مشاهدة النسخة كاملة : كلُّ الأوطانِ أنُثى .
تمهيـد :
نورة ..
أنا العطشانُ بصبره ِ .. بصمته ِ بأنصافِ الترقبُ وكامل الحنين
أناديك .. يا كامل البلل .. رقيّ على شفاه ِ ندى رد المُنادى يا مدد !
نورة ..
لن يغضبك الدفء المنسَّل إلى رئتاي الباردتين حين يتكور الشخوص الأول
على سـلّة التين التي تنضج في لُجة خديكِ, لن يغضبك أبداً ..!
نورة ..
أيُها الفرح الكاذب في الزمن الكاذب , والفرح الصادق في الزمن الصادق
كيف سرقتي الأشياء من الأشياء ؟
وجعلتي الغمازات محضُّ تجاعيد و تجاعيد ..
كيف جعلتيني أكتبك على تُبغ و شارع , أكتبك على مبسم الحشَّاشين وكؤوس الحانات أحدثك لرِيح القوافل و سواد مقصدّ المُخبرين وصحائف الأمس و مذكرات الأمس كيّ يتأخر كلُّ إعجاب ٍ قادم ..
بدافع كلُّ جمالاً في الأرض, بدافع كلُّ القمم في السماء , بدافع هزُ الكفِ بالكف وتساقط الدعاء بدافع الدم الذي تحجر عندما همَّ وجهكِ عن وجه الهواء , بدافع مقبض الباب الذي هممت بفتحه بين يديكِ عن كلُّ مكان ..
فُضي صبري و اصطباري و ابتهالي الذي ولَّد قبائل الدمعِ والدمع
فُضي حيرتي عن تبغ ِ و خطوتي ..
فُضي سير الماء عن درب ثورتي ..
فُضي عن دمِ كوّريات أسمكِ و بقايا نُوره ِ..
اقتربي وأعفيني عن مسافة الحرص وسورة التينِ و العصر
تأملي جيداً هذه المرّة , ليس في عطري و لا الشامة في صدري
تأملي ..
وحدثيني عن ما وراء لساني, عن قصائدك المهملة خصيصاً..
عن الملهى الذي سوف نثمل ونثمل حتى نبيع أوطان من مخملٍ للعابرين للتّو , للمسافرين , للمراهنين على حياتهم برمية نرد , وللذين يشبهونا في حالات البردِ والمطر ..
حدثيني عن صدى القُبلة , عن شخوصي وشخوصك و إنفجارات الدفء قُبلة بين العينان ليس لأمرٍ طائفي , هو شُكر للعينان التي تلقفتني كسنارة من قاع الأزرق , كيد مدّت برجاء الظّفر , كقطرةٍ من مطر أنتشت بها أرض طيبة لطالما قمحها تثاءب الذبول بين عينا فلاح عشعش القفار في صبرهِ حتى شاخ وأنكسر.
بأسمى الشعبية اقرئي كفيّ .. حظي .. نبضي الذي يتضاءل كالقرويين ..
و أولاً أنتِ ,
سوف يتشربني الخضَّار .. قولي ؟!
بعد ثلاث خطوات في ظمأ وحدتي .. سوف تنادين يا بحر ويكسبني المدد .. قولي ؟!
أنتِ معي وسوف نكبر كلُّ ضحكة .. أليس كذلك ؟! , و يكسوّني الحرير
و يمامةً حكايا صوتك , وتضيعين دروبك كلُّ يوم ويطرق الساعي بابي
ويقول نورة ( وتحدق كل قنايا العطر ) ..
يقول نورة ( و الخمر يطفح على سفح كأس شاعر ) ..
يقول نورة ( و أيادي البنات تُصافح غزّل البنات ) ..
يقول نورة ( والولد الأول بعد صبر سوف يقول : بابا , وتحييا أعياد ) ..
يقول نورة ( وعيد رأس السنة سوف يكون في خصر السنة لأجل أهداب غنّمها النعاس في اليوم التقليدي وكانت فرصة سانحة لعاشقها )
يقول نورة ( و أطفال يفترشون مهد خطاب لزعيمٍ عربي , ويتبولون في سفور لينبض وجع رقابهم لكثر الالتفات من خجّل المارة وليس صراخ الخطاب )
يقول نورة ( وتقتطف الحمضيات من بساتين حيفا وتنفض سمكة من مصيدة صياد في نهر دِجله ) يقول نورة .. ويشهق المذياع بالنّصر .. ويرتل زاهد سورة الفتح .. ويسقط الشخوص رواية كانت سوف تعجبني!
يسلمني الرسالة ويضحك! , هو يعلم برائحة وملامح العشاق لأنه أعتاد على أكل الخُبز كلُّ يوم من يديّ أمه المتجعدة..
يسلمني المكتّوب و يبتسم! , هو يعلم بصبر و انتظار العشاق لأنه أعتاد في كلُّ عيد بأن تكون منضدة العائلة جمعاً غفيراً من لُفافات وردية وجيش ورد ..
ماذا كتبتي , هل فرحاً أو حُزن , هل أعد تابوت ونعش من كلامك , أم أتزّين لعيد و أعد عطّب شخصيتي لأتحضر لسؤال (( من أنت )) يا مُبتهج ..
هل بكيتي وانطفأ قنديل الرب من على مبسمك ..
ولوّحت كل خصلاتك للبلد : عُد يا بلد ..
و ذرفتي المنافي لشاعر ٍ تصفينه فيني سوف يقول قصيدة يصفق لها كل ضوء , بعد أن بكى ذكرى لا شجنّ : يا مواثيق النكسات .. رممي ثقوبك بزناد حشدٍ غاضب , و ياخطيئة مغمورة متلاصقة كأنخاب القادة .. على لّحم الشحاذين والضعاف والكثيرين الذين يفضلون الظِل و الحيط قائلين وصاغرين في سموّ الخوف لعرافة المدينة هل أفواهنا .. أولّ من ترث الخضَّار والسلام
و البُعد عن خط النار ؟
قائلين للسحرة بين أمواج الخوف و الآبديه هل أولادنا لن يكونون ثائرين .. سوف يلَّهون في باقي الخرمس من الكأس الثالث .. وتعج ياقات قمصانهم برائحة الحشيش ( بهمسٍ _ أنهُ خيراً من البارود _ ) , ويلَّوذون في معاصي بيضاء كسؤال باغية عن الشرف ومن حدّ جهاتها لتكون باغية !! لتصرخ البغيّ في تأفف ورماد السجائر يتكور على سُعال رجل الشرف الذي لّعق الاستفهامية بفضيلةٍ بين نهديها , وتصرخ بلا ضجيج كلمات في سكرٍ هيّ في إحاطة من سؤال رجل الشرف , تسترجع دعاوي في مقتبل العمر , تلملم عنوان بريد منزلها الذي أحتضن آخر رسائل الأب وكان آخر خطّ الشرف , وتنظر لصدرهِ لشفتيهِ لسؤاله الذي بقى عالقاً بلا مشبَّك في الهواء , ( أنها لا تنظر للحنان !! كما يتوقع ) و لا تنظر لمأرب مجيئه ( كما تتوقع هيّ بأن هذا حدّس انتظار إجابة ) .. لتقول : أعصرني .. مرَّغ وجهي الثاني منّي .. أعصرني في اتجاهك لن يسقط مني سوى ثمن ليلتك ,و لمبة إنارة لتلهث بجانبها بعد وجدّ من تيه طريق شهوتك وسؤالك .. وأعصر نفسك أمام جميع المرايا و خصوصاً للمرآة التي تزينت بها قبل مجيئك هنا فتّش كمُخبر عن الإنسان المهدور فيك , لن يسقط سوى الفكه التي تحسرت كثيراً لجمعها ودفعها و كلبٍ يشبهك تثاءب وظنّت الإنارة بأنه يلهث من تعبٍ , إذن أنا أشرفُ منكِ في لقاءٍ كهذا تسلمت " ذهباً " ....
وتسلمت أنت بعد ذلك " ذهابا "! .
صفق الحضور .. وعجّ الرخام بطرق الأحذية .. و اهتز مقاعد الخشب الموسكي في نسفّ الإعجاب .. كنت أعدك بأن لا أبتسم للهزَّيل مني لكن ابتسمت بعدّة دوران عيني للحضور ..
و صففت الورق وقصدت أن أتخلى عن ابتسامتي .. لملمت صوت حذاءي و رائحة الورد المهدى و صوت طويّ الرِيق وقليلاً من خصلات شيبي الذي بدا صبياً في عينيّ الجميلة أمامي , في ثنايا الحديث وتساقطت كلُّ حدا عندما أنزلق بين .. خفقة .. و خفقة و لم يبقى حين حملَّني الشارع كمطواة طباخٍ ..
إلا أنتِ يا نورة .. ولون الستائر الذي كان يفضح إعجابي .. أنه يشبه شيئاً .. شيئاً لا يفارقني بحثت حين أتّقول رماداً لبشر بعقول مطفأة تذكرت ديوانك الشعري العامي وكلمة النشر والتوزيع وقصيدة أوبريت ضلعٍ أعوج لكن لا يشبه لُون الستائر , ناجيت الرب للذكرى , ناجيتّه هل هي خصلاتك صاحبة اللون الجديد .. لا ليس هي لأنها ذكرتني فيّ الصيف الماضي بشمس الماضي , هل هو أنفكْ حين يغيضني به الشتاء ويحول لونه أحمراً طفيف لأغضب لأن أحد غيري قد مرّ وجعلكِ زاده .. لا ليس لُون مسّ الشتاء لأنه ذكرني فيّ مرضك بأكتوبر المـاضي كتفاحة في أوائل النضوج طُودت بتهاليل الحرص على الكفّ من أطفال خلقوا في أكتوبر ليثيروا شغباً حول تُفاحة جملّت شمس الصباح قطفها ليس تبغيّ ولا اليابس الذي أضحى بساتين كلأ جودَّك .. ليس شعرك حين تعقدينه كالبدر كمقبض لبوابة عِشتار .. ليس كشعركِ مرَّة أخرى حين تعقدينه لمَّراتٍ عدة أمام المرآة لأحسد النسيم حين يحنّ ويلعب بين أناملك لتنظرين ليّ من خلف المرآة .. من خلف الكحل الذي أمتد في سعادةٍ مفارق أصله على رُكام المئاتم .. ( لتقولين .. ما رأيك ) , لأبتسم مرتان لحديثك والترحيب لحاسة من حواسك .. تنتظرين إجابة تحبينها و أُعيدها جميلة يا نورة .. جميلة كضمة حبات كستناء لطفلة تأخر مضيّ الغروب وقطف النعناع من شجرة المنزل لئلا تنفذ محاولاتها لإدخال الحبات في سلة الجارة المسنّه .. ( لازلت أتذكر ) في رحلتي و تأشيري لسائق الأجرة وطريق عودتي المنسي إلى الفندق ( الذي لن أقول يقع ) لأن كل يخلّو منكِ هو ارتطام .. لم أتوقع أن آنسي تفاصيلك .. أخافُ على اختلافك بيني وبين نفسي .. بين النفس والنفس .. بين ارتفاع ضلوعي وهممت قميصي الضيق .. أخافُ كثيراً يا نورة ! ,
أقف أمام حانة بمقاعد متجعدة أرتطم بها هموم البؤساء .. و أحذية الجنود الثقيلة .. و أعين المتربص على أوراق اليانصيب بين مجازفة وعدّمها
ذهبت للنادل , بل هو ذّهب لي .. فالحقيقة ليس مهم ذلك , الأهم من ذلك بأن الشارع كان ضليع كشيطانٍ متمدد يجرفني للحانة وأنا إنسان بملامح شرّاعية خفيفة , قال النادل في دبلوماسية الجذّب .. هل تحب ؟ .. هل أنت ضابط متقاعد ؟ .. هل شاعر يحمل على يده ثورة وذاته جبل جليد
وحول خصره لهيب المنتظرين ويسحب قضايا كغولٍ قذر يعلَّف لحمٍ فاسد وفي يدّه ورقٍ فاسد مملوء بسعال النحيب ومذياع كقبعة هرّمية واضحة يصدر المذياع صوتاً لرجلٍ يضحك بطريقة شريرة (( هذا ... دمع .. ودم و جراذي يصرخون لقبلةٍ لا أهتم لها ولا هيّ أصفاد تلتهم معاصم الورثه من أهلي لعرشي .. يضحك وبدأ يسعَّل بنكاً ومحفظة وقليلاً من المجازر .. وصوتٍ آخر يخرج بسخريةٍ ليقول : أيقتلك التعب !؟ .. ثم يضحك في علّو ويسعَّل أيضاً .. دماً ومجازر .. والكثير من الأشلاء التي تناثرت فوق المنضدة .. تعالت الأصوات في المذياع وكأن التسجيل لجمعٍ غفير ويقولون بصوتٍ واحد : أنه يكحُ نفطاً .. نفطاً خام .. وملأ تشوهوا يرددون : أيها القاضي .. لم نعتصم .. ولم نحتج .. لم نطالب .. ولم نرتدّ كلُّ الأمر يا ناصف الأمر .. بأن هناك زحام بجانب الحيط .. وسمعنا بالفسيح ما وراء الشمس .. يقتلنا الشط حين تتحرك مدارات المد والجذر ويبقى القمر على سراج لا ينطفئ .. أنه يتضاءل كالإنسان .. رغبتنا قبل الولادة هو الإنسان لكلُّ منا لهذا نعشق القمر الذي يشبهنا .. خطيئتنا في جر الجدب لحقولنا .. لجر العطش في حلوقنا .. في عرض كاسات السراب وتقولون أشربوها شوفاً انسين .. أحكم يا ناصف الأمر يا قاضي نُريد العودة أمام مرأى الشمس .. نعدك سوف نمسح عرّق جبيننا ونقول هذه بركة حاكمُنا .. سوف نكمم من الأفواه نصف الحقيقة وندعى نصفها لنقول هذه ديمقراطية حاكمنا .. سوف نعجنّ الرغيف بأكمله في جوف الظلام .. ونقضم أنصافه في وضح النهار .. والباقي منّه لن نخبأه لمجاعةً سوف ننثره للعامة .. للناس .. لكافة الملأ .. ونقول هذا حاكمنا أطعمنا وسقانا .. أنظروا لأنصاف رغيف يومنّا .. أنظروا للآخر في بهوّ بطونا أكبرت بطونا أيها الناقمين على حسن الحكام .. لم تسمنّ من ريحٍ عاتية وصرصر حقائق مخدّشه .. أنها برَّكات الحاكم .. سوف نقول كلُّ هذا أيها القاضي .. لكن دَّعنا نعود .. وبأيمان مغلظة لن تعتقلونا مرّة أخرى في أحلامنا ونحن في خلوة غير شرعية مع حقنا , فالأحلام سيئة جداً نحنُ نعترف لذلك تلصصنا في وهنٍ من حراس الحاكم .. تقابلنا في خفيةٍ مع حقوقنا .. ضربنا بكفوفنا التي لن تهتز بعد ذلك لغيرك تهليلكم ضربنا على منضدة من غيم كفوفنا .. وكنَّا نشجب من غير علن .. وكنَّا نصرخ من غير صوت .. أحدنا حمل معول بلا رأس و الآخر دلوا ماء ملوث .. والآخر لوحة بيضاء مكتوب عليها بالأبيض : احتجاج أبيض .. و الآخر وهو الذي حرضنا هو الذي يجب أن تسرفوا في نَّحتِ لحمه حمل كلُّ الحق تحت لسانه .. ومكاتيب الحق .. و مشى أمامنا و شريانه مملوء بأحاديث قدسية عن فضلُ البارود لوقت البارود .. و وّقت ساعة
خطبته العصماء لتنفجر أمام مسامعنا .. وخرجنا مسرعين ونسينا بأننا في حلم .. في طريق من غيم .. تهاوينا أخرجنا مظلاَّت الخوف , وتساقطنا على أوراق حراس الحاكم .. في سرعة مُسكنا .. وتماسكنا ليس بالحق , بل تماسكنا بقبضان الخوف .. لم ينتظروا طويلاً حيَّال اعترافنا
قولنا كل شيء .. كل شيء .. بلا لسان الذي أخذوه كعنوان لخطب الحاكم عن ديمقراطية الحديث .. أرجعونا فقط , لنقول أمراً صادقاً لا يعرف الجمع والحشد خبرها .. لنقول شيئاً بمحض إرادتنا .. بالباقي منَّا المهدى لكم فيما بينكم .. قبل أن يهرب وجه شجاعتنا .. قبل أن يتمكن من هدوء
أطرافنا طنين الاحتضار .. نقول بأن الناس الذين هم أمثالنا .. الذين طغوا في أحلامهم .. وثملوا في أحلامهم .. وفي كلُّ مرة ينقذهم سرب البجع أحلموا .. واثملوا من زُبد الشطّ .. وعلقوا القناديل كقلادات .. وتحدثوا علناً وتعسفاً واعصفوا بضعف المارة المتعبون والناس كمزامير السيارات
وقولوا .. نقلاً منّا .. من جروح أحلامنا .. وترميم جرّاح بتمرير وصايا رجال حاكمنا .. بأن ما وراء الشمس في بلاد حكامنا .. يكون الإنسان إنسان .. عاري في العراء .. يسعى سعياً مشكوكاً غير مشكورا .. في أماكنّ بالأصل وعدنا لها بالأصل .. أماكن متشققة تنزفُ صديدا وصراخا
وتضع رؤوسنا سبب اتهامنا .. وتُعصر كيّ يتساقط الحلم السيئ منّها .. أنها لا تتناثر كالزجاج .. ولا يسفّ العظام بعضه ببعض بالألم .. يفرح جلاّد حاكمنا يعيّ بأنها رؤوس ليست خاوية , يعيّ بأنها رؤوس خبيثة تتكسر كل أكاذيب الحكام فيها ككأس ماء , لكن لا يعلم بأنها مملوءة
بالشهور المقضيه و المتبقية من ولاَّدة زوجاتنا , مملوءة بترهاتٍ كثيرة .. كصوت أنثى خدّشت السؤال الأول لها بغنج , مملوءة بأريكة حمراء قاتمة وشُرفة تتسع لاثنان يحملون كاسات قهوة ويقول لها والسماء متكأه على غدٍ أفضل لهما يتحسس على شفاها وتتقلص يداه ويكبر سؤاله وحركة شفاهه أيُّ البنادق شفتاكِ يا سيدتي .. هل ليّ بنخب الذخيرة الأولى .. نخبُ اللحظة التي سوف تقتّل بالخطأ ...
يقضي الصباح وسورة العصر والجلاّد يمارس عاداته , يأكلنا بالألم و نتآكل بالمملوءين منَّهُ , في النهاية يعلّم ويعتذر بعدد كل الألم بعدد أزيز الذي ينخر أجسادنا ومفاصلنّا .. يعتذر ونلملم أرقام رحلتنا .. ومذاق الحساء .. والمذكرات التي كتبها البعض على أوراق قضاء الحاجة التي خشى عليها كاتبيها أكثر من خشيتهم سريان الدم الذي تحول فيما بعد على أنصال وشظايا سببُها الترفيه,الذي طالما تحول لهم لمبردة خشب وهشم الدم في الدم , لملمنا أنفسنا كآخر الأشياء وهذا قانون الرحلة بأن أنفسنا يجب تكون آخر الاهتمامات .. أو تعلمنا ذلك .. لا أعلم !! سردنا خطواتنا وصلنا أخيراً بعد باع ٍ و أمتار من الأوامر والصراخ إلى هذا القاضي .. الذي أفتتح محاكمته بابتسامة .. معلن عن دستور ويذَّكر النقاط بالنقاط تلَّفت بالمحكمة .. ابحث عن سبب وجيهاً وغير وجيه لإصطناع القاضي .. لا أغراب في المحكمة .. كراسي تساقطت أذرعتها فنلتقطها جنود كثيرين يتسيدهم كبيرهم هو مألوف من خلال ضجة القلادات على هنّدامه .. يرمقنا بحرص .. أنه مثيرا للضحك وليس الشفقة كما القاضي وليس الشفقة وحدّها , بل النظر إليه كما القراءة في دفتر الشفقة ! ..
ما دواعيّ حرصه .. نحنُ أربعة وخامسنا جرحي .. نلبس على أجسادنا لنّ نقول نلبس بل نعبث على أجسادنا بهندمات رخيصة نسمع في منامتنا طويلة الوجع وقصيرة اللذة صوّت أطراف من سبقونا في العبث بِهم, نسمع قلب ينبض بسرعة كجيش فرّ من معركة .. لماذا يحرص في الشخوص وعيناه التي لم تبكي , و يديهِ التي مكثت أعواماً وأعوام تقبض ولا تصافح , التي مكثت لتهزّ أكتافٍ كثيرة, أيادي في ملامحها لا تعرف الشفقة و أحزن كثيراً حين يذبل الورد فيّها,حتى وأن أصر على لُغة أخرى في المضيّ لن يقطف الكرز و التوت كما نقطفه , سوف يقطف وعناقيد الثمار لن تتزحزح من جمعّها , لطالما قرأت بأن الورد نقطفه بإحساسنا ,
و عناقيد الثمار بماضينا , وأنا أحزّن لك , وصفة الحُزن لم تنبلج فطرياً لكن التعايش مع الوحدة يجعلك هشّاً , لطالما صففت أحجار مكانيّ ورممت ثقوب الجدار الكهّل و اقتضيت من حِساء يوم الاثنين لأطلي به تقشرّات قضبان الحديد,فهو يحزنني أن أرى الحرية من خلف نافذة حديد مشوهه,أريده جميلاً .. كمّا المطلب. لم ينتهي القاضي من قراءة الدستور للفراغات المملوءة بالهواء , لأنه لم يعد مهماً بالنسبة لنا بعد أن ذقنا هوامش دستور حكامنا, حتى أصدقائي أحدهم بدأ يعبث بقدمه الذي يحملها طفلاً في اليوم الثالث من عمرّه, وآخر يُسرح إنصاته بتعديل جلُوسه ,و الأخير منّا منصت هو مجبوراً على ذلك لأنه حدثني في الممر قائلاً: لن يزيدوا مكوثيّ .. لن أحلم .. لن يعتقلوني كأول مرَّة.
انتهى القاضي من الدستور الذي ظننت بأنه أطول من مُدة مكوثيّ, وحمدت ألله كثيراً بأن لم أكن مسجوناً بين خطابٍ كهذا,خلف الكذبة التي تجدَّل الكذبة خلف التزييف مصاحب التزييف,حمدتُ ألله وكانت هذه المرة الأولى الذي يتلوا خيراً شراً,وحسبتُ ترقبي خيراً.
وحين قُدمت الأدلة والبراهين ومحضر الحلم وعلموا بأن هذه ليست سابقةٍ ليّ,وقصوّا لي من يجب أن أكون, وحملوا مرآة كيّ أخاطبُ نفسي منافياً ...
فأصبحتُ أردد قسّم الحاكم : من أنت !؟ .. لا أعرفك .. أنت الشيطان .. خليطاً من ألم ورجلاٌ شريف .. من أنت !؟ .. لا أعرفك .. أنت سقوط .. أنت جذَّع أثل .. خليطاً من إصرار فأس ولّهب الحطب .. من أنت !؟ .. لا أعرفك .. أنت زنديق .. خليطاً من رهبانية مريم العذراء ولوحة العشاء لأخير .. من أنت !؟ .. لا أعرفك .. أنت إرهابي .. خليطاً من رغيف نوويّ و قصائد عنقودية .. من أنت !؟ .. لا أعرفك .. أنت كامل العبء .. خليطاً من سكارى لا يدفعون مديونيتهم التي يطالب بها نادل الحانة وساذج لم يحذر من فتاة بيضاء استدرجت غلّو احتفاءه بها وشق عباب نهرها الحيّ بعصّا طيشها فغرق .. من أنت !؟ لا أعرفك ..انتهى القسم وتصحرّت بالداخل .. خرجت مهرولاً , خرجت مسرعاً لأول مرة خطواتي تتقدم كمسافة هكذا , في سيرٍ قصيراً كمسافة ..(حتّى)
وأتعب ويتدلى لساني الذي اكتسى باللون الشحوّب,خرجت وكلُّ تفكيري في مهبّ الريح, خرجت كأول مرة طائشاً كقدّ خيمة لم تعضّ عليها أوتاد الرحالة جيداً ويظفر بها حضن الريح الذي شاخّ من وحدته, خرجت ولم أفكر في نساء يجابهون القمر على مرأى القمر بقصائد عن الجمال ولم أفكر في أُمي الذي يلتهب قميصها مع رائحة البُرتقال , لتخبأ لي في ساعة نضوجه قليلاً منه,لتنزوي في هدوءٍ لا يتقنه سوى الأمهات تقترب أنها رائحة الطمأنينة .. وليسقط الترقب .. فليسقط الخوف .. في هتافٍ أطبعه على الورق , أتأمل الباب .. يظهر صوت فاضحاً الهدوء أتجاهل بتعمد , اثبت المفاجئة .. الأمهات لا يقابلونا باللهب .. لا يقابلونا بالشرّ أبداً .. ينفتح الباب وفي أيدي أُمي البرتقال الذي قرّبته بين عينيه تقربه ليّ وأمازح ملامحها المتجعدة .. ملامحها المستكينة كغفوة النوارس على موانئ العودة والعودة .. الموانئ التي لا يوجد فيها مركباً راحلاً هكذا هيّ ملامح أمي لم أتذكر أيُّ رحيلٍ حين أراها !
حين هممت للخروج .. لاقتناء مظلة تعفيني من صحوّ الشمس وما وراءها .. عاهدت نفسي أن أنظر باتجاه تكامل سذاجتي .. سوف أنظر لحقول الشاي .. لا مزيد من الحديث عن الثورة والتضحية .. لن أشعر بإخواني حين يقتلون خوفاً من أن تتحول كوريات دمي لقنابل عنقودية .. وضلوعي ثكنة لقنّاص .. عاهدت نفسي على ذلك ..سوف أتجه للمنزل ولن أُبالي بلهفة من حولي .. لن أتظاهر بالشوق أبداً كي تتحول أشواقهم كحديث أبٍ عاتب ولدهُ الضّال الذي أصبح ينام خارج البيت .. أُعد حقيبتي لرحلة قصيرة .. أحمل جسدي و ملاَّبسي كحقائب لهذه الرحلة .. أتنفس بتبغي شهيقي رماداً وزفيري لهب .. وأرى من عينُ حذائي .. وأعد خطواتي بعدد مربعات الأرصفة أنها تُلهي قليلاً .. وأقصد الحانة وأصرخ بالنادل ليغضب ويضربني .. ويصرفني منّ التفكير .. أريد أن أثمل حتى يتحول عقلي كفكه لِقمار .. و أصافح بصدأ كفيّ الأغبياء .. وأحكي لهم عن الحيل الرخيصة .. وألعب الضومنة لأجل الخسارة .. وأستمع لقصة حذاء سندريلا وأهتف كلُّ مرةٍ يصف بها الحكّواتي سندريلا ... في اللا نهاية من يومي البارد ولوني البارد .. وحين تأوي العصافير لأعشاشهم .. وحين يندلق الثملين إلى عتّبات أبوابهم ممسكين بمفاتيح أبوابهم بالمقلوب .. و السٌعال من أفواههم بعد أن صرخوا من خلف أبوابهم على زوجاتهم وشتموهم ككلُّ مرة ومت هيمنهم بتبديل قفل الأبواب , الذي سهروا طويلاً للعبة الشطرنج يطوون تأملهم برتابةٍ ودائماً كنت معجب فيهم فهم لا يسرفون بالشرب و في طيّهم ونشر تأملهم حس جميل و من الوهلة أشعر بأنهم ناجحين في كل شيء لتِّكات الساعة لهم ثمناً .. يشربون القهوة و يقرؤون أبراجهم ويصدقونها إلا في حظهم باللعبة .. أنيّقين جداً حتى ياقات بزّاتهم رسماً شاعرياً كجناحي طائر الفلامنجو وناجحين في حياتهم العاطفية فلا أرى شخصاً منهم لا يحمل خاتم كتعبير مجازي لارتباط و وردة مرّتبه كجلسة إمرأه في لقاءها الأول حتّى وإن قال لي أحدهم ذات مرَّة بأن الوردة الحمراء لا تُعيد حُباً .. ولا ثبات الخاتم في أحدى الأنامل قادر على عصمك من خيانة أمراه واحدة , تخلوا الحانة من الضوضاء المألوف و لا يبقى إلا من يكون الخمر .. ربع متعتهم .. في آخر المقاعد حين تتضاءل العتمة يجلس شخص مثقف .. لا أعرفه لكن هو يتجسد ذلك حتماً .. سترته الرمادية التي يتدلى من جيبها نوتة هواتف من خلال حجمها كما أظـن وعلى المنضدة الطلَّب الذي أعتاد أن يطلبه كما اذكر .. قهوة بالحليب .. ويسكي مركزّ في كأسٍ صغير .. وقطعة ليمون وآنية بها ملحٍ قليل ومطفأة يتصاعد من جوَّفها خيطُ دخان وسيجارة متكأه تحذوا بحذو ملامحه حين يقرأ, هو يقرأ كتاباً صغيراً غلاَّفه الخارجي لا يغري للقراءة كما لو أنه كتاب ديني .. يقرأ دائماً وحين يمهد الهواء لرعشة يداه إلى كأس الخمر .. ويشرب في نهمٍ .. وكأنه يشرب زرنيخاً تموت ملامحه فيّ ملامحه ويبقى زجاج نظارته ساكناً لا ينكمّش كباقي ملامحه .. ويسف بعد ذلك بسرعةٍ الملح ويتذوق قطعة الليمون ليتزن الضغط من نبض دماءه .. مُردداً قولاً مسموع ( وحين يمرضُ الوفاءُ و الفناءُ و الفداء .. حين تنطفئ النجوم في كبّد السماء .. ويهجر الحمَّام قُبب المزارات ومسارح الغناء .. سوف تضيء كلُّ المنافي ويهتم الرِيح لرُكام الخراب .. سوف يعود وطني في ليل وطني .. ويصحا النخيل من نعاسٍ طويل الأمد وينبت على كفوف الأطفال الأوركيد والبلح .. ويعود وطني كإضافةُ نبضاً للأرض .. ولن أقرأ ; سوف أقرأ وجهُ وطني وأرسم على ذراعه باب .. من يطرقهُ يدخل فهو آمن )
ثم يعاود في قراءة حادةً جداً, وكأن نوافذ الملهى تقرأ معه هي الأخرى تُمرر ضوء الأنارات البلهاء ليعكس الجانب الآخر منّه الذي لم يكن مغرياً للحديث والتأمل له طويل,سوى رقعة مركونة على السترة .. في هذا الأثناء يحنُ عليَّ نادل الملهى , هز يدي التي تمسك القدّاحة .. ألتفت في استفهام ٍ ؟ .. وهو ممسك بطرف رداءه الأبيض وكأنه يعجنّ الكأس
الذي بين يديه مدخلاً طرف رداءة فيه ومخرّجه ثم ينظر لقعر الكأس ويسنده بالأسفل .. النادل كان وسيماً صاحب ذقن فوضوي و لا يحمل عبء في عيناه وغير هذا أنه يعرف كما تعرف كؤوس الملهى و طاولاته بشأن الإنسان المهدور في مرتاديّ هذا المكان, الذي يأتون ويدخلون بلطف كبير وكأن المكان أُعد لمؤتمر دوليّ , ويعلقون معاطفهم بكافة ألوانها في المكان المخصص لذلك , لكن يتبدل ذلك عن الخروج فقد تجد حذاء لا قـدم في باحة الملهى وتجد أيضا شفاه بلا كأس و قوالب الثلج الذي بدأ خشب الأرضية يتشربها بكامل رّقة الكيميائيين , وقبعات وصوت غناء أغنية لعدةٍ أفواه, وكما يقول النادل ليّ .. الملهى ليس مكاناً فاسداً كما يظن البعض .. أنه بالحقيقة السلم الذي يوصل لبهوّ الضمائر , لن تجد أحد متصنعاً مخطئة كلُّ العقول التي تظن بأنه مكانٍ فاسد . النادل يقتحم الممرات الضيقة بين المقاعد , بين الأكواع التي بدت نافرة وأجساد أصحابها في سباتٍ كامل, يبدأ بضم كل الكؤوس والأوراق وأحياناً
قطع من أقمشة فساتين سيدات, وأبر مورفين وإنّ وجد صاحبها يبدأ بالصراخ عليه مؤكداً في حال تكرارها سوف يبلغ الأمن, وفي ضحكة هذا النادل عندما يصرخ على أحدهم متوجهاً بملامحه ليّ كأنه يقول : أنا سعيد .. لم يعد مكاناً آمن .. للأشخاص الحقيقيين سوى هذا الملهى!
قال لي النادل بعد ذلك تستطيع أن تسمع أغنيةٍ ما في آلة البشتخته * فذهبت بالقرب منّها وكأني قصيدة تكسرت أوزانها بفاه قائلها في لحظة جلوسي , ضحك النادل وأعطاني الاسطوانة .. بدالته بالابتسامة التي ذهبت سريعاً, فالحقيقة لم اريد أن أسمع شيئاً, حملت إبرة الآلة وضعت في أسفلها رأسي ماهية الأغنية التي سوف تخرج من رأسي !؟ .. ريح وأتسع لحنّ العبور .. ماذا يمكن أن يكون مزاج عليه حالاً .. برودة !؟ ويتسع لحنّ الشتاء .. جعلت الإبرة على شفاه ِ .. وثقبت شفاه ِ .. وخرج دمي وغنّت دمي .. أنِ أعرف هذا اللحن والمذَّاق ليس جميلاً لكن يذكرني بشيءٍ .. نعم أنه يذكرني بالمرآة .. و من أنت !؟ .. لا أعرفك .. أنت مشبوه .. أنا خليط بين ثورة زُرعت في فنّاء بيتي وكبرت حتى كانت سلاح ٍ متحرر وخطّاب شاعر قال .. بشرّ .. بشر من علَّت على شبابيك منازلهم صوتٍ حشد طمأن على جثمان شهيد عيدُ آتيهً حين يخجل صفاءُ النهر من موطأ قدميه .. يخجّل ويطوق قدميه بتقاسيم ماءٍ ويعيشُ رغدُ الغدّ بعيد عن وحلٍ ويكون في حّلٍ بمنزلةٍ لا سقفاً فيها و لا غيَّاً ..
يذّكرني .. حين أرى نفسي ممسكاً بكتفيّ صديقي في طابورٍ قصير للخروج .. أنا عدّت أدراجي .. سوف أخرج وأتمنى أن يكون الملهى كمَّا تركته
في حلمي .. أتمنى ذلك !..
أنتظر .. خرج صديقي الأول .. والثاني الذي طبطب على رأسه المخبر قائلاً أتعرف من أنت !؟ .. وسرد صديقي القسم المحفوف بالغلو والأكاذيب جاء دور تقدمي, تقدمت ولم أحسب هذه المرّة خطواتي .. نظرت للمخبر وأسأل نفسي هل هذه المرَّة التي أراها في هذا الرجل ؟ .. هذا المكان ؟ .. هذا الادعاء ..؟ والقسم الذي أكد لي بأن الحكام هم أطفال يُعجبون بمسارح الدمى طالما لا تقول شيئاً وتضحك دائماً والأهم من ذلك إرادية التصرف.
لم أكنّ مختلف كصديقي , سألني المخبر .. من أنت !؟ .. قُلت والحياة تتقلص أماني .. هذا هو الباب أمامي .. لا يفصلني عنه حتى مسافة تجربة الخطوة بحذاءٍ جديد .. أنا .. المؤمن .. خليطاً بين إمام ٍ قرأ سورة التوبة لعدة مرّات في ركعةٍ واحدة و مأموم بكى في كلما مرَّة سمعها بدموعٍ
جديدة .. وبدمٍ ينفر في الشريان .. كنفور فوهة بركان خامد .. اهتز المكان والدرب .. تناثرت الأشياء على الأشياء .. مزّق الجدار بعضه لبعض .. وأنحسر السقوط على هذا الباب .. الباب الذي أظنُه الخروج.
مات المشوهوّن بعد عصفٍ من الكلام, يستنشق الرجل الهواء .. وأصوات طرق أحذية وكأنهم يبددون وقوفهم خلف هذا الرجل بقليلٍ من المساعدة يتحدث الرجل أخيراً ويقول بعد كاد أن يتحول الضِحك إلى موت .. يخرجُ أنفاسه بصوتٍ .. ويكفف ذلك صديقه بقوله : هل تشعر أنك بخير .. يطلق الرجل ضحكة بعد أن تنفاخت ريش الحضور خوفاً من هدر لهكذا نفط ,بدأ الرجل يستعد ورتب الكلام سريعاً وقال بأنه : محضُ عالق!.
توقف النادل أخيراً و وجدني أنظر , ونظر ليديه ولم يجد إلا قلمه و ورقة كان يهم بكتابة ما أطلبه .. أعتذر سريعاً,وكرر ذلك مراراً وتكراراً قلتُ لا بأس و أن رأيت هذا الشاعر مرّة أخرى حملَّهُ صوت تصفيقي وقول بأن هناك أُناس تبوح أجسادهم بحرارة مخازنّ البنادق .. يحملون أوطان في دفتيّ كتاب و تستشعر من أناملهم نبض قلوبهم .. أنهم بسطاء .. ليس شعراء قليلاً من يقظة الصيف ومحامل الجد .. والبعض منهم يُكفن شفتيه ويحسر حديثه في ورّق شام لا يسقط ! ..
ضحك النادل وهذه المرَّة .. ليس خدِاعاً .. وقال : ما طلُبك سيدي إذنْ !؟
قلت وماهو ذوقك حين يتكأ على مقعدك رجل بقلبٍ جيد ويذكر مع كل حفيف لصوت ثرثرة المزاريب حين تحمل المطر .. للمجرى .. الذي بدوره يصافح أوراق شجرة الدّلب وأيادي الأطفال وإطارات السيارات بكافة طيشها .. ويُرَّكل بقدمٍ صغيرة تلّهو فوق أرجوحة ليبلل فراشة ويؤجل موتها ليوم ٍ آخر !؟
.. سجل وقال دقائق ومضى !
لا أعلم ماذا سوف يُحضر .. ربما يقطف قوس قزح الذي بدأ في هذا الصباح كحلوى .. أو قد يُحيك ليّ طوقاً من اعترافات نسوةً في الحب في الرجال .. ويفصّل اعترافات النسوة في الطوق .. بالحديث حين يكتمل قائلين من سمعوا هذا السبق : أحبُكِ يا شقية.
حضر النادل و أزاح الورق الذي كان زورقاً في نفح الرِيح, أنزل كأس ماء الورد .. وفنجان من قهوة بلا مذاق , .. نعم بلا مذاق وألتفت إليّ وقال ألا تعشق كما تقول !؟ .. ألا تحب !؟ .. وتصغ اتجاهات رحلتك ورق وتِكات الساعة قلماً وتكتب على متنّ الشمال حُبك كحضارة , وتكتب على متن الشرق حبك كملأ .. وتكتب على متن الغرب حبك كغربة .. وتكتب على متن الجنوب حبك كسفح يتدرج على صدره خضَّار .. وخضَّار!
إذن .. أشرب قهوتك وأسند اتجاهك ليمتد مدى مداك ..
لم أتفوه بكلمه جلست وغرست اتجاهاتي الأربع, وليس محضُ إعجاز .. إذا تقدمت لعشق أحدهم فسوق تعشق الجمال, لم يكن فنجانِ تقليدياً في ذريعة سواده,تذوقت أشياء كثيرة كحكايات الشتاء وترنيمة مطر الصيف الماضي .. ( حاصرت الحنين ) شربت كل الأشياء أمامي بمذاقها المُر والحلو والتائه كانتظار السيدة التي أمامي بكامل حُلتها تقف .. ويقف المطر وتتقافز القطرات كيد متشرد من سترُه إلى أخرى تتقافز لتربط على المضي منها بغمازة
هذه السيدة التي تعجن غمازتها كلما قفز وهي لا تعلم بأنه تحضنه .. تمسح بكأس كفها ماء المطر .. وكأن المطر يقول من الندم أن لا تتبلل هذه السيدة , تشرَّبت عينيها ظلام موجع .. تنام في وفرة جمالها فيّ صخبهِ .. فتاة بلا مرآة .. وجهها يعكس في الجوامد فيّ منزلها و زجاجات المحلات وأعين القط الأليفة والمتشردة منها لكن في هذا الانتظار .. تنتظر ويختبأ إغفاءة المشمش من على خديها .. تنتظر وحزنت كثيراً عندما علمت بأن الانتظار هو الوحيد الذي لايعكس من جمالها سوى الشحوّب وليل مسبل , .
وتذوقت موقف الصبي الذي يطرق ساعته بغضب,يطرق ساعته وكأنه يريد أن تسبق الساعة مسلّمات الصباح فهو ينظر للسماء من نافذة براءة منطفئة,يُحايلها يشير للغيم يجري به إلى مجموعة غيم,ويعود يطرق ساعته ولا يثير انتباه سرب الحمام حين يعدوا بأملٍ من فوق رأسه, صبي بهموم صغيرة كما لو أنه يربيها لتشيب حين يكبر..
ألوذ بفنجانِ نحوّ الحنين .. نحو منتصف الليل .. نحو حشد من رملٍ وحجر حاملين لافتات من نخيل وسعف,يشقُ الحشد سفينة من جَمَل ومجاديف من عسف , هناك حنيني حين ينزلق البلح إلى سلَّة الفلاح , إلى المقاهي الشعبية .. إلى الأشخاص الذي يسهر في عقولهم قصص الرَّحال و أياديهم من صبَّارٍ أزدهر .. يشربون قصصهم .. يضربون على أكتاف الوقت كطفلٍ يافع لينامُ في غُر الليل .. يذهبون متزاحمين في الضحكة و اللقاء وقبل ذلك يجعلون لصاحب المقهى بخشيشاً للخدمة .. ثلاث أوراق من الزيزفون وعذق .
سوف أسير على شفاه الصحاري و أنظر الليل كما توقعت هادئ يعقد على ضفائره نجمات,ويتزين بقمر .. في الحقيقة كلما رأيت الليل يتزين بتسريحّة الظلام , أعرف بأن نورة لازالت تغفي على سريرها و تكوّن شفتاها حين تهملها مضيق يهذي ورداً !
انطوت قهوتي في ريقي , وبقى منها قليلاً في قاع الفنجان !..
تذكرت أخيراً .. بأن هذه الحكايات هي التي تشبه لون ستائر القاعة الذي ذكرني في تعبك وتكون أيضاً لثغة النطق من فمكِ .. نضال وحرب أدّت قسمها لساعة الصفر.
أنثى الحرير
30-10-2009, 11:20 AM
نورٌ قدٌ من رَحِم نورْ..
والأنثى تقبع بين كل الإتجاهاتْ ونزيد خامسة!
متهم! كنت هنـآ أرقب الـ نورهـ
~ حزنٌ مُباحْ ~
30-10-2009, 08:01 PM
ماراثونٌ نصّي
أنا لا أنسى من قرأتُ لهم ذاتَ يوم
في جملةِ مواقع أدبية
الآنَ عرفتك
الآنَ حصحص الحق !
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026, TranZ by Almuhajir