يوسف ماجد
14-03-2010, 08:37 PM
انفجار في رأسي --قضيتي كإنسان
مقدمة
أكتب واقعي وإحساسي على هذا الحاسوب الوحيد. حاسوب جاهل ويعرف عني كل شيء. كل شيء؟ يعرف عني كل شيء. "يا الله!" ليتني أصرخ بهذا اللفظ وأمده إلى أن أموت من صرختي بشكل ما؛ كي أموت على كلمة التوحيد العظمى؛ إن لم يكن ذاك انتحارا مهلكا. يا لمصيبتي. حاسوب سخيف يعرف عني كل شيء وسيشهد علي كما ستشهد جوارحي علي يوم لا ينفع مال ولا بنون. تشهد علي جوارحي كي تهلكني وتتقطع هي وتتحلل في نار لا تبقي ولا تذر. ثم ترجع الأشلاء جسدا واحدا. وتبقى هكذا في دائرة مغلقة إلى ما لانهاية. "اللانهاية" كلمة عجيبة تدعو التفكير إلى الإلحاد والكفر والفسوق والعصيان والشر عامة؛ إذا سمحت لي أن أقول ذلك أيها القارئ لواقعي وإحساسي.
ومع ذلك: أحمد الله على نعمة العقل وبساطته، و الجهل وعواقبه الحلوة المرة. وأحمده على كل نعمة لا تؤدي إلى الجنون؛ فإن المرئ إذا جن ما حمد إلهه حق حمده، نسبيا. أحمده ثم أحمده. يا الله، يا الله.
إذا انفجر رأسي يوما؛ إذا جاء ذلك اليوم... لا أعرف. (ولكني أتمنى لو كان بقدرتي أن أكتب مثل تلك النقاط الثلاثة خمسين ألف صفحة ثم أكتب "لا أعرف")
ولكن هذا الإحساس اقترب جدا جدا؛ وأحسست بالانفجار في رأسي مثل بركان قديم ضخم وعلى وشك أن يدعوني إلى الجنون. فكرت قليلا وأوقفت ذلك البركان ونصحت نفسي أن أكتب هذا الكلام. وشجعني أبي وأعطاني تعليمات كي أكتب على أساسها هذا النص. وذاك في بداية التاسع من مارس في ألفين وعشرة، في الكويت.
وكتبت هذه المقدمة دون علمه في البداية. لكنه رضي بها.
الجزء الأول
الإسلام. على الفطرة. ولدت مسلما. أبي وأمي مسلمان وأختي ولدت مسلمة. وجاء من بعدي أخ كان عزيزا على قلبي، قلبي المريض، وكنت أحب أخي وعرفته قليلا، للأسف، وقد ولد مسلما؛ ولد على الفطرة.
(ليتني فهمت وجهة نظره عن الحياة، ليتني. وفات الأوان في تلك الليلة، وأشرق قلبي. ولم أبك كما كان ينبغي علي؛لأني لم أع أو أفهم الواقع، الذي تمنيته قبل خبر وفاته لسبب تافه، إلا بعد شهر أو أكثر. لم أزر قبره الموجود في مصر إلى هذه اللحظة. ولكني أعرف أني سأبكي إذا ذهبت هناك. باختصار شديد: كنت أريد أن يموت لكي تؤجل امتحاناتي في الجامعة. طرأت علي تلك الفكرة ولم أمنعها. تمنيتها وتحققت أمنيتي، وظننت أنني السبب. مع أن جدتي قالت لي لاحقا أنني لست سبب وفاة أخي، وإن كنت لم أقل لها شيئا عن ذلك. أنا لا أتذكر آخر ما قاله لي أخي.)
إلا غضب الأم...ولكن:
أود أن أبدأ بأخي لأني أتناساه لسبب أساسي --الإسلام. كنت أحبه كبشر، كأخ نصوح، كمستمع جيد لقصصي وشعري، كمكافح لمرض دام في جسده منذ أن خلق في بطن أمي؛ لكن كان علي أن لا أحبه أو أقدره كمسلم. لا أزعم أني أنا مسلم أو مؤمن حقا، ومع ذلك أستطيع أن أقول أني أعرف ديني إلى حد ما. لكني غبي. حتى أني، من غبائي، بعد سماع خبر وفاة أخي؛ قلت لأمي أني خائف عليه وأننا جميعا من المفروض أن لا ندعو له اتباعا للقرآن والسنة. غضبت أمي غضبا لا زلت أشعر به إلى اليوم. لم أكن صغيرا، كنت قد تجاوزت العشرين يومها.
الصاخة:
- لا تؤاخذني، لكنك قد خسرت أخاك.
قال لي شيخي وهو يصادقني القول.
ونظرت إلى الأرض:
في يوم ما لاحقا، لبست لباس الإسلام ومشيت إلى مسجد شيخي.
الإنسان الذي عرف أن الحياة ليست كما تصورتها أنا وقرر أن يساعدني في رفع فكري إلى مستواه. علمني الكثير، مثلما علمني والداي الكثير، ونُسّيت الكثير من كلام ربي الذي حاول شيخي شرحه لي مرارا حتى أنه كان يفقد أعصابه قليلا بسبب قلة انتباهي.
(أذكر في مرة أنه ضرب صدري بيده في يوم من الأيام تأنيبا لي لأنني لم أفهمه بسرعة، وكان يحثني على الدراسة الجامعية)
تناسيت نصائح والداي وشيخي والناس عامة. لكني ذهبت إلى شيخي بلباسي الإسلامي الذي لا أمتلك واحدا مثله في خزانتي الغربية.
ذهبت إلى شيخي وأنا أحسب نفسي مؤمنا حقا. صليت وراءه ثم تبعته إلى حجرة مكتوب على جدارها "سكن المؤذن" الموجود في ساحة المسجد. كنت أصغي إليه أحيانا، وأسمعه أحيانا أخرى. أصمت إذا تكلم احتراما له، ثم أناقضه إذا ما خلعت لباسي الإسلامي ولبست لباسي الذي اعتدت عليه منذ أن وعيت. أناقضه مع أني أعرف وأقول أن الله يراني كما يعرف ويقول ذلك كل المسلمين. ولكني لا أكثر من القول بأن الله غفور رحيم لأني أذكر معها أنه شديد العقاب.
جلسنا أنا وشيخي في تلك الغرفة، ولاحقا اعترفت له ببعض ذنوبي. الموسيقى والمسرح. نصحني أن أجتنبهما لأنهما حرام.
وبعد فترة قال لي أن لا أتضايق من قوله، وأني قد فقدت أخا، وأني أنا الأمل الوحيد في هداية عائلتي.
نظرت إلى الأرض. بكيت قليلا. وقال لي: ابك...ابك. فبكيت. ثم احتضنني. ثم قال لي: اغسل وجهك، فغسلته. (وكأن دموعي كانت حراما أو خطئا.) قال لي: أنت رجل طيب ومرهف الإحساس. وقال لي: لا تضعف ما دمت على طريق الحق. خرجت من عنده بإيماني المتزعزع.
"وخلق الإنسان ضعيفا"
في مرحلة ما قبل التدين:
قالت أمي:
-صل يا حبيبي. صل ولو مرة في اليوم. اقرأ ولو صفحة من القرآن على الأقل.
-ليس الآن، ماما.
-كما تشاء، حبيبي.
لا أصلي:
كنت طيبا ولكن لا أصلي؛ كنت ناجحا ولكن لا أصلي؛ كنت بارّا بوالداي ولكن لا أصلي. كل شيء فيّ ولكني ناقص. كنت في قرارة نفسي أريد أن أكون من الناقصين، لاعتقادي بأنني إذا تدينت سوف أفقد من طيبتي، نوعا ما، ومن نجاحي ومن بِرّي ومن أحلامي كُلما تعمقت في ديني. ومع أني كنت أعرف أن هذه الفكرة سخيفة وغير منطقية وتحتاج إلى دليل قوي كي أثبتها؛ إلا أنني أحسب نفسي غبيّا، بل غبيا جدا أحيانا.
جاء اليوم الموعود:
أعطاني ابن خالتي، العزيزة على قلبي، هدية في يوم ميلادي الخامس عشر.
"إصلاح القلوب" للأستاذ عمرو خالد.
وتقبلتها من ابن خالتي بوجه طلق، دون علمي بأن يوم ميلادي ذاك سيكون الفاصل بين عمري الضائع و ما أسميه "بداية عمري الجديد”. أول شريط ديني سمعته كان عن الإخلاص، ولم أنس تلك الكلمة إلى الآن. وصار يوم ميلادي الخامس عشر وكأنه يوم ولادتي. شعرت وكأني خرجت من رحم الظلام إلى نور الحق المبين.
أحبك أبي...ولكن:
قال لي أبي:
-ماذا تفعل؟
توقفت عن التأمين وأنزلت يداي وقلت:
-أنا آسف.
-لماذا تبكي؟ صوتك قد أزعجنا. أنزل تلك السماعات عن رأسك وكلمني.
-آسف، بابا كنت أسمع محاضرة.
تأفأف أبي وأغلق الباب.
أذكر يوما:
كنا قد انتقلنا إلى عمارة جديدة في الجابرية.
في يوم لعبت مع ولد في ساحة العمارة. وقلت له قبل أن أعرف اسمه:
-لماذا لا تصلي؟
لم يعطني سببا، فاسترسلت وقلت:
-صل...! ما دمت مع الله وتعرف أنك على حق فلا تكترث بما يقوله الغير عنك. لا تخف من أحد إلا الله.
وفي اليوم التالي كان معي يصلي الظهر في جماعة.
أذكر، عندما رأيته وأخوه أيضا يصليان، أني ابتسمت من كل قلبي، وأذكر عندما رآني أحد أصدقائي متبسما ففعل مثلي بنوع من الاستهزاء. (لا زلت أذكر لنظرته لسبب ما)
أحيانا:
عندما كنا في العمارة، كنت أنظف ساحة المسجد الذي كان لا يبعد عنا أكثر من دقيقتين. أنا وصديقي الجديد الذي اهتدى على يداي. نضع أكياسا بلاستيكية على أيدينا وننظف الساحة من القمامة التي كان يلقيها الناس. (الكسالى المستهترين)
وفي يوم طُلبنا واعترض علينا شيخ ذلك المسجد فتوقفنا عن تنظيف الساحة انصياعا لقوانين الأوقاف.
(لم أكن أحب طريقة تعامل شيخ ذلك المسجد معي. في مرة حاولت أن أعطيه بعض الحلوى وكتابا صغيرا فقال لي: أتعطيني بواقي طعامكم؟ وما هذا الكتاب؟ عندي مجلدات، بل مكتبة في البيت عن هذا الموضوع.)
أتذكر:
في أيام المدرسة كان لدي صاحب وكنت أعزه نوعا ما هو وصديقه الباكستاني. كانا دائما معا وكنت معهما، أقلدهما؛ وذاك قبل أن أتدين. إذا ضحكا ضحكت، وإذا فعلا فعلت. وكانا يحبان صحبتي. بعد أن جاء وانقضى ذلك اليوم الموعود، قال لي ذلك الصاحب أنه لا يريد صحبتي. سألته فقال لي أني تغيرت.
(وتذكرت حينها خبرا قاله ذلك الصديق الباكستاني. قال لنا بأنه قد وطأ خادمة بيتهم وأقسم لنا بذلك.
خاصمه صاحبي ثلاث أيام بلياليها.)
عندما قال لي صاحبي أني تغيرت كان ذلك آخر يوم له في المدرسة. لازلت أراه وهو يمشي إلى الباص الذي سيأخذه لآخر مرة إلى بيته، وأنا وراءه كالكلب الضائع أقول له:
-أرجو أن لا تكون متضايقا مني. أنت لست متضايقا، صحيح؟
وهو لا يكلمني ولا ينظر إلي، فقط يمشي. وأنا أترجاه.
ولما دخل الباص عدت إلى المدرسة وأنا أبكي.
كنت أحسب نفسي أحمقا، واليوم أعرف وأوقن أنني أحمق.
في المدرسة كذلك:
طالب كان "جيدا" وصار "غلسا". في البداية كان لا يتكلم في حصة اللغة العربية إلا إذا كلمه أحد وبعدها صار لا يكف عن تعليقاته السخيفة طوال هذه الحصة بالذات لأنها كانت معلمة. أما هي فكانت لا تعترض على ما كان يقول فقد اعتادت أذنها على تعايقاته كما اعتادت على تعليقات غيره. وفي يوم ما لم يسكت فقلت له: اسكت. فلم يفعل. حتى إذا قلت له: اخرس يا أخي. فقال لي: وما دخلك أنت؟
خرجت من الحصة وأنا متضايق ونادم قليلا على ما قلت له. وقبل أن أصل إلى فصل الحصة القادمة أحاط بي جمع من أصحابه وأنا في طرقي. جعلوا يضايقونني بالكلام والضرب الخفيف وكاد أحدهم أن يعرقلني. ثم جاء أحدهم وقال لي: ما دخلك بصاحبي؟ فقلت: هذا ليس من شأنك.
صفعني فأطاح بي أرضا. وقعت بجانب شجرة. شعرت بدوار في رأسي. ولما ساعدني أحدهم وقمت عن الأرض رأيته وهو يمشي كأن لم يفعل شيئا، صرخت بأعلى صوت:
-الله سيحاسبك يوم القيامة!
رآني وسمعني من حولنا من الطلاب مع أني لم آبه بهم. وأخذني صديق إلى الفصل حيث صالحني ذلك الشخص الذي صفعني.
عدت إلى البيت. نمت. أفقت وصليت الفجر ثم ذهبت إلى مسجد بعيد قليلا عن بيتنا. كان شيخ ذلك المسجد يعرفني وكنت أسمّع عنده القرآن. وعرف عندما سمّعت له يومها من صوتي أني لم أكن في حالة طبيعية فأخبرته. قال لي:
-لو كنت كبيرا لزوجتك إحدى بناتي.
سمعت بعض البنات بعد سنة ينعتنني بالمجنون وكنت أتظاهر أني لم أسمعهن وهن يحولن مناداتي.
مجنون:
في تلك الفترة كان تفكيري الزائد وقلة نومي يدفعانني للغضب السريع وإذا طفح الكيل فقد طفح الكيل.
نعتتني مدرسة اللغة العربية بالمجنون بعد أن كسرت طاولة في فصلها عندما أعطت علامات زائدة لبعض الطلبة لكي تنجحهم. قالت لي: اسكت أنت. فرددت عليها بذلك الأسلوب وصرخت في وجهها.
تأسفت لها عندما تخرجت من المدرسة، من دافع الفرحة فحسب.
سبب كتابة هذا الكلام
الشعور. إحساسي بالانفجار في رأسي قادني إلى كتابة هذا الكلام. وهذه هي قصة تولد هذا الشعور:
أنا عضو في منتدى المبدعين التابع لرابطة الأدباء في الكويت. هذا المنتدى الأسبوعي يضم مجموعة من الأدباء الأفاضل—المبتدئين وغير المبتدئين. أقدم إبداعي في كل مرة بطرق مختلفة: شعر، نثر، مسرحية، مسرحية شعرية، وأمثل وأنشد وأغني أيضا. في ذلك الإثنين ذهبت هناك وكنت قد حضرت أغنية: بيلي جين. موسيقى هذه الأغنية وكلماتها تعود إلى مايكل جاكسون حين كتبها وغناها ورقص على أنغامها سنة 1983. الموسيقى التي اخترتها كانت من إبداع كريس كورنيل، غناها بطريقة جديدة، بإيقاع أبطئ. وأنا كنت قد كتبت على وزنها الأجنبي كلاما عربيا فصيحا. وكنت قد تدربت على غنائها قبل أن أذهب. عندما وصلت عرفت أن تلفزيون الكويت هناك بنية أن يعرضوا فيلما وثائقيا عن المنتدى. وبعد فترة بدأ التصوير. وبعد فترة جاء رجل ذو لحية وثوب إسلامي. ورغم كل الخير الذي في رأسي، ورغم كل شيء غنيتها. أما الرجل فقد ذهب قبل أن أشرع بالغناء. صفق لي الحضور. وعندما انتهى التصوير وانتهى المنتدى انتابني شعور مفجع بالندم. وكأن رأسي سينفجر منه.
قال لي صاحب سيارة أجرة تحت الطلب، وكان صديقا عزيزا، قال لي مرتان:
-كيف يمكن لشخص مثلك؛ يقرأ القرآن ويذهب فجرا إلى المسجد في عز البرد كي يصلي ويسمّع القرآن ويعلمه للناس؛ ثم يفعل مثل هذه الفعلة؟ هذا ليس طريقك.
فأجبته في مرة:
-أنا أريد الشر ولا أريده. وأريد الخير ولا أريده.
تحاورنا ثم دخلت البيت متضايقا من نفسي. لاحظ أبي تضايقي وسألني عن الموضع.
قلت له:
-أنت لن تقتنع بأن هذا موضوع جدير بالمناقشة، لكني سأقوله لك لأني متضايق وأريد أن أجد حلا. وأنا أعرف أن ميزانك ونظرتك للإسلام مختلفة عن ميزاني وتظرتي للإسلام.
قلت له ماحدث ثم قال:
-وما المشكلة؟
فقلت:
-أنا أنظر إلى كل شيء بهذه النظرة: لو كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) معي وأنا أغني، معي وأنا أمثل، هل كان سيرضي؟
وتناقشت مع أبي فترة كل ما وصلنا إلى حل معين قلت له أن المشكلة في رأسي أنا وأنها كدائرة مغلقة، معضلة في رأسي.
ثم قال لي اكتبها. فقلت له أني فكرت في ذلك.
أختم الجزء الأول بقول لا زلت أذكره ولن أنساه مهما حصل؛ نصيحة خرجت من فم خالتي:
إذا حزنت لا تحزن. إذا سعدت لا تسعد. كن حياديا في شعورك.
مقدمة
أكتب واقعي وإحساسي على هذا الحاسوب الوحيد. حاسوب جاهل ويعرف عني كل شيء. كل شيء؟ يعرف عني كل شيء. "يا الله!" ليتني أصرخ بهذا اللفظ وأمده إلى أن أموت من صرختي بشكل ما؛ كي أموت على كلمة التوحيد العظمى؛ إن لم يكن ذاك انتحارا مهلكا. يا لمصيبتي. حاسوب سخيف يعرف عني كل شيء وسيشهد علي كما ستشهد جوارحي علي يوم لا ينفع مال ولا بنون. تشهد علي جوارحي كي تهلكني وتتقطع هي وتتحلل في نار لا تبقي ولا تذر. ثم ترجع الأشلاء جسدا واحدا. وتبقى هكذا في دائرة مغلقة إلى ما لانهاية. "اللانهاية" كلمة عجيبة تدعو التفكير إلى الإلحاد والكفر والفسوق والعصيان والشر عامة؛ إذا سمحت لي أن أقول ذلك أيها القارئ لواقعي وإحساسي.
ومع ذلك: أحمد الله على نعمة العقل وبساطته، و الجهل وعواقبه الحلوة المرة. وأحمده على كل نعمة لا تؤدي إلى الجنون؛ فإن المرئ إذا جن ما حمد إلهه حق حمده، نسبيا. أحمده ثم أحمده. يا الله، يا الله.
إذا انفجر رأسي يوما؛ إذا جاء ذلك اليوم... لا أعرف. (ولكني أتمنى لو كان بقدرتي أن أكتب مثل تلك النقاط الثلاثة خمسين ألف صفحة ثم أكتب "لا أعرف")
ولكن هذا الإحساس اقترب جدا جدا؛ وأحسست بالانفجار في رأسي مثل بركان قديم ضخم وعلى وشك أن يدعوني إلى الجنون. فكرت قليلا وأوقفت ذلك البركان ونصحت نفسي أن أكتب هذا الكلام. وشجعني أبي وأعطاني تعليمات كي أكتب على أساسها هذا النص. وذاك في بداية التاسع من مارس في ألفين وعشرة، في الكويت.
وكتبت هذه المقدمة دون علمه في البداية. لكنه رضي بها.
الجزء الأول
الإسلام. على الفطرة. ولدت مسلما. أبي وأمي مسلمان وأختي ولدت مسلمة. وجاء من بعدي أخ كان عزيزا على قلبي، قلبي المريض، وكنت أحب أخي وعرفته قليلا، للأسف، وقد ولد مسلما؛ ولد على الفطرة.
(ليتني فهمت وجهة نظره عن الحياة، ليتني. وفات الأوان في تلك الليلة، وأشرق قلبي. ولم أبك كما كان ينبغي علي؛لأني لم أع أو أفهم الواقع، الذي تمنيته قبل خبر وفاته لسبب تافه، إلا بعد شهر أو أكثر. لم أزر قبره الموجود في مصر إلى هذه اللحظة. ولكني أعرف أني سأبكي إذا ذهبت هناك. باختصار شديد: كنت أريد أن يموت لكي تؤجل امتحاناتي في الجامعة. طرأت علي تلك الفكرة ولم أمنعها. تمنيتها وتحققت أمنيتي، وظننت أنني السبب. مع أن جدتي قالت لي لاحقا أنني لست سبب وفاة أخي، وإن كنت لم أقل لها شيئا عن ذلك. أنا لا أتذكر آخر ما قاله لي أخي.)
إلا غضب الأم...ولكن:
أود أن أبدأ بأخي لأني أتناساه لسبب أساسي --الإسلام. كنت أحبه كبشر، كأخ نصوح، كمستمع جيد لقصصي وشعري، كمكافح لمرض دام في جسده منذ أن خلق في بطن أمي؛ لكن كان علي أن لا أحبه أو أقدره كمسلم. لا أزعم أني أنا مسلم أو مؤمن حقا، ومع ذلك أستطيع أن أقول أني أعرف ديني إلى حد ما. لكني غبي. حتى أني، من غبائي، بعد سماع خبر وفاة أخي؛ قلت لأمي أني خائف عليه وأننا جميعا من المفروض أن لا ندعو له اتباعا للقرآن والسنة. غضبت أمي غضبا لا زلت أشعر به إلى اليوم. لم أكن صغيرا، كنت قد تجاوزت العشرين يومها.
الصاخة:
- لا تؤاخذني، لكنك قد خسرت أخاك.
قال لي شيخي وهو يصادقني القول.
ونظرت إلى الأرض:
في يوم ما لاحقا، لبست لباس الإسلام ومشيت إلى مسجد شيخي.
الإنسان الذي عرف أن الحياة ليست كما تصورتها أنا وقرر أن يساعدني في رفع فكري إلى مستواه. علمني الكثير، مثلما علمني والداي الكثير، ونُسّيت الكثير من كلام ربي الذي حاول شيخي شرحه لي مرارا حتى أنه كان يفقد أعصابه قليلا بسبب قلة انتباهي.
(أذكر في مرة أنه ضرب صدري بيده في يوم من الأيام تأنيبا لي لأنني لم أفهمه بسرعة، وكان يحثني على الدراسة الجامعية)
تناسيت نصائح والداي وشيخي والناس عامة. لكني ذهبت إلى شيخي بلباسي الإسلامي الذي لا أمتلك واحدا مثله في خزانتي الغربية.
ذهبت إلى شيخي وأنا أحسب نفسي مؤمنا حقا. صليت وراءه ثم تبعته إلى حجرة مكتوب على جدارها "سكن المؤذن" الموجود في ساحة المسجد. كنت أصغي إليه أحيانا، وأسمعه أحيانا أخرى. أصمت إذا تكلم احتراما له، ثم أناقضه إذا ما خلعت لباسي الإسلامي ولبست لباسي الذي اعتدت عليه منذ أن وعيت. أناقضه مع أني أعرف وأقول أن الله يراني كما يعرف ويقول ذلك كل المسلمين. ولكني لا أكثر من القول بأن الله غفور رحيم لأني أذكر معها أنه شديد العقاب.
جلسنا أنا وشيخي في تلك الغرفة، ولاحقا اعترفت له ببعض ذنوبي. الموسيقى والمسرح. نصحني أن أجتنبهما لأنهما حرام.
وبعد فترة قال لي أن لا أتضايق من قوله، وأني قد فقدت أخا، وأني أنا الأمل الوحيد في هداية عائلتي.
نظرت إلى الأرض. بكيت قليلا. وقال لي: ابك...ابك. فبكيت. ثم احتضنني. ثم قال لي: اغسل وجهك، فغسلته. (وكأن دموعي كانت حراما أو خطئا.) قال لي: أنت رجل طيب ومرهف الإحساس. وقال لي: لا تضعف ما دمت على طريق الحق. خرجت من عنده بإيماني المتزعزع.
"وخلق الإنسان ضعيفا"
في مرحلة ما قبل التدين:
قالت أمي:
-صل يا حبيبي. صل ولو مرة في اليوم. اقرأ ولو صفحة من القرآن على الأقل.
-ليس الآن، ماما.
-كما تشاء، حبيبي.
لا أصلي:
كنت طيبا ولكن لا أصلي؛ كنت ناجحا ولكن لا أصلي؛ كنت بارّا بوالداي ولكن لا أصلي. كل شيء فيّ ولكني ناقص. كنت في قرارة نفسي أريد أن أكون من الناقصين، لاعتقادي بأنني إذا تدينت سوف أفقد من طيبتي، نوعا ما، ومن نجاحي ومن بِرّي ومن أحلامي كُلما تعمقت في ديني. ومع أني كنت أعرف أن هذه الفكرة سخيفة وغير منطقية وتحتاج إلى دليل قوي كي أثبتها؛ إلا أنني أحسب نفسي غبيّا، بل غبيا جدا أحيانا.
جاء اليوم الموعود:
أعطاني ابن خالتي، العزيزة على قلبي، هدية في يوم ميلادي الخامس عشر.
"إصلاح القلوب" للأستاذ عمرو خالد.
وتقبلتها من ابن خالتي بوجه طلق، دون علمي بأن يوم ميلادي ذاك سيكون الفاصل بين عمري الضائع و ما أسميه "بداية عمري الجديد”. أول شريط ديني سمعته كان عن الإخلاص، ولم أنس تلك الكلمة إلى الآن. وصار يوم ميلادي الخامس عشر وكأنه يوم ولادتي. شعرت وكأني خرجت من رحم الظلام إلى نور الحق المبين.
أحبك أبي...ولكن:
قال لي أبي:
-ماذا تفعل؟
توقفت عن التأمين وأنزلت يداي وقلت:
-أنا آسف.
-لماذا تبكي؟ صوتك قد أزعجنا. أنزل تلك السماعات عن رأسك وكلمني.
-آسف، بابا كنت أسمع محاضرة.
تأفأف أبي وأغلق الباب.
أذكر يوما:
كنا قد انتقلنا إلى عمارة جديدة في الجابرية.
في يوم لعبت مع ولد في ساحة العمارة. وقلت له قبل أن أعرف اسمه:
-لماذا لا تصلي؟
لم يعطني سببا، فاسترسلت وقلت:
-صل...! ما دمت مع الله وتعرف أنك على حق فلا تكترث بما يقوله الغير عنك. لا تخف من أحد إلا الله.
وفي اليوم التالي كان معي يصلي الظهر في جماعة.
أذكر، عندما رأيته وأخوه أيضا يصليان، أني ابتسمت من كل قلبي، وأذكر عندما رآني أحد أصدقائي متبسما ففعل مثلي بنوع من الاستهزاء. (لا زلت أذكر لنظرته لسبب ما)
أحيانا:
عندما كنا في العمارة، كنت أنظف ساحة المسجد الذي كان لا يبعد عنا أكثر من دقيقتين. أنا وصديقي الجديد الذي اهتدى على يداي. نضع أكياسا بلاستيكية على أيدينا وننظف الساحة من القمامة التي كان يلقيها الناس. (الكسالى المستهترين)
وفي يوم طُلبنا واعترض علينا شيخ ذلك المسجد فتوقفنا عن تنظيف الساحة انصياعا لقوانين الأوقاف.
(لم أكن أحب طريقة تعامل شيخ ذلك المسجد معي. في مرة حاولت أن أعطيه بعض الحلوى وكتابا صغيرا فقال لي: أتعطيني بواقي طعامكم؟ وما هذا الكتاب؟ عندي مجلدات، بل مكتبة في البيت عن هذا الموضوع.)
أتذكر:
في أيام المدرسة كان لدي صاحب وكنت أعزه نوعا ما هو وصديقه الباكستاني. كانا دائما معا وكنت معهما، أقلدهما؛ وذاك قبل أن أتدين. إذا ضحكا ضحكت، وإذا فعلا فعلت. وكانا يحبان صحبتي. بعد أن جاء وانقضى ذلك اليوم الموعود، قال لي ذلك الصاحب أنه لا يريد صحبتي. سألته فقال لي أني تغيرت.
(وتذكرت حينها خبرا قاله ذلك الصديق الباكستاني. قال لنا بأنه قد وطأ خادمة بيتهم وأقسم لنا بذلك.
خاصمه صاحبي ثلاث أيام بلياليها.)
عندما قال لي صاحبي أني تغيرت كان ذلك آخر يوم له في المدرسة. لازلت أراه وهو يمشي إلى الباص الذي سيأخذه لآخر مرة إلى بيته، وأنا وراءه كالكلب الضائع أقول له:
-أرجو أن لا تكون متضايقا مني. أنت لست متضايقا، صحيح؟
وهو لا يكلمني ولا ينظر إلي، فقط يمشي. وأنا أترجاه.
ولما دخل الباص عدت إلى المدرسة وأنا أبكي.
كنت أحسب نفسي أحمقا، واليوم أعرف وأوقن أنني أحمق.
في المدرسة كذلك:
طالب كان "جيدا" وصار "غلسا". في البداية كان لا يتكلم في حصة اللغة العربية إلا إذا كلمه أحد وبعدها صار لا يكف عن تعليقاته السخيفة طوال هذه الحصة بالذات لأنها كانت معلمة. أما هي فكانت لا تعترض على ما كان يقول فقد اعتادت أذنها على تعايقاته كما اعتادت على تعليقات غيره. وفي يوم ما لم يسكت فقلت له: اسكت. فلم يفعل. حتى إذا قلت له: اخرس يا أخي. فقال لي: وما دخلك أنت؟
خرجت من الحصة وأنا متضايق ونادم قليلا على ما قلت له. وقبل أن أصل إلى فصل الحصة القادمة أحاط بي جمع من أصحابه وأنا في طرقي. جعلوا يضايقونني بالكلام والضرب الخفيف وكاد أحدهم أن يعرقلني. ثم جاء أحدهم وقال لي: ما دخلك بصاحبي؟ فقلت: هذا ليس من شأنك.
صفعني فأطاح بي أرضا. وقعت بجانب شجرة. شعرت بدوار في رأسي. ولما ساعدني أحدهم وقمت عن الأرض رأيته وهو يمشي كأن لم يفعل شيئا، صرخت بأعلى صوت:
-الله سيحاسبك يوم القيامة!
رآني وسمعني من حولنا من الطلاب مع أني لم آبه بهم. وأخذني صديق إلى الفصل حيث صالحني ذلك الشخص الذي صفعني.
عدت إلى البيت. نمت. أفقت وصليت الفجر ثم ذهبت إلى مسجد بعيد قليلا عن بيتنا. كان شيخ ذلك المسجد يعرفني وكنت أسمّع عنده القرآن. وعرف عندما سمّعت له يومها من صوتي أني لم أكن في حالة طبيعية فأخبرته. قال لي:
-لو كنت كبيرا لزوجتك إحدى بناتي.
سمعت بعض البنات بعد سنة ينعتنني بالمجنون وكنت أتظاهر أني لم أسمعهن وهن يحولن مناداتي.
مجنون:
في تلك الفترة كان تفكيري الزائد وقلة نومي يدفعانني للغضب السريع وإذا طفح الكيل فقد طفح الكيل.
نعتتني مدرسة اللغة العربية بالمجنون بعد أن كسرت طاولة في فصلها عندما أعطت علامات زائدة لبعض الطلبة لكي تنجحهم. قالت لي: اسكت أنت. فرددت عليها بذلك الأسلوب وصرخت في وجهها.
تأسفت لها عندما تخرجت من المدرسة، من دافع الفرحة فحسب.
سبب كتابة هذا الكلام
الشعور. إحساسي بالانفجار في رأسي قادني إلى كتابة هذا الكلام. وهذه هي قصة تولد هذا الشعور:
أنا عضو في منتدى المبدعين التابع لرابطة الأدباء في الكويت. هذا المنتدى الأسبوعي يضم مجموعة من الأدباء الأفاضل—المبتدئين وغير المبتدئين. أقدم إبداعي في كل مرة بطرق مختلفة: شعر، نثر، مسرحية، مسرحية شعرية، وأمثل وأنشد وأغني أيضا. في ذلك الإثنين ذهبت هناك وكنت قد حضرت أغنية: بيلي جين. موسيقى هذه الأغنية وكلماتها تعود إلى مايكل جاكسون حين كتبها وغناها ورقص على أنغامها سنة 1983. الموسيقى التي اخترتها كانت من إبداع كريس كورنيل، غناها بطريقة جديدة، بإيقاع أبطئ. وأنا كنت قد كتبت على وزنها الأجنبي كلاما عربيا فصيحا. وكنت قد تدربت على غنائها قبل أن أذهب. عندما وصلت عرفت أن تلفزيون الكويت هناك بنية أن يعرضوا فيلما وثائقيا عن المنتدى. وبعد فترة بدأ التصوير. وبعد فترة جاء رجل ذو لحية وثوب إسلامي. ورغم كل الخير الذي في رأسي، ورغم كل شيء غنيتها. أما الرجل فقد ذهب قبل أن أشرع بالغناء. صفق لي الحضور. وعندما انتهى التصوير وانتهى المنتدى انتابني شعور مفجع بالندم. وكأن رأسي سينفجر منه.
قال لي صاحب سيارة أجرة تحت الطلب، وكان صديقا عزيزا، قال لي مرتان:
-كيف يمكن لشخص مثلك؛ يقرأ القرآن ويذهب فجرا إلى المسجد في عز البرد كي يصلي ويسمّع القرآن ويعلمه للناس؛ ثم يفعل مثل هذه الفعلة؟ هذا ليس طريقك.
فأجبته في مرة:
-أنا أريد الشر ولا أريده. وأريد الخير ولا أريده.
تحاورنا ثم دخلت البيت متضايقا من نفسي. لاحظ أبي تضايقي وسألني عن الموضع.
قلت له:
-أنت لن تقتنع بأن هذا موضوع جدير بالمناقشة، لكني سأقوله لك لأني متضايق وأريد أن أجد حلا. وأنا أعرف أن ميزانك ونظرتك للإسلام مختلفة عن ميزاني وتظرتي للإسلام.
قلت له ماحدث ثم قال:
-وما المشكلة؟
فقلت:
-أنا أنظر إلى كل شيء بهذه النظرة: لو كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) معي وأنا أغني، معي وأنا أمثل، هل كان سيرضي؟
وتناقشت مع أبي فترة كل ما وصلنا إلى حل معين قلت له أن المشكلة في رأسي أنا وأنها كدائرة مغلقة، معضلة في رأسي.
ثم قال لي اكتبها. فقلت له أني فكرت في ذلك.
أختم الجزء الأول بقول لا زلت أذكره ولن أنساه مهما حصل؛ نصيحة خرجت من فم خالتي:
إذا حزنت لا تحزن. إذا سعدت لا تسعد. كن حياديا في شعورك.