يقول المدرس برفق زائف:
- صالح؟...
فينظر صالح إلى مدرسه بعينيه العسليتين، الخائفتين، ويجيبه بـ"نعم"، ويحكّ رقبته بأربع من أصابعه. يقول له المدرس:
- صالح...أخبرني بصراحة...أأنت معقد نفسيا؟ أم متخل عقليا؟ أم مجنون؟ فمن واقع الأمر، وبعد قراءتي لواجبك، لا يمكن أبدا أن أعتبرك من زمرة العقلاء...إطلاقا...ما هذا الذي كتبته؟ ألم أأكد على جميع الطلبة كتابة إنشاء عن شعورهم تجاه آبائهم؟ ماذا تسمي هذا؟! ما بك؟! ما قصتك؟
فيقول صالح:
- هذا ليس من شأنك.
يمزق المدرس ورقة الواجب بعنف وغضب شديدين. يشير له أن أخرج فيخرج صالح، ويقول لمدرسه قبل أن يختفي عن نظره:
- حفظتـُه...حتى وإن مزقته فقد حفظته...
ويخرج صالح. ينزل المدرس ذراعه، ثم يسند ظهره إلى كرسيه القديم ويهمس لنفسه:
- ماذا يقصد بما كتبه في الواجب؟ حتى أنا قد حفظته...
"خبزة تكفي لكي لا أتكلمْ
ولإن هيْ سلبت لن أتعلمْ
لا تصدقني لكي لا تتندمْ
لا تعانقني لكي لا أتهدمْ
فضح الله النفوس البشرية ْ
وأنا منهم ونفسي لهبية ْ"
يقوم المدرس من مقعده ويجلس ثانية. ثم يقول:
-يبدو لي بأنه مرهق نفسيًا...مسكين...يجب أن أساعده يوما ما...
يدخل الفرّاش إلى مكتب المدرس، فينتبه لمجيئه ويقول له بقسوة:
-أحضر لي كوبا آخر من الشاي، وبسرعة.
-2-
يصرخ أحدهم بتهكم: ها هو طالح!
فيردد الآخرون وراءه وهم يصفقون ويضحكون: طالح! طالح! طالح!
يحيطون بصالح فيدفعونه ويعرقلونه.
وبعد لحظة يجيء مدرس طويل القامة فيفرق الجمع ويهرب صالح إلى الباص بسرعة.
يدخل صالح المنزل بعد أن تخلص من مضايقة زملائه له في الباص، ويضع حقيبته إلى جانب الباب. ثم يسمع صوتا غريبا، وكأنه صراخ قطة. يعتقد أولا بأنه وهم ولكن سرعان ما يدرك أن هذا هو صوت صراخ والدته، فعرف أن أباه قد عادت إليه "الحالة العصبية".
هل يخرج من البيت؟ هل يهرب؟
يمشي صالح بخطى ثابتة نحو غرفة نوم والديه، لا يجد أحدا. ينصت جيدا فيعرف أن الصوت آت من الحمام القريب من الصالة. تعلو الصرخات والتوسلات. يصل إلى هناك، ويفتح باب الحمام قليلا.
-حرمت! حرمت يا وائل! حرمت!
فيقول أبوه والحزام في يده:
-لقد أنذرتك كثيرا يا امرأة. أنت لست سوى حشرة، لا تضرين ولا تنفعين! ليتني لم أعرفك من قبل!
ضربة.
-أرجوك! أناشدك بالله أن تتوقف! أنا لا أتحمل هذا العذاب! سأفعل أي شيء -أي شيء- كي أرضيك!
فيجيبها:
-أنت أكبر مخادعة وكاذبة على وجه الأرض.
ضربة.
تجيبه:
-لو أنني كذلك لما بقيت معك، أتعرف لماذا بقيت؟ لأني أحبك.
فينهال عليها ضربا، وصالح لا يزال ينظر إليهما. يتوقف الوالد عن الضرب محاولا التقاط أنفاسه. ثم يحل السكوت كالضيف الغريب. يقول الوالد أخيرا:
-قد جاء دورك، يا صالح.
ويدير رأسه إلى ولده، فيهرب صالح إلى غرفته، ويتبعه أبوه.
-3-
وجهها كالبدر، في ليلة ليس فيها مصباح ولا شعلة. قلبها حي ينبض، يعيش بحياة غيره. تعطي، تعطي الكثير، والإخلاص في عينيها ساطع. لا تقبل الذل، ولا الظلم. صوتها يثلج الصدور. وتغار منها الطيور، لبرائتها. وابتسامتها...
هي صديقة صالح في نهاية الأمر.
...يجلس صالح معها كل خميس في مقهى صغير قريب من مدرسته...
عرفا بعضهما منذ أن كانا في الصف الخامس. ولم يمنع انتقالها إلى مدرسة أخرى من تلاقيهما...
واليوم هو الخميس
يجلس صالح في المقهى، وكأنه بقايا زجاج مكسور، ينظر إلى البدر في السماء الكاحلة.
يدنو الجارسون من صالح، ويقول له الجارسون بصوته الرقيق الهادئ الذي اعتاد عليه:
-هناك من يريدك، سيد صالح.
يتفاجئ صالح ويقول بدقة:
-ماذا؟ ولكن موعد قدومها لم يحن بعد!
فيجيبه الجارسون من دون أن يغير من نبرة صوته:
-لا سيدي، إنه شخص آخر. وأعتقد بأنه والدها.
يكتم صالح خوفه، ثم يقول:
-سآتيه حالا.
يقول الأب لابنته التي تجهش بالبكاء، وهو لا يزال غضبانا:
-لن أتحمل كل هذا! مشاكل في المدرسة وخارج المدرسة؟! سأجن! سأجن! تريدين أن تساعديه؟! نحن لا نستطيع أن نتحمل أنفسنا فكيف لنا بأن نتحمل هموم هؤلاء الناس الحمقى. هو ليس ذنبك يا هالة، هو ذنب أمك! آه! أستغفر الله العظيم.
يلقي بسيجارته على الأرض، ويخرج سيجارة أخرى. وقبل أن يشعلها يحضر صالح مغطيا وجهه بيديه من الخوف. يقول الأب:
-تعال يا ولد. أأنت صديق بنتي؟ ...
فيجيبه ويداه لا زالتا على وجهه:
-نعم.
فيتميز الأب من الغيظ ويقول:
-أبعد يديك عن وجهك، وكلمني كالرجال!
يبكي صالح، ويمسك الأب بذراعي صالح وينزلهما بقوة ليبدي وجهه...يندهش الأب ويشهق. ثم يقول:
-أنت؟ أهو أنت يا صالح؟!
تندهش البنت فتقول لأبيها:
-أتعرفه، أبي؟
-إنه أحد طلابي!
يحاول صالح أن يذهب فيمسك المدرس بيده، وينظر صالح إليه، ثم يعانقه المدرس طويلا ويقول له:
-سأساعدك.
تعلو الدهشة وجوه الجالسين في المقهى.
-4-
صالح قد أتم الخامسة عشر يومها. بالنسبة لأبيه، فإن يوم ميلاد صالح هو كأي يوم في السنة، عدى أول كل شهر. "المال ثم البنون" هو مبدؤه، كرجل حريص على أسرته. عندما يقل المال، يقل العقل، وإن قل عقل بعض الرجال فقدوا سمعهم وحسهم وإنسانيتهم حتى يسترجعوا حقوقهم بأيديهم. كل ما تقدم ذكره قبل قليل لا يعرفه أبو صالح، وقد أخبر صالح مدرسه به موضحا مشكلة أبيه النفسية. فاتفقا على أن يزوره في بيته في يوم ميلاده.
...
يفتح أبو صالح الباب بملابسه الرثة القديمة.
-مرحبا، سيد وائل. هل بإمكاني الدخول؟
أبو صالح:
-ليس قبل أن أعرف من أنت.
يجيبه المدرس:
-أنا هو مدرس صالح.
أبو صالح:
-الذي يضربه بالعصا في الفصل؟
يعتقد المدرس أن باب النقاش قد سد الآن، وإذا بصالح يقول:
-أبي، لقد جاء لكي يحل مشكلتك.
فيرد الأب:
-مشكلتي، يا ولد؟ وما مشكلتي يا أستاذ؟
يجيبه المدرس:
-أنت تعرف مشكلتك سيد وائل، وجراح ابنك تشهد.
يمسك الأب بيد ابنه بشدة ويقول:
-صالح؟ منذ متى وأنت تفتن عنا؟ أهذا جزائي لأني أريد مصلحتك؟! أهذا من شيم الرجال يا ولد؟!
فيقول صالح أخيرا:
-أرجوك، أبي لا تغضب.
يجيبه أبوه:
-يا حسرتي! يا حسرتي!
تجيئ والدة صالح مسرعة وتقول:
-ماذا هناك؟
فيقول زوجها وهو يلهث من شدة الغضب:
-إن ابنك يعمل فتانا يا امرأة!
يخطو المدرس خطوة داخل منزلهم ويقاطعهم بهدوء جاد قائلا:
-أرجوك يا سيد وائل، التوتر يضر بصحتك و...
يدفعه الأب بيديه خارج المنزل ويغلق الباب ويقفله بسرعة. ويقول والغضب في عينيه:
-ماذا أفعل بكما الآن؟! ماذا أفعل؟!
يصيح المدرس من وراء الباب:
-لا تضربهم!
فيذهب أبو صالح إلى الباب ويقول للمدرس بازدراء:
-ولماذا، يا أستاذ؟! أنصحك بأن تخرس لأن هذا الأمر لا يعنيك.
يمشي أبو صالح نحو صالح وأمه، وإذا بباب المنزل يكسر فيدخل رجال الشرطة ومعهم ضابط. ينزل الضابط قبعته. ثم يقول المدرس:
-ولكنه يعني العدالة، يا سيد.