عبدالله باسودان
06-09-2011, 06:31 PM
عبدالله علي باسودان
المهلهل بن ربيعة فارس الوفاء والانتقام
المهلهل أو الزير سالم ويكنى أيضاً بأبي ليلى، هو عدي بن ربيعة بن الحارث بن مرة بن هبيرة التغلبي. لقـب بالزير سالم لأنه كان في صباه كثير اللهو والشراب ومجالسة النساء والتشبيب بهن ولهذا سماه أخوه كليب ( زير نساء ). وقيل سمي بالمهلهل بسبب قوله:
لما توغل في الكراع هجينهن
هلهلت من أثار مالك أو مليلا
وقيل سمى بالمهلهل لأنه أول من رقق الشعر وسهل معانيه حيث أن شعره يمتاز بالرقه والسهولة في اللفظ والمعنى يختلف كثيراً عن غيره من الشعراء في زمانه. وكذلك كني بالمهلهل لأنه يلبس ثياب مهلهلة.
كان المهلهل صبيح الوجه فصيحا. وعزيزاً في قومه، وهو خال الشاعر امرئ القيس وكذلك جد الشاعر عمرو بن كلثوم وأم عمرو هي ليلى بنت المهلهل. تقول بعض الروايات أن المهلهل هو أول من قال الشعر، وهذا القول فيه خلاف، وكان امرؤ القيس في بداية أمره راوية له. وعندما قتل جساس أخاه كليباً تبدل حاله فامتنع عن الشراب واللهو وكرّس حياته ليثأر وينتقم لأخيه كليب من جساس ً.
وهناك رواية في كتب الأدب وإن كنا نشك في صحتها تقول بعد أن أصابه جساس إصابة بالغة نظر "كليب" حواليه، فرأى عبدًا واقفًا فقال له: أريد منك يا عبدالخير، قبل أن تسلبني، أن تسحبني إلى هذه البلاطة القريبة من هذا الغدير، لأكتب وصيتي إلى أخي الأمير سالم الزير، فسحبه العبد إلى قرب البلاطة، والدم يقطر من ظهره، فغمس كليب أصبعه في الدم وخطَّ على البلاطة وأنشأ يقول وصاياه العشر إلى أخيه المهلهل:
لا تصالحْ !
ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك،
ثم أثبت جوهرتين مكانهما
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
إنَّ سيفانِ سيفك
صوتانِ صوتَكَ
إنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
للطفل أب
هل يصير دمي - بين عينيك - ماءً ؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس - فوق دمائي - ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب ؟
سيقولون :
ها نحن أبناء عم.
قل لهم : إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيفَ في جبهة الصحرى
إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لك
فارسًا،
وأخًا،
وأبًا،
ومَلِك!
لا تصالح
ولو حرمتك الرقاد
صرخاتُ الندامة
وتذكَّر
إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة
أن بنتَ أخيك "اليمامة"
زهرةٌ تتسربل - في سنوات الصبا
بثياب الحداد
كنتُ، إن عدتُ:
تعدو على دَرَجِ القصر،
تمسك ساقيَّ عند نزولي
فأرفعها - وهي ضاحكةٌ
فوق ظهر الجواد
ها هي الآن .. صامتةٌ
حرمتها يدُ الغدر
من كلمات أبيها،
ارتداءِ الثياب الجديدةِ
من أن يكون لها - ذات يوم - أخٌ !
من أبٍ يتبسَّم في عرسها
وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها
وإذا زارها .. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
لينالوا الهدايا
ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ
ويشدُّوا العمامة
لا تصالح!
فما ذنب تلك اليمامة لترى العشَّ محترقًا .. فجأةً ، وهي تجلس فوق الرماد ؟
لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ ..؟
وكيف تصير المليكَ ..
على أوجهِ البهجة المستعارة ؟
كيف تنظر في يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..
في كل كف ؟
إن سهمًا أتاني من الخلف..
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم - الآن - صار وسامًا وشارة
لا تصالح ،
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
إن عرشَك : سيفٌ
وسيفك : زيفٌ
إذا لم تزنْ - بذؤابته - لحظاتِ الشرف
واستطبت - الترف
لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدام
" .. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام .."
عندما يملأ الحق قلبك:
تندلع النار إن تتنفسْ
ولسانُ الخيانة يخرس
لا تصالح
ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس ؟
كيف تنظر في عيني امرأة ..
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها ؟
كيف تصبح فارسها في الغرام ؟
كيف ترجو غدًا .. لوليد ينام
كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
وهو يكبر - بين يديك - بقلب مُنكَّس ؟
لا تصالح
ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام
وارْوِ قلبك بالدم..
واروِ التراب المقدَّس ..
واروِ أسلافَكَ الراقدين ..
إلى أن تردَّ عليك العظام
لا تصالح
ولو ناشدتك القبيلة
باسم حزن "الجليلة"
أن تسوق الدهاءَ
وتُبدي - لمن قصدوك - القبول
سيقولون :
ها أنت تطلب ثأرًا يطول
فخذ - الآن - ما تستطيع :
قليلاً من الحق ..
في هذه السنوات القليلة
إنه ليس ثأرك وحدك،
لكنه ثأر جيلٍ فجيل
وغدًا..
سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،
يوقد النار شاملةً،
يطلب الثأرَ،
يستولد الحقَّ،
من أَضْلُع المستحيل
لا تصالح
ولو قيل إن التصالح حيلة
إنه الثأرُ
تبهتُ شعلته في الضلوع..
إذا ما توالت عليها الفصول..
ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
فوق الجباهِ الذليلة !
لا تصالح
ولو حذَّرتْك النجوم
ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..
كنت أغفر لو أنني متُّ..
ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ .
لم أكن غازيًا ،
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
أو أحوم وراء التخوم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
أرض بستانِهم لم أطأ
لم يصح قاتلي بي: "انتبه !
كان يمشي معي..
ثم صافحني..
ثم سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأ !
فجأةً:
ثقبتني قشعريرة بين ضعلين..
واهتزَّ قلبي - كفقاعة - وانفثأ !
وتحاملتُ ، حتى احتملت على ساعديَّ
فرأيتُ : ابن عمي الزنيم
واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
لم يكن في يدي حربةٌ
أو سلاح قديم،
لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ
لا تصالحُ
إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:
النجوم.. لميقاتها
ومنذ أن مات كليب أخذ أخوه يرثية بقصائد تنذر بإعلان حرب وتحث القبائل على شن الحرب على بكر وعندها اندلعت الحرب بين بكر وتغلب التي عرفت بحرب البسوس التي دامت أربعين عاماً. كان المهلهل شجاعاً مقداماً في المعارك التي خاضها ضد بكر وابلى فيها بلاءً منقطع النظير، كان فيها للمهلهل العجائب والمآثر والأخبار المثيرة العجيبة.
من جيّد شعره في رثاء أخيه كليب:
كليب لا خير في الدنيا ومن فيها
إن أنت خليتها في من يخليها
كلـيب أي ّ فتى عزَّ و مكرمة
تحت السفاسف أذ يعلوك سافيها
نعى النعاة كليباً لي فقـلت لهم
مادت بنا الأرض أم مادت رواسيها
ليت السماء على من تحتها وقعت
وحالت الأرض فأنجابت بمن فيها
أضحت منازل بالسلاّنِ قد درست
تبكي كليباً ولم تفزع أقاصيها
الحزمُ والعزمُ كانا من صنيعته
ما كل آلائه يا قوم أحصيها
القائد الخيل تردي في أعنتّها
زهواً إذا الخيل بُحت في تعاديها
التا جر الكوم ما ينفكّ يطعمها
و الوهبُ المئة الحمرا براعيها
من خيل تغلب َ ما تلقى أسنتها
إلا وقد خصّبها من أعاديها
قد كان يَصحُبها شعوا ءَ مُشعلةٌ
تحت العجاحة ِ معقوداً نواصيها
تكونُ أولها في حين كرُتها
وأنت بالكِّر يوم الكرّ حاميها
وكان سبب حرب البسوس أن وائل بن ربيعة المعروف بكليب وائل كان لا يجير أحداً على جواره وله جرو يطلقه فأينما وصل نباح الجرو كان حمى لكليب فلا يدخله أحد او يُستعمل ماؤه إلا بإذنه ولهذا قيل "أعز من كليب وائل" فبلغ من العظمة والمنعة مبلغا عظيما.
وبداية الحرب أن البسوس خالة جساس بن مرة وهو من بني بكر أبناء عم بني تغلب قوم كليب أصرت أن تسقي ناقتها من ماء كليب في حماه فغضب كليب وأراد أن يضرب ضرع الناقة ويقتلها فاستغاثت البسوس بابن أختها جساس بن مرة فضرب كليبا بالسيف وقتله فاستعرت نار الحرب بين بكر وتغلب وظلت مستعرة أربعين سنة، وانتهت حرب البسوس بمقتل جساس على يد الهجركليب وجساس أيضا هو خاله الذي رباه فقد كان كليب متزوجا من الجليلة أخت جساس.
واستمرت هذه الحروب مشتعلة بين كر وفر بين القبيلتن كادت أن تقضي على القبيلتين لولا أن قبيلة تغلب تصالحوا مع بكر ولم يكن المهلهل حاضراً أثناء هذا الصلح ولما سمع المهلهل بهذا الصلح نقضه واستمرفي غاراته على بني بكر فأسره عمرو بن مالك أحد رجالات بني قيس بن ثعلبة. ويقال أنه أثناء وجوده في الأسر أهدى إليه تاجر يبيع الخمر بعض الشراب فأسرف بالشراب وأنشد يقول:
طِفلَةٌ ما اِبنَةُ المُجَلِّلِ بَيضا
لَعوبٌ لَذيذَةٌ في العِناقِ
فَأِذهَبي ما إِلَيكِ غَيرُ بَعيدٍ
لا يُؤاتي العِناقَ مَن في الوِثاقِ
ضَرَبَت نَحرَها إِلَيَّ وَقالَت
يا عَدِيّاً لَقَد وَقَتكَ الأَواقي
ما أُرَجّي في العَيشِ بَعدَ نَدامايَ
أَراهُم سُقوا بِكَأسِ حَلاقِ
بَعدَ عَمرٍو وَعامِرٍ وَحيِيٍّ
وَرَبيعِ الصُدوفِ وَاِبنَي عَناقِ
وَاِمرِئِ القِيسِ مَيِّتٍ يَومَ أَودى
ثُمَّ خَلّى عَلَيَّ ذاتِ العَراقي
وَكُلَيبٍ شُمِّ الفَوارِسِ إِذ حُممَ
رَماهُ الكُماةُ بِالإِتِّفاقِ
إِنَّ تَحتَ الأَحجارِ جَدّاً وَليناً
وَخَصيماً أَلَدَّ ذا مِعلاقِ
حَيَّةً في الوَجارِ أَربَدَ لا تَنفَعُ
مِنهُ السَليمَ نفثة راقِ
لَستُ أَرجو لَذَّةَ العَيشِ ما
اَزَمَت أَجلادُ قَدٍّ بِساقي
جَلَّلوني جِلدَ حَوبٍ فَقَد
جَعَلوا نَفَسي عِندَ التَراقي
وتقول الروايات أنه لما سمع عمرو بن مالك هذا أقسم ألا يشرب المهلهل عنده ماء ولا خمر ولا لبن حتى يرد ربيب الهضاب (وهو اسم جمل له كان أقل وروده في الصيف الخمس أي مرة كل خمسة أيام) ويعني هذا ألا يشرب المهلهل شيئاً إلا بعد خمسة أيام، وعندما رأى بعض قومه أن المهلهل كاد أن يموت من العطش أشاروا عليه أن يرسل فيأتي بالجمل قبل يوم وروده ففعل وأتوا به بعد ثلاثة أيام ولكن كان المهلهل قد وافته المنية وكان ذلك عام 94 ق.هـ -531 م .
المهلهل بن ربيعة فارس الوفاء والانتقام
المهلهل أو الزير سالم ويكنى أيضاً بأبي ليلى، هو عدي بن ربيعة بن الحارث بن مرة بن هبيرة التغلبي. لقـب بالزير سالم لأنه كان في صباه كثير اللهو والشراب ومجالسة النساء والتشبيب بهن ولهذا سماه أخوه كليب ( زير نساء ). وقيل سمي بالمهلهل بسبب قوله:
لما توغل في الكراع هجينهن
هلهلت من أثار مالك أو مليلا
وقيل سمى بالمهلهل لأنه أول من رقق الشعر وسهل معانيه حيث أن شعره يمتاز بالرقه والسهولة في اللفظ والمعنى يختلف كثيراً عن غيره من الشعراء في زمانه. وكذلك كني بالمهلهل لأنه يلبس ثياب مهلهلة.
كان المهلهل صبيح الوجه فصيحا. وعزيزاً في قومه، وهو خال الشاعر امرئ القيس وكذلك جد الشاعر عمرو بن كلثوم وأم عمرو هي ليلى بنت المهلهل. تقول بعض الروايات أن المهلهل هو أول من قال الشعر، وهذا القول فيه خلاف، وكان امرؤ القيس في بداية أمره راوية له. وعندما قتل جساس أخاه كليباً تبدل حاله فامتنع عن الشراب واللهو وكرّس حياته ليثأر وينتقم لأخيه كليب من جساس ً.
وهناك رواية في كتب الأدب وإن كنا نشك في صحتها تقول بعد أن أصابه جساس إصابة بالغة نظر "كليب" حواليه، فرأى عبدًا واقفًا فقال له: أريد منك يا عبدالخير، قبل أن تسلبني، أن تسحبني إلى هذه البلاطة القريبة من هذا الغدير، لأكتب وصيتي إلى أخي الأمير سالم الزير، فسحبه العبد إلى قرب البلاطة، والدم يقطر من ظهره، فغمس كليب أصبعه في الدم وخطَّ على البلاطة وأنشأ يقول وصاياه العشر إلى أخيه المهلهل:
لا تصالحْ !
ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك،
ثم أثبت جوهرتين مكانهما
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
إنَّ سيفانِ سيفك
صوتانِ صوتَكَ
إنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
للطفل أب
هل يصير دمي - بين عينيك - ماءً ؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس - فوق دمائي - ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب ؟
سيقولون :
ها نحن أبناء عم.
قل لهم : إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيفَ في جبهة الصحرى
إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لك
فارسًا،
وأخًا،
وأبًا،
ومَلِك!
لا تصالح
ولو حرمتك الرقاد
صرخاتُ الندامة
وتذكَّر
إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة
أن بنتَ أخيك "اليمامة"
زهرةٌ تتسربل - في سنوات الصبا
بثياب الحداد
كنتُ، إن عدتُ:
تعدو على دَرَجِ القصر،
تمسك ساقيَّ عند نزولي
فأرفعها - وهي ضاحكةٌ
فوق ظهر الجواد
ها هي الآن .. صامتةٌ
حرمتها يدُ الغدر
من كلمات أبيها،
ارتداءِ الثياب الجديدةِ
من أن يكون لها - ذات يوم - أخٌ !
من أبٍ يتبسَّم في عرسها
وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها
وإذا زارها .. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
لينالوا الهدايا
ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ
ويشدُّوا العمامة
لا تصالح!
فما ذنب تلك اليمامة لترى العشَّ محترقًا .. فجأةً ، وهي تجلس فوق الرماد ؟
لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ ..؟
وكيف تصير المليكَ ..
على أوجهِ البهجة المستعارة ؟
كيف تنظر في يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..
في كل كف ؟
إن سهمًا أتاني من الخلف..
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم - الآن - صار وسامًا وشارة
لا تصالح ،
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
إن عرشَك : سيفٌ
وسيفك : زيفٌ
إذا لم تزنْ - بذؤابته - لحظاتِ الشرف
واستطبت - الترف
لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدام
" .. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام .."
عندما يملأ الحق قلبك:
تندلع النار إن تتنفسْ
ولسانُ الخيانة يخرس
لا تصالح
ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس ؟
كيف تنظر في عيني امرأة ..
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها ؟
كيف تصبح فارسها في الغرام ؟
كيف ترجو غدًا .. لوليد ينام
كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
وهو يكبر - بين يديك - بقلب مُنكَّس ؟
لا تصالح
ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام
وارْوِ قلبك بالدم..
واروِ التراب المقدَّس ..
واروِ أسلافَكَ الراقدين ..
إلى أن تردَّ عليك العظام
لا تصالح
ولو ناشدتك القبيلة
باسم حزن "الجليلة"
أن تسوق الدهاءَ
وتُبدي - لمن قصدوك - القبول
سيقولون :
ها أنت تطلب ثأرًا يطول
فخذ - الآن - ما تستطيع :
قليلاً من الحق ..
في هذه السنوات القليلة
إنه ليس ثأرك وحدك،
لكنه ثأر جيلٍ فجيل
وغدًا..
سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،
يوقد النار شاملةً،
يطلب الثأرَ،
يستولد الحقَّ،
من أَضْلُع المستحيل
لا تصالح
ولو قيل إن التصالح حيلة
إنه الثأرُ
تبهتُ شعلته في الضلوع..
إذا ما توالت عليها الفصول..
ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
فوق الجباهِ الذليلة !
لا تصالح
ولو حذَّرتْك النجوم
ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..
كنت أغفر لو أنني متُّ..
ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ .
لم أكن غازيًا ،
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
أو أحوم وراء التخوم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
أرض بستانِهم لم أطأ
لم يصح قاتلي بي: "انتبه !
كان يمشي معي..
ثم صافحني..
ثم سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأ !
فجأةً:
ثقبتني قشعريرة بين ضعلين..
واهتزَّ قلبي - كفقاعة - وانفثأ !
وتحاملتُ ، حتى احتملت على ساعديَّ
فرأيتُ : ابن عمي الزنيم
واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
لم يكن في يدي حربةٌ
أو سلاح قديم،
لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ
لا تصالحُ
إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:
النجوم.. لميقاتها
ومنذ أن مات كليب أخذ أخوه يرثية بقصائد تنذر بإعلان حرب وتحث القبائل على شن الحرب على بكر وعندها اندلعت الحرب بين بكر وتغلب التي عرفت بحرب البسوس التي دامت أربعين عاماً. كان المهلهل شجاعاً مقداماً في المعارك التي خاضها ضد بكر وابلى فيها بلاءً منقطع النظير، كان فيها للمهلهل العجائب والمآثر والأخبار المثيرة العجيبة.
من جيّد شعره في رثاء أخيه كليب:
كليب لا خير في الدنيا ومن فيها
إن أنت خليتها في من يخليها
كلـيب أي ّ فتى عزَّ و مكرمة
تحت السفاسف أذ يعلوك سافيها
نعى النعاة كليباً لي فقـلت لهم
مادت بنا الأرض أم مادت رواسيها
ليت السماء على من تحتها وقعت
وحالت الأرض فأنجابت بمن فيها
أضحت منازل بالسلاّنِ قد درست
تبكي كليباً ولم تفزع أقاصيها
الحزمُ والعزمُ كانا من صنيعته
ما كل آلائه يا قوم أحصيها
القائد الخيل تردي في أعنتّها
زهواً إذا الخيل بُحت في تعاديها
التا جر الكوم ما ينفكّ يطعمها
و الوهبُ المئة الحمرا براعيها
من خيل تغلب َ ما تلقى أسنتها
إلا وقد خصّبها من أعاديها
قد كان يَصحُبها شعوا ءَ مُشعلةٌ
تحت العجاحة ِ معقوداً نواصيها
تكونُ أولها في حين كرُتها
وأنت بالكِّر يوم الكرّ حاميها
وكان سبب حرب البسوس أن وائل بن ربيعة المعروف بكليب وائل كان لا يجير أحداً على جواره وله جرو يطلقه فأينما وصل نباح الجرو كان حمى لكليب فلا يدخله أحد او يُستعمل ماؤه إلا بإذنه ولهذا قيل "أعز من كليب وائل" فبلغ من العظمة والمنعة مبلغا عظيما.
وبداية الحرب أن البسوس خالة جساس بن مرة وهو من بني بكر أبناء عم بني تغلب قوم كليب أصرت أن تسقي ناقتها من ماء كليب في حماه فغضب كليب وأراد أن يضرب ضرع الناقة ويقتلها فاستغاثت البسوس بابن أختها جساس بن مرة فضرب كليبا بالسيف وقتله فاستعرت نار الحرب بين بكر وتغلب وظلت مستعرة أربعين سنة، وانتهت حرب البسوس بمقتل جساس على يد الهجركليب وجساس أيضا هو خاله الذي رباه فقد كان كليب متزوجا من الجليلة أخت جساس.
واستمرت هذه الحروب مشتعلة بين كر وفر بين القبيلتن كادت أن تقضي على القبيلتين لولا أن قبيلة تغلب تصالحوا مع بكر ولم يكن المهلهل حاضراً أثناء هذا الصلح ولما سمع المهلهل بهذا الصلح نقضه واستمرفي غاراته على بني بكر فأسره عمرو بن مالك أحد رجالات بني قيس بن ثعلبة. ويقال أنه أثناء وجوده في الأسر أهدى إليه تاجر يبيع الخمر بعض الشراب فأسرف بالشراب وأنشد يقول:
طِفلَةٌ ما اِبنَةُ المُجَلِّلِ بَيضا
لَعوبٌ لَذيذَةٌ في العِناقِ
فَأِذهَبي ما إِلَيكِ غَيرُ بَعيدٍ
لا يُؤاتي العِناقَ مَن في الوِثاقِ
ضَرَبَت نَحرَها إِلَيَّ وَقالَت
يا عَدِيّاً لَقَد وَقَتكَ الأَواقي
ما أُرَجّي في العَيشِ بَعدَ نَدامايَ
أَراهُم سُقوا بِكَأسِ حَلاقِ
بَعدَ عَمرٍو وَعامِرٍ وَحيِيٍّ
وَرَبيعِ الصُدوفِ وَاِبنَي عَناقِ
وَاِمرِئِ القِيسِ مَيِّتٍ يَومَ أَودى
ثُمَّ خَلّى عَلَيَّ ذاتِ العَراقي
وَكُلَيبٍ شُمِّ الفَوارِسِ إِذ حُممَ
رَماهُ الكُماةُ بِالإِتِّفاقِ
إِنَّ تَحتَ الأَحجارِ جَدّاً وَليناً
وَخَصيماً أَلَدَّ ذا مِعلاقِ
حَيَّةً في الوَجارِ أَربَدَ لا تَنفَعُ
مِنهُ السَليمَ نفثة راقِ
لَستُ أَرجو لَذَّةَ العَيشِ ما
اَزَمَت أَجلادُ قَدٍّ بِساقي
جَلَّلوني جِلدَ حَوبٍ فَقَد
جَعَلوا نَفَسي عِندَ التَراقي
وتقول الروايات أنه لما سمع عمرو بن مالك هذا أقسم ألا يشرب المهلهل عنده ماء ولا خمر ولا لبن حتى يرد ربيب الهضاب (وهو اسم جمل له كان أقل وروده في الصيف الخمس أي مرة كل خمسة أيام) ويعني هذا ألا يشرب المهلهل شيئاً إلا بعد خمسة أيام، وعندما رأى بعض قومه أن المهلهل كاد أن يموت من العطش أشاروا عليه أن يرسل فيأتي بالجمل قبل يوم وروده ففعل وأتوا به بعد ثلاثة أيام ولكن كان المهلهل قد وافته المنية وكان ذلك عام 94 ق.هـ -531 م .