زهر البيلسان
26-09-2010, 08:21 AM
إهداء:
لجدي، جدتي، كل مسن خذله أبناءه وألقوه في دار العجزة، كل عجوز عاندها الزمن ورمى بها في دار المسنين. أهدي قصة خجولة بقلمي الباكي تعبر عن لمسة وفاء كي لا ننسى "فنر البيت".
يتأرجح على كرسية الهزاز تارة للأمام ومرة للخلف، يتنفس دخان الغليون وبيده كتاب لم يعد يفقه كوامنه، وكأنه بحالته هذه أشبه بوليد يمص الحلمة ليكبت بها نشيجه لاهياً بلعبته المخرخشة في مهد خشبي يهزه إلى أن تغمض أجفانه.
ترك كتابه جانباً وراح يدور في أرجاء داره الأثري العتيق، يدخل إلى حجرة ويخرج من الأخرى، تنقله قدماه اللتان تجر بعضها بعضاً تتهادى كالسلحفاة من عتبة إلى أخرى دون جدوى، ضاق ذرعاً بوحدته، راح يفرك أحد المصابيح النجاسية لعل وعسى يخرج له مارد يحادثه أو يظهر من بين الجدران جني يؤنسه، ذهبت جميع محاولاته اليائسة سدى. فيالردهة تقبع صورة قديمة وقد احتلت مكانا وسط الجدار المتداعي، اقترب منها.. يااااااااااه لقد كان هذا المكان يعج بكم، شهد بلاطه حبوكم عليه وجريكم وضحكاتكم المجلجلة وبكاؤكم الصاخب يملأ جوه بهجة ونشاطاً، واليوم أصبحتمن ذكرى معلقة على جدرانه، وغدا السكون البغيض ضيفاً ثقيلاً يرقص على صفير الرياح الباردة يقابلها صدى صوتي المبحوح يتردد على قيثارة تعزف النغم الحزين. أنزَل الصورة المقصودة واهتدى إلى أقرب كرسي وضمّها إلى صدره الواهن بقوة حتى ليكاد يسمع صوت طقطقة ضلوعه وكأنه يحضن حبيباً حُرِم رؤيته لقرون.
راح يتأملها ملياً ويقول: سلبني القدر راحتي عندما فجعني بزوجتي التي كانت تحنو عليّ وتربت بيديها على كتفي، وبعد رحيلها تركت دمعتي ترثي لحالي وتشفق عليّ، وأبناؤنا خذلوها وخذولني، لم يهتموا بي كما أوصيتيهم، أخذوا شبابي وضيعوني شيباً. صَمَت لبرهة يستجمع فيها قواه ويكفكف أدمعه التي تدفقت حارة من من مآقيها ويكمل: انظروا إلى ظهري الأحدب إن كنتم نسيتموه فهو لا يزال يذكر لعبكم ولهوكم فوقه، يدي المجعدة هذه غاصت إلى الأعماق وجابهت الأهوال لتصطاد لكم رزقاً بين سمكة ولؤلؤة، وقدماي شققتها رمال القفار الملتهبة لأجمع قوتكم، تجرعت من صنوف المر كؤوساً من أجل أن تحلو أيامكم، ضحيت بحياتي رخيصة في سبيل إسعادكم وماذا كان جزائي؟! أجيبوني.. أستنطقكِ أيتها الصورة الجامدة، ليس لديكم رد مقنع، كيف وأنتم بعيدون عني هناك!، عفراء تزوجت، وبدر هاجر ليدرس، و سعد شغل منصباً مرموقاً، لم أعد أراكم وأمتع ناظري الضعيف بكم سوى في المناسبات، حتى الأعياد بت أستعجلها وأنتم أعيادكم تقضونها في السفر والإجازات. لديكم مسؤوليات تلك أعذاركم دائماً، أبناءكم وبناتكم أحفادي الذين لا يعرفون معنى كلمة "جد" لم يعودوا يروني، أخشى أنهم نسوني، ألا يسألوا عني؟!، ربما تخافون عليهم من هذا البيت القديم ذي الحالة الرثة، أو تخشون أن أسألكم العناية والرعاية فتضيقون بي وأثقل عليكم، تراودني كثيراً القصص التي أسمعها عن أبناء جاحدين يلقون آباءهم عظاماً هشة في دور المسنين والعجزة. يلتفت حوله بأسى مطلقاً زفرة ملؤها الحسرة وعبراته تكاد تجهز عليه متمتماً، لم أجد سوى هذا الجدار المنهار أحادث من خلاله ظلي المرسوم عليه وصفحة المرآة المكسورة التي سئمت من النظر إلى وجهي المترهل وقوامي الواهن والتجاعيد المتموجة على جبهتي والتي تفنن الدهر برسمها بإتقان، وكأني بتلك المرآة تقول لي: أنت أقدم رجل على وجه الأرض، نظر إلى الصورة فهاله منظر الدمعات المختلطة بغبار الزمن، مسحها وأعادها إلى حيث كانت.
تذكر أنه على موعد هام، فأخذ عصاه التي يتوكأ عليها وخرج ينفس عن الهم الجاثم على صدره ويكاد يطبق على آخر ما تبقى من أنفاسه، كان على موعد مع الأيام بما فيها من ذكريات، بعضها أحلام والآخر آلام، في جعبته كلام، وشيء من ملام، سار في الظلام، على غير هدى، لوحده بلا أنام، وفجأة.. نادته أمواج ثائرة تبحث هي الأخرى عن أنيس في زمن تعيس! قادته خطاه المرتبكة ليجده ينتظر لقياه وهو يمتع عينيه برؤياه. جميل.. جميل هذا البحر بغموضه وانعكاس ضي القمر يزيده رونقاً وتألقاً، أخيراً وجد ما يفرح النفس الحزينة، اعتبرها فرصة سانحة ليغسل بهذه الأمواج المصطخبة أحزانه، جلس يحاوره، وشكوك البحر تساوره بأن هذا الكهل الهرم هارب من عالمه. ما بين مد وجزر، كانت الأمواج تستمع إلى شكواه وأنينه، تذهب موجة وتأتي أخرى، استرسل في حديثه. آه أعذرني أيها البحر تعبت من البوح، دعني أتوسد شاطئك وأذهب في إغفاءة قصيرة لأسبح في دنيا المنام، تأخذني الأحلام بعيداً عن الواقع. استيقظ صاحبنا ليجد نفسه بين فكي العباب الهائج والأمواج المتلاطمة تتقاذفه بقسوة، وكأن البحر كتم سره وأراد أن يدفنه معه، وراحت الأمواج تجره عنوة إلى غموضها بل إلى أعماقها، يتوسل، يصرخ، يستنجد الأقدار بصوته الخافت ولا يسمعه أحد، يمد يديه ولا مساعد، حتى أنت أيها البحر غدرت بي، أردتك عوناً فانقلبت عدواً، ولا عجب.
لجدي، جدتي، كل مسن خذله أبناءه وألقوه في دار العجزة، كل عجوز عاندها الزمن ورمى بها في دار المسنين. أهدي قصة خجولة بقلمي الباكي تعبر عن لمسة وفاء كي لا ننسى "فنر البيت".
يتأرجح على كرسية الهزاز تارة للأمام ومرة للخلف، يتنفس دخان الغليون وبيده كتاب لم يعد يفقه كوامنه، وكأنه بحالته هذه أشبه بوليد يمص الحلمة ليكبت بها نشيجه لاهياً بلعبته المخرخشة في مهد خشبي يهزه إلى أن تغمض أجفانه.
ترك كتابه جانباً وراح يدور في أرجاء داره الأثري العتيق، يدخل إلى حجرة ويخرج من الأخرى، تنقله قدماه اللتان تجر بعضها بعضاً تتهادى كالسلحفاة من عتبة إلى أخرى دون جدوى، ضاق ذرعاً بوحدته، راح يفرك أحد المصابيح النجاسية لعل وعسى يخرج له مارد يحادثه أو يظهر من بين الجدران جني يؤنسه، ذهبت جميع محاولاته اليائسة سدى. فيالردهة تقبع صورة قديمة وقد احتلت مكانا وسط الجدار المتداعي، اقترب منها.. يااااااااااه لقد كان هذا المكان يعج بكم، شهد بلاطه حبوكم عليه وجريكم وضحكاتكم المجلجلة وبكاؤكم الصاخب يملأ جوه بهجة ونشاطاً، واليوم أصبحتمن ذكرى معلقة على جدرانه، وغدا السكون البغيض ضيفاً ثقيلاً يرقص على صفير الرياح الباردة يقابلها صدى صوتي المبحوح يتردد على قيثارة تعزف النغم الحزين. أنزَل الصورة المقصودة واهتدى إلى أقرب كرسي وضمّها إلى صدره الواهن بقوة حتى ليكاد يسمع صوت طقطقة ضلوعه وكأنه يحضن حبيباً حُرِم رؤيته لقرون.
راح يتأملها ملياً ويقول: سلبني القدر راحتي عندما فجعني بزوجتي التي كانت تحنو عليّ وتربت بيديها على كتفي، وبعد رحيلها تركت دمعتي ترثي لحالي وتشفق عليّ، وأبناؤنا خذلوها وخذولني، لم يهتموا بي كما أوصيتيهم، أخذوا شبابي وضيعوني شيباً. صَمَت لبرهة يستجمع فيها قواه ويكفكف أدمعه التي تدفقت حارة من من مآقيها ويكمل: انظروا إلى ظهري الأحدب إن كنتم نسيتموه فهو لا يزال يذكر لعبكم ولهوكم فوقه، يدي المجعدة هذه غاصت إلى الأعماق وجابهت الأهوال لتصطاد لكم رزقاً بين سمكة ولؤلؤة، وقدماي شققتها رمال القفار الملتهبة لأجمع قوتكم، تجرعت من صنوف المر كؤوساً من أجل أن تحلو أيامكم، ضحيت بحياتي رخيصة في سبيل إسعادكم وماذا كان جزائي؟! أجيبوني.. أستنطقكِ أيتها الصورة الجامدة، ليس لديكم رد مقنع، كيف وأنتم بعيدون عني هناك!، عفراء تزوجت، وبدر هاجر ليدرس، و سعد شغل منصباً مرموقاً، لم أعد أراكم وأمتع ناظري الضعيف بكم سوى في المناسبات، حتى الأعياد بت أستعجلها وأنتم أعيادكم تقضونها في السفر والإجازات. لديكم مسؤوليات تلك أعذاركم دائماً، أبناءكم وبناتكم أحفادي الذين لا يعرفون معنى كلمة "جد" لم يعودوا يروني، أخشى أنهم نسوني، ألا يسألوا عني؟!، ربما تخافون عليهم من هذا البيت القديم ذي الحالة الرثة، أو تخشون أن أسألكم العناية والرعاية فتضيقون بي وأثقل عليكم، تراودني كثيراً القصص التي أسمعها عن أبناء جاحدين يلقون آباءهم عظاماً هشة في دور المسنين والعجزة. يلتفت حوله بأسى مطلقاً زفرة ملؤها الحسرة وعبراته تكاد تجهز عليه متمتماً، لم أجد سوى هذا الجدار المنهار أحادث من خلاله ظلي المرسوم عليه وصفحة المرآة المكسورة التي سئمت من النظر إلى وجهي المترهل وقوامي الواهن والتجاعيد المتموجة على جبهتي والتي تفنن الدهر برسمها بإتقان، وكأني بتلك المرآة تقول لي: أنت أقدم رجل على وجه الأرض، نظر إلى الصورة فهاله منظر الدمعات المختلطة بغبار الزمن، مسحها وأعادها إلى حيث كانت.
تذكر أنه على موعد هام، فأخذ عصاه التي يتوكأ عليها وخرج ينفس عن الهم الجاثم على صدره ويكاد يطبق على آخر ما تبقى من أنفاسه، كان على موعد مع الأيام بما فيها من ذكريات، بعضها أحلام والآخر آلام، في جعبته كلام، وشيء من ملام، سار في الظلام، على غير هدى، لوحده بلا أنام، وفجأة.. نادته أمواج ثائرة تبحث هي الأخرى عن أنيس في زمن تعيس! قادته خطاه المرتبكة ليجده ينتظر لقياه وهو يمتع عينيه برؤياه. جميل.. جميل هذا البحر بغموضه وانعكاس ضي القمر يزيده رونقاً وتألقاً، أخيراً وجد ما يفرح النفس الحزينة، اعتبرها فرصة سانحة ليغسل بهذه الأمواج المصطخبة أحزانه، جلس يحاوره، وشكوك البحر تساوره بأن هذا الكهل الهرم هارب من عالمه. ما بين مد وجزر، كانت الأمواج تستمع إلى شكواه وأنينه، تذهب موجة وتأتي أخرى، استرسل في حديثه. آه أعذرني أيها البحر تعبت من البوح، دعني أتوسد شاطئك وأذهب في إغفاءة قصيرة لأسبح في دنيا المنام، تأخذني الأحلام بعيداً عن الواقع. استيقظ صاحبنا ليجد نفسه بين فكي العباب الهائج والأمواج المتلاطمة تتقاذفه بقسوة، وكأن البحر كتم سره وأراد أن يدفنه معه، وراحت الأمواج تجره عنوة إلى غموضها بل إلى أعماقها، يتوسل، يصرخ، يستنجد الأقدار بصوته الخافت ولا يسمعه أحد، يمد يديه ولا مساعد، حتى أنت أيها البحر غدرت بي، أردتك عوناً فانقلبت عدواً، ولا عجب.