أحمد الجنديل
08-07-2010, 09:43 PM
جفاف
خطواته تتسعُ نحو المقهى الصغير تدفعه رغبة جامحة للوصول إليه ، مبتغاه الآن الحصول على قدح من الماء البارد ، خرجَ لسانه دون إرادته فمسحَ شفتيه ، أحسّ بجفافهما . حثّ خطاه بدافع الرغبة في الحصول على الماء ، التفتَ إلى الشارع العريض ، كانت الشمس تغمره بحرارة لا تطاق ولا أثر للحياة فيه ، وضعَ قدمه على إسفلت الشارع ، لفحَته مـوجة الريح اللاهبة وهـي مشبعة بذرات الرمال الجافـة ، أزعجَه كثرة اللسعات التي نالت وجهه ، وضعَ كفيه على كامل وجهه واجتازَ الشارع بصعوبة بالغة ، صفير الرياح يسلبه فرصة سماع أنفاسه اللاهثة ، وقعَ نظره من خلال تشابك أصابعه على الفندق الفخم الذي أمامه ، رآه أصفرَ اللون بفعل كثافة الغبار ، اجتهدَ في توحيد أفكاره ، أرادَ التماسك من الداخل فلم يفلح في ذلك ، اعتراهُ هاجس التشظي ، وجدَ رأسه فائضا ولا يصلح منفضة للسكائر ، وصلَ إليه هواء بارد من خلال الفتحة الأرضية لبوابة الفندق عند اقترابه إليه ، أرادَ الجلوس لعله يتوحد في هذا المكان ، فاجأه حارس الفندق وهو يشير إليه بحركة جافة على الابتعاد ، استدارَ مسرعاً إلى جهة الزقاق ، راوده الأمل من جديد للوصول إلى المقهى ، دلفَ إلى الزقاق ، اصطدمتْ عيناه بوجهة المقهى المقفلة ، حاولَ البصاق عليها ، ليس في فمه ما يبصقه ، كان فمه ملتهبا بالجفاف ، وقعَ نظره على حاوية القمامة ، كلب طرح جسده الهزيل بمحاذاة جدارها الإسمنتي ، رغبَ في مشاركته المكان ، أغمضَ عينيه بقوّة تقززا من هذه الفكرة اللعينة ، مرّة أخرى يقذفه الزقاق إلى الشارع العريض ، سيارة سوداء فارهة وحركة من حرس الفندق ، كان عليه التوقف ، حرس الفندق يتقافزون كالجرذان المذعورة نحو السيارة ، فازَ أحدهم بفتح بابها ، نزلَ وجهٌ ينضح بالعافية ، حملَ أحدهم مظلّة كبيرة فوق رأس الضيف ، شرّع أحدهم باب الفندق له ، كان المشهد مضحكاً له ، اقتربَ نحو الباب ، بينهما ثلاث خطوات لا غير ، التقت نظراتهما داخل هذه المسافة القصيرة ، كان الضيفُ واقفاً كالطاووس ، أحسّ بظهره يأخذ استقامته ورأسه يتعالى بشموخ ، بدَتْ من الضيف ابتسامة جافة تلقفها بنظرة صارمة ، ابتعدت المسافة خطوات ، التفتَ الضيف إليه ، اكتست الريبة وجوه الواقفين ، ابتلع الفندق جسد الضيف وأغلقت الأبواب ، ولم يعد أثر للحياة في الشارع ، سوى ظهره المستقيم ورأسه المرفوع وسط محيط الجفاف .
خطواته تتسعُ نحو المقهى الصغير تدفعه رغبة جامحة للوصول إليه ، مبتغاه الآن الحصول على قدح من الماء البارد ، خرجَ لسانه دون إرادته فمسحَ شفتيه ، أحسّ بجفافهما . حثّ خطاه بدافع الرغبة في الحصول على الماء ، التفتَ إلى الشارع العريض ، كانت الشمس تغمره بحرارة لا تطاق ولا أثر للحياة فيه ، وضعَ قدمه على إسفلت الشارع ، لفحَته مـوجة الريح اللاهبة وهـي مشبعة بذرات الرمال الجافـة ، أزعجَه كثرة اللسعات التي نالت وجهه ، وضعَ كفيه على كامل وجهه واجتازَ الشارع بصعوبة بالغة ، صفير الرياح يسلبه فرصة سماع أنفاسه اللاهثة ، وقعَ نظره من خلال تشابك أصابعه على الفندق الفخم الذي أمامه ، رآه أصفرَ اللون بفعل كثافة الغبار ، اجتهدَ في توحيد أفكاره ، أرادَ التماسك من الداخل فلم يفلح في ذلك ، اعتراهُ هاجس التشظي ، وجدَ رأسه فائضا ولا يصلح منفضة للسكائر ، وصلَ إليه هواء بارد من خلال الفتحة الأرضية لبوابة الفندق عند اقترابه إليه ، أرادَ الجلوس لعله يتوحد في هذا المكان ، فاجأه حارس الفندق وهو يشير إليه بحركة جافة على الابتعاد ، استدارَ مسرعاً إلى جهة الزقاق ، راوده الأمل من جديد للوصول إلى المقهى ، دلفَ إلى الزقاق ، اصطدمتْ عيناه بوجهة المقهى المقفلة ، حاولَ البصاق عليها ، ليس في فمه ما يبصقه ، كان فمه ملتهبا بالجفاف ، وقعَ نظره على حاوية القمامة ، كلب طرح جسده الهزيل بمحاذاة جدارها الإسمنتي ، رغبَ في مشاركته المكان ، أغمضَ عينيه بقوّة تقززا من هذه الفكرة اللعينة ، مرّة أخرى يقذفه الزقاق إلى الشارع العريض ، سيارة سوداء فارهة وحركة من حرس الفندق ، كان عليه التوقف ، حرس الفندق يتقافزون كالجرذان المذعورة نحو السيارة ، فازَ أحدهم بفتح بابها ، نزلَ وجهٌ ينضح بالعافية ، حملَ أحدهم مظلّة كبيرة فوق رأس الضيف ، شرّع أحدهم باب الفندق له ، كان المشهد مضحكاً له ، اقتربَ نحو الباب ، بينهما ثلاث خطوات لا غير ، التقت نظراتهما داخل هذه المسافة القصيرة ، كان الضيفُ واقفاً كالطاووس ، أحسّ بظهره يأخذ استقامته ورأسه يتعالى بشموخ ، بدَتْ من الضيف ابتسامة جافة تلقفها بنظرة صارمة ، ابتعدت المسافة خطوات ، التفتَ الضيف إليه ، اكتست الريبة وجوه الواقفين ، ابتلع الفندق جسد الضيف وأغلقت الأبواب ، ولم يعد أثر للحياة في الشارع ، سوى ظهره المستقيم ورأسه المرفوع وسط محيط الجفاف .