المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إنحياز - قصة قصيرة : نزار ب. الزين


نزار ب. الزين
18-08-2011, 04:13 AM
إنحياز




قصة قصيرة : نزار ب. الزين*






*****





إذا كنت تظن يا صديقي أن الصغار لا يحبون فأنت مخطئ ...


إنهم يحبون ، و يتعلقون بحبال الهوى ، و يجربون لواعج العشق و أوجاعه ، يبهجهم اللقاء ، و يعذبهم الفراق ؛ تماما كما يعاني العشاق الراشدون .


كنت في الرابعة ، عندما دعيت ربيعة لتلعب معي فاستجابت ، كنت يومئذ فوق سطح منزلي ، و كانت فوق سطح منزلها ، و لا يفصل بين السطحين سوى حاجز خشبي بارتفاع يتجاوز المتر الواحد بقليل ؛ سمعت والدتها تحذرها من الاقتراب من السور المطل على الشارع ، فاستبد بي الفضول ، جررت كرسيا و بمشقة كبرى تمكنت من إلصاقه بالحاجز ، صعدت على الكرسي ، أطليت برأسي ، فشاهدتها تفترش الأرض و بين يديها الصغيرتين لعبتها المصنوعة يدويا من القماش .


* ما اسمك ؟


** اسمي ربيعة ، و أنت ؟


·أنا نصوح ، تعالي لنلعب معا !


** سأسأل أمي ..


و منذ ذك اليوم لم نعد لنفترق ، و كنا سببا لتعارف والدتينا اللتين لم تعودا تفترقان كذلك ..


و ذات يوم وقفت على الشرفة ، ناديتها – كعادتي - فلم تجب ...


رفعت صوتي أكثر ..صرخت .. و لم تجب ..


مددت رأسي إلى أقصى ما أستطيع ، فكان باب شرفة بيتها مغلقا و كذلك جميع نوافذ بيتها ..


ربيعة .!..!.. صرخت مجددا ، سمعتني أمي ، فجاءني صوتها بعيدا ، فقد كانت لاهية بالعناية بذلك الشيء الذي أسموه شقيقتي ، و التي أنجبتها لتسليني كما ادعت ؛ صرخت بشيء من الغضب : " سد حلقك يا ولد .. صوتك مثل الجرس رن في الحارة ، مؤكد سمعه كل من فيها ، ربيعة و أهلها مسافرون ، يا ولد ! "


صدقني أنني شعرت – أنا ابن الرابعة – أن الأرض مادت بي ،


صدقني أنني دخلت إلى فراشي و رفعت الغطاء فوق رأسي و أجهشت بالبكاء ..


بربك أليس هذا عشقا ؟


كان غيابها طويلا ، ربما أكثر من شهر ، كابدت خلاله الأمرين ، شعرت بنفسي كالتائه ، صدقني ، لم أعد أشتهي الطعام ، لم أعد أهنأ بالنوم ، أخذت الكوابيس تنتابني و ترعبني ...


و ذات ليلة ، صحوت و أنا اصرخ رعبا ، فنهض والداي مذعورين و هرعا نحوي ، فأجبتهما : " ربيعة أكلها الضبع " و كم كانت مفاجأتي كبيرة ، عندما انفجرا معا ضاحكين ..



*****





كبرنا معا ، و دخلنا المدرسة الإبتدائية معا ، و لكن هي في مدرسة الإناث و أنا في مدرسة الذكور " ترى لماذا لسنا في مدرسة واحدة ؟ " كنت أتساءل دون أن أجد من يجيبني ؛ و لكن الأمر لم يختلف كثيرا ، فكانت غالبا ما تجمعنا الأمسيات ، فنكتب وظائفنا معا ، و نذاكر بعض الوقت ، ثم نبدأ باللعب ..تارة في بيتها و مرة في بيتي .


كانت متعتنا الكبرى عندما نصنع خيمة من الملاءات و الأغطية ، و نملؤها بالعابنا و بما تواجد في الدار من حليوات أو مكسرات ، ثم نندس داخل الخيمة فرحين ، و كأننا قد بنينا بيتنا أو عشنا المشترك .


و لم يكن ينغص متعتنا عندما نكون في بيت ربيعة ، سوى شقيقها الكبير فاروق ، كان كبيرا جدا أو هكذا كنت أراه ، كان فارع الطول مع سِمنة واضحة ؛ كان فاروق يقضي معظم وقت ما بعد المدرسة في الحارة ، و لكنه عندما يعود إلى البيت ، يبدأ بمعاكستنا ، و كثيرا ما كان يخرب خيمتنا ، أو يسرق سفرتنا من الحلويات أو المكسرات ، و إذا ما احتجت ربيعة كان يوسعها ضربا و بلا رحمة ، فستنجد بأمها ، إلا أن كانت تتجاهل استغاثاتها ، و إن تشددت قليلا كانت تعاتبه بميوعة واضحة : " حرام عليك يا فاروق ، اختك أصغر منك ترفق بها " ، و كم كنت أشعر بأن ما أشاهده ظلم مبين واقع على المسكينة ربيعة ، سواء من قبله أو قبل أمه .


و ذات يوم صفع فاروق ربيعة فأدمى فمها ، و فجأة وجدت نفسي أندفع نحوه و أضربه بيدي الصغيرتين ، و كانت النتيجة ( قتلة مرتبة )* تعرضت لها ، وضع فيها كل قوته ، و خلفت في راسي نتوأين و في وجهي و يديَّ بقعا زرقاء و بنفسجية .


عندما شاهدتني أمي على هذه الحال ، اندفعت إلى بيت ربيعة ، و لم أعلم ما جرى هناك ، لولا أني سمعت أمي و هي تحدث أبي عن الواقعة ، و أنها كادت تتشاجر مع أم فاروق ، التي كانت منحازة تماما لابنها ، و أنها متعجبة من هذا الأسلوب التربوي الفاشل .


و منذ ذلك اليوم لم أعد أذهب إلى منزل ربيعة إلا عندما أتيقن من عدم وجود فاروق لفترة طويلة ، و لكنها لم تنقطع أبدا عن قدومها إلى منزلي ...



*****





و لكن .....


عندما بلغنا الصف الخامس الإبتدائي ، و بدون سابق إنذار أو أية مقدمات ، منعونا من اللعب معا : " ربيعة كبرت يا نصوح ، و قد منعها أبوها من اللعب مع الصبيان !!! " قالت لي أمي ، فأجبتها بسذاجة : " و لكنها لا تلعب مع الصبيان ؟ لا تلعب إلا معي !! " فضحكت أمي و هي تجيبني بنبرة ساخرة : " ألستَ صبيا يا نصوح ؟ "


صدقني أنني تعذبت ،


صدقني شعرت بنفسي كالتائه ،


صدقني ، لم أعد أشتهي الطعام ،


لم أعد أهنأ بالنوم ، عادت الكوابيس تنتابني و ترعبني تماما كما أرعبتني عندما سافرت و أهلها ذلك الشهر المشؤوم...


صدقني ، كانت صدمة جعلتني أتساءل : " و ما معنى أنها كبرت ؟ و ماذا لو كبرت ؟ فأنا ايضا كبرت ، و لم تقل لي أمي أن اللعب مع البنات ممنوع ، و هل ستقول لي أمي ذات يوم لا تلعب مع أختك لأنها بنت ؟ "


أحجية خلطت الأوراق في دماغي الصغير ....


و كان السؤال الملح يتضخم .." و ما الفرق بين الصبي و البنت ؟ "



*****





بيوتنا العتيقة كانت تُبنى من هياكل خشبية ملبسة بالطين ، فكان من السهل عليّ أن أسمع كل كلمة من محاورات جيراننا عندما يكونون في الغرفة المجاورة لغرفتي ، و كنت أميز بوضوح صوت ربيعة ؛ فأفرح و أحاول التقاط كل كلمة تتفوه بها ، حتى أصبح التنصت عليها عادة متأصلة .


و لكنني كثيرا ما كنت أسمعها أيضا تتشاجر مع شقيقها فاروق ، لينتهي الشجار ببكائها الذي كان يقطع نياط قلبي ...


كم تمنيت أن أندفع إلى نجدتها ، و كم تخيلت أن لدي من القوة ما يجعلني أهدم هذا الجدار لأقفز فوق ذلك العملاق الفظ ، فآخذ بثأري و ثأر ربيعة منه ..


و ذات يوم ارتفعت أصوات استغاثات ربيعه فوق المعتاد ، فهرعت إلى والدتي ، و جررتها إلى غرفتي و أسمعتها استغاثات ربيعة و صراخها و ولولتها : " إفعلي شيئا يا أمي " رجوتها بعين دامعة ، فأجابتني مؤنبة : " و ما دخلنا نحن ؟ من تدخل في ما لا يعنيه لقي ما لا يرضيه يا نصوح !.." و لكن فجأة تطور الأمر إلى منحى آخر ، أم ربيعة تصرخ : " من عملها فيك يا كلبة ، اعترفي و إلا ذبحتك بيدي هاتين ذبح النعاج .. من يا كلبة .. قولي .. انطقي " ؛ و يبدو أنها أخذت تضربها بشراسة ، فقد ارتفعت وتيرة استغاثاتها حتى بلغت عنان السماء .


لم أفهم معنى العبارة ، و أخذ السؤال يطن في أذني " من عملها فيك يا كلبة ؟؟ " من عمل ؟ و ماذا عمل ؟


والدتي التي كانت تؤنبني قبل قليل و تتهمني باستراق السمع و التجسس و التدخل بما لا يعنيني ، أخذت تصيخ السمع و قد بدا عليها التوتر الشديد ..


" من يا كلبة ، احكي ..انطقي .. قولي ، هل هو نصوح ؟ "


هنا ، التفتت أمي نحوي و حدجتني بنظرة حائرة لم أدرك مغزاها ، و نظرت إليها نظرة بلهاء و قبل أن أقسم لها أنني لم أفهم ما تعنيه ، قاطعتني مشيرة إليَّ أن أصمت ، كانت ربيعة في تلك اللحظة تعترف ، قالت بصوت مرتعش يقطعه النحيب : " حرام عليك ، نصوح لم أقابله أو أكلمه منذ أكثر من عام ، سأعترف و ليكن ما يكون ، إنه فاروق !!!! " .


و ما أن سمعت أم فاروق اسم أثيرها ، حتى جن جنونها فانهالت على ربيعة ضربا من جديد و هي تصيح : " تتهمين أخاك يا كلبة ؟ تورطين أخاك الكبير يا مجرمة ؟ تريدين فضيحتنا يا بنت الحرام ؟ تبغين القضاء على مستقبل أخيك يا حقيرة ؟ و الله و بالله إن سمعتك ثانية تتهمين أخيك لما أبقيتك حية ساعة واحدة ! "


و يبدو أنها انهالت عليها ضربا من جديد ..


ثم ...


سمعناها تصيح : " إلى أين أنت ذاهبة يا كلبة ؟ إرجعي في الحال .."


ثم ....


سمعناها و قد ابتعد صوتها ، و هي لا تزال تهدد و تتوعد ربيعة ..


ثم .....


سمعناها ، تولول ، و صوتها آتٍ من ناحية الشرفة ..


ثم ......


هرعنا نحو الشرفة ، و يا لهول ما رأينا :


جسد ربيعة مسجى جثة هامدة على رصيف الطريق .


----------------------------


* نزار ب . الزين

سوري مغترب


عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب




----------------------------

قديم الشوق
01-09-2011, 01:38 PM
نزار ب . الزين

مساؤك عاطر ندي

وأشكرك على هذه القصة المميزة

الله يعطيك ألف عافية

وتقبل فائق تقديري واحترامي

نزار ب. الزين
02-09-2011, 07:49 AM
نزار ب . الزين
مساؤك عاطر ندي
وأشكرك على هذه القصة المميزة
الله يعطيك ألف عافية
وتقبل فائق تقديري واحترامي
**********
أخي المكرم
الشكر الجزيل لزيارتك
و ثنائك الرقيق
و دمت بخير و سعادة و رخاء
نزار