المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اختبار


وجه القمر
17-08-2010, 10:18 PM
اختباء
ظللت أعواما عديدة أتنقل في أرجاء العرصات ، باحثاً عن ملاذ أدس فيه نفسي .
ذرعت تلك الأرض مشياً على قدميّ الحافيتين ، أتسلل عبر أكوام المخلوقات المتزاحمة ، علّي أستطيع دفن وجهي الذي سيكون هويتي في هذه البقاع الممتدة .
عندما متّ كان عمري أربعين سنة ، وها هي ملامحي عادت كيوم موتي ، لم تتغير ، مما سيشي بي لدى أخي الأكبر يزيد ، الذي امتد به العمر ، فمات وقد تغيرت ملامحه ، فلو رأيته لما عرفته ، وهذا يجعلني أوغل في الفرار ، لأني معروف له ، وهو غير معروف لي .
كان الهلع باديا في وجوه المخلوقات كلها ، حتى القطط التي أذكرها في الدنيا ذات ملامح جامدة ، أصبحت هنا مذعورة إلى حد كبير ، يظهر عليها الخوف جليا ، وتكاد تنطق بما يعتورها من توجسات لا تدري كنهها .
توقفت عند قبيلة كثيرة العدد ، كانوا يتحدثون بلغة لا أفهمها ، وإن كان حديثهم هامساً ، إلا أني حاولت أن ألتقط كلمة ، أو إشارة ، علّي أفهم ما يقولون ، لأنهم يكررون كلمات معينة ، شعرت بشيء من الأمان ، أيقنت أني وصلت إلى مكان بعيد ، لن يستطيع يزيد أن يصل إليه ، مهما حاول البحث عني .
عندما متّ كان أخي يزيد مسرفاً على نفسه بالمعاصي ، وكان لديّ شبه يقين بأنه مات على نفس الحال ، وأنه الآن بحاجة إلى شيء من حسناتي لينجو ، وأنا وإن كنت لا أدري بقدر حسناتي حتى الآن ، فلم تنشر الصحف بعد ، إلا أن اعتقادي بأني من أهل الجنة كان قويا ، لأني أذكر أن وضعي في البرزخ كان مطمئنا .
وبينما أنا بين حشود تلك القبيلة ، إذ بصوت يأتيني من إحدى الجهات:
أحمد !
التفتّ بذعر ، فرأيت شيخاً كبيرا ، قد سقط حاجباه على عينيه ، هممت بالفرار ، ولكنّي رأيت في ملامحه جارنا الطيب أبا فارس ، اقترب منّي وعانقني ، لم أكن أشعر بشوق لأحد ، فمنذ أن خرجت من قبري وهمي هو عدم رؤية أخي ، لأني كنت محتاجا للفائض من حسناتي (إن كان فيها فائض) حتى أرتفع في درجات الجنة .
سألني أبو فارس عن سر بقائي في هذا المكان المظلم ، فأهله كما يبدو من أهل الجحيم ، فأخبرته أن المصادفة هي التي قادتني إلى هنا ، ثم سألته هل رأى أخي يزيد ؟ فقطّب حاجبيه وكأنه يتذكر شيئا قديماً ثم قال:
نعم ، نعم أذكر أني رأيته قديما ؟
_في الدنيا ؟ قلتها مستفهماً ، فقال:
لا ، أعني في أرض المحشر ، لم أعد أذكر ، قديماً جداً . .
_هل تستطيع أن تحدد لي الزمن مستخدماً سنين الدنيا ، على وجه التقريب ؟
_أكثر من مئتي سنة . .
قلت له وأنا أستمع لأناس يصرخون ، وكأن الملائكة تضربهم بالحديد :
بصدق يا أبا فارس أنا بُعثت من ثلاثمئة سنة ، قضيتها كلها فرارا من يزيد !
_لماذا ؟
أخبرته بخوفي على حسناتي ، وقبل أن أكمل حديثي ، أظلمت السماء ، فرأيت الناس يرتعدون ، حاولت أن أحرّك يديّ فلم أستطع ، علمت من همس أبي فارس أنها لحظة توزيع الصحائف .
أخذت الصحف بالاقتراب من تلك الأرض ، والناس تكاد أن تموت هلعا ، يترنحون وكأنهم شربوا قدراً كبيرا من الخمر ، وكنت خائفاً ، ولكن خوفي لا يقارن بخوف أفراد القبيلة التي كنت بينها .
رأيت الصحف تتساقط على شمائل أولئك القوم .
شعرت لحظتها بخوف رهيب ، فماذا لو خاب ظني ، ووقعت صحيفتي الآن في يدي الشمال ؟ أخذتي رعدة شديدة .
سمعت صرخة نافذة أتتني من جهة أبي فارس ، لم أستطع أن أكلمه وأنا أرى يده الشمال تمسك بصحيفته ، كان وجهه لحظتها أسوداً ! ، مدّ يده نحوي وقال:
أنقذني بحسنة يا أحمد .
هلعت ، أخذت أجري ، ويداي معقودتان لا أستطيع أن أحركهما .
كان الصراخ يعم أرجاء العرصات ، حتى إن قبائل الفيلة والوحوش أخذت تجري على غير هدى ، ذعراً مما عمّ البشر .
كان قلبي لحظتها يدعو: يارب لا تخذلني . . يا رب لا تخذلني . .
شعرت بفقري الشديد للحسنات ، تساءلت وأنا أجري وصوت أبي فارس يملأ قلبي ذعرا" ماذا لو كان أخي يزيد أكثر مني حسنات" . . قررت أن أبحث عنه .
فجأة أحسست يديّ تُطلقان ، سمعت ملكاً يناديني :
هنيئاً لك يا أحمد ، لقد سعدت سعادة لا تشقى بعدها أبدا . .رفعت رأسي ، فإذا بملك يضع في يميني كتابي .
سقطت على الأرض ، وصرت أبكي بفرح . . نسيت كل شيء . . نسيت يزيد وأبا فارس ، وكل شيء . . نسيت آلامي في الدنيا ، بل نسيت سكرات الموت ، مع أنها كانت فظيعة . . نسيت ضمّة القبر . . فرحت فرحاً لم أفرح قبله مثله أبداً أبدا .
وبينما أنا في غمرة فرحي إذ بصوت عظيم ينادي الخلائق:
فلان بن فلان بن فلان . . إلى النار . .
فلان بن فلان بن فلان . . إلى النار . .
فلان بن فلان بن فلان . . إلى الجنة . .
فلان بن فلان بن فلان . . إلى النار . .
وكنت أسمع صراخاً هائلا . .
ومن بين الصراخ البشري ، تسلل إلى أذني زفير عظيم ، سألت أحد الواقفين بجانبي ، وكان يحمل كتابه بيمينه:
ما هو هذا الصوت ؟
_إنه صوت جهنم . .
شعرت بقشعريرة تعم جسدي . .ثم عمّت رائحة جهنم العرصات ، كانت رائحة حريق نافذ . . مخلوط بنتن الجلود المطبوخة . .
ثم وبعد فترة طويلة من تلاوة الأسماء ، إذ بي أسمع اسمي:
أحمد بن فلان بن فلان . . إلى الجنة . .
كان الناس في ذلك اليوم إما سعيد أو شقي . . لم يكن هناك أي تعبير ثالث بين هذين التعبيرين السائدين . .
أخذتني الملائكة إلى الصراط . . كان شيئاً عصيبا . . ولكني تجاوزته بفضل الواحد الأحد . .
وعند باب الجنة ، وقفت ، ورأيت وجهاً جميلا ، ولكني شعرت أن روح يزيد تسكنه ، أتاني وعانقني:
هل أنت يزيد ؟
نعم . .
لم أسمع اسمك . .
لقد دخلت الجنة منذ زمن بعيد !
متى ؟
منذ ثلاثمئة سنة من سنين الدنيا . . ولم أحب أن أدخل الجنة بدونك . . فها أنا واقف لدى بابها أنتظرك منذ ذلك الحين !
شعرت بحرج شديد ، وسألت الله في نفسي ألا يعلم يزيد بأمر فراري منه . .
نظر إلى عيني بشوق:
لم أعد أكبر منك يا أحمد ! لقد صرنا متشابهين تماما . . وكأننا توأمان .
قلت وأنا أبحث عن الكلمات داخلي:
ولكنّك ما زلت الأكبر . .
أراد أن يفهمني أن أعمارنا أصبحت متساوية في الجنة فقلت بإصرار ونحن ندخل باب الجنة ورائحة شذاها تكاد تحمل أرواحنا:
مازلت الأكبر في كل شيء . .
في كل شيء يا يزيد . .

منقول ...

سمو الذكريات
19-08-2010, 05:11 PM
جزاك الله خيرا على النقل الرائع

وجعلنا واياك بالفردوس الاعلى

اللهم امين

عادل زكريا
19-08-2010, 06:43 PM
جميل جدا هذا الموضوع 00
جعلة الله فى ميزان حسناتك

عادل زكريا
19-08-2010, 07:30 PM
طرح عظيم 00 ويستحق الاشادة
اشكرك اخى الفاضل
تقبل مرورى المتواضع 00 على صفحاتك






http://smiles.al-wed.com/smiles/60/15xv0qw.gif (http://smiles.al-wed.com/smiles/60/15xv0qw.gif)