المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : غرفة النوم ـ قصة ـ


المودني عبدالسلام
08-04-2006, 09:28 PM
غرفة النوم


تتهافت الأضواء إلى بؤرة تواجدها، فتدفئها و تزيد في ألقها. يصلها صوت المخرج عميقاً من خلف الزجاجة السميكة التي تفصلهما:
-إليك الخط .
تتثاءب..
- يقوم رجلنا الكبير، رجلنا الأوحد بزيارة ود و صداقة إلى بلاد"الدندون" ،حيث تصدى له استقبال جماهيري حاشد من قبل الشعب الدنوني الشقيق، و قائده رجلهم الكبير ، رجلهم الأوحد . تفاصيل أكثر مع طائرنا الأوحد.
و ما أكثر التفاصيل ! تعرفها مذ كانت ساذجة صغيرة ، وهي الآن جزء منها. تذكر أنها ثارت في أيام اشتغالها الأولى على التفاصيل. و لازالت تردد عند تقديمها لنشرة منتصف الليل:( لو يرحموا النّاس قليلاً، منذ زمن بعيد تعاد نفس الصور لنفس الشخص بنفس الكلمات. و جريدة منتصف الليل على جرعاتها أن تكون قليلة حتّى نستطيع أن ننيم الناس خفافاً). لكنها في كل مرة لم تكن تجرؤ على قول ذلك علناً . و اصطدمت موجات غضباتها بصخور حرصها على الحياة، و على وظيفة حفيت لتجدها تتفق و ميولاتها و آمالها.
هدوء و كبح للنفس، و تواطؤ جرّوا عليها رضى كل المحيطين بها إلا هي . حتّى الرجل الكبير بعث لها هدية قيّمة، و كلمة تقدير لجهودها و تفانيها، و لروحها الوطنية. و صارت المرأة الكبيرة في مبنى التلفزة، و احتكرت الصورة الأولى و الصوت الأول في كل النشرات. وارتقت في عملها و وظيفتها لتصبح زوج الطائر الأوحد على الورق، و عشيقة الرجل الأوحد على الفراش . أبعدت أن يكون الطائر المتثائب دوما أمام الناس- بعينيه المتقلصتين و نثار فمه يصيب الكاميرا، بملامح وجهه الجامدة التي يخشاها كل عمال المبنى الكبير- على علم بعلاقتهما. بيد أنها تأكدت من ذلك حين أتاها ثملاً ذات ليلة. فقال دون تقديم و بقايا دمعة قهر في عينه اليمنى:
- إنه مولانا، و لو أمرني بشيء مما يفعل بك لما ترددت في إنزال سروالي له . لكنه يريدك أنت.
و زفر بحسرة. كبتت ثورتها مجدداً أمامه كما فعلت مع الرجل الكبير عندما أرهقها تثاؤبه أمامها كل ليلة.( أنت نمطي جداً. ألا ترى أن رقادك معي لم يتغير منذ سنين ). و حسبته يقول: (أرقد مع هذا الشعب منذ وُجد، و لا أحد أصابه ملل فثار أو اشتكى).
كانت تعلم أن المراسيم ستستمر ساعتين فقط، من حسن حظها- على فكرة ـ دقائق فقط، تكفي اليوم أن يأتي زلزال على الحياة بأكملها، أو أن تقوم حرب و تقعد، و مع ذلك، فهم يصرون على تقديم جديد الرجل الكبير الذي يقوم بنزهة في بلد الأصدقاء.
ونشرة الأخبار دخلت كتاب"غينيز" كأطول أخبار في التاريخ بزمن ثماني ساعات، و أتفهها على الإطلاق لدرجة أن نسبة مشاهدتها تبلغ عند الذروة ناقص ثلاثين مليون مشاهد. و في مناسبة كهذه، دأبت على ممارسة عادتها القديمة ، تنام داخل الأستوديو لساعة على الأقل أو ساعة و نصف. بعدها تذهب للحمام و تتبول أحلامها و تعيد طلاء وجهها ليعجب الرجل الكبير. قال لها يوماً:
- أجدك في الواقع أجمل من التلفاز.
كانت تود أن تقول له:"حسرة علي، كل ما يدخل تلفزتكم سيدي يصبح رديئاً". لكنها لم تعلق على مجاملته اللطيفة بل ابتسمت بامتنان و هي تلثم يده. رغم أنه يقلبها على فراش زوجها و في الأستوديو كيفما يشاء، إلا أنها لا تذكر أنها تجرأت يوماً على تقبيل غير يده اليمنى . و تجسرت يوماً بعد طول تردد لتجرب يده اليسرى فحدجها بنظرة أدركت معناها جيداً. كأنه قال:" من اليد اليسرى إلى الكتف
و منه إلى الخد، فالفم... لا" و فهمت أنها ستمنعه من أداة تثاؤبه الذي يحب.
نومها كان ككل المشاهدين، بعينين مشرعتين حتى لا يرموا بقلة الإحترام لخطاب يلقيه أو لنزهة يقوم بها أو لمجرد ذهابه للحمام. و بعين داخلية تتفرج كما الجميع على فضائية أحلامهم، وما يتمنون أن تكون عليه بلادهم، و ليس ما هي عليه بلاد رجلهم الكبير.
و انقضت الساعتان، و رنت أجراس الساعات الحائطية دفعة واحدة، فاستيقظ المخرج مذعوراً متضايقاً ثم قال:
- إليك الخط.
و عاد هامساً و هي جاحظة العينين في الكاميرا:
- إليك الخط.
ثم صاح. و لمّا لم تنبس بكلمة لكز بمرفقه مساعده الغاط في نوم عميق . لم توقظه أجراس الساعات
و لا صرخات المخرج الذي قال بصوته الناعس:
- أما كان يجدر بك أن تظل صاحياً؟ أخرج لنا على الفور النشرة الإحتياطية.
و تظهر هي نفسها بنفس ملابسها الرسمية في النشرة الأخرى لكنها تبدو أصغر، فتقول:
- يقوم رجلنا الكبير، رجلنا الأوحد، بزيارة ود وصداقة إلى بلاد "الفرعون" حيث تصدى له استقبال جماهيري حاشد من قبل الشعب الفرعوني الشقيق. و قائده رجلهم الكبير، رجلهم الأوحد. تفاصيل أكثر مع طائرنا الأوحد.
التفت المساعد إلى المخرج ، ثم قال بقلق:
- ألن تُكتشف الكذبة للشعب؟ كيف كان في بلاد "الدندون" قبل دقائق، وهو الآن في بلاد"الفرعون"؟
حدجه غاضباً:
- إحرص على ألا تنام مرة أخرى...
ثم أردف متوتراً:
- الشعب نائم عزيزي كحالنا تماماً. المصيبة في رجلنا الكبير كيف يمكن لنا أن نقنعه أنه كان في المكانين معاً في نفس اللحظة.



سلا في 7/11/2004
عبدالسلام المودني

إيمان السعيد
09-04-2006, 06:13 AM
رائع استاذى

كل ما تنثره لنا رائع

لك مودتى

نغم

أحمد الجعيد
11-04-2006, 12:49 PM
.
.

يوما ً بعد يوم
يزداد شغفي..
بقلم : عبدالسلام المودني

.
.

ظافر الأحمري
14-04-2006, 04:04 AM
سلمت وسلم نبضك على هالنص الراقي

سجل اعجابي ومتابعتي ولك تحياتي

محمد الفرحان
23-04-2006, 12:34 PM
.

.


تشرفت بمعانقة ابداعك وقراءة

هذه القصه الرائعه . .

.

.

فائق تقديري واحترامي

مناير
01-05-2006, 11:50 PM
كتابة جميلة جدأومنك نستفيد سيدى الفاضل
سلمت يداك
ولك تحية وتقدير

أحمد على
07-05-2006, 05:12 PM
قصة راقية جدا بكلماتها الرائعة

تقبل تحياتى

فهد الدباسي
23-09-2006, 10:20 PM
المودني

متميزٌ أنت و رائع


و في هذه القصة استمتعتُ كثيراً لأنها تلامس واقعاً يتكررُ كثيراً



تحياتي

مزون المحمد
10-03-2007, 01:48 AM
المودني


ألف شكر لروعة حضورك


دمت بألف خير