المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بائع الطين


فايز الأشتر
04-05-2010, 01:18 PM
-1-
وصلت إلى البيت في الساعة العاشرة ليلاً،عائداً من العمل الذي من المفروض
أن ينتهي في الساعة السادسة مساءً،إلا أن بُعد المعمل عن مكان سكني،وجشع صاحب
المعمل الذي بوده أن يُبقي العمال في المعمل ليلاً نهاراً،وبأجر زهيد،لا يسمن
ولا يُغني من جوع،كل هذا يجعلني أتأخر حتى هذا الوقت،وأحياناً يُبقينا صاحب
المعمل حتى الواحدة بعد منتصف الليل،إذا كان مزاجه مُتعكر من زوجته الجميلة
التي تصغره بعشرين عاماً،والتي تزوجها من أبيها رغماً عنها
بسبب الحاجة والفقر.
أول شيء فكرت في فعله عندما دخلت إلى الغرفة هو اسكات معدتي التي قرصها
الجوع طوال اليوم.
بحثت في "النملية"هكذا يسمونها،ولا أدري لماذا! فقد كانت عبارة عن رفوف
خشبية لها باب من المنخل الناعم كي لا تدخل الحشرات،وبنفس الوقت يسمح بدخول
الهواء لتهوية الطعام،ولها باب ثاني من الخشب له قفل خارجي،وتستعمل قديماً
بدلاً من الثلاجة،وعلى كل حال أنا لست بحاجة لها لأن الطعام لا يباتُ عندي
وحجم الغرفة صغير،ولا يتسع لثلاجة،وإذا أردتم الصراحة!أنا لا أملك ثمنها.
لم أجد شيء أكله في النملية سوى نصف رغيف من الخبز،بقيَ من الأمس وقليل من
دبس البندورة في وعاء زجاجي،نسميه "قطرميز" أعطتني إياه أمي عندما
جئتُ من القرية،أمي الحنونة التي لم تصدق عندما قلت لها إن دبس البندورة
يُقدم في مطاعم المدينة بجانب البطاطا المقلية،ولكني لم أخبرها بأن دبس
البندورة الذي تصنعه بيديها أفضل بألف مرة من دبس البندورة الذي
يقدمونه هنا،أمي الحنونة التي حاولت مراراً أن تقنعني بالعدول عن الذهاب إلى
المدينة للعمل،وأن أبقى في القرية لكي أعمل مع أبي في زراعة الأرض،أمي
الحنونة التي كانت تبتسم عندما أتذمر إذا تأخرت في تحضير الطعام،أين أنت
يا أمي لتري ابنك يأكل نصف رغيف شبه يابس مدهون بدبس البندورة.
مددت دبس البندورة على نصف الرغيف و فوقه بضع نقاط من الزيت،و قليل من
مسحوق النعنع اليابس،وكما تقول أمي(كل شيء مع الجوع طيب)والأن بعد أن
أسكت معدتي الجائعة،اشتهيت على كأس من الشاي لأخفف من طعم دبس البندورة
فقد بدأتُ أشعر بحرقة في معدتي بعد أن التهمت الخبز بشراهة من شدة جوعي
وأعتقد إن كأس من الشاي سوف يُعدل مزاجي.
تركت الماء تغلي في الأبريق جيداً،ثم وضعت الشاي الأسود على الماء،ففاحت رائحة
الشاي العطرة في الغرفة،فتحت علبة السكر فتسمرت عيناي في قاعها الفارغ
وأدركتُ حينها إني سوف أنام من دون أن أشرب الشاي.
مع أن الحرقة اشتدت في معدتي،إلا أن التعب من العمل كان أشد على جسدي المنهك
فرحت أغط في نوم عميق.
كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل عندما أيقظتني من نومي دقات على
الباب،ولكن من شدة تعبي،اعتقدت إني كنت أحلم،فعدت للنوم،ولكن مرة ثانية
دُقَ الباب ولكن هذه المرة كانت الدقات أقوى مما جعلني أسستيقظ،وأذهب لأفتح
الباب،وقد انتابني شعور بالخوف والقلق،وبدأت الأفكار تدور في رأسي،من هذا
الذي يزعجني في هذه الساعة المتأخرة من الليل

سمو الذكريات
04-05-2010, 05:09 PM
اخي فايز الاشتر
كما عهدناك قلم يزخر بالابداع
بانتظار روعتك لاتحرمنا
دمت

فايز الأشتر
04-05-2010, 07:48 PM
شكراً سمو الذكريات

على كلماتك الجميلة

تحيتي لك.

هذيان لجين
19-05-2010, 01:21 AM
طرح رائـــــع

يعطيك العاااافيه

فايز الأشتر
19-05-2010, 09:59 AM
شكراً لك هذيان

أرجو أن تعجبك باقي الأجزاء

تحيتي لك.

فايز الأشتر
19-05-2010, 10:14 AM
-2-
ذهبت لكي أفتح الباب،وعيناي بالكاد ترى الطريق إليه،ومن غير أن أسأل
أو أستفسر عن هوية هذا الزائر الذي قضىَ مضجعي وانتهك حرمة نومي
امتدت يدي إلى مقبض الباب وفتحته بهدوء،وأنا أحاول بصعوبة أن
أبقي عيناي مفتوحتان لأرى ذلك الشخص الواقف أمامي،بوجه شاحب،وجسم
ضعيف،ولولا ثيابه الجديدة التي كان يرتديها لحسبته متسول ساقه قدره
التعيس إلى من هو أتعس منه.
تمعنت بوجه الزائر وقلت له:نعم! ماذا تريد?
نظرَ بوجهي بأستغراب وقال:أنا ابن خالتك..أيمن..صديقك،ألم تعرفني
نعم إنه ابن خالتي وصديقي أيمن!كيف لم أعرفه،ولكن معي حق أن لا أعرفه
فقد مرت سنين طويلة منذ رأيته أخر مرة،عندما سافر إلى اوروبا الشرقية
لكي يدرس الطب،ولم يعد بعد أنتهاء الدراسة،بل فضل البقاء هناك لكي يعمل
بالتجارة،ولكن ما الذي غيره إلى هذه الدرجة فقد كان ممتلئ الجسم،ذو وجه
منير وجميل.
أخذته بالأحضان وقلت له:أرجوك لا تؤاخذني فأنا لم أعرفك من شدة النعاس
تفضل بالدخول..البيت بيتك.
أبعدت ثيابي المرمية على الأريكة ليتمكن من الجلوس عليها،ويا ليتني لم
أبعد عنها الثياب،فقد بانت على حقيقتها،بالية،مهترئة وقد خرج القش
المحشو بداخلها إلى الخارج.
جلس أيمن وهو يبتسم،ولكن ابتسامته كانت صفراء،تكشف عن وجه مهموم و خائف
فسألته:ما بالك? لماذا كل هذا الشحوب على وجهك?
نظرَ إليَ بعينين خائفتين وقد اغرورقت بالدموع،وقال:أنا أسف جداً على إزعاجك
في هذا الوقت المتأخر من الليل،فقاطعته قائلاً:لا عليك يا رجل،ما هذا الكلام
الذي تقوله! تستطيع أن تأتي في أي وقت تشاء،وتابع حديثه بصوت متقطع
يخالطه البكاء..صدقاً أنا أسف ولكن لم يكن أمامي سوى بابك أدق عليه
فقد كنت في القرية،وأخذت عنوانك من أمك وهي تسلم عليك كثيراً،وقد أرسلتني
لكي أختبئ عندك حتى يحين موعد سفري إلى اوروبا.
قاطعت كلامه مستغرباً! تختبئ عندي! ولماذا تختبئ?
تابع حديثه ببطئ وهو يمسح الدموع من عينيه..لقد جئت من اوروبا منذ اسبوع
في إجازة لكي أزور أهلي،ولكني لم أهنئ بهذه الإجازة،فقد قتل ابن عمي جاره
عن طريق الخطأ،وسلم نفسه للشرطة،ولكن أهل القتيل يريدون قتل أي شخص
يرونه أمامهم،والبارحة كنت مختبئ عند أمك في القرية،ولكنها خافت أن يراني
أحداً عندكم،فيخبرهم عني،فنصحتني أن أختبئ عندك في المدينة حتى يحين موعد سفري
ولم أستطيع مغادرة القرية إلا بعد منتصف الليل كي لا أصادف أحداً من أهل
القتيل،ومرة ثانية أكرر أسفي وأعدك بأنني لن أزعجك أكثر من ثلاثة أيام.
هونت عليه قائلاً:ما هذا الكلام يا رجل! إذا لا يتسع لك المكان أضعك على
رأسي،صدر البيت لك والعتبة لي،وطلبت منه أن يبدل ثيابه،وأعطيته ثياب
للنوم من عندي،وبصعوبة بالغة أقنعته بالنوم على السرير و نمت أنا على
الأريكة الممزقة التي كانت تتحرك تحتي كموج البحر.
عندما استيقظت،لم تكن الشمس في مكانها الذي عهدته كل صباح،فقد قطعت مسافات
بعيدة عن نافذتي،والساعة قد قاربت من العاشرة صباحاً،وطبعاً لن أترك ضيفي
لوحده وأذهب للعمل وعلى كل حال تأخرت كثيراً وسوف يطردني صاحب المعمل.
خرجت لشراء الفطور،وعدت بسرعة قبل أن يستيقظ أيمن،وكان الفطور سهل
التحضير،بيض مقلي وحمص ناعم،ولم أنسى أن أشتري السكر لكي أشرب
الشاي مع الضيف.
أيقظت أيمن بلطف،ودعوته لتناول الفطور فقد كان جائعاً مثلي.
جلسنا نشرب الشاي بعد الفطور ونحن نتحدث ونسترجع الماضي،وأيام الطفولة
والمدرسة،وتلال القرية،والسباحة في مياه السواقي،والسباق في بيادر
القمح،وحصاني الخشبي الذي انكسر،كانت أيام جميلة لم نشعر وقتها بهموم الحياة.
كان أيمن يجول بنظره في أرجاء الغرفة التي توحي بالفقر والحاجة،ونظرَ إليَ
وقال:لماذا لا تأتي معي إلى اوروبا وتعمل معي بالتجارة?.
ضحكت بصوت عالي وقلت له:ليس معي نقود لأشتري طعام،فكيف أسافر إلى اوروبا
وأعمل بالتجارة.
فقال لي:لا عليك أنا سوف أدفع لك كل التكاليف،وعندما تعمل وتربح
تعيد لي النقود،ويجب أن تفكر بسرعة،قبل أن يحين موعد سفري،فإذا وافقت
فسوف تسافر معي بعد ثلاثة أيام.
لم أفكر كثيراً،فما أعانيه في عملي،وحياتي يجعلني أوافق بسرعة على عرضه.
وفعلاً لم أضيع الوقت،ذهبت معه إلى السفارة وحصلت على تصريح السفر،وأشترى
لي بطاقة سفر بالطائرة.
ذهبت لكي اودع صاحب المعمل وآخذ باقي أجري منه،ولكن كما توقعت،فقد
طردني ولم يعطيني شيء،وقال لي:اذهب درب الذي يأخذك لا يرجعك،تركته وذهبت
إلى القرية لأودع أمي و أبي،ويا ليتني ما ذهبت
-3-
وصلت إلى القرية بعد الظهر،وكان السكون يخيم على أرجاء القرية،إلا من بعض
الباعة المتجولين الذين يأتون من المدينة ليبيعوا بضائعهم في القرى التي
يصعب على سكانها الوصول إلى المدينة،وقبل أن أذهب إلى بيتنا،مررت إلى بيت
خالتي لأطمئنهم على أيمن،ولكني لم أجد أحداً في البيت.
وصلت إلى بيتنا،وكان باب(التوتة)الكبير مفتوحاً كالعادة..وكانوا يسمونه
بباب التوتة لأنه مصنوع من صفائح التوتياء،وكان كبيراً بحيث يدخل منه البغل
وهو يجر العربة،عندما يعود من الحقل،دخلت إلى ساحة البيت التي تتوسطها
شجرة التوت الهرمة مسدلةً ما بقي منها من أغصان إلى الأرض،شعرت للحظة
وكأنها تناديني لأتسلق أغصانها كما كنت أفعل وأنا طفل صغير،لأركب على الأرجوحة
التي ربطتها أمي على جذعها القوي،لأتفحص أعشاش عصافير الدوري،وأساعد هرتي
الصغيرة على النزول عندما تعلق في أغصانها العالية،وبالقرب منها كان البئر
العميق بحبله الطويل ودلوه الحديدي يناديني لأشرب من ماءه العذب،وبالطرف
الأخر من الساحة كانت أغصان الكرم اليابسة تحترق في الموقد تحت قدر من محشي
الباذنجان،ورائحة الطعام تفوح بالمكان.
كانت أمي تقف بجانب الموقد لتضع الحطب على النار لتبقى مشتعلة،وعندما رأتني
أرتسمت على وجهها الجميل المنقط بشحار الموقد،إبتسامتها الحنونة التي دائماً
كانت تقابلني بها،وسارعت إلى أحضانها وكأني طفل صغير عاد إلى أمه بعد أول يوم
له في المدرسة.
جلست مع أمي وأبي نتناول الطعام،وأنا أكلمهم عن المدينة،وماذا حصل معي
وكيف جائني أيمن في الليل،ولكني لم أفتح موضوع السفر مباشرة،إنتطرت حتى جاءت
أمي بالشاي المغلي على نار الموقد.
كنت كلما حاولت أن أفتح موضوع السفر تصيبني غصة في حلقي،تمنعني من النطق
لأني أعرف أمي جيداً،وأعرف بأنها لن تتقبل هذا الموضوع،فهي وبصعوبة بالغة
وافقت على سفري إلى المدينة،فكيف توافق بأن أسافر إلى مكان بعيد
مثل اوروبا،فحاولت أن أدخل بالموضوع بشكل تدريجي،أخبرتها بأن أيمن عرض عليَ
السفر معه،وأنا بحاجة أن أجمع المال لأشتري بيت بالمدينة،ولكن ما أن بدأت
بالكلام حتى بدأت تذرف الدموع التي كانت تحرق قلبي،ورددت نفس العبارات التي
كانت تنصحني بها في الماضي،أن أبقى في القرية،وأعمل مع أبي في زراعة الأرض.
كان أبي يجلس في زاويته المعهودة في طرف الغرفة،وهو يحرك مفتاح المذياع بحثاً
عن محطات،ولم يكن ينبس بكلمة،ولكني كنت أعلم إنه كان يتابعنا بكل كلمة
نقولها،نظرَ إليَ بعينين واثقتين وقال:اذهب يا بني وسافر اينما تريد
لا تبقى كما بقيت أنا ولم أفعل شيء بحياتي سوى زراعة الأرض.
وكانت أمي تشد وأبي يرخي وطال النقاش حتى قاربت الساعة من السادسة مساءً
وكان موعد الطائرة في الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل،وأخيراً وبمساعدة
أبي الذي وقف بجانبي اقتنعت أمي،بشرط أن أعود بعد ثلاثة شهور.
جهزت لي أمي بعض الاشياء كي آخذها معي،وأكثرها كان من الطعام الذي لا يفسد
مثل:الشنكليش،والمكدوس،والزعتر،وخبز التنور الذي تصنعه في تنور
البيت،فيخرج محمراً برائحة الخبز الحقيقي الذي يسيل اللعاب لرؤياه.
أخرج أبي بعض النقود التي كان يدخرها إلى يوم أسود،وطلب مني أن أضعها
في جيبي،ولكني رفضت بشدة،وأصرَ أن آخذها منه،وبصعوبة بالغة أقنعته أني
لست بحاجة،وأن أيمن سوف يدفع كل المصاريف،مع أن جيبي لم يعرف شكل المال منذ
وقت طويل.
خرجنا إلى ساحة المنزل،وقد حثثت أمي على الأسراع لكي ألحق بالحافلة الأخيرة
التي تغادر القرية إلى المدينة،وحانت لحظة الوداع التي أكرهها جداً،وهي
بالنسبة لي أصعب من السفر بكثير،دموع،فراق،ألم،حرقة في القلب.
عانقت أمي لأودعها،وقد أخفت دموعها للحظات ريثما أغادر المنزل مع أبي الذي
سوف يودعني عندما أركب الحافلة،وعندما اقتربت من باب التوتة،بدأ أزيز
الرصاص في الخارج،وكأن معركة قد أشتعلت،فحاولت الخروج لأرى ماذا يحدث،ولكن
أمي منعتني،وأدخلتني إلى الغرفة مع أبي.
لم يدم إطلاق الرصاص طويلاً،فسرعان ما سمع صوت سيارات الشرطة قادمة من بعيد
مما شجع أمي أن تدعنا نخرج،ونتجه إلى ساحة القرية لنرى ماذا حدث.
علمنا من أحد الجيران أن أهل القتيل قاموا بإطلاق الرصاص على أقرباء
أيمن،وعندما سمعوا صوت سيارات الشرطة لاذوا بالفرار.
عدنا إلى البيت،ومرة ثانية،ودعت أمي واتجهنا إلى الحافلة مسرعين،ولكن هذه
المرة كانت الحافلة قد غادرت،وتركتني أبحث عن البديل.
لم يكن أمامي سوى عربة أبي التي يجرها البغل لكي توصلني إلى الطريق الذي
تمر منه السيارات المتجهة إلى المدينة،وكان يبعد عن القرية بضع كيلومترات.
أخرج أبي البغل من الأسطبل،وثبته أمام العربة،ثم انطلقنا عبر الأراضي
الزراعية مختصرين الطريق.
كانت الساعة قد قاربت على التاسعة مساءً،والظلام قد أسدل
بستاره على الأجواء.
للحظات نسيت نفسي،وشعرت بحقول القرية تودعني بموكب موسيقي مهيب،كانت أنفاس
البغل العجوز تصل إلى مسامعي وهو يجر العربة متثاقلاً،وكأنه يعزف
بالبوق،والجنادب تقفز أمام أقدامه وكأنها أطفال تتراكض أمام الموكب بأنتظار
أن يرمى إليها بالحلوى،ونقيق الضفادع في السواقي بمحاذاة الطريق يملأ الجو
صخباً،وكأن فرقة موسيقية تعزف على جانبي الطريق،وأبي كان المايسترو الذي
يقود الموكب الموسيقي،فكان يُحرك الحبل الذي يوجه به البغل بين الحين والأخر،وكأنه
يعطي الأشارات للموسيقيين،والنجوم كانت تشع بالسماء الصافية،لتكمل روعة
المشهد الجميل.
وصلنا إلى الطريق الرئيسي،وكنت محظوطاً فقد توقفت لي سيارة عابرة وأقلتني
معها إلى المدينة.
كانت علامات القلق واضحة على وجه أيمن،وكان على لسانه أسئلة كثيرة،يريد أن
يعرف لها جواباً،ولكني طلبت منه أن يُسرع لكي نلحق بالطائرة،وسوف
أخبره بكل شيء على الطريق.
كانت المرة الأولى التي أرى فيها مطاراً،وطبعاً أول مرة أركبُ فيها بالطائرة،مما
جعلني أقلق بعض الشيء.
كانت الطائرة مكتظة بالركاب،وهذا ما هدئ من روعي وخوفي،وكان من بين الركاب
نساء وأطفال يضحكون ويمرحون،وكان أيمن يجلس بجانبي،وقد أرخى برأسه على
جانب المقعد،ولم أدري أذا كان نائم أو يخفي وجهه المهموم عني.
انقضت ثلاث ساعات قبل أن تهبط الطائرة في المطار،نزلنا من الطائرة،واتجهنا
إلى مبنى المطار،ومن ثم إلى شرطة الجوازات لوضع تأشيرة الدخول.
كنت أمشي وراء أيمن،وكأني طفل صغير يلحق بأبيه،وصلنا إلى غرف صغيرة من
الزجاج يجلس بداخل كل واحدة شرطي،وكان للغرفة نافذة تسمح بأدخال الجواز
فقط،أعطى أيمن جوازه للشرطي،فوضع عليه الختم وأعاده إليه،ثم غادر أيمن إلى
الجانب الثاني من المبنى،ولم أعد أراه.
جاء دوري،فأعطيت الجواز للشرطي الذي فتحه،وهو يتمعن تارة بالصورة التي
على الجواز وتارة أخرى بوجهي،مما جعلني أشعر بالإرتباك،ثم خرج من الغرفة
الزجاجية،وأشار لي بيده أن ألحق به،إلتفت يميناً ويساراً لعل أحد يشرح لي
ماذا يريد مني الشرطي،ولكني لم أجد جواباً أو تعليقاً من أحد،كان يجب أن أعطي
جوازي قبل أيمن،كيف فاته هذا الموضوع،لحقت بالشرطي إلى غرفة جانبية كانت
مبنية من الأسمنت،وفيها كرسي ومنضدة صغيرة.
نظرَ إليَ الشرطي،وأشار لي بأن أخلع ثيابي،فشعرت بشيء من الخوف والقلق،فحاولت
إفهامه،بأني لا أفهم ماذا يريد،ولكنه مرة ثانية أشار بأن أخلع ثيابي،وبدأ
يصرخ ويدمدم بكلمات لم أفهم منها شيئاً،ثم خرج من الغرفة بعد أن أشار لي
بيده أن أبقى مكاني،وأنه سوف يعود بسرعة.

سمو الذكريات
20-05-2010, 12:31 PM
كاتبنا فايز الاشتر


بانتظار روعت قلمك فسارع بالهطول

دمت

فايز الأشتر
20-05-2010, 02:11 PM
شكراً سمو الذكريات

على متابعة الرواية

أرجو أن تنال اعجابك

تحيتي ومودتي.

بقايا عاشق
20-05-2010, 02:11 PM
القدير / فايز الأشتر


لا تتاخر في سرد ما تبقي أرجوك
فــَ عنصر الفضول هو المسيطر حتى الأن
وحسنِ سردك لــِ القصة يبقينا على حافة الدهشة ...
أنتظركَ بفارغ الصبر ..
أرجوك لا تتاخر .

فايز الأشتر
20-05-2010, 08:26 PM
-4-
لم يطل غياب الشرطي طويلاً،فقد عاد ومعه شاب أسمر،ذو ملامح
شرقية،عرفت من خلالها بأنه عربي.
تحدث الشرطي مع الشاب بضع كلمات بلغة لم أفهمها،ثم نظرَ الشاب نحوي وقال:
هذا الشرطي يريد منك أن تخلع ثيابك كي يفتشك.
فقلت:ولماذا ?! أنا لوحدي..أنا فقط..يريد أن يفتشني،وبهذه الطريقة المهينة.
فرد قائلاً:إنه يريد إخافتك حتى تعطيه بعض النقود،وأنصحك أن تعطيه
بدلاً من أن يطبق عليك قوانينه الدنيئة.
للحظات اعتقدت بأن الشاب يخدعني،وربما يكون متعاون مع الشرطي ضدي،فحاولت
المراوغة،وقلت:ولكني لا أملك نقوداً،فأنا قادم مع صديقي،وهو قد خرج قبلي.
ابتسم الشاب وقال:لا عليك أنا سوف اعطيه،وأخرج من جيبه عشرة دولارات
ودسها في جيب الشرطي،عندها ابتسم الشرطي،وأعطاني جواز سفري وعليه
تأشيرة الدخول،وأشارَ لي بيده أن أذهب.
شكرت الشاب كثيراً،وطلبت منه أن يرافقني إلى خارج المطار،لكي أطلب من أيمن
نقوداً،أعيدها له بدلاً من النقود التي دفعها للشرطي،ولكنه رفض وغادر من
أمامي بسرعة،حتى لم يعطيني الفرصة لأسأله عن اسمه.
خرجت من مبنى المطار،فوجدت أيمن ينتظرني وقد بدت على وجهه علامات الخجل
والأسف،فبادرني بالقول:أرجوك لا تؤاخذني فقد سهوت عنك،لأن تفكيري كله عند
أهلي في القرية،ولم أشعر وأنا أخرج من دونك.
فقلت له:لا عليك،أنا أقدر ظرفك،وقصصت عليه ما جرى معي في المطار،وكيف
ساعدني الشاب العربي.
كانت الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل،استقلينا سيارة
أجرة،انطلقت بنا وسط شوارع المدينة متجهين إلى بيت أيمن.
كنت أنظر من نافذة السيارة إلى المباني المرتفعة والشوارع الخالية من المارة
وكأنني أشاهد فيلم سينمائي لأول مرة،ومن شدة تعبي،كنت لا أشعر بجسدي معي،كنت
أشعر بأنني أطير،ولا أفكر إلا بسرير أرتمي عليه ولا أستيقظ قبل ثلاثة أيام.
وصلنا إلى الحي الذي يسكن فيه أيمن،وكان في أطراف المدينة،في منطقة أكثرُ
سكانها من الفجر،ومع أن الوقت كان متأخراً،إلا أن بعض منهم كان يجلس في
الشارع ينتظر غنيمة يغتنمها من فتاة عائدة من مرقص،أو من شاب سكران
أو من مسافر يحمل حقائبه الكثيرة مثلنا.
بعد أن نزلنا من السيارة،جاء أثنين من الغجر وعرضوا على أيمن المساعدة
في حمل الحقائب،وطبعاً رفض،وحذرني أن أنتبه منهم جيداً.
حملنا الحقائب،ودخلنا المبنى الذي يقيم فيه أيمن،وعندما حاول فتح باب
المصعد لنركب فيه،أصبنا بالأحباط،فقد كان المصعد معطلاً،فقلت له لا عليك
هيا لنصعد على الدرج،ولكنه ابتسم ابتسامة صفراء،ونظرَ إلى الأعلى،وكأنه
ينظر إلى السماء،وقال:البيت في الطابق العاشر.
عندما سمعت بالطابق العاشر،خارت قواي وشعرت بدوار في رأسي،ولكن بشيء
من العزيمة والصمود صعدنا على الدرج،وأنا أفكر بالسرير المريح الذي
ينتظرني،وكنا نرتاح كلما صعدنا من طابق لأخر،حتى وصلنا في النهاية
إلى الطابق العاشر،وقد تقطعت أنفاسي من التعب.
أدخل أيمن يده بجيبه ليخرج مفتاح الباب،ولكن يده كانت تخرج فارغة،وكان
يعاود أدخالها وأخراجها في جيوبه،وهو يتصبب عرقاً،ولكن عبثاً،فقلت له أن
يبحث في حقائبه،ربما وضع فيها المفتاح من غير أن يشعر،وفعلاً فتح كل حقائبه
وبعثر محتوياتها على الأرض ولكن لا جدوى،أوقف البحث،وأطرق رأسه نحو الأرض ثم
نفخ نفخة،أحسست بقوتها تلامس جبيني،وقال:لقد نسيت المفتاح في القرية،وأعتقد
أننا سنبقى هنا حتى الصباح،ريثما تعود صديقتي روكسانا لتفتح لنا الباب،فهي
الوحيدة التي تحمل مفتاح أخر،وهي الأن في مدينة أخرى،و سوف تصل في الصباح،كما
تواعدنا قبل أن أسافر.
لم تكن ليلة سوداء من الظلام فقط،بل كانت ليلة سوداء من العذاب،في القرية
وعلى الطريق،وفي المطار،والمصعد المعطل،والمفتاح المفقود.
استلقيت على الأرض بجانب باب البيت،و وضعت حقيبتي تحت رأسي،واغمضت عيوني
محاولاً النوم،ولكني لم أستطيع من قساوة الأرض ورطوبتها،ومع أن فصل الصيف كان
في نهايته إلا أن الجو في اوروبا كان بارداً بعض الشيء،فكنت أتقلب مرة على
الجانب الأيمن،ومرة على الجانب الأيسر،لأخفف عن جسدي قساوة الارض ورطوبتها.
--------------------------------------------------------------------------------
-5-
شيئاً فشيئاً بدأ نور الشمس يتسرب إلى داخل المبنى معلناً بداية نهار جديد
وبين النوم واليقظة،والحلم والعلم،رأيت إمراءة عجوز ترتدي ثوب طويل أخضر
عليه نقط بيضاء،شعرها قصير أبيض،تناهز السبعين من العمر،خرجت من الباب
المقابل لبيت أيمن.نظرت إلينا وقد بدت علامات الدهشة والأستغراب على
وجهها،اقتربت منا،وهي تتكلم بلغتها التي لا افهم منها شيئاً،وبدأت تحدث
أيمن،وكانت تتكلم بصوت عالي ظناً منها بأننا مثلها،سمعنا ضعيف.
طلب أيمن منها الدخول إلى بيتها ليستعمل الحمام،فسمحت له بالدخول،وتركني
معها تكلمني وتناقشني،وأنا كنت أهز برأسي دائماً،وأبتسم عندما تبتسم،وأحزن
عندما تتغير معالم وجهها،وأرفع حاجبي عندما يجب ان أندهش،كي لا أشعرها
بالأحراج،وعندما عاد أيمن،لا أدري ماذا قالت له حتى أضحكته رغم العذاب
الذي نحن فيه.سألت أيمن عن سبب ضحكه،فقال:إنها تمتدحك كثيراً وتقول إنك متفهم
لكل الأمور وأسعدها كثيراً الكلام معك،وأخذت أنا أيضاً أضحك بالرغم من
التعاسة التي أنا فيها،وكانت خيبة العجوز كبيرة عندما علمت بسبب ضحكنا.
اقتربت مني العجوز ومدت يدها وقالت ماريا،فقال لي أيمن:العمة ماريا تعرفك
بنفسها،فمدت يدي مصافحاً وقلت لها:فارس أنا فارس،صديق أيمن،وكان أيمن يترجم
الحديث بيننا،الذي طال كثيراً.
ذهبت العمة ماريا إلى السوق،وقالت وهي تنزل الدرج:عندما أعود سوف تدخلون
إلى بيتي ريثما تعود روكسانا.
ولكني لا أعتقد أن هذا سيحصل،لأن العمة ماريا سوف تمضي نصف النهار
عندما تعود من السوق لتصعد الدرج إلى الطابق العاشر.
لم يطول انتظارنا كثيراً،حتى سمعنا أصوات أقدام تصعد الدرج،كانت فتاة في
الخامسة والعشرين من عمرها،نحيلة الجسد،ممسوحة الصدر،شعرها أصفر قصير تربطه
إلى الوراء،تلبس بنطال أبيض،وقميص أصفر،وتنتعل حذاء رياضي،خلت من معالمها
الأنوثة،لا تتميز عن الذكور إلا بصوتها النسائي.
اقتربت من أيمن وعانقته بشوق ولهفة،وتبادلوا القبلات الحارة حتى أني خجلت
من النظر إليهم،ورحت أسعل لأذكرهم بوجودي.
نظرَ أيمن نحوي وقال: لا تهتم يا صديقي،هذه الأمور عادية هنا،أنت في أوروبا
يا رجل،ثم قدمني إلى صديقته قائلاً: هذا فارس و هذه روكسانا،فمدت يدها،ولكن
ليس لتصافحني،فقد رفعتها حتى اقتربت من وجهي،فقال أيمن:العادة هنا عندما
يصافح الرجل إمراءة،يقبل يدها.فقلت له أنا لا أُقبل سوى يد أمي،ثم مددت يدي
وصافحتها كما أصافح الرجال،فشعرت بأنها تضايقت من ذلك.
فتحت روكسانا باب البيت،ثم دخلنا إلى غرفة صغيرة،وضع فيها كرسي ومنضدة
وبجانبهما أريكة صغيرة،وتلفاز صغير بحجم الراديو الذي يستمع إليه أبي.
جلس أيمن وركسانا ،وأخذوا يتهامسون ويتحابون،وكأنهم لا يروني.
انتظرت قليلاً حتى يُدخلني أيمن إلى غرفتي لكي أنام،ولكن أيمن لم يهتم بي،كان شغله
الشاغل ملاطفة روكسانا،فقاطعت خلوتهم قائلاً:أريد أن أدخل غرفتي لكي أرتاح
وترتاحون أنتم أيضاً،ولكن أيمن راح يضحك وكأنني دغدغته بكلامي،ثم قال لي وهو
يحاول أيقاف نفسه عن الضحك:هذا البيت يتكون من غرفة واحدة فقط.فقلت له:
حسناً دعني أدخل إلى الغرفة لكي أنام فأنا مرهق.ولكنه عاد للضحك مرة ثانية
وهو يقول:هذه هي الغرفة،نحن نجلس فيها،والأبواب التي تراها هي أبواب المطبخ
والحمام.أصبت بصدمة عندما سمعت كلامه،فهل يُعقل أن كل هذا العذاب والأنتظار
والصعود للطابق العاشر وفي النهاية،البيت غرفة بحجم مطبخ أمي في القرية.
استلقيت على الاريكة،وأرخيت جسدي المتعب،وسلمت أمري إلى الله.
عندما استيقظت كانت الساعة الثالثة بعد العصر،كنت أشعر بالجوع والعطش
و كانت عظامي تؤلمني من النوم على باب البيت،ورقبتي قد تشنجت من النوم من
دون وسادة،نظرت حولي فلم أجد أحداً في الغرفة،فرحت أنادي على أيمن بصوت
منخفض،فلم يجيب أحد.
دخلت إلى المطبخ الذي لا يتعدى طوله مترين وعرضه متر واحد،وقد وضع بداخله
ثلاجة صفيرة جداً،ومغسلة ممتلئة بالصحون التي لم تُغسل منذ وقت طويل،وبعض
الرفوف بجانب المغسلة.فتحت الصنبور كي أشرب،فسال منه ماء بني اللون ممزوج
بالتراب،لا يصلح للشرب،ثم فتحت الثلاجة لعلي أجد فيها بعض الطعام،ولكنها
كانت خاوية مثل النملية التي تركتها في غرفتي.
جلست على الأريكة أنتظر أيمن،ومرَ وقت طويل،وطال إنتظاري،واشتد جوعي،وجف
حلقي،وبدأت الأفكار والظنون تدور في رأسي،أين ذهب أيمن? ماذا أفعل الأن
وحيداً في هذه الغرفة? أسئلة كثيرة لم أجد لها جواب.

بقايا عاشق
21-05-2010, 11:39 PM
أهنئك على قلم تملكه ايها القدير

سـَـ أنتظر ماتبقي

تقديري واحترامي لك .,.

فايز الأشتر
22-05-2010, 12:23 PM
شكراً أخي الفاضل بقايا عاشق

على المتابعة

أرجو أن تستمتع بقراءة باقي الأجزاء

تحيتي وتقديري.

فايز الأشتر
22-05-2010, 12:34 PM
-6-
كان صمتاً رهيباً يطبق على صدري،يشعرني بالوحدة القاتلة عندما سمعت صوت
روكسانا يرن كالجرس في أذني وهي تضحك في الخارج،ثم فتح الباب،ودخل أيمن
بيده علبة من الكرتون تفوح منها رائحة الطعام،تتبعه روكسانا،وهي تتمايل
عليه وتضحك بأعلى صوتها،وقد حملت بيدها زجاجة من الخمر.
بادرني أيمن بالحديث قائلاً:اعتقدت بأنك سوف تنام طوال النهار والليل،فلم
أريد أن أزعجك،ولهذا خرجت مع روكسانا لندعك تنام جيداً،وقد اشترينا لك بعض
الطعام لكي تأكل،فأنت لم تأكل منذ البارحة.
لم تسعفني الكلمات لكي أعاتب أيمن،فقد فتحت العلبة،وكانت تحتوي على البطاطا
المقلية وقطع من لحم الدجاج،وبجانبها زجاجة ماء،فرحت ألتهم الطعام بشراهة
من شدة جوعي،حتى أني خجلت من نفسي أمامهم.
كنت أشعر بنظرات روكسانا تراقبني وفيها شيء من التقزز،وكأن لسان حالها
يقول:من أين جاء هذا الغريب ليشاركني الغرفة مع صديقي.
سألت أيمن متردداً،وقد بانت على وجهي علامات الأرتباك!
- كيف نتدبر أمرنا نحن الثلاثة في هذه الغرفة الصغيرة?،وأنت لم تخبرني بأن
صديقتك تعيش معك في بيتك!
طال جواب أيمن،فقد كان ينظر إلى سقف الغرفة،وأعتقدت بأنه يفكر في حل لهذا
الموضوع،ولكنه فاجئني عندما قال بعد تنهيدة طويلة: هذا البيت ملك روكسانا
وأنا أقيم عندها.
فسألته مستغرباً:الذي أعرفه أنك تاجر وعندك أملاك كثيرة وشركة وسيارة ورصيد
في البنك،ومحلات تجارية?! هل كل هذا كان كذب!
احمر وجه أيمن حتى ظننت بأن عروق الدم ستنفجر في رأسه،ونظرَ إلى الأرض ثم
رفع رأسه إلى السقف مع تنهيدة طويلة،وقال:إنه القمار يا صديقي،لم يُبقي لي
شيء،حتى ثيابي بعتها وقامرت بها،وهذا كان سبب ذهابي إلى البلد،كي أطلب
بعض المال من أهلي،وقد أعطوني ولكن لا يعلمون بأني أصرف المال على القمار
ولكن هذه المرة سوف أعمل وأضع يدي بيدك ولن أعود للقمار.
عائلة أيمن في القرية غنية جداً،وهم يملكون الكثير من الأراضي الزراعية،ولهذا
كان بأستطاعتهم إرساله للخارج ليكمل تعليمه،أما عائلتي فكانت فقيرة،وأبي
لا يملك سوى قطعة أرض صغيرة لا تكفي لأطعام البغل.
هونت على أيمن،وقلت له بأني سوف أقف بجانبه وأساعده،ولن أدعه يعود للعب
بالقمار مرة ثانية،ولكن العيون الصفراء الثعلبية التي تراقب حديثنا
بأهتمام بالغ،وكأنها تعلم ما نقول،وتراقب حتى أنفاسي،وبيدها زجاجة الخمر
تشرب تارة وتدخن تارة أخرى،هل ستدعه في حاله،أني اعتقد أنها هي التي تأخذه
إلى نوادي القمار،وأعتقد أنه يحبها كثيراً،وسوف تجره إلى القمار مرة ثانية
وعندما تنتهي النقود التي معه سوف ترميه في الشارع ليعود مرة أخرى ليطلب
النقود من أهله،هكذا كانت الأفكار تدور في رأسي،ولا أعلم أذا ما كنت على
صواب،أو أني أظلم هذه الفتاة،ولكني كنت على يقين أنها فتاة سيئة.
انتهيت من تناول طعامي،ثم وضعت علبة الكرتون الفارغة على المنضدة،ومن هنا
بدأت المشاكل،لم يعجب روكسانا أن أضع العلبة على المنضدة،وأخذت تصرخ بوجه
أيمن،ولم أكن بحاجة للترجمة،فتعابير وجهها،وحركات يدها،كانت تترجم صراخها،وأظن
أنها غاضبة أيضاً لأني لم أغسل الصحون المرمية في المغسلة منذ أكثر من شهر.
حاول أيمن تهدئتها،ولكن عبثاً،فالكحول التي شربتها كانت كفيلة بجعلها تصرخ
وتذرف الدموع الكاذبة لساعات طويلة.
حاولت التدخل متصنعاً عدم الفهم بما يجري،وسألت أيمن عن سبب غضبها المفاجئ!
فتنهد أيمن تنهيدته المعتادة الطويلة،ثم قال وهو يحاول أن يخفي الحقيقة:
-لا شيء مهم،أعتقد إنها شربت كثيراً،ولم تعد تعي ما تقول.
ولكنه لم يستطيع إخفاء الحقيقة كثيراً،فقد كانت نظرات روكسانا الغاضبة تلاحقه
فتابع كلامه متعلثماً..ولكن يا أخي هنا في أوروبا..كل..واحد يخدم نفسه بنفسه
أرجوك لا تحزن مني فهنا الوضع مختلف عن الوضع في بلدنا،وكان يتكلم وهو ينظر
نحوي تارة،وتارة أخرى إلى روكسانا،وكان صوته يرتفع كثيراً عندما ينظر نحوي
وكأنه يقول لروكسانا،لا تغضبي فأنا أوبخه لأنه وضع العلبة الفارغة على
المنضدة،ولم يغسل الصحون،ولكني فهمت اللعبة،وآثرت أن أبقى متصنعاً عدم الفهم
بما يجري،لكي يُثبت أيمن رجولته أمام روكسانا.
عاد الصمت ثانية يخيم على الغرفة بعد أن شربت روكسانا زجاجة الخمر،وجلست
بجانب أيمن تداعبه أمامي من غير حياء،وكانت تتوسل إليه أن يخرج معها لشراء
المزيد من الخمر،ومرة ثانية تركوني وحيداً وخرجوا.
كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل عندما فتح الباب ودخلت روكسانا
يتبعها أيمن وبيده زجاجة خمر،كان قد شرب أكثر من نصفها.
في هذه اللحظات كنت بالنسبة إلى أيمن وركسانا،لا شيء،لا فرق بيني وبين أي أثاث
في الغرفة،فقد ذهب الخمر بعقل أيمن ولم يعد يُدرك ما يفعله،فكانوا يتصرفون
مثل البهائم،بل البهائم كانت أفضل حالاً منهم.
خجلت من نفسي،ولم أعد أطيق النظر إليهم،فتحت باب الغرفة وخرجت من دون أن
يعيروني أي أهتمام،أو حتى يسألوني إلى أين أنا ذاهب.
سال الدمع من عيني،وأنا أستلقي أمام الباب مثل الكلاب،لأجد نفسي مرة
ثانية على هذه الأرض القاسيةالرطبة في سكون هذا الليل العميق الذي لا
أعرف مواقع نجومه،فأغفو على همسات أمي تخرج من ذاكرة أعماقي تغني أغنية نومي
الدافئة تمسح بيدها على شعري فأهيم بنومي،يغمرني الحب والحنان والأمان،وأفتح
عيني لأجد العمة ماريا توقظني بهدوء،وتشير لي بيدها أن أدخل بيتها،فلم أتردد
ودخلت إلى بيتها حتى أني لم أرى شيئاً سوى السرير،فرحت أغط في نوم عميق.
فتحت عيني على رسوم جميلة،مطرزة على الوسادة البيضاء التي لطخها الغبار
والأوساخ من رأسي و رقبتي،ورائحة عرقي تنتشر بالمكان.
جُلت بنظري في أرجاء الغرفة،كانت غرفة نوم جميلة،عبارة عن سرير وخزانة ملابس
ومرأة كبيرة الحجم،وكلها مصنوع من الخشب الثقيل،وأظن أنها أثرية قديمة الصنع
وعلى الحائط،في مقابل السرير،عُلقت صورة لرجل دين،يلبس ثوب طويل أسود،له
لحية طويلة سوداء،وعندما نظرت إلى وجهه،اقشعر جسدي من نطراته المخيفة،فقد
كان عابس الوجه،وكأنه يقول لي:ماذا تفعل في غرفتي وعلى سريري أيها الغريب
-7-
فُتح الباب بهدوء،ثم بان من وراءه وجه العمة ماريا بابتسامة خفيفة،وكأنها
فأر يحاول أن يستطلع المكان قبل دخوله إليه.
تشجعت العمة ماريا على الدخول عندما رأت عيناي مفتوحتان وبدأت تكلمني
وهي تعلم أني لا أفهم من كلامها شيء،ثم ذهبت لتعود ثانية،ومعها منشفة حمام
ولوح صابون جديد،لم يُنزع غلافه بعد.
من خلال الأشارت،فهمت بأنها تريدني أن أذهب إلى الحمام كي أغتسل،وهذا ما كنت
بحاجة إليه،فقد كان حماماً رائعاً بعد كل هذا العذاب.
عندما خرجت من الحمام،أشارت لي العمة ماريا بأن أدخل إلى المطبخ،لتناول الفطور
وهو عبارة عن زيتون أسود،وقطعة جبن،وبيض مقلي.
لا أدري كيف أشكر العمة ماريا،لم يكن بوسعي سوى أن أبتسم وأهز رأسي ممنوناً
لها،ولكني كنت أريد أن أقول لها الكثير ،أن أقول،شكراً أيتها العمة،لقد أحسست
معك بحنان الأم،لقد عطفت وأحسنت لي من غير أن تعرفيني،لمجرد إنك رأيت إنسان
يحتاج المساعدة،أشكرك من كل قلبي،وكانت العمة ماريا قد أحست بي من دون أن
أتكلم،وشعرت من خلال حركاتي،كم أنا شاكر لها.
كما توقعت،لم يمضي وقت طويل حتى جاء أيمن وهو يعتذر ويتأسف عما حصل البارحة
ويضع اللوم على روكسانا،بأنها هي التي جعلته يسكر،ولا يدري ماذا حصل له.
لم يكن بوسعي سوى أن أسامحه، فليس باليد حيلة،ولكن العمة ماريا لم تسكت
فأخذت تصرخ بوجه أيمن،ومن نبرة صوتها فهمت بأنها كانت توبخه،ومن إشارات يديها
وتحركاتها،فهمت بأنها تريدني أن أنام عندها كل يوم،ثم ذهبت إلى المطبخ لتعد
لنا الشاي،فسألت أيمن عن صاحب الصورة،ذلك الرجل الذي ينظر إلينا بسخط.
ضحك أيمن وقال أن هذا الرجل كان زوج العمة ماريا،وقد كان رجل دين يعمل في
الكنيسة،ولكنه توفي منذ زمن بعيد.
شربنا الشاي مع العمة ماريا،ولم تدعني أخرج حتى تأكدت بأني سوف أعود لأنام
عندها في الليل.
كانت أول مرة أخرج فيها إلى الشارع منذ قدومي،فقد أراد أيمن أن يُعرفني
بالمدينة،وأن نتفسح قليلاً،والحمد لله،لم تأتي معنا روكسانا لأني لم أعد أطيق
رؤيتها.مشينا مسافة قصيرة حتى وصلنا إلى مكان الحافلة،ولكن هذه المرة لم أرى
الغجر في الشارع،فقلت في نفسي،أظن أنهم ذهبوا ليناموا،لأنهم يتعبون طوال
الليل في ملاحقة أرزاقهم.
ركبنا الحافلة ولم تكن مكتظة،فقد ركبنا من بداية الخط،ولكن ما هي إلا دقائق
حتى امتلئت بالركاب ولم يعد هناك مكان يتسع لنملة.
كان كل شيء غريب بالنسبة لي،المباني المرتفعة،السيارت،الناس،وجوه جديدة
كل شيء أراه لأول مرة.
الأمر الغريب الذي رأيته،أن العجائز يقفون في ممر الحافلة،والشباب يجلسون
على الكراسي،ولا أحد يبالي،فتحركت النخوه في داخلي،وأعطيت مكاني لأحدى
العجائز،وكذلك فعل أيمن،وأظنه فعل ذلك خجلاً مني.
على جانبي وقفت فتاة شقراء جميلة،في العشرين من عمرها،وكانت تبتسم لي كلما
جاءت عيني بعينيها،وتقترب مني أكثر وأكثر وسط الزحام،وكانت يدها تمتد
لتلمسني بهدوء،مما جعل العرق يتصبب مني،وفجأة شعرت بيد أيمن فوق يدها داخل
جيبي،سحب أيمن يدها،وتأكد جيداً بأنها لم تأخذ شيء،ثم صرخ بوجهها وتركها لتغور
بين الركاب بحثاً عن مغفل غيري.
نزلنا من الحافلة،ولم ينتهي الدرس الذي لقني به أيمن عن الحرص والحذر من
النشالين،وأنواعهم،وطريقة عملهم،وأشياء أخرى كثيرة،لم أحفظ منها
سوى ان أبقي يدي في جيبي،وأن أدع جواز سفري والأوراق المهمة في البيت.
مشينا بوسط المدينة،وكان أيمن يتكلم بدون توقف،وهو يشرح لي عن الأماكن
وعن مغامراته و ذكرياته مع النساء في كل شارع نسير فيه،وكنا ندخل من محل
تجاري إلى أخر،نشاهد الألبسة،والأثاث والأجهزة الكهربائية،فقد كانت معروضة
بشكل جميل جداً،يجعل المرء يشتهي شراءها،ولكن ياحسرة من أين،فجيوبي فارغة.
قضينا وقت طويل بالتنقل من مكان لأخر،وقد بدأت أشعر بالتعب من كثرة المشي
فجلسنا نستريح على مقعد خشبي في حديقة عامة كبيرة تقع في منتصف المدينة،تمتلئ
بالأشجار الكبيرة،وفي منتصفها بحيرة صغيرة يحيط بها أنواع كثيرة من الورود.
كانت الحديقة كبيرة جداً بحيث يحتاج الزائر أكثر من نصف ساعة لقطعها سيراً
على الأقدام،وكانت المقاعد الخشبية مثبتة على جوانب الممرات تحت الأشجار،وكان
أغلب زوار الحديقة من العجائز التي ملت الجلوس بالبيت،فتجد في الحديقة
متنفساً جميلاً،بعيداً عن بيوتهم الصغيرة التي تشبه علب الكبريت.
ليس ببعيد عن مكان جلوسنا،وفي الجهة المقابلة لنا،جلست إمرأة عجوز،وقد
أدارت ظهرها لنا،ولم أكن أرى منها سوى شعرها الأبيض،وقد وضعت بجانبها
حقيبة يدها،وهي تمسك بها بحرص شديد،وأعتقد أن هذا هو السبب الذي جعل عيون
اللصوص تلاحقها.
اقترب من خلفها رجل في الثلاثين من عمره،وكان يحمل بيده شيء حاد،ومن غير أن
تشعر به،وبخفة اللصوص قص جانب الحقيبة،وأحدث فتحة تمر منها يده،وأخذ يُخرج
محتويات الحقيبة من غير أن يضايقه أحد،والطريف بالأمر،أن اللص كان يعيد
الأشياء التي لا تهمه إلى داخل الحقيبة،ولكنه لم يحصل على مراده من طرف الحقيبة
فحاول سحبها من بين يدي العجوز،فأحست به،وأخذت تصرخ،واللص يشد الحقيبة،وهي
تمسك بها بكل قوتها،فبدأ اللص يضربها على رأسها لكي تصمت،وألقى بها أرضاً،ولكن
العجوز أبت أن تدع له الحقيبة.
كل هذا يحدث،ولا أحد من الناس يكترث،حتى حارس الحديقة ذهب بعيداً،لكي لا يتدخل
أما أنا وقد بدأت أعصابي ترتجف والدم العربي ينبض في عروقي،نهضت لكي أساعد
هذه العجوز المسكينة التي لا حول ولا قوة لها امام هذا المعتدي اللعين،ولكن
أيمن كان يمسك بي ولا يتركني اذهب،وكان يقول لي،لا تتدخل،هذا الأمر لا يعنيك
نحن في أوروبا،كل شخص مسؤول عن نفسه هنا،ألا ترى أن الجميع لا يهتم.
ولكني لم أستطيع أن أتحمل هذا الظلم،فاندفعت إلى اللص غير مبالي بكلام أيمن
الذي حذرني بأننا سوف نقع بورطة كبيرة،وأبعدت اللص عن العجوز،وأخذت من
يده الحقيبة التي استولى عليها بالقوة،وأعدتها إلى العجوز التي كانت غائبة
عن الوعي تقريباً.
أما اللص،فقد ركض هارباً،وهو يصرخ ويدمدم بكلمات،أظنها عبارات تهديد.
كان أيمن يقف بجانبي ووجهه قد تغير لونه إلى الأصفر،وبدأ يشدني من يدي ويقول
خائفاً:هيا نهرب بسرعة ليس معنا متسع من الوقت.وفعلاً لم يُنهي أيمن كلامه
حتى عاد اللص،وخلفه أربعة من الغجر يركضون نحونا،وكان أضعفهم،بحجمي أنا
وأيمن معاً.

بقايا عاشق
31-05-2010, 02:52 PM
فايز الأشتر /



احييكَ وربي على هذا الاسلوب الأكثر من رائع

ودون مجاملة روايه أكثر من رائعة

ســَ أنتظر وبــِ فارغ الصبر ما تبقي منها

وأرجوك لا تتأخر كثيراً في طرحه .

تقديري وكل احترامي لكَ ايها المبدع .

فايز الأشتر
31-05-2010, 08:04 PM
شكراً لك أخي بقايا عاشق

على كلماتك اللطيفة وتشجيعك الجميل

ولك مني جزئين مرة واحدة

تحيتي ومودتي.

فايز الأشتر
31-05-2010, 08:31 PM
-8-
لم يكن أمامنا سوى الهرب،فرؤية الغجر يركضون نحونا حاملين بأيديهم السلاسل
الحديدية والسكاكين الكبيرة،لا تدعك تفكر سوى بالفرار.
ركضنا محاولين الخروج من الحديقة،ولكن مجموعة أخرى من الغجر
كانت لنا بالمرصاد،فوقعنا بين المجموعتين،محاصرين من كل الجهات.
حاولت التملص من بين المجموعتين،وقد نجحت،ولكن أصابني أحد الغجر بضربة من
سلسلة حديدية،مزقت ظهري،أما أيمن فقد وقع بين أيديهم،فأخذوا يضربونه من
دون رحمة،وهو يصرخ مستنجداً بي.
مع أن الضربة التي تلقيتها كانت ضربة موجعة جداً،إلا أني لم أتحمل رؤية
الغجر وهم يضربون أيمن بهذه القسوة،فجمعت قواي،وركضت نحوهم وأنا أصرخ
بأعلى صوتي: أتركوه يا كلاب..أتركوه..يا حُقراء،فشتت أنتباههم عن أيمن
فتركوه يهرب،ولحقوا بي.
ركضت بين الأشجار،محاولاً تضليلهم عني،ولكن عبثاً،كنت كلما أفلت من أحدهم،وجدت
أخر بوجهي،كانت مطارة عنيفة جداً،حتى أني لم أعد أرى أيمن،والأشخاص الذين
كانوا يتنزهون بالحديقة هربوا،إلا شخص واحد كان يبيع سكاكر غزل البنات
على عربة متحركة،وكان يقف بعربته بجانب حوض كبير جداً من الورود،فخطر لي
أن أختبئ داخل هذا الحوض،ولكنها كانت فكرة خطيرة جداً،فسوف يروني وأنا
أدخل إلى الحوض،وسوف يمسكون بي،ولكن لم يكن امامي سوى هذا الخيار الصعب،فربما
اكسب وقتاً أطول،فيحدث شيئاً ما،ولربما يعود أيمن ومعه الشرطة.
لم أتردد كي لا أضيع علي أخر فرصة،فركضت بكل ما عندي من قوة،وقبل أن
يلاحظني أحد،ارتميت في حوض الورود منبطحاً على الأرض.
زحفت كالدودة بين الحشائش وأغصان الورود كي أصل إلى منتصف الحوض،حتى لا يجدوني
بسهولة،كنت أسمع أصواتهم المخيفة يصرخون من جهة لأخرى،وأصوات السلاسل
الحديدية،والسكاكين الطويلة الحادة،تثير الرعب والقشعريرة في جسدي.
شيئاً فشيئاً بدأت أسمع أصواتهم تقترب مني،وكأنهم عرفوا مكاني،أو رأني احدهم
عندما ركضت نحو الحوض.كان قلبي يخفق بشدة كلما تحركت الأغصان بجانبي،كانت
كل لحظة بالنسبة لي هي النهاية،فضربة من سلسلة حديدية على رأسي،أو طعنة
سكين بظهري،سوف تكون فيها نهايتي.
كنت كلما أقترب مني صوت أو حركة من أحدى الجهات،هربت زاحفاً إلى الجهة الأخرى
وكنت أرى الأقدام وهي تقترب مني بحذر من جميع الجهات،فعدت بذاكرتي إلى القرية
عندما كنت أنا وأبي والجيران،نحاصر الثعلب بين اكوام القش،عندما يأكل الدجاج
وكان كل واحد منا يحمل عصا أو شوكة حديدية كبيرة،وفي معظم الأحيان كان يُفلت
منا،هارباً بين الحقول.
لم يعد لي مجال للهرب وأيقنت أنها النهاية،ولم يتبقى سوى خطوة واحدة من أحد
الغجر ليضع يده علي من بين الحشائش.
كانت يدٌ ضخمة وطويلة امسكت بي من قميصي وسحبتني بسرعة هائلة لأجد نفسي
داخل العربة التي كانت تقف بجانب حوض الورود.
كانت عربة مصنوعة من الخشب،على شكل صندوق كبير له دواليب لكي يدفعه البائع
أمامه بسهوله،وكان البائع يضع بداخله حوائجه من سكر و أصبغة لصناعة
الحلويات.كان المكان مظلم جداً لم أستطيع أن أرى شيئاً،سوى أنفاس خائفة
مرتعبة،تخترق أذاني،ولكن هذه الأنفاس لم تكن غريبة عني فقد كنت أعرفها
جيداً،منذ زمن بعيد عندما كنا نختبئ في خم الدجاج،هاربين من باقي الأطفال
لكي لا يرونا،كانت أنفاس أيمن، نعم هو أيمن بجانبي! همست بصوت خافت جداً،حتى
أني لم اسمع صوتي جيداً: أيمن..أيمن..
فسمعت صوته باكياً يريدني أن أصمت: صه..صه..
صمت قليلاً،ولكني عدت وسألته بصوت غير مسموع:
أيمن ماذا حصل..ما الأمر
لم يسمع ما قلت له،لكني أعتقد أنه فهم ماذا أريد.
وضع شفتيه على أذني تماماً،وهمس : أنه بائع غزل البنات،يحاول أن يساعدنا.
عرفت الأن لمن هذه اليد الضخمة التي سحبتني إلى داخل العربة،فقد كانت
يد البائع الذي كان يقف بجانب حوض الورود،وهو يخاطر بحياته لكي يساعدنا.
لا استطيع ان أصف احساسي بالذل والمهانة،وأنا مختبئ داخل العربة مثل
الجبناء،عشت فقيراً ولكني لم أكن جباناً أبداً،فقد كانت عروقي تنتفض،وأعصابي
ترتجف،من شدة القهر الذي أصابني،ومن غير أن أشعر،اندفعت من باب العربة
محطماً الخوف الذي يحاول السيطرة على كبريائي،وقد فضلت الموت بشجاعة،طعناً
بسكين أو بضربة تكسر رأسي،على الأختباء،ولكن البائع كان لي بالمرصاد
فلم استطيع الخروج بسبب ضخامة جسده القابع على باب العربة.
فتح باب العربة،وأطل علينا البائع برأسه الكبير،ثم أشار لنا بأصبعه على
فمه بأن نهدأ،فهز أيمن رأسه للبائع،ثم قال لي هامساً،بعد أن اغلق البائع
باب العربة:أرجوك أهدأ،أنا أعرفك جيداً وأعرف أن هذا الأمر صعب عليك
جداً،منذ كنا أطفال وأنا أتذكر كيف كنت تعارك من هم أكبر منك سناً،ولا تسكت
لهم،ولكن أرجوك نحن هنا نواجه الموت،وأنا لا أريد الموت الأن،فإذا لا تبالي
بحياتك،فأنا أريد أن أعيش أرجوك..أرجوك..أرجوك..وأخذ يجهش بالبكاء.
لم أجيب على كلامه،وبقيت صامتاً،ولكني حاولت تهدئته،فوضعت يدي على رقبته
محاولاً تشجيعه،ولكن ماهذا السائل الذي يملئ رقبته الضعيفة!!!.
كان الدم يجري من رقبة المسكين أيمن من غير أن يشعر به،فمزقت قطعة من قميصي
وتحسست مكان الجرح بيدي،ثم ضمدت الجرح،وأنا لا أرى شيئاً،فربما ما يزال هناك
جروح أخرى في جسده.
علت أصوات اللصوص في الخارج،وقد اصابهم الجنون،فهم لا يعرفون أين اختفت
فريستهم التي كانت ستقع بين أيديهم،ولا يفصلهم عنها سوى قاب قوسين أو أدنى.
اقترب أحدهم من البائع وهو يصرخ،ويضرب العربة بسلاسل الحديد،وكأنه يقول
للبائع،إنك تعرف مكانهم ولا تخبرنا،فكان البائع يتمتم بصوت خافت،وكأنه
يقول له،دعني وشأني،فأنا لا أعرف شيئاً.
كل هذا كنت اخمنه في عقلي،لأني لا أستطيع أن أسأل أيمن عن أي شيء،فأقل همسة
مني،سوف يسمعوها،ويكشفون مكاننا فوراً،فالتزمت الصمت،ووضعت يدي على ظهر
أيمن كي أشعره ببعض الأطمئنان،ولكن جسد أيمن بدأ بالأرتعاش عندما فتح باب
العربة،وامتدت يد سوداء طويلة تبحث عن شيء،ولم تكن يد البائع،كانت يد
أحد اللصوص الذي أخذ قطعة من الحلوى،ومن غير أن ينظر إلى داخل العربة،ثم
أغلق الباب،فهو لم يفكر أبداً،بأننا ممكن أن نكون محشورين داخل هذه العربة
الصغيرة.كانت أنفاس أيمن شبه مقطوعة من شدة الخوف،ولكن سرعان ما هدأ خوفه
عندما ابتعد اللصوص عن العربة.
مرت أكثر من ساعة قبل أن يفتح البائع الباب،ويكلم أيمن،ثم أغلق الباب
وبدأ أيمن يترجم لي ما قاله بصوت أعلى بقليل من ذي قبل
- يقول البائع،أنهم ابتعدوا عن العربة،وهم الأن يقفون على أطراف الحديقة
يراقبون مخارجها لأنهم متأكدين بأننا لم نغادر الحديقة،ويقول البائع أنه
من الأفضل أن نبقى مختبئين حتى غياب الشمس،لكي نستطيع مغادرة الحديقة في الظلام
وعلى كل حال لم يتبقى كثيراً لغياب الشمس .
لم يمضي وقت طويل حتى فتح باب العربة مرة ثانية،وأشار لنا البائع بالخروج
فخرجنا من العربة،وكان الظلام قد خيم على الحديقة.
أخرج أيمن من جيبه بعض النقود ومد يده ليعطيها للبائع،لكن البائع رفض
بشدة،وكأني فهمت من كلامه،بأنه ساعدنا لله وليس من أجل المال،والغريب بالأمر
أن البائع كان غجري ولكنه غجري شريف،يأكل من عرق جبينه.
تشكرنا البائع كثيراً،وودعناه متسللين بهدوء إلى منطقة بعيدة من الحديقة
لكي نهرب منها،من غير أن يشعر بنا اللصوص.
ما أن وضعنا أقدامنا خارج الحديقة،حتى رأنا أحد اللصوص،وبدأ يصرخ وينادي
باقي المجموعة،فأوقفت أول سيارة أجرة قادمة من على الطريق،وارتمينا بداخلها
ونسيت أن السائق لا يعرف العربية،فرحت أصرخ به لكي يسرع قبل أن يصل
اللصوص..بسرعة أرجوك...بسرعة...أسرع..هناك من يريد قتلنا،ولكن السائق لم
يفهم إلا عندما انهال أحد اللصوص بالضرب بسلسلته الحديدية على النافذة
الخلفية للسيارة،ليتطاير الزجاج في كل مكان.
-9-
عندما رأى السائق ما يحدث،فهم الموضوع،ولم ينتظر كثيراً،حتى كانت اصوات
دواليب السيارة تحتك بالأرض من شدة السرعة،بعد أن انطلق هارباً.
لم نتوقف إلا عندما وصلنا الحي الذي يسكن فيه أيمن،نزلنا من السيارة،وأخذنا
نتفحص الأضرار التي الحقها اللصوص بها.
كان السائق ينظر إلى سيارته،وهو حزين جداً عما لحقها من تحطيم للزجاج،وبعض
الضربات على الجوانب،لكن أيمن لم يتركه يعاني كثيراً،فقد أعطاه أجرته،وأعطاه
ثمن الزجاج،ولم ندعه يذهب إلا راضياً،وممنوناً.
كانت مهمتي شاقة وصعبة جداً،فيجب أن أصعد بأيمن إلى الطابق العاشر،وأيمن
بالكاد يستطيع أن يقف على قدميه،بعد الضرب الذي تلقاه من اللصوص.
كما صعدنا أول مرة عندما وصلنا من المطار متعبين،صعدنا هذه المرة ايضاً
وما أن وضعت يدي على باب البيت،حتى ظهرت روكسانا أمامي،وهي تنظر إلينا
بسخط،ولكن ما أن رأت أيمن بحالته هذه،حتى تغيرت تعابير وجهها،واقتربت بسرعة
لتمسك به وتساعده على الدخول.
حدث ما لم أتوقع،فقد دخلت روكسانا،ثم أغلقت الباب بوجهي وتركتني في الخارج.
أول مرة في حياتي أشعر بهذه المهانة،فما فعلت روكسانا معي لم يفعله أحداً
على الأطلاق،شعرت بكرامتي تتدحرج على الدرج،من الطابق العاشر إلى الأرض
اسودت الدنيا أمام عيني،وتمنيت لو أن الأرض تنشق وتبلعني،احساسي في هذا
الوقت لا أستطيع أن أوصفه،فمن الصعب أن يشعر المرء بالذل والمهانة
والمشكلة الأكبر أن تأتي الأهانة من واحدة مثل روكسانا.
وقفت قليلاً على الباب وانا أسمع صراخ ايمن وركسانا في الداخل،وكان صراخاً
عنيفاً،توقعت بأن أيمن سيوبخ روكسانا لأنها أغلقت الباب بوجهي،وأنه سوف
يأخذ موقفاً،يترك لها بيتها،ويخرج معي.
كان صوتهم عالياً جداً،ولكني لم أكن أفهم منه شيء،ثم بدأتُ اسمع أصوات أشياء
تتكسر،وشيئاً فشيئاً هدأ كل شيء،ولم أعد أسمع شيئاً،وحل السكون على المكان.
مرت ساعة على الأقل،وأنا أنتظر خروج أيمن،ولكن عبثاً،فلم يكن أمامي سوى
بيت العمة ماريا أطرق بابه.
طرقت باب العمة ماريا بهدوء،فلم يجيب أحد،فقلت في نفسي،ربما تكون نائمة
فلا أريد ان أزعجها،ثم جلست على الدرج ثانية أنتظر،فربما يخرج أيمن أو
تخرج العمة ماريا صدفة،فتدخلني إلى بيتها.كنت أفكر بأمور كثيرة،وقد شردت
في هذا العالم الغريب الذي يجعلني أهيم في أرض لا اعرفها،وأطير محلقاً بأجنحة
من طين،متحدياً النسور،متعدياً على الثوابت ،متوهماً بنور يأتي من بعيد
موجود في الخيال،أسابق الفراشات إلى النور،أرقص مع دوائر الضوء
الملونة بجميع الألوان الزاهية مقترباً شيئاً فشيئاً من مبعث النور،فيعانقني
بقوة،بشوق،بلهفة،فأحترق بحرارة لهيبه،فيتصاعد الدخان من أجنحتي،
وأقع على الأرض،فتأتي الأفاعي،وتطبق على نفسي الأخير.
ايقظني من شرودي صوت العمة ماريا وهي تصعد الدرج،وأظنها كانت تستعين
بالله على صعود الدرج حتى الطابق العاشر.
عَرفت على الفور العمة ماريا ماذا حدث،عندما رأتني اجلس على الدرج،بجانب
الباب كال...،ولكنها،ومن غير ان تنطق بأي حرف،ابتسمت لي،ثم مدت يدها إلى
جيبها لتخرج مفتاحاً،وقد ربطته بخيط أبيض قصير،وأشارت لي أن أضعه في جيبي.
ياالله ما أحسن هذه المرأة،لقد عانت مشقة النزول والصعود إلى الطابق العاشر
لكي تصنع لي مفتاح،أضعه معي كي أدخل إلى البيت في حال غيابها عنه.
يا إلهي ما أروع هذه العجوز،وكم هناك فرق بين طيبتها،وبين عجرفة روكسانا
وطبعها السيء.
دخلت مع العمة ماريا إلى بيتها،ولم أنتظر كثيراً حتى كان طعام العشاء جاهز
على الطاولة.أكلت وحمدت الله،ثم نهضت لأساعد العمة ماريا في رفع الصحون،ولكنها
صرخت بوجهي،ثم وضعت أصبعها على خدها،وكأنها تريد أن تقول لي بأنها تخجل بأن
تدعني أرفع الصحون،وكانت تحاول أن تفهمني بالأشارات،بأنها مثل أمي.....أمي
أه يا أمي،أعتقد أنها طارت عبر المسافات البعيدة وأتت إلى هنا لتتدخل
روحها وأنفاسها الجميلة جسد العمة ماريا لكي ترعاني،فمن شدة امتناني
للعمة ماريا،بدأت أناديها يا أمي،وكانت تبتسم لي بسعادة.
مرت ثلاثة أيام على الأقل حتى استطعت أن أرى أيمن،فقد كنت أطرق على باب
روكسانا مرات عديدة كل يوم،ولكنها لم تفتح لي الباب،وعندما كنت أدق الباب
كثيراً،كانت تصرخ من الداخل،ولا أفهم شيء مما تقوله.
في مساء اليوم الثالث،كنت أشاهد التلفاز مع العمة ماريا،حين رنَ جرس الباب
فذهبت العمة ماريا لتفتح،ثم عادت ومعها أيمن،وقد تغيرت ملامحه،وأثار الضرب
كانت واضحة بشكل كبير على جسده المتورم.
أخذته بالأحضان،وكأني لم أراه منذ سنين،وجلسنا نتحدث،وبدأ أيمن يقص على
العمة ماريا ما حدث معنا في الحديقة،وكانت العمة ماريا تُصلب بيدها بعد كل
عبارة يتوقف عندها أيمن،وبعد أن أنتهى أيمن من كلامه،قامت العمة ماريا
وضمتني إلى صدرها،وقد بدأت الدموع تسيل من عينيها،وهي تقول لي كلمات
لم أفهم منها شيء،فقال أيمن مترجماً:
-تقول العمة ماريا أنها سعيدة جداً بشجاعتك،وأنها تخيلت نفسها مكان العجوز
التي ساعدتها في الحديقة،وأنها تحمد الله على عودتك سالماً.
نظرت إلى العمة ماريا،وقلت لها ساخراً،وبالأشارة حتى تفهمني جيداً:
- أنا عدت سالماً،ثم نظرت إلى أيمن وقد انتفخت عينيه وازرق جلده،وقلت:
- وهذا المسكين،لقد عاد سالماً أيضاً،ولكن بعد أن تورم جسده،وتغير لونه.
فضحكنا جميعاً بشدة،حتى أخذ أيمن يتألم من شدة الضحك.
تحدثنا وتسامرنا حتى ساعة متأخرة من الليل،أما روكسانا،فقد كانت تأتي
من وقت لأخر لتستعجل أيمن بالعودة إليها،ولم تجروء على الدخول،ليس خجلاً مني
ولكنها كانت تعلم بأن العمة ماريا لا تحبها ولا ترتاح لرؤيتها.
في الصباح،استيقظت على صوت أيمن يستعجلني بالنهوض من الفراش قائلاً:
- هيا هيا بسرعة،ليس معنا وقت،لقد تعلمت على النوم والكسل،هيا يجب
أن نبحث عن عمل،بدلاً من الجلوس والنوم من دون فائدة.
- وماذا يجب أن نفعل،وما هو العمل الذي يجب أن نعمله،وأين مكانه،وووو
اسئلة كثيرة وجهتها إلى أيمن من غير ان أشعر،ولكني تلقيت إجابة واحدة فقط
-هيا بنا الأن وسوف تعرف كل شيء بنفسك.
لم ينتظر ايمن العمة ماريا كي تُعد الفطور،وقال لي بأننا سنأكل أي شيء
في طريقنا إلى مكان العمل،وطلب مني أن أدع جواز سفري وأي شيء مهم في البيت
حتى إذا تعرضت للسرقة،فلا يجد اللصوص في جيبي شيء.
نزلنا على الدرج بسرعة بعد أن أفرغت جيوبي عند العمة ماريا،وتوجهنا إلى
الحافلة التي كانت تقف في أول خط سيرها تنتظر الركاب،ولكن هذه المرة،جعلني
ايمن أجلس بجانب النافذة،وجلس هو بجانبي،لكي يضمن بأنني لن أتحرك من مكاني.

بقايا عاشق
31-05-2010, 09:49 PM
المبدع / فايز الأشتر

أهنئك فــَ عنصر التشويق هو اول واهم عوامل نجاح القصة
وانت هُنا تفعل ذلك واكثر

اخي :
استمر في سردك الرائع لـِ القصة
واجعلنا نبحر معك فى توارد افكارك الغير متوقعة
ولا تجعلنا نقف على حافه الأنتظار طويلاً فقد نسقط .

تقديري وكل احترامي لك .

فايز الأشتر
31-05-2010, 10:07 PM
أهلاً بك أخي بقايا عاشق

وأرجو أن تنال اعجابك باقي القصة

تحيتي وتقديري.

سمو الذكريات
01-06-2010, 09:41 PM
روووعه
كلما ازدادت قراءتي للقصه ازداد حماسي لتكملة البقيه

فسارع بالسرد
ننتظر بشوق

فايز الأشتر
01-06-2010, 09:52 PM
شكراً لك سمو الذكريات على المتابعة

أرجو أن تنال أعجابك باقي الرواية

تحيتي ومودتي.

فايز الأشتر
02-06-2010, 08:25 PM
-10-
انطلقت بنا الحافلة تجوب شوارع المدينة،ولم يمضي وقت طويل حتى نزلنا،وركبنا
حافلة أخرى،لأن الحافلة التي نزلنا منها لا تصل إلى المكان الذي نذهب إليه
وعلى الأقل هكذا أفهمني أيمن.
قضينا أكثر من ساعة جالسين في الحافلة وهي تجوب بنا الشوارع،وأنا لا أدري
أين نذهب،وكانت الشوارع بالنسبة لي كلها متشابهة،لا أستطيع أن أفرق بين
شارع وأخر،وكان أيمن كعادته يجلس بجانبي،مُرخياً رأسه على طرف المقعد
متظاهراً بالنوم.
كانت الحافلة قد خرجت من المدينة عندما توقفت في أخر موقف لها،فنزلنا
لنسير على أقدامنا في شارع تمر منه سيارات كثيرة،جيئة وذهاباً،حتى وصلنا
إلى سوق شعبي كبير جداً،يقع خارج المدينة،تحيط به الأراضي الزراعية،وبعض
البيوت التي يقطنها المزارعين.
دخلنا من بوابة السوق التي تدخل منها السيارات إلى موقف كبير،يكتظ
بالشاحنات الكبيرة التي تُحمل بالبضائع،ثم تنطلق إلى مدن أخرى،فقد كان سوق
كبير للبيع بالجملة.
أول ما لفت انتباهي،هو المحلات التجارية،فقد كانت كلها مصنوعة من الصفيح
ولا يتعدى حجم المحل اربعةامتار طولاً،ومترين عرضاً،ولولا أني على يقين بأني
موجود في اوروبا،لظننت بأن أيمن أخذني إلى الصين.
فقد كانت المحلات تكتظ بالتجار القادمين من الصين،ليبيعوا بضائعهم الرخيصة
في اوروبا،وكان السوق مزدحماً لدرجة كبيرة،لأن كثيراً من أهل المدينة الفقراء
يقصدونه لشراء حوائجهم،مستفيدين من فرق السعر الشاسع بين الجملة والمفرق.
كان السوق عبارة عن صفوف طويلة من المحلات،وكل صف من المحلات يقابله صفٌ أخر
والممر بينهما ضيق كثيراً،مما يساعد على الأزدحام،ويساعد اللصوص أيضاً
في تنفيذ مهامهم بجيوب الزبائن،ومما يزيد الأزدحام أكثر،مرور عربات اليد
التي يدفعها العمال امامهم بين الممرات الضيقة،محملة بالبضائع،حتى أنها كانت
تسد الطريق أحياناً.
كنت أمشي وراء أيمن بهذا الأذدحام،وأنا أشعر بأصابع اللصوص تجسُ جيوبي
ثم تعود خائبة من غير أن تجد شيء.
وقفنا بجانب مطعم صغير،وقد أشترى أيمن بعض فطائر الجبن،ولأن المطعم لا يتسع
سوى للبائع،فقد جلسنا على حرف الطريق نأكل ونحن ننظر إلى الزبائن المارين
من أمامنا،وكأنهم نهر يجري بين الممرات.
لم أمضغ أول لقمة حتى شعرت بها تقف في حلقي،وبدأت أعصابي ترتجف،وجسدي يقشعر
وأنا أشاهد أحد اللصوص يتتبع فتاة تمشي لوحدها،وقد أفرغ كل ما في جيوبها
من غير أن تشعر،وهي تتلفت يميناً ويساراً،مستمتعة بمشاهدة البضائع المعروضة.
لم استطيع ضبط نفسي،ولكني لم استطيع التحرك،فقد كان أيمن يطوقني من خلفي
بيديه،ويستحلفني بالله أن ابقى مكاني.
جلست مكاني ودمي يغلي في عروقي،وأيمن يحاول تهدئتي قائلاً:
- أرجوك يا فارس،لا تتدخل في شيء لا يعنيك،وإذا كنت لا تهتم لنفسك،فكر بي
أرجوك فأن جروحي لم تلتئم بعد،افهمني جيداً أرجوك،فهنا لن يساعدنا أحد
سوف يضربونا ولن يتدخل أحد من أجلنا،لقد جئنا نبحث عن عمل ولم نأتي
لنصلح المجتمع،أرجوك الف مرة أن تبقى هادئ،ولا تحاول أن تنجد أحداً،فمهما
فعلت،فلن تغير شيء،انظر إلى باقي الناس،كلهم ينظرون،ولا احد يتدخل.
لم يقنعني كلام أيمن ولكني هدأت قليلاً،ورحت أمضغ فطيرة الجبن بشدة،وكأنني
أنتقم منها بدلاً من اللصوص.
كنت أنظر إلى الزبائن يمرون من امامنا وكأنني أشاهد التلفاز،بشر من جنسيات
كثيرة،وبين الحين والأخر،يمر اللصوص مسرعين ومعهم حقيبة،قد سرقوها،ثم يقفون
خلف المطعم ليتقاسموا الغنيمة،حتى المتسولين،كانت اشكالهم غريبة ومقززة للنفس
فقد كانوا يمرون من امامي وكأنني أشاهد استعراض كبير،رجل مقطوع الأطراف
تجره امرأة وراءها على عربة صغيرة،وبعد أن تبتعد،يأتي رجل يجر طفلة وقد
حُرق نصف جسمها،ثم يتبعهم رجل اعمى وهو يغني ليستعطف الناس.
كنت اتألم كلما رأيت هذه المناظر،وسألت أيمن:
-أننا نجلس هنا منذ فترة،هل تريد أن تعلمني التسول أو السرقة!
ضحك أيمن وقال:
- أتظن أن المتسولين واللصوص يدخلون إلى السوق من غير أن يدفعوا،وأشار
باصبعه إلى رجل طويل وسمين يقف بعيداً بالقرب من بوابة السوق،وقال:
هذا الرجل يتقاسم مع اللصوص ما يسرقوه،ويتقاسم مع المتسولين ما يكسبوه،
مقابل حمايتهم إذا ما تعرض لهم بطل من أمثالك،وبضربة واحدة يجعله بصل،وهو
بدوره يتقاسم المال مع اخرين يحموه من الشرطة،ولكن اطمئن،فنحن هنا لنبحث
عن محل فارغ كي نستأجره،ونبيع فيه بضائع مثل باقي التجار.
- ولكن ماذا نبيع فيه?
- أنا أعرف تجار صينيين،سوف نشتري منهم بضائع ونبيعها،وسوف نأخذ منهم
البضائع بسعر رخيص.
- ولكن ما هو نوع البضائع?
- لا يهم..البسة..أجهزة كهربائية..أي شيء نبيعه.
- ولكن كيف نستأجر محل تجاري ونحن لا نملك ترخيص!
ضحك أيمن بصوت عالي،حتى لفت انتباه أحد المتسولين الذي جاء يركض،وهو يمد يده
فطرده أيمن،وتابع قائلاً:
- في هذا السوق لا أحد يملك رخصة للبيع.
- هل تسمح لهم السلطات بمزاولة التجارة من غير رخصة!
ضحك مرة ثانية وقال:
-بالطبع لا تسمح لهم أن يبيعوا من غير رخصة،لكي لا يتهربوا من الضرائب
ولكنهم يغلقون محلاتهم ويهربون عندما تاتي الشرضة الأقتصادية،أو عندما
يأتي المفتشين عن رخص البيع.
تركنا مكاننا،ومشينا وسط الإزدحام،نتلفت يميناً ويساراً،بحثاً عن مخزن فارغ
نستأجره،وكلمات ايمن عن هرب التجار لا تفارق تفكيري،فكيف سيهرب مئات التجار
بل الاف التجار،ويغلقون محلاتهم عندما تأتي الشرطة،والزبائن ماذا تفعل!
لا..لا أطن أن هذا يحدث..أعتقد أن ايمن يسخر مني،فلا اعتقد أن سوق بهذا الحجم
الكبير والمستودعات الممتلئة بالبضائع،والعمال والزبائن والتجار،واللصوص.
كل هذا كان يدور في رأسي عندما سمعت صرخةً قوية من أحد الصينيين،وساد بعدها
الصمت لثواني،ثم ارتفعت رؤوس التجار تستطلع الصيحة،وعيونهم تحملق بأتجاه
البوابة،وكأنهم قطيع من الأرانب،قد حلق الصقر فوق رؤوسهم.
فجأة قامت القيامة في السوق،فقد سمعت كثيراً عن يوم القيامة،ولكني هنا رأيته
بأم عيني،أخذ التجار يرمون بضائعهم بسرعة داخل المحلات،وابواب الصفيح تغلق
بقوة فتحدث صوتاً مدوياً،والتجار يتراكضون في جميع الأتجاهات،والزبائن تهرب
من مدخل السوق،فسألت أيمن ماذا يحدث?
فقال: الشرطة الأقتصادية..هيا لنهرب..بسرعة
_ ولكن لماذا نهرب،ماذا فعلنا،حتى اننا لم نستأجر محل بعد!
- المهم الأن اركض وانفذ بجلدك،وأخذ ايمن يركض،وانا اركض وراءه،ومن غير أن
أشعر اصطدمت بأحد الصينيين الهاربين،ووقعت معه على الأرض.
نهض الصيني وهو ينظر إلي بغضب،ثم تابع هارباً،ونهضت أنا أيضاً،ورحت اركض
وراء ايمن الذي اختفى عن عيني بين الهاربين،ولم اعد أرى له أثراً.

فايز الأشتر
03-06-2010, 07:26 PM
-11-
ركضت محاولاً الخروج من بوابة السوق،ولكني وجدت البوابة قد اغلقت،واكتظ
المكان برجال الشرطة المقنعين،يحملون البنادق بأيديهم،وكأنهم في حالة حرب
أشار لي احدهم بأن أقف جانباً،ولا أتحرك من مكاني.
فُتحت البوابة،ودخلت منها شاحنات كبيرة تابعة للشرطة،وبدأ رجال الشرطة
بجمع البضائع التي تركها اصحابها على الأرض،ليضعوها في الشاحنات،وكان قسم
أخر من الشرطة يضع الشمع الأحمر على المحلات التي اغلقها اصحابها وهربوا.
وبما أن حجم السوق كان كبيراً جداً بحيث أن الشرطة لا تستطيع وضع الشمع
على كل المحلات،فقد اكتفوا بالمتاجر الكبيرة التي في مدخل السوق.
اقترب أحد الشرطة مني،ولم يكن مقنعاً،وبدأ يكلمني ويشير لي بيده،وأعتقد
أنه يسألني عن جواز سفري،فحاولت البحث عن شيء في جيبي،لأخرجه له،ولكن
جيوبي كانت خالية من كل شيء.
لم ينتظرني الشرطي كثيراً،أخرج قيوداً حديدية من جيبه،وقيدني بها،ثم دفعني
إلى داخل سيارتهم،وأغلق الباب الذي يُفتح من الخارج فقط.
جلست بالقرب من نافذة باب السيارة،وقلبي يخفق والأفكار والأسئلة تدور
في رأسي،لماذا اعتقلني الشرطي? فأنا لم افعل شيئاً،وقطع تفكيري صراخاً
قوياً،نظرت من النافذة،فرأيت أحد الصينيين يصرخ رافضاً أن تفتشه الشرطة،والشعب
الصيني،شعب شرس جداً،ولا يرضخ لأحد،والشرطة تحسب لهم الف حساب.
قبضوا على الصيني،وجاءوا به إلى السيارة،واجلسوه بجانبي.
هذا الموقف الذي رأيته في هذا اليوم،جعلني أعرف الجواب عن سؤال،كنت قد
سألته لنفسي كثيراً:كيف يستطيع مليار ونصف المليار شخص تقريباً أن يعيشوا في
دولة واحدة مثل الصين!،ويحكمهم رئيس واحد!،فقد رأيت الجواب بعيني،عندما
قبضت الشرطة على الصيني،خرج رفاقه من مخابئهم،من بين محلات الصفيح،يحملون
السكاكين،والسيوف،وهم يصرخون بغضب،يريدون إطلاق سراح صديقهم،وكان حمام
من الدم على وشك الحصول،لولا أن رئيس الشرطة تدارك الأمر،وجاء إلى السيارة
وأطلق سراح الصيني و أطلق سراحي،ظناً منه بأنني معتقل معه لنفس الموضوع.
علمت عندها،لماذا يعيش مليار ونصف المليار صيني في دولة واحدة،يحبون بعضهم
البعض ،ويهبون لنجدة أحدهم عندما يقع في مشكلة ما،"مثلنا بالضبط"،فتخيلت
أيمن قادماً من بعيد على حصان عربي اصيل،يلوح بسيف طويل،ويصرخ بأعلى
صوته،اتركوه أيها الأشرار،ويحاً لكم كيف تقبضون عليه ألا تعلمون من يكون
ألا تعرفون أنه عربي..عربي..عربي..عر،وأيقظني من تفكيري احد الصينيين
يجرني بيده كي يبعدني عن طريق الشرطة.
بعد أن امتلئت الشاحنات بالبضائع المصادرة،فُتحت البوابة،وخرجت منها
يتبعها رجال الشرطة،فقد انتهت مهمتهم،وذهبوا بالغنائم.
كنت انظر بكل الأتجاهات لعلي أرى ايمن،ولكن السوق كان شبه فارغ،وقد خيم
الصمت على ارجاء السوق،حتى المتسولين لم يعد لهم أثر،واختفى اللصوص،حتى
قبل وصول الشرطة.
شيئاً فشيئاً بدأالتجار والزبائن بالعودة،ولم يمضي أكثر من نصف ساعة حتى
عاد كل شيء كما كان،وكأنه لم يحدث شيء.
تجولت في السوق لعلي اصادف ايمن،ولكن عبثاً،فقررت بأن انتظره بجانب
بوابة السوق،لعله يراني،عندما يغادر،أو يدخل السوق بحثاً عني.
طال انتظاري كثيراً.وبدأت الشمس تميل إلى الغروب،والزبائن غادرت السوق
ولم يبقى سوى بعض الصينيين يجمعون بضائعهم من أمام متاجرهم لكي يغلقوها
وبعض العمال الذين يجمعون القمامة التي خلفها الزبائن وراءهم.
احترت في امري.ماذا افعل! أين اذهب! وأين ايمن?
فكنت اتنقل بين السوق وموقف الحافلة،لربما يكون ايمن على نفس الطريق يبحث
عني،وكانت الساعة السابعة مساءً موعد الحافلة الاخيرة التي تغادر إلى المدينة
وقد توقف تفكيري،وكنت لا ادري هل اركب بالحافلةأم ابقى في السوق!
وإذا غادرت مع الحافلة،إلى أين اذهب! فأنا لا اعرف طريق العودة إلى البيت
ولا اسم الحي الذي يقطنه ايمن ولا حتى املك نقود في جيبي،ولا أية وثيقة تثبت
هويتي،فما كان مني سوى العودة إلى بوابة السوق والجلوس هناك منتظراً
ايمن حتى يعود.
كانت عيون حراس السوق تحدق بي كلما مروا من امامي،وهم لا يدرون لماذا
لم يغادر هذا الأجنبي،وقد غادر معظم التجار الأجانب.
اقترب احدهم مني،وبدأ يكلمني،وهو محتارٌ في أمري لا يدري عني شيئاً،ولكني لم افهم
شيء مما يقول،وكل ما استطعت أن اقول له ايمن..انتظر ..ايمن،فتركني وذهب
ولم يفهم مني شيئاً.
خيم الظلام على المكان،إلا من ضوء يأتي من مصباح كهربائي موجود في غرفة
صغيرة بجانب البوابة يجلس بداخلها حارس السوق بعد أن ينتهي من جولته
لتفقد السوق،وبعد أن يتأكد من مغادرة جميع الزبائن والتجار للمكان.
دخل الحارس إلى غرفة الحراسة،ثم رمى بحزمة من المفاتيح كانت بيده على طاولة
صغيرة،وجلس على مقعد خشبي بجانب باب الغرفة،وراح يحدق بي.
لم يتبقى في السوق غيري أنا والحارس،الذي يبلغ العقد السادس من العمر،تقدم
نحوي،وقد بان وجهه الممتلئ بالتجاعيد،وعيناه الكبيرتان اللتان تكادان
تخرجان من محجرهما،وأنفه الكبير المنفوخ،وقال بصوت عالي:السلام عليكم......
للحطات انتعش قلبي وانفرجت غيمة الخوف عني،ونهضت مسرعاً من مكاني،وقلت
له:وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،أهلاً بك يا أخي،الحمد لله بأني وجدتك
لقد أضعت صديقي ايمن،ورحت أشرح له وأكلمه عن حالي،وهو صامت لا يقول شيئاً
وكانت خيبة أملي كبيرة جداً،عندما علمت بأنه لا يعرف من اللغة العربية
سوى كلمة السلام عليكم،ربما سمعها من أحد العرب،ويرددها كالببغاء.
من خلال الأشارات فهمت منه بأن رئيسه لا يسمح له أن يدع أحداً يجلس بجانب
بوابة السوق،وسوف يوبخه إذا رأني،فأشار لي أن أرحل أو ادخل واختبئ
داخل السوق كي لا يراني أحد،ولم يكن امامي سوى الدخول إلى السوق الذي كان
موحشاً جداً.
مشيت خائفاً،لا أدري أين أنا أو في أي أتجاه أمضي،ظلام دامس،القمر اختفى
من السماء،والنجوم حجبتها غيوم سوداء،والأشباح تغزو خيالي،تراقصه من
وراء الجدران،وعيون تلمع كانت بإنتظاري،ارتعدت اوصالي،وأردت الرجوع
ولكن العيون الحمراء ملئت المكان،وفات الأوان.
كانت الكلاب قد اشتمت رائحتي الغريبة عليها،وعندما نبح أول كلب،تبعته
باقي الكلاب المشردة التي تنتشر في السوق،وتأتي من الاراضي الزراعية
المتاخمة للسوق،وكانت تأكل من الفضلات التي يرميها التجار خلال النهار.
كان قلبي يخفق بقوة،حتى أني لم أرى حجراً أضربها به،لكي أبعدها عني،فوقفت
امام حائط من الصفيح كي لا تهاجمني الكلاب من الخلف،ورحت أضرب بكل قوتي
على الصفيح محاولاً إخافتها،وقد نجحت في البداية،ولكنها كانت تعاود الهجوم
كلما توقفت عن ضرب الصفيح،وكانت الكلاب كثيرة جداً،وتنبح بصوت أقوى
من صوت ضربي على الصفيح،وشيئاً فشيئاً بدأت قواي تتلاشى،ولم أعد استطيع
تحريك يدي من شدة الألم والتعب الذي أصابها من جراء الضرب على الصفيح.
أرخيت جسدي المتهالك على الحائط،ولم تعد تحملني قدماي،فتهاويت على الأرض
واستسلمت إلى قدري المحتوم.
-12-
لم أدري ماذا جرى بعد أن وقعت على الأرض مغمياً علي،ولكني عندما فتحت
عيناي شعرت أني قد نمت لمدة طويلة جداً،واعتقد بأنني نمت يومين أو أكثر من
شدة التعب و الأرهاق ،وكانت معدتي الفارغة تلتصق بظهري من الجوع.
وجدت نفسي مستلقياً على سرير في غرفة صغيرة،مبنية من الطين،وسقفها من جذوع
الأشجار،فأدركت بأنني في بيت ريفي لشخص فقير.
رفعت عني الغطاء الذي غطوني به،وكان عبارة عن بساط أحمر مصنوع يدوياً.
أردت أن أنهض،ولكني لم أستطيع،فقد كنت مقيداً بالسرير.
حاولت جاهداً فك قيدي،ولكني لم أستطيع،فقد كنت مقيداً بإحكام شديد،بدأت
أصرخ،أنادي لعل أحداً يسمعني،ولكن لم يجيبني أحد.
مر الوقت ببطئ شديد،فأنا لا أعلم أين أكون! وماذا حصل لي!ولماذا أنا
مقيد هكذا? ومرة ثانية عدت للنوم،لعلي أستيقظ فأجد نفسي في غير هذا
المكان،وربما أستيقظ من هذا الكابوس الذي يطبق على أنفاسي،ولكني استيقظت
على يد الحارس الذي رأيته في السوق،وأعتقد بأنه هو الذي أنقذني في تلك
الليلة،وجاء بي إلى بيته،ولكن لماذا قيدني?.
فك الحارس قيدي،وتركني وخرج،من غير أن ينطق بأي كلمة.نهضت من على السرير
ولحقت به.
عندما خرجت من باب الغرفة لم استطيع أن أفتح عيناي ،فقد سطعت أشعة الشمس
بوجهي،وكأنني لم أرى الضوء منذ فترة طويلة،وكما توقعت فقد كنت في بيت ريفي
له حديقة صغيرة قد امتلئت بالأوراق الصفراء المتساقطة من الأشجار المحيطة بها
معلنة قدوم الشتاء القاسي جداً في اوروبا الشرقية.
كان البيت عبارة عن غرفتان ومطبخ كبير،والحمام موجود في الخارج بجانب
الأسطبل،الذي يحتوي على قسم للدجاج،وقسم أخر للخنازير،وبقرة كبيرة.
كان الحارس يُقيم في المنزل مع زوجته العجوز،التي لم تستغرب عندما رأتني
أخرج من باب الغرفة،لأني كنت موجود في بيتهم منذ أيام غائب عن الوعي.
ابتسمت لي العجوز التي كانت تقوم بجمع أوراق الأشجار المتساقطة من ساحة
المنزل،وبدأت تكلمني،ولكن الحارس قاطعها بصوت عالي،وأظنه كان يقول لها،ألم
أقل لك إنه لا يعرف لغتنا،وتابعت العجوز الكلام،ولكن هذه المرة مع الأشارات
وكنت قد بدأت أفهم بعض الكلمات،فقد كانت تدعوني لتناول الطعام.
دخلت معها إلى المطبخ،وجلست أنظر إليها وهي تضع الطعام على الطاولة،ثم
نظرت بعيني،وهي تريد أن تقول شيئاً،ولكنها عجزت أن تُفهمني بالأشارة،وفجأة
حملت صحن الطعام الذي وضعته على الطاولة،وجرتني من يدي كما تجر الطفل
الصغير،ومشينا حتى وصلنا إلى الأسطبل،فقد كنت في حيرة من أمر هذه العجوز
ماذا تريد مني ? هل تريدني ان أكل في الأسطبل مع الحيوانات!.
أدخلتني إلى قسم الخنازير،ثم أشارت بأصبعها إلى الخنازير،ومن ثم إلى الصحن
لتفهمني أن الطعام لا يحتوي على لحم الخنزير،وبعد ذلك،أدخلتني إلى قسم الدجاج
وعملت نفس الشيء،لتفهمني بأن الطعام يحتوي على لحم الدجاج فقط.
فوجئت بثقافة هذه العجوز التي تعلم بأننا لا نأكل لحم الخنزير،فشكرتها
كثيراً،لأنني تعلمت كلمات الشكر،ثم عدنا إلى المطبخ،ورحت ألتهم الطعام
بشراهة من شدة الجوع.
بعد أن تناولت الطعام خرجت من المطبخ،وجلست بجانب الحارس،وكنت أحاول
ببضع كلمات تعلمتها أن أفهم منه السبب الذي جعله يقيدني بالسرير
فتشجع الحارس وراح يكلمني ويشرح لي بالكلام تارة وبالأشارات تارة أخرى،وبعد
جهد جهيد،فهمت أنه بعد أن أنقذني من بين الكلاب المشردة،وجاء بي إلى بيته
كنت أستيقظ بين الحين والأخر،وأصرخ بصوت عالي،ثم أطرق على باب الغرفة بكل
قوتي،ولا أتوقف حتى يغمى علي،فقرر تقيدي كي لا أجرح نفسي
وكي يضمن سلامتي أثناء نومه،فشكرته كثيراً،لما فعله من أجلي.
أمضيت وقتي في ساحة البيت،أنظر إلى السوق الذي بدا صغيراً من بعيد،وبصعوبة
بالغة استطعت إخبار الحارس وزوجته العجوز بقصتي،وكيف فقدت أيمن في السوق
فوعدني الحارس بأن يأخذني كل يوم إلى السوق كي ابحث عن أيمن،حتى أجده.
أيقظني الحارس،ولم تكن الشمس قد أشرقت،فتعجبت لأمره!لماذا يريد أن يأخذني
في هذا الوقت المبكر إلى السوق? ولكني عرفت الجواب عندما وصلنا إلى السوق
فقد كان مكتظاً بالزبائن الذين يأتون قبل بزوغ الفجر ليشتروا بضائعهم
ويغادرون قبل أن تزدحم الشوارع.
لم يمضي وقت طويل حتى انتشرت أشعة الشمس بالمكان،وكانت الشاحنات تدخل إلى
السوق فارغة ثم تخرج ممتلئة بالبضائع،أما الحارس فقد كان يعمل في تحميل
البضائع على الشاحنات في النهار،أما في الليل فقد كان يتولى الحراسة.
جلست بجانب البوابة وأنا أراقب كل شخص يدخل ويخرج لعلي أرى ايمن،وقد جاء
ليبحث عني،أو لعلي أرى أحد العرب فيساعدني أو يدلني على المنزل،ولكني
لم أرى سوى الصينيين،وعندما كنت أرى شخصاً يشبه العرب،كنت اركض نحوه
كي أكلمه،ولكني أعود بخيبة أمل،عندما أكتشف إنه تركي أو إيراني،لا يفهمون
من لغتي شيئاً سوى التحية (السلام عليكم،وعليكم السلام).
جاء الحارس ومعه أكياس من النايلون،وطلب مني بأن أذهب إلى بيته،وأملئ هذه
الأكياس بالطين من حديقة بيته،كي يغلق بها مجرى مياه الأمطار عن غرفة الحراسة.
لم اتأخر كثيراً،فقد ملئت الأكياس بمساعدة زوجته العجوز،ثم وضعتها على عربة
صغيرة،دفعتها أمامي،وعدت إلى السوق.
جلست بجانب البوابة،والعربة أمامي انتظر الحارس كي يأتي ويأخذ الطين،ولكن
الحارس تأخر بسبب تفريغ شاحنة كبيرة ممتلئة بالبضائع،فجلست في مكاني أنظر
إلى زبائن السوق،ربما أرى أحداً من العرب يساعدني.
شعرت بالجوع،فقد انتصف النهار ولم أكل شيء،وكنت أنتطر عودة الحارس كي اطلب
منه أن يجد لي عملاً في تحميل البضائع،أكسب منه بعض المال،ولا اكون عالة على أحد
لم أستطيع الأنتظار أكثر،فقررت أن أذهب إليه،فربما يدعني أعمل معه
في الشاحنة التي يفرغها،وما أن تحركت من مكاني،حتى رأيت رجلاً يقف بجانب الطين
ويسأل عن سعر الكيس،فقلت له بكلمات متقطعة،ولكنه فهمها،هذا الطين ليس
للبيع،ولكنه أصر على الشراء،وأخرج نقوداً من جيبه،ووضعها في يدي.
حملت كيس من الطين،وأعطيته للرجل وأنا مصاب بالذهول،تعالي ياأمي لتري
ابنك يبيع الطين،أنا متأكد بأنك لن تصدقي بأن الطين يباع،ولكني أنا
هنا ياأمي أبيع الطين،ومعي نقود استطيع شراء الطعام بها.
جلست مكاني وراء أكياس الطين،ورحت أرتبها الواحد بجانب الأخر،ولم يمضي
وقت طويل حتى بعتها كلها.
جاء الحارس،وهو ينظر إلي مستغرباً،فهو يرى العربة أمامي فارغة،وهذا يعني
أنني ذهبت إلى المنزل،وأحضرتها،إذاً أين الطين?
ظن الحارس بأنني لم افهم عليه جيداً،وقد أحضرت العربة فارغة،لكني قلت له
أني بعت الطين،وطلبت منه أن يأخذ النقود،لكنه رفض،وضحك كثيراً
لغرابة هذا الأمر،وضحكت أنا أيضاً رغم المصائب التي لا تفارقني.
كنت ادفع كل يوم مبلغ من المال حتى يُسمح لي بالوقوف جانب بوابة السوق
لأبيع الطين،وكنت صباح كل يوم أملئ الأكياس بالطين من الأراضي المجاورة
للسوق،وأبيعها بجانب البوابة،ومضت الأيام وأنا أبيع الطين من أجل الزهور
أو لأشياء أخرى،وكنت أمضي معظم وقتي في السوق وعيني تراقب مدخل
السوق،ولكن لم أرى أثراً لأيمن.

سمو الذكريات
03-06-2010, 09:28 PM
ومازلنا نتابع نسج حروفك
ومازالت الروعة تزداد

فايز الأشتر
03-06-2010, 09:54 PM
شكراً لك سيدتي سمو الذكريات

على التشجيع اللطيف

تحيتي ومودتي.

بقايا عاشق
06-06-2010, 11:03 AM
وربي ممتع انت في سردك وفكرك

ســَ اكون في انتظار


جُل تقديري لك ايها المبدع

.

فايز الأشتر
06-06-2010, 12:26 PM
اهلاً بك بقايا عاشق

شكراً على المتابعة

تحيتي ومودتي.

فايز الأشتر
06-06-2010, 12:30 PM
-12-
لم أدري ماذا جرى بعد أن وقعت على الأرض مغمياً علي،ولكني عندما فتحت
عيناي شعرت أني قد نمت لمدة طويلة جداً،واعتقد بأنني نمت يومين أو أكثر من
شدة التعب و الأرهاق ،وكانت معدتي الفارغة تلتصق بظهري من الجوع.
وجدت نفسي مستلقياً على سرير في غرفة صغيرة،مبنية من الطين،وسقفها من جذوع
الأشجار،فأدركت بأنني في بيت ريفي لشخص فقير.
رفعت عني الغطاء الذي غطوني به،وكان عبارة عن بساط أحمر مصنوع يدوياً.
أردت أن أنهض،ولكني لم أستطيع،فقد كنت مقيداً بالسرير.
حاولت جاهداً فك قيدي،ولكني لم أستطيع،فقد كنت مقيداً بإحكام شديد،بدأت
أصرخ،أنادي لعل أحداً يسمعني،ولكن لم يجيبني أحد.
مر الوقت ببطئ شديد،فأنا لا أعلم أين أكون! وماذا حصل لي!ولماذا أنا
مقيد هكذا? ومرة ثانية عدت للنوم،لعلي أستيقظ فأجد نفسي في غير هذا
المكان،وربما أستيقظ من هذا الكابوس الذي يطبق على أنفاسي،ولكني استيقظت
على يد الحارس الذي رأيته في السوق،وأعتقد بأنه هو الذي أنقذني في تلك
الليلة،وجاء بي إلى بيته،ولكن لماذا قيدني?.
فك الحارس قيدي،وتركني وخرج،من غير أن ينطق بأي كلمة.نهضت من على السرير
ولحقت به.
عندما خرجت من باب الغرفة لم استطيع أن أفتح عيناي ،فقد سطعت أشعة الشمس
بوجهي،وكأنني لم أرى الضوء منذ فترة طويلة،وكما توقعت فقد كنت في بيت ريفي
له حديقة صغيرة قد امتلئت بالأوراق الصفراء المتساقطة من الأشجار المحيطة بها
معلنة قدوم الشتاء القاسي جداً في اوروبا الشرقية.
كان البيت عبارة عن غرفتان ومطبخ كبير،والحمام موجود في الخارج بجانب
الأسطبل،الذي يحتوي على قسم للدجاج،وقسم أخر للخنازير،وبقرة كبيرة.
كان الحارس يُقيم في المنزل مع زوجته العجوز،التي لم تستغرب عندما رأتني
أخرج من باب الغرفة،لأني كنت موجود في بيتهم منذ أيام غائب عن الوعي.
ابتسمت لي العجوز التي كانت تقوم بجمع أوراق الأشجار المتساقطة من ساحة
المنزل،وبدأت تكلمني،ولكن الحارس قاطعها بصوت عالي،وأظنه كان يقول لها،ألم
أقل لك إنه لا يعرف لغتنا،وتابعت العجوز الكلام،ولكن هذه المرة مع الأشارات
وكنت قد بدأت أفهم بعض الكلمات،فقد كانت تدعوني لتناول الطعام.
دخلت معها إلى المطبخ،وجلست أنظر إليها وهي تضع الطعام على الطاولة،ثم
نظرت بعيني،وهي تريد أن تقول شيئاً،ولكنها عجزت أن تُفهمني بالأشارة،وفجأة
حملت صحن الطعام الذي وضعته على الطاولة،وجرتني من يدي كما تجر الطفل
الصغير،ومشينا حتى وصلنا إلى الأسطبل،فقد كنت في حيرة من أمر هذه العجوز
ماذا تريد مني ? هل تريدني ان أكل في الأسطبل مع الحيوانات!.
أدخلتني إلى قسم الخنازير،ثم أشارت بأصبعها إلى الخنازير،ومن ثم إلى الصحن
لتفهمني أن الطعام لا يحتوي على لحم الخنزير،وبعد ذلك،أدخلتني إلى قسم الدجاج
وعملت نفس الشيء،لتفهمني بأن الطعام يحتوي على لحم الدجاج فقط.
فوجئت بثقافة هذه العجوز التي تعلم بأننا لا نأكل لحم الخنزير،فشكرتها
كثيراً،لأنني تعلمت كلمات الشكر،ثم عدنا إلى المطبخ،ورحت ألتهم الطعام
بشراهة من شدة الجوع.
بعد أن تناولت الطعام خرجت من المطبخ،وجلست بجانب الحارس،وكنت أحاول
ببضع كلمات تعلمتها أن أفهم منه السبب الذي جعله يقيدني بالسرير
فتشجع الحارس وراح يكلمني ويشرح لي بالكلام تارة وبالأشارات تارة أخرى،وبعد
جهد جهيد،فهمت أنه بعد أن أنقذني من بين الكلاب المشردة،وجاء بي إلى بيته
كنت أستيقظ بين الحين والأخر،وأصرخ بصوت عالي،ثم أطرق على باب الغرفة بكل
قوتي،ولا أتوقف حتى يغمى علي،فقرر تقيدي كي لا أجرح نفسي
وكي يضمن سلامتي أثناء نومه،فشكرته كثيراً،لما فعله من أجلي.
أمضيت وقتي في ساحة البيت،أنظر إلى السوق الذي بدا صغيراً من بعيد،وبصعوبة
بالغة استطعت إخبار الحارس وزوجته العجوز بقصتي،وكيف فقدت أيمن في السوق
فوعدني الحارس بأن يأخذني كل يوم إلى السوق كي ابحث عن أيمن،حتى أجده.
أيقظني الحارس،ولم تكن الشمس قد أشرقت،فتعجبت لأمره!لماذا يريد أن يأخذني
في هذا الوقت المبكر إلى السوق? ولكني عرفت الجواب عندما وصلنا إلى السوق
فقد كان مكتظاً بالزبائن الذين يأتون قبل بزوغ الفجر ليشتروا بضائعهم
ويغادرون قبل أن تزدحم الشوارع.
لم يمضي وقت طويل حتى انتشرت أشعة الشمس بالمكان،وكانت الشاحنات تدخل إلى
السوق فارغة ثم تخرج ممتلئة بالبضائع،أما الحارس فقد كان يعمل في تحميل
البضائع على الشاحنات في النهار،أما في الليل فقد كان يتولى الحراسة.
جلست بجانب البوابة وأنا أراقب كل شخص يدخل ويخرج لعلي أرى ايمن،وقد جاء
ليبحث عني،أو لعلي أرى أحد العرب فيساعدني أو يدلني على المنزل،ولكني
لم أرى سوى الصينيين،وعندما كنت أرى شخصاً يشبه العرب،كنت اركض نحوه
كي أكلمه،ولكني أعود بخيبة أمل،عندما أكتشف إنه تركي أو إيراني،لا يفهمون
من لغتي شيئاً سوى التحية (السلام عليكم،وعليكم السلام).
جاء الحارس ومعه أكياس من النايلون،وطلب مني بأن أذهب إلى بيته،وأملئ هذه
الأكياس بالطين من حديقة بيته،كي يغلق بها مجرى مياه الأمطار عن غرفة الحراسة.
لم اتأخر كثيراً،فقد ملئت الأكياس بمساعدة زوجته العجوز،ثم وضعتها على عربة
صغيرة،دفعتها أمامي،وعدت إلى السوق.
جلست بجانب البوابة،والعربة أمامي انتظر الحارس كي يأتي ويأخذ الطين،ولكن
الحارس تأخر بسبب تفريغ شاحنة كبيرة ممتلئة بالبضائع،فجلست في مكاني أنظر
إلى زبائن السوق،ربما أرى أحداً من العرب يساعدني.
شعرت بالجوع،فقد انتصف النهار ولم أكل شيء،وكنت أنتطر عودة الحارس كي اطلب
منه أن يجد لي عملاً في تحميل البضائع،أكسب منه بعض المال،ولا اكون عالة على أحد
لم أستطيع الأنتظار أكثر،فقررت أن أذهب إليه،فربما يدعني أعمل معه
في الشاحنة التي يفرغها،وما أن تحركت من مكاني،حتى رأيت رجلاً يقف بجانب الطين
ويسأل عن سعر الكيس،فقلت له بكلمات متقطعة،ولكنه فهمها،هذا الطين ليس
للبيع،ولكنه أصر على الشراء،وأخرج نقوداً من جيبه،ووضعها في يدي.
حملت كيس من الطين،وأعطيته للرجل وأنا مصاب بالذهول،تعالي ياأمي لتري
ابنك يبيع الطين،أنا متأكد بأنك لن تصدقي بأن الطين يباع،ولكني أنا
هنا ياأمي أبيع الطين،ومعي نقود استطيع شراء الطعام بها.
جلست مكاني وراء أكياس الطين،ورحت أرتبها الواحد بجانب الأخر،ولم يمضي
وقت طويل حتى بعتها كلها.
جاء الحارس،وهو ينظر إلي مستغرباً،فهو يرى العربة أمامي فارغة،وهذا يعني
أنني ذهبت إلى المنزل،وأحضرتها،إذاً أين الطين?
ظن الحارس بأنني لم افهم عليه جيداً،وقد أحضرت العربة فارغة،لكني قلت له
أني بعت الطين،وطلبت منه أن يأخذ النقود،لكنه رفض،وضحك كثيراً
لغرابة هذا الأمر،وضحكت أنا أيضاً رغم المصائب التي لا تفارقني.
كنت ادفع كل يوم مبلغ من المال حتى يُسمح لي بالوقوف جانب بوابة السوق
لأبيع الطين،وكنت صباح كل يوم أملئ الأكياس بالطين من الأراضي المجاورة
للسوق،وأبيعها بجانب البوابة،ومضت الأيام وأنا أبيع الطين من أجل الزهور
أو لأشياء أخرى،وكنت أمضي معظم وقتي في السوق وعيني تراقب مدخل
السوق،ولكن لم أرى أثراً لأيمن.

فايز الأشتر
07-06-2010, 11:16 PM
-13-
كان كل يوم يمر،مثل اليوم الذي قبله،لا يتغير شيئاً،اجمع الطين في المساء
وأذهب به إلى السوق في الصباح،وأحياناً كنت أبيع كل الكمية،وأحياناً
أخرى تبقى نصف الكمية إلى اليوم التالي،وكنت أعطي زوجة الحارس نصف النقود
التي أكسبها من بيع الطين،حتى لا أكون عالة عليهم،وكانت العجوز ترفض أن
تأخذها،ولكني كنت أضعها في جيبها شاءت أم أبت.
وفي يوم من الأيام حصل ما لم أكن أتوقعه ولا كان ليخطر ببالي،استيقظت
في الصباح فوجدت كل شيء في الخارج أبيض،فقد تساقط الثلج طوال الليل،ولم
استطيع الذهاب إلى السوق من شدة البرد،حتى الطين تجمد وأصبح قاسياً،وقد
غطته الثلوج،وصار من المستحيل تعبئته بأكياس.
غيرت الثلوج كل نظام حياتي،وكنت كل يوم أنتظر أن تتوقف الثلوج،وأعود
لعملي،ولكنها كانت تتساقط بغزارة،حتى ارتفعت بحوالي المتر عن سطح الأرض.
كنت اذهب كل يوم إلى السوق،وأقف بجانب البوابة،ليس لكي انتظر ايمن،لأني
فقدت الأمل منه،ولكن ربما يحتاجني أحد التجار او الزبائن،فأكسب بعض المال
ولكن بسبب برودة الجو،والتي كانت تتجاوز العشرين تحت الصفر،فقد كان أكثر
الأحيان السوق فارغاً،حتى المتسولين واللصوص هجروه إلى مرتع أخر.
كنت أشعر بها تلاحقني بنظراتها كل يوم عندما أقف بجانب البوابة،وكانت
الأبتسامة لا تفارق وجهها عندما تقع عيني بعينها،ولكني حاولت مراراً أن
أبقى بعيداً عنها،فما رأيته من روكسانا جعلني أكره كل الفتيات في هذا
البلد،ولكن مع هبوب عاصفة ثلجية على السوق،وجدت نفسي أرتجف من البرد
بجانبها،في المتجر الذي تعمل به.
قالت:
-لماذا تقف بعيداً عني
- لا أريد أن أضايقك
- تعال وأجلس بجانبي،البرد شديد وسوف تصاب بالزكام
- لا عليك فقد تعودت
- اقترب فأنا لا أكل البشر
ضحكتُ،واقتربت منها،لتعطيني نصف الغطاء الذي تضعه على كتفها،ثم سألتني:
- ما اسمك
- فارس
- فلوري
- مرحباً بك
- اهلاً وسهلاً
ثم صمتت فلوري ولم تعد تقول شيئاً،واسم فلوري يعني "وردة" وكانت وردة حقيقية
فتاة في التاسعة عشرة من عمرها،وجنتاه مثل البرتقال،وعيناها خضراوتان
كبيرتان،فمها صغير،وشعرها الذهبي المتماوج يتراقص على كتفيها،كانت وردة جميلة
جداً،ولكني لم أشعر بها حتى الأن،ربما لكثرة الهموم التي تلاحقني.
كانت فلوري تقيم في المدينة وتأتي كل يوم إلى العمل في السوق،فهي تعمل عند
تاجر صيني كبائعة،ومنذ أن تعارفنا كنت أقضي معظم وقتي بجانبها،حتى رأني
الصيني،وعرض علي العمل عنده في تحميل البضائع من المستودع إلى المحل،ولكن الأجر
كان زهيداً،فوافقت ريثما تتوقف الثلوج،وأعود لبيع الطين.
كانت الايام تمر بسرعة،وكنت سعيداً جداً بمعرفة فلوري،فكنت أمضي معها معظم
النهار،وفي الليل انام عند الحارس وزجته العجوز الطيبة.
لم أكن أعلم أني قد وقعت في حب فلوري إلا عندما أتيت إلى السوق في الصباح
ولم أجدها،فسئلت الصيني عنها،ولكنه هو أيضاً،لايدري عنها شيء،وأنتظرت
قدومها طوال النهار،ولكنها لم تأتي.
لم تغمض لي عين طوال الليل،كنت افكر،ماذا حصل لفلوري?لماذا لم تأتي?
وقبل موعد مغادرتي الطبيعي كل يوم إلى السوق،ذهبت مبكراً،وأنتظرتها عند
البوابة،وبقيت واقفاً أحدق في كل الفتيات التي تدخل السوق،ولكنها لم تأتي
وبين الحين والأخر،كنت اسأل الصيني عنها،فربما دخلت من غير أن أراها،ولكنه
كان يجيبني بالنفي،وهكذا مرت ثلاثة أيام بلياليها من الأنتظار والترقب.
كانت عيناي لا تفارق البوابة،،وفكري مشتت بين همومي
وفلوري التي ضمتني،حلقت بي إلى السماء،نسيت معها همومي وألامي،عوضتني عن الحرمان
أعطتني الحب والحنان،وقلبي دائم الخفقان،شعر معها بالأمان،فأغمضت عيني بهيام
فضاعت كل الأحلام،حبيبتي،قد خطفها الزمان،قدمت له القربان،صرخت ناديت،
سخر مني الزمان،لن ترى حبيبتك بعد الأن،سحرها عفريت من الجان،فتلاشت مع زبد
الشطآن،ارجع من حيث أتيت،قد فات الأوان.
لم استطيع البقاء كثيراً في السوق،فخيال فلوري يلاحقني في كل حركة اتحركها،
عدت إلى بيت الحارس،وأنا محطم،مشغول البال،ارتميت على السرير،ووضعت الوسادة
فوق رأسي،محاولاً الهروب إلى اعماقي الدفينة،لعلي أجد فيها شيئاً يواسيني
فشعرت بشفتيها تلامس أصابعي،وأنفاسها تدق أبواب قلبي،لم يكن حلماً،كانت هي
حبيبت،لم أقول شيء،شعرت بأن القلب الذي توقف،عاد ينبض من جديد،وضمتني
إليها،ثم قالت:
- اشتقت لك
- وأنا أيضاً،أين كنت كل هذه المدة?
- لقد زرت عمتي،وكانت مريضة جداً،فلم استطيع تركها وحدها،حتى تعافت.
- وأنا
- ما بك
- لقد مرضت بسبب بعدك عني،فمن سيبقى بجانبي?
ضمتني بقوة وقالت:
- لن اغيب عنك بعد الأن
- وإذا مرضت عمتك مرة ثانية!
- عندها،سوف نذهب سوية إليها
شعرت أن الحياة عادت من جديد،وكل شيء رجع كما كان،حتى الثلوج،لم تعد
تتساقط بغزارة،وعدت إلى بيع الطين،ولم أكن أفارق فلوري نهائياً،كنت أبقى
بجانبها حتى تركب الحافلة في أخر النهار،وأبقى واقفاً أنظر إليها حتى تغادر
وفي الصباح كنت انتظرها عند موقف الحافلة،وعندما تاتي أضع يدي
بيدها ونمشي إلى السوق.
عشت أيام جميلة مع حبيبتي فلوري،فقد نسيت كل الدنيا،ولم يبقى في عقلي وقلبي
سواها،اتفقنا على الزواج،وأن نبحث عن بيت نقيم به،ولكن بعد أن نجمع بعض
المال،وكانت تحبني كثيراً،فقد كانت تبكي عندما تأتي في الصباح ولا تجدني
بأنتظارها عند موقف الحافلة،فكنت أضمها إلى صدري،وأشرح لها سبب تأخري
فتهدأ،وتعود البسمة إلى وجهها الجميل.
كان الشتاء في أيامه الأخيرة،يحاول عبثاًالبقاء،ولكن الربيع لن يعطيه من
وقته مهما هدده بالثلوج والأعاصير،والشمس كانت تساعده،فقد ملت الشتاء
الطويل،وحنت للبلابل والعصافير.
كالعادة كنت أنتظر فلوري كل يوم في الصباح عند موقف الحافلة،ثم تعانقني
وأضع يدي بيدها،ونذهب للسوق،ولكن هذه المرة جاءت فلوري،وهي حزينة،وقد
احمرت عيناها من البكاء،وبالكاد تسطيع الكلام،فسألتها،ما بك:
_ عمتي مريضة جداً،وقد سهرت معها طوال الليل
- وكيف حالها الأن
- صحتها ليست جيدة،وقد جئت أخبرك بأني سوف أبقى بجانبها لبضعة أيام
حتى تشفى من المرض
- ولكني لا أستطيع البقاء من دونك
- سوف أخذك معي إلى عمتي لكي تتعرف عليك
- هل أخبرتيها عني?
- كلا ،لم أجد الوقت المناسب،فقد كانت مريضة جداً
- أمهليني بضع دقائق كي أخبر الحارس وزوجته،ثم نغادر فوراً.
ودعت الحارس وزوجته العجوز بعد أن أخبرتهم بأني سوف أغيب لبضعة أيام،مع
فلوري،وأخذت نقودي التي جمعتها من بيع الطين،تحسباً لطارئ ما قد يحدث معي.
وبسرعة وجدت نفسي جالساً بجانب فلوري في الحافلة متجهين إلى المدينة،وكنت لم
أرى المدينة منذ شهرين،عندما جئت مع أيمن،وتركني في السوق أعاني الويلات.
كانت فلوري تجلس بجانبي،وهي تمسك بيدي،وكأنني عصفور تخاف أن يطير منها،ويهرب
من النافذة.
نزلنا من الحافلة،ثم ركبنا بأخرى،لأن الحافلة التي تأتي من السوق لا تذهب
مباشرة إلى بيت عمة فلوري،وكنت قد بدأت أتذكر الشوارع التي سارت بها
الحافلة عندما جئت مع أيمن،فسألت فلوري:
- أين تقيم عمتك?
ابتسمت فلوري مع أنها حزينة على مرض عمتها،وقالت:
- لماذا تريد أن تعرف?
- لا شيء،مجرد فضول!
- على كل حال،عمتي تقيم في حي يقع على اطراف المدينة،في منطقة تكتظ بالغجر
وما يضايقني أكثر إنها تقيم بالطابق العاشر،وأغلب الأحيان يكون المصعد
معطل.
فسألتها بسرعة:
_ وما اسم عمتك?
ابتسمت مرة ثانية،وحدقت بي بدهشة،وكنت أتابع حركات شفتيها،وشعرت أن
الكلمة تحتاج يوم كامل لتخرج من فمها

فايز الأشتر
10-06-2010, 10:07 PM
-14-
عندما سمعت اسم العمة ماريا تنطق به فلوري،أصابتني رعشة،سرت في عروقي
وشعرت بدوار يلف رأسي،فكررت وراءها بسرعة:
- ماريا..ماريا..هل قلت عمتك اسمها ماريا?
نظرت إلي بدهشة وقالت:
- نعم ماريا،لماذا تتعجب هكذا! وكأنك تعرفها
صمت لأن الكلمات التي أعرفها لا تساعدني كي أشرح لها كيف أعرف العمة ماريا
وتركتها كي تعرف بنفسها عندما نصل إلى بيت العمة ماريا.
نزلنا من الحافلة،ثم مشينا في الشارع الممتلئ بالغجر الذين كانوا يتابعون
خطواتنا عن قرب،دخلنا المبنى،ومن حُسن حظنا لم يكن المصعد معطلاً.
خرجت من المصعد لأصطدم بروكسانا،وهي تفتح الباب،فرمقتني بإستحقار ودخلت
إلى المصعد،ولم يكن أيمن معها،بل كانت تجر بيدها شاب أسود،ذو ملامح أفريقية
ولم أستطيع أن أكلمها،فقد غادرت بسرعة،وكأنها لا تريد أن يعرف الشاب بأنني
أعرفها،وكانت فلوري تضغط على جرس بيت العمة ماريا التي لم تفتح الباب،ثم
انتظرنا قليلاً،وعادت فلوري لتضغط الجرس تارةً،وتارةً أخرى تدق على الباب
ولكن لم يجيب أحد،فتذكرت مفتاحي الذي أخذته من العمة ماريا،فمددت يدي إلى
جيبي وأخرجته بسرعة،وفتحت الباب لأجد العمة ماريا ملقاة بجانب الباب ولم
تستطيع الوصول لتفتحه،من شدة مرضها.
أعنت العمة ماريا على الوقوف،ثم نظرت إلي وهي لا تصدق ما تراه،وصرخت مندهشة
فارس..نعم أنت فارس،وأخذتني بالأحضان،والعبرات تسيل من عينيها.
أما فلوري فقد كانت مندهشة،وهي تفكر،كيف تعرف عمتي ماريا فارس بائع الطين
وكيف وصل إليه مفتاح بيتها،ولكن كل هذه الأسئلة،أجابتها عليها العمة
ماريا عندما جلستا تتحدثان بسرعة،حتى أني لم أفهم إلا القليل من الكلام
بسبب السرعة،أو كان يخيل لي ذلك لأني لا أعرف لغتهم جيداً.
سألت العمة ماريا عن أيمن وفوجئت عندما قالت لي بأنها لم تراه منذ أن
غادرنا في ذلك اليوم.
أين ذهب أيمن إذاً،هل ممكن أن يكون قد ذهب إلى القرية،لا أعتقد ذلك،فلن
يذهب من دوني،أخاف أن يكون قد أصابه مكروه.
كانت العمة ماريا تتحدث،وقد بانت على وجهها علامات المرض والأرهاق،فطلبنا
منها أن تدخل لتستريح على سريرها،وبقيت أنا و فلوري حتى ساعة متأخرة من
الليل أقص عليها حكايتي الطويلة والشاقة،وكانت تهز رأسها بأستمرار،لتقول
لي بأنها تفهم ما أقول،مع أني كنت متأكداً بأنها لا تفهم ربع ما أقوله.
مر اسبوع على وجودنا مع العمة ماريا،كنا نحرص على أن تأخذ الدواء
بمواعيده،وكنا نخرج أنا وفلوري للتسوق،وكنت أقدم لها باقة من ورود الثلج
اللبنية التي انبثقت من بين الثلوج المتبقيةعلى الأرض،معلنة قدوم أول أيام
الربيع،وبعد أن شعرنا بأن صحة العمة ماريا قد تحسنت،قررنا العودة للعمل
في السوق،ولكن المفاجئة كانت قاسية على فلوري،عندما وجدت فتاة أخرى قد
حلت مكانها في متجر الصيني،ولكن صديقي الحارس وعدها أن يجد لها مكاناً أخر
تعمل به،وبقيت أنا أبيع الطين كالعادة بجانب بوابة السوق.
انتقلت فلوري للعيش مع عمتها،بعد أن تركت الغرفة التي كانت تستأجرها
ولم أفهم منها لماذا لم تقيم عند عمتها التي تملك بيت كبير.
أما أنا فكنت أبيع الطين،وأنام عند الحارس كل يوم،ماعدا أيام العطلة،فقد
كنت أذهب إلى بيت العمة ماريا،كي أرى حبيبتي فلوري التي كنت أشتاق لها
كثيراً،وأعد الدقائق،والثواني،كي أصل إليها.
كنت أجلس بجانب بوابة السوق أبيع الطين،وفجأة دخلت سيارات الشرطة،وأنتشروا
في كل المكان،وكالعادة كانت الزبائن تهرب من السوق والتجار يغلقون متاجرهم
وأنا أيضاً تعودت على هذا الأمر،فكنت عندما تأتي الشرطة،أترك الطين وأهرب
إلى بيت الحارس،حتى تذهب الشرطة،أعود فأجد الطين على حاله،لم يمسه أحد،ولكني
هذه المرة قررت أن أذهب إلى فلوري فقد اشتقت لها كثيراً،ثم اعود في الصباح.
أخبرت زوجة الحارس بأني لن أعود هذا اليوم،كي لا تقلق علي،فهي متعودة على
غيابي أيام العطل فقط،ثم ارتديت ملابس نظيفة،واتجهت إلى الحافلة،أسابق
خُطاي،لأصل إلى حبيبتي فلوري،كي أفاجئها بمجيئي،فهي لم تتعود أن تراني سوى
أيام العطل،وأنا متأكد بأنها ستطير من الفرح عندما تراني،وسوف أبحث معها
موضوع الزواج،فأنا الأن أعمل وأكسب المال ونستطيع أن نسكن في بيت واحد.
كنت أشعر بأن الحافلة لا تتحرك من مكانها من شدة شوقي لرؤية فلوري
حتى أني تمنيت لو نزلت من الحافلة،وركضت بأقصى سرعة حتى أصل إلى حبيبتي.

سمو الذكريات
11-06-2010, 02:27 AM
الاحداث مستمره
والمتابعه دائمه
ننتظر بشوق

فايز الأشتر
11-06-2010, 09:32 PM
الأخت سمو الذكريات

شكراً على المتابعة

تحيتي ومودتي

بقايا عاشق
12-06-2010, 04:57 PM
لم يبقي من الكلمات سوى ../ أبدعت

أستمر وبــِ شوق ننتظر ما تبقي

تقديري واحترامي لك .

الراجي
13-06-2010, 12:40 AM
السلام عليكم ...
رغم اني قد سجلت في هذا المنتدى الرائع منذ ما يربو على العام غير اني لم ادخل لاقرأ مافيه من روائع الا في هذا اليوم المبارك .... ولانها اول مشاركة لي .. احببت ان اسجل لك مدى اعجابي لما سطر قلمك المبدع فقلبي يشهد قبل ان تتحرك اناملي بوصف ما اقول انك كتبت فابدعت وصورت فاجدت .. اسلوب رشيق وحبكة محكمة وتشويق يحبس الانفاس ... احييك لهذا السرد الجميل واتمنى لك التوفيق ...
اكمل ... لا جف قلمك

فايز الأشتر
13-06-2010, 11:50 AM
شكراً لك أخي الراجي

على المرور الجميل

وشكراً على الكلمات الطيفة

وأهلاً بك في موقعك الرائع منابع الأدبية

تحيتي ومودتي

فايز الأشتر
14-06-2010, 10:17 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا الجزء الأخير من روايتي بائع الطين،أتمن أن تكون قد نالت
إعجابكم،وأشكر كل المتابعين للرواية،ولكن عندي رجاء،للذين
ينقلون الرواية إلى غير مواقع،أن يضعوا اسمي عليها،لأني بذلت جهداً
كبيراً في كتابتها،وتذكروا قولى الله تعالى (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)
-15-
كانت فرحتي كبيرة جداً،لأنني سوف أرى فلوري في منتصف الأسبوع،فأنا لم أعد قادراً
على الإنتظار حتى تأتي العطلة الأسبوعية،وكان قلبي يخفق بلهفة للقائها،وقبل
أن أصل إلى البيت،أشتريت باقة من الورود الحمراء الجميلة،كي أعبر لها عن حبي
وكنت أمشي وأنا أشعر بقدماي ترقصان من السعادة،سوف نتزوج،وسيكون لنا
بيت يجمعنا سوية،نملئه بالدفء والحب والحنان،وسوف أزرع لها الورود في كل
مكان،وسوف أنظر بعينيها الجميلتين،إنها حبي الجميل،وردتي
الرائعة الجميلة "فلوري"
لم أطرق على الباب،فتحته بمفتاحي كي تكون مفاجئة لفلوري عندما تراني.
دخلت،وأغلقت ورائي الباب،سمعت صوتها الحنون تنادي من داخل الغرفة:
- عمتي..لماذا عدت بسرعة يا عمتي!
فلم أتكلم وقررت أن أدخل إلى الغرفة لتتفاجئ بي،وتأخذني بالأحضان كعادتها.
ما رأيت لم يكن ماعرفت
وما سمعت لم يكن مافهمت
وما هزني أحزنني
والأرض لم تحملني
والجدران تصعقني
هل أنا..أنا!
أم أنا لست مني
وأنت يا قلبُ
ماذا ترتجي!
هل بنيت قصراً بين الغيوم
وحبيبتك ألا تراها في أحضانه تخون
والورود التي أحملها
تمنيت لو حولتها
نار وسموم.
خرجت مسرعاً من الغرفة،والسواد يغشي عيناي،شعرت بالغثيان،ودارت بي الأرض
ولكني استطعت سحب جسدي المتهالك من الصدمة،والوصول إلى خارج البيت،حيث
ارتميت بجانب الباب،لا أرى أمامي سوى السواد.
اقتربت مني فلوري،وقد سترت جسدها بغطاء السرير،ولمست رأسي بأصابعها،تحاول
تهدئتي،فنفرت منها،وأبعدت يدها عني بسرعة،ولم أجد بين الكلمات التي تعلمتها
كلمة تعبر عن الألم الذي بداخلي،فأكتفيت أن أقول لها..دعيني واذهبي بعيداً
عني،فقالت لي،وكأن شيئاً لم يكن:
- حبيبي فارس..لا تحزن أرجوك..إنه صديقي القديم مايكل،وهو يأتي مرة في السنة
من امريكا،ولا يمكث سوى يوم أو يومين،ويغادر،أرجوك تفهم الوضع،فهو يترك لي
مبلغ كبير من المال عندما يأتي،وأنا أسفة،لم أعلم بقدومك اليوم،ولو كنت
أعرف،لما كنت استقبلته هنا،أرجوك حبيبي فارس لا تحزن،أوعدك في المرة القادمة
لن تراه عندما يأتي.
كانت فلوري تتكلم،ولا تعلم بأن كل كلمة تقولها لتخفف عني،تقطع
شراييني من الصميم،كانت تهز أعماقي،تسحق كبريائي وكرامتي،تحرق قلبي
فتجعله رماد منثور.
يااااااا أمي..لا أريدك هذه المرة أن تأتي لتري ابنك،فهذا فسق وفجور
ياااااااااا نساء بلادي..ياهنادي،يا أمينة،يااااااا كل فتاة قُتلت حزينة
من أجل ابتسامة بريئة،اسمعن فلوري ماذا تقول.
جمعت قواي المتبقية من بعد الصدمة التي مزقت رجولتي،وجعلتها أشلاء مبعثرة.
حاولت فتح باب المصعد ولكنه كان قد تعطل،وعندما أردت نزول الدرج،كانت
العمة ماريا قد وصلت وهي تلهث من التعب،ولم أقول لها شيء،فقد فهمت كل
شيء من نظرة واحدة،فراحت تصرخ وتشتم فلوري،وتلعن القرابة التي جمعتها بها
وكانت فلوري تردد الأعتذار،وتحاول سحبي من يدي كي لا أذهب،ولكن....ماذا
أقول لك يافلوري،إنك لا تعلمين أن الدم الذي يجري في عروقي هو دم عربي
دم ينتفض مثل حمم البراكين،دم لا يرضى بالمذلة،ولا يقبل بالهوان.
نزلت الدرج،وقدماي تحملان جسدي المنهك بصعوبة،وصراخ العمة ماريا وهي
تشتم فلوري،يصل إلى مسامعي حتى خرجت من المبنى.
أوقفت سيارة أجرة،وطلبت منه بلغتي الضعيفة،أن يأخذني إلى أقرب مكتب للطيران
كي أحجز مقعداً بالطائرة،وكان حظي سيء،فالطائرة تغادر بعد ثلاثة أيام.
حجزت مقعداً،ثم تمشيت بالشوارع،وخيال فلوري،وكلامها لا يفارق تفكيري،كنت أريد
أن أهرب بسرعة من هذا البلد،حتى أني نسيت الحارس وزوجته،فخطر لي أن
أقضي باقي الوقت عندهم حتى يحين موعد الطائرة،ولكني فوجئت بدورية من الشرطة
تسير بأتجاهي،وقد شدهم إلي ملامحي العربية.
اقترب أحد الشرطة مني وطلب جواز سفري،فأخرجته من جيبي،وقدمته له.
نظر إلى الجواز ثم ابتسم بسخرية وقال:
- مدة الأقامة منتهية،منذ زمن طويل،فلماذا لم تغادر،أو تمدد إقامتك?
- سوف أغادر الأن،وأعطيته تذكرة الطيران.
نظر إليها وقال بسخرية وتهكم:
- هذه التذكرة لا تعني لي شيئاً،فماالذي يضمن لنا بأنك سوف تغادر البلد،أنا
أسف يجب أن تذهب معنا إلى السجن،وعندما يحين موعد الطائرة سوف نأتي بك
إلى المطار،كي نضمن بأنك لن تهرب.
بسبب الألم الذي تركته فلوري في قلبي،لم أقاوم،وذهبت معهم إلى مركز الشرطة
ولكني لم أبقى كثيراً،فقد أتت شرطة الهجرة والجوازات،وأخذوني معهم.
كانت سيارة الشرطة تسير بسرعة وهي تشق طريقها خارجة من المدينة،فسألت
الشرطي باستغراب:
- إلى أين تأخذوني
- إلى المطار،كي تسافر
- ولكن موعد الطائرة بعد ثلاثة أيام
- أعرف ولكن لا نستطيع أن نضعك بالسجن فأنت لست مجرم
- فماذا أفعل? هل سنقيم في مبنى المطار ثلاثة أيام
- ضحك الشرطي بصوت عال،وظننته يضحك من لغتي الضعيفة وكلامي المبعثر وقال:
- ستقيم لوحدك،ولكن ليس في مبنى المطار،فهناك مبنى أُعدَ من أجل المخالفين
مثلك،والذين لا يرغبون بالمغادرة،فنحن لا نستطيع إرغامهم على السفر
فنحضرهم إلى هنا حتى ننظر بأمرهم.
وصلنا إلى مبنى ليس بعيداً عن المطار،وسلمني الشرطي الذي معي إلى شرطة المبنى
ثم غادر.
رحب الشرطي بي،ولم يكن يرتدي لباس الشرطة،وقال:
أهلاً بك،سوف تقيم عندنا هنا، ريثما تسافر،وهذا المبنى بمثابة فندق،وليس سجناً
ولكن غير مسموح لك بالمغادرة،وجواز سفرك سيبقى معنا حتى يحين موعد الطائرة
فأرجو أن تعجبك الأقامة عندنا،والأن سوف أدلك على مكان نومك.
مشيت خلفه وهو يعرفني على أقسام المبنى،وكان عبارة عن غرف كثيرة،لم أعرف
منها سوى غرفة كبيرة للنوم،ينام فيها الجميع،والمطبخ الكبير،والساحة التي
تتوسط المبنى من الداخل.
تركني الشرطي بعد أن أوصلني إلى الساحة وقال لي تعرف على رفاقك بنفسك.
كانت العيون كلها تتجه نحوي ليتعرفوا على القادم الجديد،فقد كانت الساحة
المتنفس الوحيد للنزلاء،يقضون فيها معظم وقتهم في النهار،وفي
الليل يتسامرون في غرفة النوم الكبيرة كُل منهم على سريره.
وكان النزلاء من جنسيات مختلفة،وأكثرهم من دول العالم الثالث،الذين هاجروا
طمعاً في حياة أفضل.
لم أعرف بأي طريقة أتعرف عليهم،فقد أكتفيت بتحريك يدي مشيراً لهم بالسلام
وجلست على مقعد كان بجانبي،وسرعان ماعادا النزلاء إلى مشاغلهم وتنقلهم من
زاوية لإخرى في هذه الساحة الصغيرة.
كان كل شيء غريب بالنسبة لي،وكنت أتساءل في نفسي،هل يوجد عربي بينهم
أتكلم معه،وأردت أن أقف وأنادي بصوت عال،هل بينكم عربي! ولكني
فضلت أن أنتظر قليلاً،فربما يتكلم أحدهم بالعربية فأعرفه.
مضى أكثر من نصف ساعة ولم يكلمني أحد،وفجأة دخل شخص وهو يضع على رأسه
منشفة،واعتقد إنه خرج من الحمام،وعندما رفع المنشفة عن رأسه خفق قلبي
وصرخت بأعلى صوتي...أيمن...أيمن....أيمن
لم أصدق ما تراه عيناي،ركضت نحو أيمن،وأخذته بالأحضان،شعرت بفرحة كبيرة
تغمرني،وأيمن كان يبكي كطفل صغير.
جلسنا على أحد المقاعد،ورحت أقص على أيمن ما جرى معي منذ أن أفترقنا في
السوق حتى الأن،ثم طلبت منه أن يخبرني،ماذا جرى معه! وماالذي أوصله إلى هنا.
تنهد كعادته وقال:
-عندما هربنا من الشرطة في السوق،لم أستطيع الفرار،فقد وقعت بين أيديهم
وطلبوا رؤية جواز سفري،ولسوء حظي كانت إقامتي منتهيه،ويجب علي تمديدها
ولكن يلزمني مساعدة روكسانا لكي تأتي بوثائق تثبت بأني أقيم في بيتها.
- وهل جاءت روكسانا بالوثائق!
- كلا،فقد ذهب إليها أحد الموظفين في الجوازات،ليتأكد إذا ما كنت أقيم في
بيتها،ولكنها طردته،وقالت له:لا أعرف شخصاً بهذا الإسم.
لم أخبر أيمن عن الشاب الذي رأيته مع روكسانا،كي لا أسبب له الإحراج أمامي
ولكني حاولت معرفة ما بداخله فسألته:
- وماذا تريد أن تفعل الإن?
_ لقد طلبت اللجوء الإنساني،وسوف أخرج من هنا،ثم أبحث عن عمل.
- أنا سوف أسافر ولن أبقى دقيقة واحدة في هذا البلد.
طال حديثنا وقاربت الساعة على الواحدة بعد منتصف الليل،ولم يبقى في
الساحة سوانا،فتركنا مكاننا وذهبنا للنوم.
مر الوقت بسرعة،وحان موعد الطائرة،فودعت أيمن،الذي أراد البقاء،ليواجه
المهانة والذل، وطلب مني أن أخبر أهله بأن وضعه جيد ولكن يلزمه بعض
المال ليكمل مشروعه.
ذهبت إلى المطار برفقة أحد الشرطة،ولم يكن بعيداً عن المبنى،ثم توجهت إلى
الطائرة مع المسافرين،بعد أن وضع الشرطي على جوازي تأشيرة الخروج.
كان قلبي يخفق فرحاً وأنا أغادر الطائرة متجهاً إلى القرية،وكانت الساعة
تقارب على الواحدة بعد الظهر،والمزارعين يأخذون قسط من الرحة تحت ظلال
الأشجار.
كنت أمشي على طريق القرية،بعد أن نزلت من الحافلة قبل وصولها إلى ساحة
القرية،كي أتمشى قليلاً على الطريق الزراعي،وكان حلقي قد جف من العطش
فطلبت من إحدى الفتيات التي تعمل بالحقل بجانب الطريق،قليلاً من الماء.
ركضت مسرعة إلى وعاء من الفخار،يحفظ الماء بارداً،ثم ملئت كأس من الألمنيوم
بالماء وعادت تركض،لتقدمه لي.
نظرت إلى عيونها السوداء التي تلمع سحراً وجمالاً،وسألتها:
- ما اسمك
- اسمي سميرة
- اسم جميل وصاحبته أجمل
- تركت الماء بيدي وراحت تركض بين الأشجار،لتخبئ وجهها من الخجل.
وصلت إلى البيت،وكالعادة كان باب التوتة الكبير مفتوح،وأبي يُنظف الأصطبل
وأمي تخلط الطين مع التبن،لكي تعيد بناء الموقد.
مددت يدي من خلف أمي إلى الطين ورحت أحركه بيدي.
لم يخرج صوت أمي،بسبب المفاجئة،فقط دموعها كانت تسيل،ووضعت يداها على
وجهي وكأنها تتأكد مني،ثم مسحت الطين العالق على يديها بثيابها، وضمتني إليها
وصرخت..ابو فارس..ابو فارس..يااااا بو فارس..لقد عاد فارس.

الراجي
15-06-2010, 12:50 AM
وصرخت..ابو فارس..ابو فارس..يااااا بو فارس..لقد عاد فارس.

اخي فائز الاشتر ... عودتك الينا بالجزء الرابع هي التي كانت ميمونة ... امتعتنا والله بسردك الرشيق المشوق واسلوبك الفاتن ..
لا تحرمنا من جديدك اخي الفاضل .. وفقك الله .. ننتظر منك المزيد بفارغ الصبر
تقبل كل التقدير والاحترام

فايز الأشتر
15-06-2010, 09:52 PM
شكراً اخي الراجي

على متابعتك الجميلة

تحيتي وتقديري

بقايا عاشق
24-06-2010, 02:06 PM
بعيد عن جداً المجاملات رواية حق لها التميز منذ ولادة حرفها الأول وَ حتى الحرفها الأخير

وَ لــِ المره الأولى أقراها بشكل تسلسلي بعد أن قمت بــِ نسخها على الجهاز



وحقاً لا بالله الذي لا اله الأ هو لا اجد من كلماتي مافيوفكَ

حق هذا المجهود المبذول من ابداع وتناسق وَ جمال ما صغته من الأبداع وَ الفكر ايها القدير

الكلمات لن توفيك حقك مهما كتبت وَ كتبت

ولا الحروف بــِ قادره على

وصف ما بداخلي فــَ لله درك أستاذي القدير .

ولم يبقى سوى ان ادعو الله بــِ ان يوفقكَ لــِ ما فيه صلاحكَ ويسدد خطاكَ

لا حرمنا الله أنت

تقديري وكل احترامي لك ايها القدير .

http://www.lyl-sm.com/vb/images/smilies/80b056a344%5B1%5D.gif

فايز الأشتر
25-06-2010, 07:41 PM
أخي بقايا عاشق

شكراً لك على هذا الأطراء الجميل

لك مني كل التقدير والأحترام

..حروف الصمت..
28-06-2010, 09:26 PM
اخي فايز
لم اشأ ان اكتب لك حرفا قبل ان اكمل رحلتي مع فارس وابن خالته ايمن ..كي لااقطع على نفسي الاستمتاع بتلك الرحله الجميله بالرغم من قساوتها المريره ..
لقد اخذتني بجمال ماصورته من افكار ، وباسلوب رائع جذاب ، واسترسال في السرد الحسي الجميل .. الى اوروبا وعيشتني وكأني هناك بالفعل ..
بالرغم من اني لم ازرها يوما .
انت بحق مبدع
لك كل الشكر .. مع تمنياتي لك بالتوفيق

فايز الأشتر
28-06-2010, 11:05 PM
شكراً حروف الصمت
على كلماتك اللطيفة
لقد اسعدني كثيراً قراءتك للقصة
اهلاً وسلاً بك في كل وقت
تحيتي ومودتي.

سمو الذكريات
04-07-2010, 08:00 PM
وهذا هو فارس بائع الطين يعود من اجواء الحريه اللاحدوده المنتهيه بالذل والهوان الى بلد العزة والكرامه

اخي فارس الاشتر

منذ البدايه والروعة تشق طريقها حتى النهايه

شكرا لك ولقلمك الجميل

بانتظار جديدك
فارجوك لاتبخل علينا بما عندك من روعه

دمت

فايز الأشتر
06-07-2010, 11:36 AM
الاخت سمو الذكريات

أشكرك كثيراً على التعقيب الجميل

لكي مني كل التقدير والاحترام.همسة: فايز الأشتر وليس فارس الأشتر

سمو الذكريات
09-07-2010, 12:06 AM
اووو عذرا اخي فايز
سقط سهواً
تخالط اسمك مع بطل القصه ..
فايز= فارس كلاهما مثل الوزن فعذرا مرة اخرى
دمت بخير

فايز الأشتر
09-07-2010, 11:15 PM
العفو منك الأخت سمو الذكريات
لكِ مني كل التقدير والأحترام

الكامل
28-10-2010, 09:44 PM
مشكور اخي فايز الأشتر على الرواية خليتني اعيش جو القصة وكانت ممتعة

نزف الياسمين
04-11-2010, 11:20 PM
:





بآئع الطين.. وعنوان ج ــاذبْ
قرأتها متواصله ذات عصر
شدتني كثيرا كثيرا
قلمك باذخ يآسيد فايز.
نقرأ حتمآ قادمكْ.
إلى حين كل المودة.


..

فايز الأشتر
13-08-2011, 07:01 PM
مشكور اخي فايز الأشتر على الرواية خليتني اعيش جو القصة وكانت ممتعة

اخي الكامل
شكرا لك على التعقيب الجميل
مودتي

فايز الأشتر
13-08-2011, 07:04 PM
:





بآئع الطين.. وعنوان ج ــاذبْ
قرأتها متواصله ذات عصر
شدتني كثيرا كثيرا
قلمك باذخ يآسيد فايز.
نقرأ حتمآ قادمكْ.
إلى حين كل المودة.


..

الاخت نزف الياسمين
يسعدني اعجابك بالرواية
شكرا لك على التعقيب العذب
مودتي

الفوز
04-12-2011, 02:00 AM
قصة رائعة

ابدعت فامتعت:thread_con: