المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ابن عطاء الله السكندري


عبدالله باسودان
18-07-2011, 11:58 PM
[عبدالله علي باسودان


المناجاة الإلهية

ابن عطاء الله السكندري

أنا الفقير في غناي فكيف لا أكون فقيراً في جهلي .
إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولاً في جهلي .
إلهي إن اختلاف تدبيرك وسرعة حلول مقاديرك منعا عبادك العارفين بك عن السكون إلى عطاء واليأس منك في بلاء. إلهي مني ما يليق بلؤمي ومنك ما يليق بكرمك.
إلهي وصفت نفسك باللطف والرأفة بي قبل وجود ضعفي أفتمنعني منهما بعد وجود ضعفي . إلهي إن ظهرت المحاسن مني فبفضلك ولك المنة علىّ . وإن ظهرت المساويء مني فبعدلك ولك الحجة علي ،
إلهي كيف تكلني إلى نفسي وقد توكلت لي. وكيف أضام وأنت الناصر لي أم كيف أخيب وأنت الحفي بي؟ ها أنا أتوسل إليك بفقري إليك، وكيف أتوسل إليك بما هو محال أن يصل إليك. أم كيف أشكو إليك حالي وهو لا يخفي عليك. أم كيف أترجم لك بمقالي وهو منك برز إليك. أم كيف تخيب آمالي وهي قد وفدت إليك. أم كيف لا تحسن أحوالي وبك قامت إليك.
إلهي ما ألطفك بي مع عظيم جهلي وما أرحمك بي مع قبيح فعلي، إلهي ما أقربك مني وما أبعدني عنك .
إلهي ما أرأفك بي فما الذي يحجبني عنك، إلهي قد علمت باختلاف الآثار وتنقلات الأطوار أن مرادك مني أن نتعرف إلى في كل شئ حتى لا أجهلك في شئ.
إلهي كلما أخرسني لؤمي أنطقني كرمك وكلما آيستني أوصافي أطمعتني منتّك.
إلهي من كانت محاسنه مساوي فكيف لا تكون مساوية مساوي. ومن كانت حقائقه دعاوي فكيف لا تكون دعاويه دعاوي .
إلهي كم من طاعة بنيتها وحالة شيدتها هدم اعتمادي عليها عدلك بل أقالني منها فضلك .
إلهي أنت تعلم وإن لم تدم الطاعة مني فعلاً جزماً ما فقد دامت محبة وعزماً. إلهي كيف أعزم وأنت القاهر . وكيف لا أعزم وأنت الآمر .
إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار فاجعلني إليها بكسوة الأنوار وهداية الاستبصار حتى أرجع إليك منها كما دخلت إليك منها مصون السر عن النظر إليها ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها إنك على كل شئ قدير .
إلهي هذا هو ذلي ظاهر بين يديك. وهذا حالي لا يخفي عليك. منك أطلب الوصول إليك وبك أستدل عليك، فأهدني بنورك إليك وأقلني بصدق العبودية من يديك ،
إلهي علمني من علمك المخزون وصُنّي بسر اسمك المصون .
إلهي حققني بحقائق أهل القرب واسلك بي مسالك أهل الجذب .
إلهي اغنني بتدبيرك عن تدبيري وباختيارك لي عن اختياري وأوقفني على مراكز اضطراري .
إلهي أخرجني من ذل نفسي، وطهرني من شكي وشركي قبل حلول رمسي، بك أستنصر فانصرني وعليك أتوكل فلا تكلني وإياك أسأل فلا تخيبني وفي فضلك أرغب فلا تحرمني ولجنابك أنتسب فلا تبعدني وببابك أقف فلا تطردني .
إلهي تقدس رضاك عني أن تكون له عِلّة منك فكيف تكون له عِلّة مني أنت الغني بذاتك عن أن يصل إليك النفع منك فكيف لا تكون غنياً عني ،
إلهي إن القضاء والقدر غلبني وإن الهوى بوثائق الشهوة أسرني فكن أنت النصير لي حتى تنصرني وتنصر بي. وأغنني بفضلك حتى أستغني بك عن طلبي . أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ووحدوك. وأنت الذي أزلت الأغيار من قلوب أحبابك حتى لم يحبوا سواك ولم يلجؤا إلى غيرك أنت المؤنس لهم حيث أوحشتهم العوالم. وأنت الذي هديتهم حتى استبانت لهم المعالم .
إلهي ماذا وجد من فقدك وما الذي فقد من وجدك لقد خاب من رضي دونك بدلاً , ولقد خسر من بغي عنك متحولاً .
إلهي كيف يرجى سواك وأنت ما قطعت الإحسان, وكيف يطلب من غيرك وأنت ما بدلت عادة الامتنان يا من أذاق أحباءه حلاوة مؤانسته. فقاموا بين يديه متملقين ويا من ألبس أولياؤه ملابس هيبته فقاموا بعزته مستعزين.
أنت الذاكر من قبل الذاكرين. وأنت البادئ بالإحسان من قبل توجه العابدين وأنت الجواد بالعطاء من قبل طلب الطالبين. وأنت الوهاب ثم أنت لما وهبتنا من المستقرضين .
إلهي اطلبني برحمتك حتى أصل إليك واجذبني بمنتك حتى أقبل عليك .
إلهي إن رجائي لا ينقطع عنك وإن عصيتك كما أن خوفي لا يزايلني وإن أطعتك .
إلهي قد دفعتني العوالم إليك. وقد أوقفني علمي بكرمك عليك .
إلهي كيف أخيب وأنت أملي، أم كيف أهان وعليك متكلي، إليه كيف أستعز وأنت في الذلة أركزتني أم كيف لا أستعز وإليك نسبتني، أم كيف لا أفتقر وأنت الذي في الفقر أقمتني أم كيف أفتقر وأنت الذي بجودك أغنيتني , وأنت الذي لا إله غيرك. تعرفت لكل شيء فما جهلك شيء وأنت الذي تعرفت إلى في كل شئ فرأيتك ظاهراً في كل شئ فأنت الظاهر لكل شئ,يا من استوى برحمانيته على عرشه فصار العرش غيباً في رحمانيته كما صارت العوالم غيباً في عرشه محقت الآثار بالآثار , ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار. يا من احتجب في سرادقات عزه عن أن تدركه الأبصار, يا من تجلى بكمال بهائه فتحققت عظمته الأسرار, كيف تخفى وأنت الظاهر أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر والله الموفق و به استعين

الطيبة
19-07-2011, 12:24 AM
http://www.manab3.com/vb/mwaextraedit4/extra/17.gif

سحر الحرف
19-07-2011, 09:48 AM
بارك الله بك وجعله في ميزان حسناتك

جعله حجة لك لا عليك

ذكريات
19-07-2011, 10:01 AM
المرور على كتاباتك يشد النفس...ثري العطاء مدرار ...تنبثق روعة الايمان وعظمة الالاه....ثري المعرفة والزاد لا تبخل علىاحبتك بعلمك....اشتاق كل يوم ان امر واقرا ما تجود به علينا...فالله يحب الاكف الممدودة اليه.....واكفنا ممدودة طلبا للمغفرة وتسبيحا بالخلق ...شكرا سيدنا الفذ با سودان ...وهل من مزيد فالنفس لا يستقيم حالها الا بمثل هذا الطيب من الكلام والنفحات

يزيد فاضلي
20-07-2011, 02:15 PM
أسرْجَ اللهُ قلبَكَ وفكرَكَ-سيدي الحبيب عبد الله-بأنوار جَــلاله وأضواء معرفته وفتوحــه...

فأكرم بها من رقائق..وأنعِمْ بها من مناجاةٍ خاشعةٍ،تنيرُ قلوبَ العابدين وتضيء فيهم الجباه التي تتمرغ في تراب العبوديةِ وتتعفر انتشاءً بالإذلال لصاحب الحمدِ ؛ ذي الطوِل سبحانه وتعالى...

ألاَ..ما أجلهــا نفحاتٍٍ..وما ألذ سعادة أصحابها وهم يُكابدونَ ساعاتِ التهجد والقيام بتلكَ النجْــوَى...!!!

وليسَ من غريب النجوى أن تأتي بتلكَ الرقةِ الإيمانية الشفيفة،وبتلك الحرارة القلبية التي يتسعَّــرُ في كوثرها الخافق والوجدانُ تذلالاً وخشوعاً لصاحب الثناء والمجد،واعترافاً له وَحْدَهُ بالحاجة والضعف والتقصير..ليسَ من غريبها أن تصدُرَ عن واحدٍ من خيرةِ علماء التربيةِ والسلوكِ الذين ظهروا-كأنجمٍ لامعةٍ ساطعةٍ-في سماءِ تاريخ سلفنا الصالح ؛ الإمام الجليل،العارف بالله تاج الدين أبي الفضل أحمد بن محمد بن عطاء الله السكندري عليه من الله سحائب الرحمة...نحسَبُه كذلكَ ولا نزكي على الله أحداً...

هذا العَلـَمُ الشامخ الذي سعِدَتْ بعلمه وفضله وأثره الأمـــة في رحاب القرن السابع الهجري،والذي كان-ولا يزال-مَحَط َّ رضىً وقبول من جُموع المسلمين السلف والخلف،وتلقفوا آثارَه تلقفاً حَسَناً،دَلَّ على التوفيق الرباني الذي صاحَبَ-إن شاء اللهُ-مسيرَتـَه وحياتـَه..ولنا أن نعودَ-مثلاً-إلى ( مناظراتِ شيْخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيْمية رضي الله عنه ) لنعرفَ مَدَى إكبار وإجلال شيْخ الإسلام لابن عطاء الله،وشهادة كُلٍّ منهما لصاحبه،وكان قد التقى به وجالسَه وناظرَه في مسائل...

وإن نظرة ًفاحصة ًفي مؤلفات الإمام ابن عطاء الله في فنون الأصول والعقائد والتربية والتصوف الصحيح،تنبيكَ عن معدن الرجل الكبير ومنهجه في علم التربية والسلوك ونقاء عقيدته من ذلك الدخن الذي ابتلي به التصوف في تاريخه...

إنه لا يَقلُّ التزاماً وانضباطاً وعلماً وورَعاً عن بقيةِ السلف الكبار الذين ساروا في رَكْب واحدٍ ؛ عبد الله بن المبارك والفضيل بن عياض والحارث المحاسبي والسَّريِّ السقطي و مالك بن دينار و الإمام عبد القادر الجَيْلاني وإبراهيم بن أدهم..الخ )...

انظرْ مؤلفاته التي سَعِدْنا بقراءَتها والاطلاع عليها ( أحكام العقيدة - أصول مقدمات الأصول - الحِــكم العطائية... ) لتعرفَ أنه لمْ يَحِدْ قيْدَ أنملةٍ عن عقيدةِ أهل السنة والجماعةِ وعن أصولهم الثابتةِ في العقائد والأخلاق والمعاملات والشرائع والشعائر...

وما ( حِكَمُــه العطائية )-التي استقيْتَ من فصولها الأخيرة سيدي هذه المناجاة الرقيقة الرفيعة-والتي ذاعَ صيتـُها في الآفاق،وتلقاها جماهيرُ المسلمين في المشارق والمغارب بالرضى والتفاعل إلا دليلٌ على مكانةِ هذا العارف الجليل بالله تعالى...

لقد كان ابن عطاء الله-من غير مبالغةٍ أو تزكيةٍ ممجوجةٍ-واحداً من أولئكَ الذين يُرَى ( اللهُ تعالى ) في وجوههم وسيرتهم وحياتِهم ومناقبهم ومواقفهم على النحو الذي قالَ شاعرٌ مؤمنٌ،يصفُ وجْهَ أحَدِ الصالحين :

إذا سَكَــنَ الغديرُ على صفاءٍ ** وجُنـِّبَ أنْ يُـحَــــــــركَهُ النسيمُ
بَدتْ فيه السماءُ بلا امــتراءٍ ** كذاكَ الشمسُ تبــــدو والنجُومُ
كذاكَ وُجُوهُ أرْبَابِ التجَـــلـِّــي ** يُرَى في صَفـوهَا اللهُ العظيـــمُ..!!

نحسبه كذلكَ ولا نزكي على اللهِ أحَــدًا...

رحِمَ اللهُ الإمامَ ابنَ عطاء الله وأجزلَ له المثوبة،وغفرَ لنا وله،وجزاه عنا وعن الإسلام والمسلمين بما هو أهله...

وبوركتَ دائماً سيدي الكريم الأستاذ عبد الله....