المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هل يجدي الندم . قصة قصيرة - نزار ب. الزين


نزار ب. الزين
16-09-2010, 01:17 AM
هل يجدي الندم

قصة قصيرة
نزار ب. الزين*
*****

إعتاد سامي بك منذ قدومه إلى مصيف (جل الغزال) أن يتوجه عصر كل يوم إلى مقهى ( الغابة المسحورة ) مشيا على الأقدام ، يتبعه عن بعد سائقه بسيارته الأمريكية الفارهة ، يمكث هناك ساعة أو بضع ساعة ، يتناول خلالها كوبا أو كوبين من عصير (جلاب*) ، ثم يقفل عائدا بسيارته إلى الدارة التي استأجرها لقضاء الصيف .
لفت سامي بك أنظار أصحاب المقهى أولا، ثم أهل الضيعة جميعا ، بكثرة أسئلته ، فما أن يقترب منه طفل أو طفلة أو شاب أو شابة ، حتى يناديه أو يناديها ثم يبادر إلى السؤال : << من فضلك ...ما هو اسمك ، و ما اسم والديك ، و ما اسم عائلتهما ، و ما اسم جدتك و اسم جدك ؟؟ >> و لكن أحدا لم يجرؤ على استفساره عن هدفه من وراء طرح كل هذه الأسئلة !
ربما هي هواية التعرف على الأسماء ، قال البعض ،
ربما هو فضول عجوز يريد التسلية ؛ قال آخرون ،
أما القلة من خمنوا ، أنه ربما يبحث عن شخص ما ؛ و لكن لِمَ لا يسأل مباشرة ؟ و لِمَ هذا الغموض ؟؟!
و في الدارة ، كان ينهض مبكرا ، فيجلس على الشرفة المطلة على وادي الصنوبر ، يرصد الغيمات الصغيرات القادمات من البحر و هي تتراقص مع نسمات الصباح العليلة على أنغام تغاريد العصافير و الترغل و العندليب ؛ و لا يلبث سائقه الذي هو في الوقت ذاته خادمه و طباخه و سكرتيره ، أن يقدم له القهوة بالحليب .
" سرح بعيدا في الماضي البعيد ، أيام الصبا ، يوم أحبها و أحبته ، يوم شعرا أنهما ملكا الدنيا بكل جمالاتها ، يوم تصورا أنهما ارتبطا بوثاق الهوى ، كعروة وثقى لن تفصمها قوة مهما بلغت .. و لكن وا أسفاه فصمتها الهزة الأولى !.. فقد اعترض والداه على زواجه منها و هدداه بحرمانه من الميراث .. و يا أسفاه فقد رضخ لهما .. هكذا بكل ضعف و خساسة "
غالبته بضع قطرات من الدمع ، ثم نادى حازم :
<< هل قرع بابنا أحد يا حازم ؟ >>
سؤال يتكرر كل بضع دقائق ، اعتاد عليه حازم و اعتاد أن يجيبه : << أي طارق سأجلبه إليك – سيدي - في الحال >>
فقد اعتاد أهل قرية جل الغزال ، أن يرسلوا أبناءهم أو بناتهم ، إلى بيوت المصطافين ، لبيع ما ينتجونه من ألبان و فواكه و خضار طازجة أو من خبز الصاج و مناقيش الزعتر .
فما أن يتقدم أحدهم أو إحداهن منه حتى يبادره أو يبادرها بالسؤال : << من فضلك ... ما هو اسمك ، و ما اسم والديك ، و ما اسم عائلتهما ، و ما اسم جدتك لأمك و جدتك لأبيك و ما اسم جدك لأمك و جدك لأبيك ؟؟! >>


*****

و ذات يوم لفتت نظره فتاة في العاشرة ،
أحضرها إليه حازم بعد أن اشترى منها حاجته من اللبن الحليب الطازج ..
تأملها سامي بك مليا قبل أن يسألها :
- ما اسمك يا صبية ؟
فأجابته كتلميذه تلقي درسها :
= أنا فؤادة بنت رعد رحمةَ الله ، يا بك ، و أمي اسمها سليمة .. يا بك
<< فؤادة ؟!
و لكن لم الاستغراب ؟ تلك هي عادة هذه العائلة !!!يسمون سليم و سليمة ، بديع و بديعة ، فؤاد و فؤادة ، نبيل و نبيلة ، أظن أنني اقتربت ؟!! >> همست ذاته إلى ذاته و هو يتأمل الفتاة من جديد ، ثم أضاف يحدث نفسه : << الشبه عجيب ، نسخة طبق الأصل >>
ثم همس للفتاة قائلا :
- و جدَّتك اسمها سعاد و شقيق جدتك اسمه سعيد و أبو جدتك اسمه أمين و أم جدتك اسمها نجوى ، أليس كذلك ؟
تجيبه و قد عقدت الدهشة لسانها :
= كيف عرفت اسم جدتي و أهلها يا بك ؟ هل تعرفهم ؟ هل تعرفنا ؟
يبتسم سامي بك ، و يتابع سؤالها دون أن يتمكن من إخفاء فرحته :
- و ماهي أحوال جدتك سعاد ، يا صبية ؟
= جدتي مقعدة ، أما جدي فمات السنة الماضية و خالي سعيد أخو جدتي مات قبله بسنتين .
ثم تضيف فؤادة متلهفة :
= أنت تعرفنا يا بك ، إذاً تفضل لزيارتنا ، يا بك ! بيتنا لا يبعد كثيرا يا بك !
إنه قرب النبع ، رمية حجر يا بك !
يبتسم لها ثانية ثم يجيبها بود و حنان :
- دعي والدتك تحضر لي اللبن الحليب غدا يا فؤادة !


*****

تدخل فؤادة تتبعها والدتها بخطوات مترددة خجلة ، يقبل الصغيرة و يستقبل أمها بترحاب كبير ، يتأملها مليا << صورة طبق الأصل عن أمها هي الأخرى >>
= لم أتشرف بمعرفتك يا بك ...
تسأله مرتبكة ، ثم تضيف :
= كيف أنك تعرف أهلي يا بك ؟
والدتي متلهفة بدورها لتعرف مَنْ - جنابك - يا بك !..
يبتسم سامي بك ، ثم يجيبها بهدوء و ود و حب :
- لوالدتك أمانة في عنقي يا سليمة ...
طلبتك من أجل سداد ذلك الدَين ..
إنه دَيْن عمره خمسون سنة ..
و اهمسي في أذنها :
<< سامحي من أساء إليك ، فقد أنهكه عذاب الضمير ! >>
ثم ناولها حقيبة مكتبية و هو يوصيها راجيا :
- لا تُفتح هذه الحقيبة إلا بيد سعاد بنت أمين البيَّاع ..رجاءً !


*****

تناولت العجوز الحقيبة ..
ثم ...
فتحتها ..
ثم ....
نظرت إلى محتوياتها مليا ...
فتجمدت عيناها ...
و تجمدت كذلك عيون أفراد العائلة الذين أنهكهم الفقر ...
و عيون الجيران الذين شاع بينهم الخبر فتكأكؤوا داخل المنزل و خارجه .. و قد فغرت أفواههم جميعاً..
"جاء الفرج ، ضمَنَّا جامعة الصبي .."
قالت سليمة ذلك ، و قد جحظت عيناها و كادتا تخرجان من مآقيهما ..
فقد كانت الحقيبة ملأى بالنقود ...
دولارات ، كلها من فئة العشرين ...
ثروة هبطت من السماء ..
و لكن ....
و لكن العجوز أغلقتها بعناية ...
صمتت طويلا ...
سرحت طويلا ...
غالبت دموعها طويلا...
ثم ......
قالت لابنتها بشفتين مرتعشتين ، أمام ذهول الجميع :
- أعيديها إليه و قولي له :
<< السنوات الضائعة لا تعوضها أموال قارون ... >>
ثم أضافت في سرها :
<< لا سامحك الله يا سامي ، لا في الدنيا و لا في الآخرة ! >>

*****

------------------------------------------------
* عصير جلاب : عصير خلطة ( كوكتيل ) من الفواكه يضاف إليها الصنوبر
------------------------------------------------
*نزار بهاء الدين الزين (http://www.freearabi.com/NizarZainBibliography.htm)
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
الموقع :www.FreeArabi.com (http://www.freearabi.com/)

بروق الشمال
16-09-2010, 11:56 AM
مشكوره على القصه


تحياتي



http://www.manab3.com/vb/mwaextraedit4/extra/47.gif

نزار ب. الزين
16-09-2010, 04:27 PM
مشكوره على القصه

تحياتي


http://www.manab3.com/vb/mwaextraedit4/extra/47.gif

*****
مشكورة على الإهتمام
مودتي

سمو الذكريات
20-09-2010, 12:08 PM
صدقت ومايجدي الندم بعد فوات الاوان

شكرا لك كاتبنا نزار
لاعدمناك

نزار ب. الزين
20-09-2010, 03:18 PM
صدقت ومايجدي الندم بعد فوات الاوان
شكرا لك كاتبنا نزار
لاعدمناك
*********
شكرا لمرورك أختي ذكريات
مودتي لك
نزار

لؤلؤه
20-09-2010, 06:35 PM
كاتبنا المبجل
امتعتنا بروعة سردك
لك كل التحايا

نزار ب. الزين
21-09-2010, 05:02 PM
كاتبنا المبجل
امتعتنا بروعة سردك
لك كل التحايا
*****
شكرا لزيارتك أختي لؤلؤة
و لثنائك الرقيق
مع خالص المودة
نزالا

الراجي
25-09-2010, 12:03 PM
استاذنا وكاتبنا المميز/ نزار بهاء الدين الزين
قصة رائعة تحمل بين طياتها حكمة بالغة .. لايعود الزمن بنا الى ماتركنا هناك .. وسعادة مفترضة لا تقدر بثمن ولا يعوض عنها مللء الارض ذهبا
قصة ممتعة جدا
تقبل تقديري واحترامي

نزار ب. الزين
26-09-2010, 04:47 AM
استاذنا وكاتبنا المميز/ نزار بهاء الدين الزين
قصة رائعة تحمل بين طياتها حكمة بالغة .. لايعود الزمن بنا الى ماتركنا هناك .. وسعادة مفترضة لا تقدر بثمن ولا يعوض عنها مللء الارض ذهبا
قصة ممتعة جدا
تقبل تقديري واحترامي
*****
أخي الفاضل راجي
ممتن لزيارتك و مشاركتك التفاعلية
و أما إعجابك بالقصة فهو شهادة أعتز بها
مع خالص مودتي و احترامي
نزار

ساهر الليل
02-10-2010, 03:42 AM
لا بد أن نفكر بعمق أكثر قبل نفعل شيء قبيح

وكذالك قبل فوات الاوان ونقول ليتني لم أفغل

قصة نأخذ منها العبرة

جزاك الله خيرا على القصة الممتعة حقا

نزار ب. الزين
02-10-2010, 08:46 PM
لا بد أن نفكر بعمق أكثر قبل نفعل شيء قبيح
وكذالك قبل فوات الاوان ونقول ليتني لم أفغل
قصة نأخذ منها العبرة
جزاك الله خيرا على القصة الممتعة حقا
******
أخي الفاضل سامر
صدقت ،يجب أن ندرب أنفسنا منذ مرحلة المراهقة
على ضبط عواطفنا و عدم القيام بأفعال قد نندم عليها
***
شكرا لزيارتك و مشاركتك القيِّمة في نقاش القصة
أما إعجابك بها فهو شهادة أعتز بها
مع خالص مودتي و تقديري
نزار

زهر البيلسان
02-10-2010, 09:55 PM
فعلاً.. وهل يجدي الندم؟ سؤال وجيه لكنه متأخر جداً..

سنوات العمر الضائعة التي أخذت من صبرنا ومشاعرنا وتشربت آهاتنا وتغذت من أوجاعنا وعاشت على ذكرياتنا، لا تعوض ولا تشترى بالمال.. المشكلة أن الكثيرين لا يدركون ذلك إلا بعد فوات الأوان!..

كاتبنا المحترم الأخ نزار بهاء الزين..

ليتني أرتقي إلى أسلوبك الأدبي الراقي وسردك المرتب.

http://www.manab3.com/vb/mwaextraedit4/extra/76.gif

نزار ب. الزين
04-10-2010, 05:50 PM
لا بد أن نفكر بعمق أكثر قبل نفعل شيء قبيح

وكذالك قبل فوات الاوان ونقول ليتني لم أفغل

قصة نأخذ منها العبرة

جزاك الله خيرا على القصة الممتعة حقا
***************
أخي الفاضل ساهر
صدقت ،يجب أن ندرب أنفسنا منذ مرحلة المراهقة
على ضبط عواطفنا و عدم القيام بأفعال قد نندم عليها
***
شكرا لزيارتك و مشاركتك القيِّمة في نقاش القصة
أما إعجابك بها فهو شهادة أعتز بها
مع خالص مودتي و تقديري
نزار

نزار ب. الزين
04-10-2010, 05:54 PM
فعلاً.. وهل يجدي الندم؟ سؤال وجيه لكنه متأخر جداً..

سنوات العمر الضائعة التي أخذت من صبرنا ومشاعرنا وتشربت آهاتنا وتغذت من أوجاعنا وعاشت على ذكرياتنا، لا تعوض ولا تشترى بالمال.. المشكلة أن الكثيرين لا يدركون ذلك إلا بعد فوات الأوان!..

كاتبنا المحترم الأخ نزار بهاء الزين..

ليتني أرتقي إلى أسلوبك الأدبي الراقي وسردك المرتب.


http://www.manab3.com/vb/mwaextraedit4/extra/76.gif

**********

صدقت يا أختي زهر


إيذاء الغير يحفر في قلوبهم ذكرى سيئة


لا يعوضها المال


و الندم إذا جاء متأخرا لا قيمة له


***


اختي الفاضلة


الشكر الجزيل لمشاركتك التفاعلية و تحليلك العميق


أما ثناؤك الرقيق فهو وشاح شرف طوَّق عنقي


عميق مودتي لك و اعتزازي بك


نزار