المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العذراء والدم.....................محمد محضار


محمد محضار
08-06-2011, 04:10 AM
العذراء والدم................نص لمحمد محضار
العذراء والدم................نص لمحمد محضار

في إحدى الأماسي الصيفية الهادئة، توقفت سيارة فخمة قرب بيت معزول بحواشي المدينة، وترجل منها رجل تجاوز الأربعين م عمره، تبدو عليه علامة الوقار وملامح الأبهة، يرتدي بدلة قمحية اللون، إتجه صوب باب البيت، نقره بضع نقراتـ،، وعندما فتح ظهرت على عتبته عجوز في حدود الستين من عمرها، حيته بحرارة، فرد على تحيتها وقال:
- كيف حالك يا خالتي زينب؟
- بخير، تفضل
دلف الرجل صحبتها إلى داخل البيت، فقادته إلى غرفة الجلوس، حيث استقر به الحال فوق كنبة جلدية، وسألها ضاحكا:
- كيف حال صبياتك؟
- إنهن على أحسن حال يا أستاذ ، هل تريد إحداهن؟
- ليس الآن .. لكن خبريني هل وجدت لي فتاة عذراء؟
ردت العجوز بخبث:
- إنك رجل محظوظ... فمنذ أسبوعين جاءت لتعمل في أحد البيوت المجاورة صبية في الخامسة عشرة من عمرها وهي عذراء...
قاطعها متلهفا:
- إذن وجدتيها
- وليس أمامي الأن سوى البحث عن الخطة المناسبة لجلبها لك،و هذا أمر بسيط... فهي يتيمة الأبوين، أو قل مقطوعة من شجرة، ولن تمانع في شيء إذا ملأنا بطنها وجيبها.
- إنك خارقة للعادة
ألقت عليه العجوز بنظرة ثاقبة وقالت:
- أظن أن الأمر سيتطلب منك مالا كثيرا
- لايهم، اطلبي ما تشائين، سأدفع بسخاء
- قامت العجوز، من مكانها واقتربت منه وهمست:
- هل أنادي لك على إحدى الصبيات .. لتمرح بعض الوقت.
رفع إليها رأسه وقال:
- المهم هو العذراء، أريد فتاة عذراء بأي ثمن
-اطمئن يا أستاذ ، بعد أسبوعين ستكون العذراء بين يديك .
قام من مكانه ، أصلح ربطة عنقه، ثم أدخل يده في جيب بنطلونه، وأخرج بعض الأوراق النقدية، مدها للعجوز وهو يقول:
- تفضلي ي خالتي زينب.
وردت العجوز وعيناها تبرقان:
- شكرا لك ياسيدي أنت رجل سخي بحق .
- سأكون أكثرسخاءا، لو قضيت حاجتي.
انسحب خارجا، ركب السيارة، ثم انطلق بين شوارع المدينة الهادئة، كانت تتصارع في رأسه عشرات الأفكار وتُضيق الخناق حوله. رأى ماضيه يسترسل في التداعي أمام عينيه، اسفلت الطريق المضاء بمصابيح سيارته، كان يبدو أمامه كمرآة تعكس سنوات عمره الملهوفة من الزمان، ذاكرته اخرجت مخزونها، وامتزج الماضي بالحاضر، تفجرت في اعماقة أشجان أعوام دفينة، واشتد رنينها في ذاته، داهمته على حين غرة صورة العذراء، عندما توقف أمام إشارة المرور واصطدمت عيناه باللون الأحمر، تذكر الدم، تراقصت أجزاؤه السفلى ، عاود المسير من جديد أشعل لفافة تبغ ليهدئ نفسه بعض الشيء، ثم غرق في بحر الماضي، لاحت أمامه أجزاء مضببة من طفولته ومراهقته وشبابه، فمضى يربط بينهما.
كان ابن شيخ القبيلة ووجيهها الحاج عمر، كان واحدا من بين عشرة إخوة وكانت أمه واحدة من بين أربع نساء، كان منطويا على نفسه، قليل اللعب مع أبناء الدوار، شديد الخجل والخوف، ، وأبوه لم يكن ينتبه إليه إلا لماما، تعلم في مدرسة القرية، وأكمل دراسته بالمدينة، لكن المدينة لم تغير شيئا في طباعه فقد ظل مفرطا في التقوقع والانغلاق، وكانت علاقته بالمرأة لا تكاد تتعدى أحاديثه القليلة مع أمه، وأخواته، ولاشيء غير هذا، بنات المدينة كن بالنسبة له غولا مخيفا لا يقدر على مجابهته. لما أتم دراسته اشتغل في المدينة، الشغل لم يدخل هو الآخر أدنى تغيير على سلوكه. بعد موت والده آلت له ثروة لم يكن يحلم بمثلها، وجد نفسه يدخل دنيا المال وانتبه إلى نفسه، دارت بدماغه فكرة الزواج لكن كيف؟ وهو لا يعرف ما يقدم أو ما يؤخر مع المرأة، لجأ في الأخير إلى أمه التي تدبرت الأمر، وخطبت له ابنة أحد أثرياء القرية، وفي ليلة "الدخلة" أو ليلة العمر كما يحب أن يسميها البعض وجد نفسه صحبة عروسه في غرفة واحدة، وتهادى إلى أسماعه ضجيج وصخب الأهل والأحباب وهم يرقصون، ويغنون، منتظرين قطعة الثوب المخضبة بالدم، اجتاز مرحلة الخجل، بعد حمام بارد من العرق، وأقبل على عروسه .. لكن أين الدم؟؟ الثوب أبيض لاتكاد تظهر عليه نقطة واحدة حمراء، دارت به الدنيا، تلكأت الكلمات في فمه وانساب صوت عروسه تخنقه الدموع المسترسلة على وجنتيها:
- استرني يا سيدي لو عرف أبي سيقتلني
ورد هو:
أين الدم أنت لست عذراء؟
- لقد نال من شرفي ابن عمي الذي يدرس في فرنسا، لا تفضحني وأقسم أني سأخلص لك مدى العمر. ورق قلبه لدموعها وقال:
- إذا تنازلت أنا عن حقي ، فماذا نفعل مع الآخرين إنهم يريدون الدم.
- المسألة بسيطة
قالت هذا ثم أخرجت شفرة وجرحت ساعدها، خبضت الثوب بالدم ومدته له قائلة:
- أعطيهم الدم
هكذا تزوج ورضي بامرأة ثيب، لكنها صدقته القول وأخلصت له بل"أسعدته، فانطلق في مشوار نجاح متواتر، وتفتح على الحياة وأصبح له أصدقاء وأصحاب سلخوا عنه ثوب الانطواء وجروه إلى دنيا اللذة والشهوة الحمراء. وتقدم به العمر، لكنه ظل وفيا لحياته التي بدأها بعد الزواج.
وعرّفه أحد زملائه على العجوز المدعوة زينب التي تدير وكراً للتجارة في أعراض صبايا قاصرات وانبأه أنها تجلب لزبنائها من حين إلى آخر حسب الطلب فتيات عذروات، فأصاب النبأ في نفسه الموقع الحسن، وأسر للعجوز برغبته في صبية عذراء، فوعدته أن تلبي مطلبه.
وهاهي ذي تعده اليوم بإمكانية تحقق غرضه بعد أسبوعين، فليستعد ليعيش ليلة العمر.
في الليلة الموعودة تأنق في هندامه وصبغ بعض الشعيرات البيضاء التي كانت تجلل فوديه، ثم ذهب إلى العجوز التي استقبلته ببشاشة وقادته من جديد إلى غرفة الجلوس، وسألها بلهفة.
- هل العذراء موجودة؟
- بالطبع وقد هيأتها لك، لتبدو كعروسة في ليلة دخلتها.
- حسنا فعلت يا امرأة.

قال هذا ثم أدخل يده في جيب جاكيتته البنية، وأخرج رزمة من الأوراق النقدية رمى بها للعجوز وقال:
- تفضلي يا خالتي زينب
- شكرا ياسيدي
قدم لها ايضا علبة صغيرة كان يمسكها بين يديه وتمتم:
- هذه الهدية للفتاة.. قدميها لها.
- سأذهب إليها كي تستعد...
- انسحبت العجوز، والتحقت بالصبية التي كانت تنتظر بداية المجزرة بإحدى غرف النوم ، قدمت لها العلبة وقالت:
- خذي هذه الهدية
فضت الفتاة غلاف العلبة، كانت سلسلة ذهبية جميلة،
- ضعيها حول عنقك... وخذي هذا المال ثم استعدي
قالت هذا ومدت لها جزءا من الأوراق التي تسلمتها منه، ثم خرجت قاصدة قاعة الجلوس.
كان ما يزال ينتظر، طرق أذنية صوت العجوز وهي تقول:
- هيا يا سيدي الفتاة في انتظارك قام من مكانه، تبعها، توقفت، وأشارت إلى الباب، ثم قالت:
-يمكنك أن تفتح الباب وتدخل
وضع يده على المزلاج، ضغط عليه، دفع الباب ودخل، وجد نفسه أمام صبية في ربيعها الخامس عشر، ذات شعرأرجواني يتهدل على كتفيها العاريتين، وعينين عسليتين تفيض البراءة من بؤبؤيهما، وجسد طفولي ينضج بالطهر. إقترب منها لمس جيدها براحته وقال:"ما اسمك يا بنية"، وردت الصبية:" اسمي سلمى"، صمت لحظة وقال: " هل أفهمتك السيدة زينب كل شيء"،
- أفهمتني وأنا موافقة.
جلس على السرير، طلب منها أن تخلع ثيابها،.. فعلت، لاح له جسدها البلوري، تسلل وحش الشهوة إلى دواخله، اقترب منها، من جديد، لمس صدرها بيده. تراجع فجأة الى الخلف كمن لسعته
عقرب، أمسك رأسه بين راحتيه، وصرخ : "لا، هذا غير ممكن لا لا.."
نظرت إليه الفتاة بخضوع وقالت: - ماذا حدث يا سيدي؟؟
أعاد اللمس مرة أخرى، تكررت، نفس الحالة، ما حدث يا ترى؟؟
اختلطت الامور أمام عينيه، من أمامه الآن، هل سلمى، أم ابنته سناء؟ إنه لا يكاد يلمس جسد سلمى حتى يرى ملامح ابنته سناء قد تمثلت فيها. ارتمى على السرير كالكلب المسعور، اضطرب، رفع رأسه الى الفتاة وقال:
البسي يا بنيتي ثيابك، مكانك ليس هنا، ستجدين أختا لك في بيتي، خرج إلى العجوز سألته:
- هل نلت الوطر؟
قابلها بوجوم متجاهلا سؤالها، وقال:
- سآخذ الفتاة معي.

- هل ستتزوجها؟
- لا سأتبناها. ستعيش مع ابنتي وزوجتي.
ضحكت العجوز وقالت:
- هل جننت
لم يلتفت إليها وخرج صحبة الفتاة.

سارة سعد
08-06-2011, 05:08 AM
قصة رائعة ومؤثرة بالفعل يا أخي محمد أتمنى لك التوفيق والسداد وإلى الأمام وفي انتظار الجديد

يزيد فاضلي
08-06-2011, 03:41 PM
...الصورة الجميلة المتكاملة التي ينسِجُها مجموعُ الانطباعاتِ المودَعةِ في دواخلنا حول هذه الومضةِ الروائيةِ البديعةِ،هي سيدي البديع محمد-صورة ُالعمل ( الدراماتيكي ) الاجتماعي الذي تظافرتْ فيه أجملُ وأبهى ما قد تتفاعلُ معه الذائقة الروائية في كلٍّ منا....

فإلى جانب المبنى اللغوي الرصين الذي تأبَّـــى فيه اللحنُ والمثالبُ اللغوية المختلفة ( نحْواً وصرْفاً وإملاءً وبلاغــة ً ) على النسيج النمطي في سرد الأحداث ووقائعها الشيقة،وفي تتالي الحوار الذي تساوَقَ تماماً مع حيْثياتِ السبب والمناسبة التي دارَ فيها-إنْ بين الرجل والعجوز،أو بين الرجل والفتاة سلمى-وفي تراصفِ الجُمل والعبارات الإيحائيةِ التي نزلتْ من موضع المعنى نزولَ القدِّ والتناسب بين العُضو وقالـَبـِهِ،وهو ذاك الذي يُسميه نقادُ الدراما الروائية بـ ( الوحدة البنيوية بين شكل المبنى وجوْهر المعنى ؛ L'unité entre la forme structurelle de l'édifice et l'essence de la signification )...إلى جانب هذا التوفيق الذي صاحبَ إيهابَ هذه الومضة،فإننا نجدُ إبداعاً جميلاً،راسخاً،قد صاحَبَ طريقة َ القوْلبةِ الفنيةِ في سيْرورةِ المواقف والأحداث،بحيث أن القارئَ الحصيفَ لن يغيبَ عن حِسِّهِ أبداً تلكَ ( التوْأمةِ ) المنسجمة،المتناسقةِ بين الفكرة العامة المطروحةِ والمغزى المستقر خلفها..بين الحبكة الاجتماعية الشائقة والفكرة الرئيسة التي يجبُ على الوجدان الجمعي في مجتمعنا أن يصلَ إليها،ويجعلَ منها عِظة ًوعِبرة....

فإنَّ قصة الرجل الذي علِقَ عقلـُهُ الباطن في شرنقةِ ( عُقدةٍ بسيكولوجيةٍ ) بسبب صدمةِ ( العُذريةِ ) التي تفاجأ بانتفائها في ( ليلةِ العُمُر ) الموعودةِ..وإن إلحاحَه المستميت في إيجاد ( الفتاة العذراء ) تحت ضغطٍ نفسيٍّ من تلكَ العُقدةِ الشائكة...وإنَّ حدوثَ ذلكَ التشنج والتصادم الرهيب والتناقض الغائر في ذاته بين ( الفتاة سلمى )-التي تمثل له متنفساً عن ضغط عُقدته-وفي ذات الوقت ( الفتاة سناء )-التي تمثل في حِسِّه الجانبَ الأبويَّ المتوازن-كـــــــــلُّ تلكَ القصة هي في الحقيقةِ نقدٌ لاذعٌ مستبطِنٌ لأوضاعنا الغلط في نسيج مجتمعنا الأسري،والتي تحتاجُ منا إلى ثورةٍ فكريةٍ،مضيئةٍ،تعيدُ للإنسان العربيِّ المسلم توازنـَهُ واعتدالـَهُ الفطري،الطبيعي،الذي أوجده الإسلامُ منذ عصر النبوة الوارف،والذي أعادَ للإنسان-داخل علاقاته الاجتماعية-إنسانيته المفقودة بسبب استشراء تلك البدع والخرافات وتلكَ العوالق المظلمة-كفضيحةِ دَم العذريةِ ليلة الزفاف-التي سحَقتْ كرامة َالآدمية في ذاتِ الإنسان المسلم،وأهانتْ مكانة َالفتاةِ والمرأةِ المسلمةِ أيُّمَا إهانــةٍ،وأدخلتْ الأسرة المسلمة في نفقٍ حالكِ من التناقضات الاجتماعية والعُقدِ النفسية المختلفة باسم العادات والتقاليد الرعناء البالية التي ما قال بها شرعٌ سمْحٌ صحيحٌ ولا رحبتْ بها فِطرة ٌإنسانية سوية ٌأبـَــداًٌ...!!!

هَــنِئتْ ينابيعنا الأدبية-سيـدي المبدع الحبيب-بوجود مبدعين ( روائيين ) أمثالكم...فمرحباً بكَ وبقلمكَ البديع المعطاء،فلقد استمتعنا بما جادَ به،وأملي أن يستمر التدفقُ بهذه الخصوبةِ،وبهذا العطاء والعنفوان...

وتحية ًأخويةٍ-من جزائرنا الحبيبة-إلى أحبتنا وأشقائنا وجيراننا الكرام في ( رباط الفتح ) ومغربنا الإسلامي الأصـــــــــــيل.....

ريم الغنادير
08-06-2011, 04:20 PM
مساءك ورد اخوي محمد ..
لاانكر انني حينما قرات قصتك ارتسمت امامي خيالاتها واحسست انني اراها امامي من مكان بعيد ..
انتقاءك للعبارات والمفرادت رائع جدا جدا تسلسلك في طرح الاحداث ممتاز برغم انني تمنيت ان تكون اطول من ذلك لاستمتع اكثر ..
قصه لها معاني كبيره وفيها دروس جليله ..لكن من في هذا الزمان يخشى الله بعذرية الفتايات اتمنى ان تكون رسالتك التي وددت طرحها قد وصلت لكل من قراء كما وصلتني ..وهي ان من استهان باعراض الناس قد ياتي يوما ويستهان بعرضه ...
رائعه رائعه جدا قصتك الى الامام وبالتوفيق وننتظر منك المزيد

حكيمة
08-06-2011, 05:53 PM
http://www.manab3.com/vb/mwaextraedit4/extra/02.gif



أهنئك سيدي على روعة كتابتك
سلمت يداك و سلم قلمك
فعلا أسلوبك يشد ولا يمل
بل كلما قرأنا تطلعنا للتالي
وأوافق أختي ريم الغنادير الرأي أني وددت لو تكون أطول
و أن من استهان باعراض الناس قد ياتي يوما ويستهان بعرضه
لا إلاه إلا الله محمد رسول الله

http://www.manab3.com/vb/mwaextraedit4/extra/60.gif

محمد محضار
10-06-2011, 07:05 AM
قصة رائعة ومؤثرة بالفعل يا أخي محمد أتمنى لك التوفيق والسداد وإلى الأمام وفي انتظار الجديد

شكرا لك أختي على بصمتك الراقية ولغتك الشيقة

محمد محضار
10-06-2011, 07:13 AM
...الصورة الجميلة المتكاملة التي ينسِجُها مجموعُ الانطباعاتِ المودَعةِ في دواخلنا حول هذه الومضةِ الروائيةِ البديعةِ،هي سيدي البديع محمد-صورة ُالعمل ( الدراماتيكي ) الاجتماعي الذي تظافرتْ فيه أجملُ وأبهى ما قد تتفاعلُ معه الذائقة الروائية في كلٍّ منا....

فإلى جانب المبنى اللغوي الرصين الذي تأبَّـــى فيه اللحنُ والمثالبُ اللغوية المختلفة ( نحْواً وصرْفاً وإملاءً وبلاغــة ً ) على النسيج النمطي في سرد الأحداث ووقائعها الشيقة،وفي تتالي الحوار الذي تساوَقَ تماماً مع حيْثياتِ السبب والمناسبة التي دارَ فيها-إنْ بين الرجل والعجوز،أو بين الرجل والفتاة سلمى-وفي تراصفِ الجُمل والعبارات الإيحائيةِ التي نزلتْ من موضع المعنى نزولَ القدِّ والتناسب بين العُضو وقالـَبـِهِ،وهو ذاك الذي يُسميه نقادُ الدراما الروائية بـ ( الوحدة البنيوية بين شكل المبنى وجوْهر المعنى ؛ l'unité entre la forme structurelle de l'édifice et l'essence de la signification )...إلى جانب هذا التوفيق الذي صاحبَ إيهابَ هذه الومضة،فإننا نجدُ إبداعاً جميلاً،راسخاً،قد صاحَبَ طريقة َ القوْلبةِ الفنيةِ في سيْرورةِ المواقف والأحداث،بحيث أن القارئَ الحصيفَ لن يغيبَ عن حِسِّهِ أبداً تلكَ ( التوْأمةِ ) المنسجمة،المتناسقةِ بين الفكرة العامة المطروحةِ والمغزى المستقر خلفها..بين الحبكة الاجتماعية الشائقة والفكرة الرئيسة التي يجبُ على الوجدان الجمعي في مجتمعنا أن يصلَ إليها،ويجعلَ منها عِظة ًوعِبرة....

فإنَّ قصة الرجل الذي علِقَ عقلـُهُ الباطن في شرنقةِ ( عُقدةٍ بسيكولوجيةٍ ) بسبب صدمةِ ( العُذريةِ ) التي تفاجأ بانتفائها في ( ليلةِ العُمُر ) الموعودةِ..وإن إلحاحَه المستميت في إيجاد ( الفتاة العذراء ) تحت ضغطٍ نفسيٍّ من تلكَ العُقدةِ الشائكة...وإنَّ حدوثَ ذلكَ التشنج والتصادم الرهيب والتناقض الغائر في ذاته بين ( الفتاة سلمى )-التي تمثل له متنفساً عن ضغط عُقدته-وفي ذات الوقت ( الفتاة سناء )-التي تمثل في حِسِّه الجانبَ الأبويَّ المتوازن-كـــــــــلُّ تلكَ القصة هي في الحقيقةِ نقدٌ لاذعٌ مستبطِنٌ لأوضاعنا الغلط في نسيج مجتمعنا الأسري،والتي تحتاجُ منا إلى ثورةٍ فكريةٍ،مضيئةٍ،تعيدُ للإنسان العربيِّ المسلم توازنـَهُ واعتدالـَهُ الفطري،الطبيعي،الذي أوجده الإسلامُ منذ عصر النبوة الوارف،والذي أعادَ للإنسان-داخل علاقاته الاجتماعية-إنسانيته المفقودة بسبب استشراء تلك البدع والخرافات وتلكَ العوالق المظلمة-كفضيحةِ دَم العذريةِ ليلة الزفاف-التي سحَقتْ كرامة َالآدمية في ذاتِ الإنسان المسلم،وأهانتْ مكانة َالفتاةِ والمرأةِ المسلمةِ أيُّمَا إهانــةٍ،وأدخلتْ الأسرة المسلمة في نفقٍ حالكِ من التناقضات الاجتماعية والعُقدِ النفسية المختلفة باسم العادات والتقاليد الرعناء البالية التي ما قال بها شرعٌ سمْحٌ صحيحٌ ولا رحبتْ بها فِطرة ٌإنسانية سوية ٌأبـَــداًٌ...!!!

هَــنِئتْ ينابيعنا الأدبية-سيـدي المبدع الحبيب-بوجود مبدعين ( روائيين ) أمثالكم...فمرحباً بكَ وبقلمكَ البديع المعطاء،فلقد استمتعنا بما جادَ به،وأملي أن يستمر التدفقُ بهذه الخصوبةِ،وبهذا العطاء والعنفوان...

وتحية ًأخويةٍ-من جزائرنا الحبيبة-إلى أحبتنا وأشقائنا وجيراننا الكرام في ( رباط الفتح ) ومغربنا الإسلامي الأصـــــــــــيل.....
أخي يزيد حفظك الله ورعااك ، أشكرك شكرا جزيلا على هذه المقاربة الدالة والعميقة لنصي المتواضع هذا ، وهو نص قديم كتبته سنة 1986، ونشر بالملحق الثقافي لجريدة العلم المغربية بنفس السنة ، نص حاولت من خلاله ملامسة واقع حقيقي تعيشه الكثير من المجتمعات العربية ، التي يتكرس فيها وضع شاذ يحمل العديد من التناقضات ، التي تفرز ظواهر مثيرة للتقزز ، تضع الكثير منا في مفترق الطرق ، بطل النص استطاع في اللحظات الأخيرة أن يتجاوز محنته النفسية ، وتغلب بشيء من العزيمة والإرادة على لحظة ضعفه التي كانت ستقضي على مستقبل طفلة بريئة لا دخل لها في عقده ومعاناته المبنية على ترسبات ماض مشحون بالكثير من العثرات.............مرة أخرى شكرا لك أخي