المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مِن روائع الجدال الحَسَن في تاريخِــنا...


يزيد فاضلي
25-06-2011, 12:43 PM
هناكَ مجهوداتٌ تـُبْذلُ-سِــرًّا وعلانية ً-منذ أمدٍ،يقومُ بها خصومُ الإسلام التقليديين ( من شرق العالم وغربه ) ، ويُروِّجُ لها كثيرٌ من الأعوان-من أبناء جلدتنا للأسف-في الداخل،وتتمثل في تقديم تاريخ الإسلام الفكري والسياسي على أنه صفيحٌ من التحجر والتزمت والانغلاق،ومن أنه دينٌ يقومُ على أساس الحجر الفكري والقمع الإرادي...

وفي غياب العقل الإسلامي الجمعي اليَقِظِ الذي أصيبَ-منذ المائة السابعة إلى الآن-في مقتله،بسبب الانحرافات التي تتالتْ عليه،فأصابتِ العقلَ،وشلـَّتِ اطلاقتـَه-أو تكاد-بحيث صارَ من الشلل أنه غــدَا أعْجَزَ من أن يغربلَ ويُمَحِّصَ،فداخله دخـــنٌ كثيفٌ،حجب عنه الرؤية،وحال بينه وبين أن يرى الحقائق الناصعة في التاريخ الإسلامي بالصورة التي تعطي انطباعاً أن ديننا كانتْ له جوْلاتٌ وصوْلاتٌ شامخة في مجال حرية الفكر والاعتقاد والجدال الحسن والتناظر المثمر...

كنتُ أقرأ في موسوعة ( عيون الأخبار ) للعلاَّمة الكبير المؤرخ ابن قتيْبة رحمه الله ، فإذ بي أجدُ نفسي أمام هذه القصة العجيبة التي تخللها حِـوَارٌ شامخٌ بين خليفةٍ من خلفاء المسلمين زمن بني العباس و رجل كان مسلماً،ولكنه لأمْــرٍ مَّا ارتدَّ عن الإسلام وجاهرَ بكفره،فسِيق به للخليفة لينالَ عقوبته،ولكنَّ خليفة المسلمين رأى أن يُحاوره أولاً على المـــلأ،حتى يقيم عليه الحجة َبعيداً عن أي ضغطٍ أو إكراه...

لقد بَهَـــرَني شخصيًّا المستوى الفكري والحضاري السامق الذي كان يحاورُ به حكامُ المسلمين-في ذلك الوقت-مخالفيهم،وغاظني أنْ تـُطوى هذه الصفحاتُ النيِّرَاتُ اليومَ أمام الأجيال المسلمة المعاصرة،ولكأنَّ هناكَ تعتيماً متعمَّداً مِنْ أن يُقدَّمَ التاريخ الفكري للمسلمين إلا بصورة كالحةٍ سوداء....

الخليفة ُكان عبدَ اللهِ المأمون بن هارون الرشيد..الخليفة السابع في ترتيب خلفاء بني العباس،وقد حكمَ المسلمين من سنة 198 هجري إلى سنة 218 للهجرة....

جـــيءَ له بالرجل المرتد عن الإسلام إلى النصرانية..فكان بينهم حوارٌ،إليكموهُ-أحبتي-وليسَ لي فيه فضلٌ غيْر شرف النقل،على أن تستمتعوا معي بطريقةِ أسلافكم الأوائل في مجادلة الغيْر بالحجةِ والاستقراءِ والاستدلال وبأسس المحاججة العقلية الرصينة...

قال له : ((...أخبرْنا يا رجل عن الشيء الذي أوْحشكَ عن ديننا بعدَ أنسِكَ واستيحاشكَ مما كنتَ عليه ، فإنْ وجدتَ عندنا دواءَ دائكَ تعالجتَ به ، وإنْ أخطأكَ الشفاءُ ونبَا بكَ عن دائكَ الدواءُ،كنتَ قدْ أعذرتَ،ولمْ ترجعْ على نفسكَ بلائمةٍ..فإنْ قتلناكَ قتلناكَ بحُكم الشريعة،وترجع أنت في نفسكَ إلى الاستبصار والثقة،وتعلم أنك لم تقصِّرْ في اجتهادكَ،ولم تفرِّط ْ في الدخول في باب الحـــزم...))..

قال الرجلُ المرتد : أوْحَشنِي ما رأيتُ من كثرةِ الاختلاف فيكم..[ يعني كثرة الخلافِ المذهبي ]...

فابتسمَ المأمونُ،ثم أطرق قليلاً،وقال : (( أما الخلافُ فهو واردٌ،ولنا اختلافان ؛ أحدُهُما كالاختلاف في الآذان والإقامة،وتكبير الجنائز والتشهد،وصلاة الأعياد وتكبير التشريق،ووجوه القراءات،ووجوه الفتيا..وهذا ليس باختلاف،إنما هو تخييرٌ وسَعَة ٌوتخفيفٌ من المحنة،فمَن أذنَ مَثنى وأقامَ مَثنى لمْ يُخطئ،ومَنْ أذنَ مثنى وأقامَ فرادى لم يُخطئْ،ولا يتعايرون ولا يتعاتبون بذلك...وأما الاختلاف الآخر،كنحو اختلافنا في تأويل الآيةِ من كتابنا،وتأويل الحديث مع اجتماعنا على أصل التنزيل،واتفاقنا على عيْن الخبر..فإنْ كان الذي أوْحَشكَ هـــذا حتى أنكرتَ له هذا الكتاب،فقد ينبغي أن يكونَ اللفظ لجميع التوراة والإنجيل متفقاً على تأويله،كما يكون متفقاً على تنزيله،ولا يكون بين جميع اليهود والنصارى اختلافٌ في شيءٍ من التأويلات،وينبغي لكَ ألاَّ ترجعَ إلا إلى لغةٍ لا اختلافَ في تأويلها من لفظِها،ولو شاءَ اللهُ أن يُنزِّلَ كتبَهُ ويجعلَ كلامَ أنبيائه ورثة َرسله لا تحتاجُ إلى تفسير لفعَـــلَ،ولكنا لمْ نرَ شيئاً من أمْر الدين والدنيا وقعَ على الكفاية،ولو كان الأمرُ كذلكَ لسقطتِ المحنة ُوالبلوَى،وذهَبَتِ المسابقة ُوالمنافسة ُ،ولمْ يكن تفاضُـلٌ،وليسَ على هـــــذا بنـَـى اللهُ سبحانه وتعالى أمْرَ الدنيا..!!! ))....

فقالَ المرتــدُّ : (( أنا أشهد أن لا إله إلا الله،وأن محمداً رسولُ اللهِ،وأن المسيحَ عبدُ اللهِ..وأنكَ أميرُ المؤمنين حَقـًّا..!!! ))...

بسمه روح
25-06-2011, 04:37 PM
انها رائعه بحـــق

بارك الله فيك على التميز في الطرح

ويعطيك الف عافيه

يزيد فاضلي
25-06-2011, 09:58 PM
...سَلِمتْ منكِ الروحُ-أختنا الكريمة بسمة روح-وجوزيتِ على المرور العَبـِق خيْرَ ما يُجَازي به اللهُ تعالى أرواحَ عبادِه المؤمنين....

بوركتِ-سيدتي-وأهــــلاَ بكِ....

العف الخجول
26-06-2011, 04:26 AM
أخي العزيز .. عودتنا دوما على الطرح المفيد ..
وهنا أجد تعاليم أن أتبعناها فزنا بالسمو الأخلاقي النبيل
أحييك على الموضوع الهادف جميل..
درر وجواهر نثرتها بالعام .. ف هنيئا لنا أسمك الكريم
شكرا لك بحجم الكون شكر جزيل .. مع التحية وكامل التقدير

ذكرى للأبد
26-06-2011, 06:10 PM
الأستاذ الكريم/يزيد فاضل
شكرا على الطرح المتميز
تعجز كلماتي عن الثناء في حقك وفيما تطرح
شكرا لك

الطيبة
26-06-2011, 09:28 PM
اشكرك على كل حرف وكل كلمة لك منى الاحترام http://www.manab3.com/vb/mwaextraedit4/extra/106.gif

يزيد فاضلي
26-06-2011, 10:15 PM
أخواتي الفضليَاتِ الكريماتِ النيِّرات ؛ العف الخجــول الحيية،ست ذكراك للأبد الرائدة،الطيبة الكريمة....

طـَــوْقٌ تليدٌ من فـَخار وعز وامتنان أحاط مني كلَّ شيءٍ حين مررتن على هذه ( الرائعة التاريخية ) المشرقة،والتي نحب،بعدَ أن رحلنا إليها واستحضرناها من مظانـِّــها أن نشمخَ بأنوفنا ورؤسنا،شاعرين-نحن أبناء الإسلام-بأن انتماءَنا الفكري والحضاري والولائي لأسلافنا الكبار،لمْ يكن انتماءً أعمى ولا ولاءً أغبَــى،وإنما ولاؤنا وانتماؤنا لأسلافنا كان-ولا يزالُ-يتأتــى عن علمٍ وعقل وحِكمةٍ وفِكر رشيد...

وإنَّ عقلاً راجحاً حصيفاً كعقل هذا الخليفة العباسي لأحَـــقُّ للأخلافِ أن يُفاخروا به،لأنه في الوقت الذي كانتْ فيه أوروبا وبلاد الغال وبيزنطا ( الجبارة ) تعيش في ردهةِ الظلمات الفكرية والإنسانية المختلفة وقتـَها-بشهادةِ المفكرين من أخلاف أوروبا وبلاد الغرب كالمؤرخة الألمانية المنصفة زيغريد هُنكه وكالمؤرخ البريطاني أرلوند توينبي...-كان خلفاؤنا-على ما فيهم من نقائص وهنات-يحاورون خصومهم بهذا المستوى الرفيع من المُحاججة الإنسانية السامقة...!!!

معَ هذا،ينعِقون علينا بين الفيْنة والأخرى-مستغلين هزيمتنا الحضارية وأزمتنا الفكرية الطاحنة-فيصيحون فينا : لكم تاريخٌ أسودُ منغلق...!!!

ألاَ شاهتِ الوجــــوهُ،وخـَرستِ الأفواه...!!! ولا نامتْ أعيُنُ الجبناء...!!!

رَحِمَ اللهُ ملكَ إشبيلية الأندلسية المعتمد بن عباد-رحمه الله-حين أسمَعَ الدنيا جميعاً حقيقة َالتاريخين الإسلامي والصليبي الاستعماري،فقال :

ملـَكْنا،فكانَ العفوُ منا سجيَّـــة ً ** فلما ملكتمْ،أسلتمْ بالدمِ أبْطـُـــــحُ
فحسبُكمْ هذا التفاوُتُ بــــــيننا ** وكلُّ إنــــاءٍ بالذي فيــــــه ينضـــحُ...!!!

جزاكُنَّ اللهُ خيْراً أخواتي،ودمتـُنَّ لنا ينابيعَ لا تنضـَبُ أبداً....