الساحر
11-09-2011, 07:56 PM
اول عمل ادبي لي ويهمني جدا مشاركة وتقييم جميع الأحبة لهذا العمل
عنوان الرواية : الألم الضاحك
مقدمة :
في ليلة سوداء لا يعرف النور اين بابها قررت ان أحلق في سماء الحب والعشق فبدأت بحثي عما يطلق عليه بأسم (( الحب الأول )) ومن أجل هذا الهدف ذهبت لأتفقد مشاعري التي دفنتها منذ سنين في مقيرة النسيان
بدأت بلف شريط حياتي الى الوراء لعلي أتذكر مكان المقبرة ..., تذكرت كيف كانت مشاعري تبكي بينما كنت أصطحبها الى مكان دفنها ... , كنت جسدا بلا روح كنت أشبه البشر , نفس الكيان ونفس الهيئة الا أني كنت أفتقد شيئا غير مرئي يجلب لباقي البشر السعادة ... اليوم وفي هذه الليلة السوداء بالذات عرفت ما كنت أفتقده .
كنت أفتقد قلبي الذي ضاع في دوامة الحياة ... بدأت شيئا فشيئا استعادة ذكريات الماضي , ها أنا أتذكر كيف دفنت مشاعري بلا رحمة وأتذكر أحداث ما قبل الدفن .
الجزء الأول : رقصة الموت
وسأروي لكم أحداث تلك الليلة المشئومة , في تلك الليلة بدأت بأختيار الخيوط التي أستخرج منها الكفن حينها سرقت من الشمس خيوطا ذهبية وسرقت من الهواء طعم النسيم وبعد ذلك قطفت من بستان الموت رائحة الشهداء الزكية ثم جمعت العناصر المسروقة بالأضافة الى ما كنت أخبأه من خيوط فضية أهداني اياها القمر حين كان بدرا فلم يريد بعد ذلك ان يظهر في ثوب البدر مجددا , ووضعت جميع هذه العناصر في وعاء يكشف للناظر ما في قلبه ثم خبأت هذا الوعاء في حفرة صغيرة في حديقتي وتعمدت ان يكون الوعاء من دون غطاء ليختلط ما في داخله بمكونات الأرض ... بعد بضع ساعات أخرجت الوعاء من الحفرة وقمت بحياكة الخيوط مع المواد الغريبة المستخرجة من باطن الأرض والتي أمتزجت مع الخيوط فظهر في نهاية الحياكة ثوبا عجزت مخلوقات الأرض على وصفه .
بعد تجهيز الكفن جلست على كرسيّ الهزاز متأملا في الكون وبدأت أختار مكان دفن مشاعري وحينما أخرت مكان الأرض دون ان أسأل نفسي لماذا اريد دفن مشاعري ؟!
لقد كنت بصناعة حفرة ضخمة وتعمدت أن تكون عميقة ثم رميت بدأخلها بعضا من الذكريات المؤلمة ثم رميت بعد ذلك العديد من مظاهر البطش والقتل والتعذيب , بعد ذلك عدت الى المنزل والعجيب بذلك أني لم أشعر بالتعب رغم كل المجهود الكبير الذي بذلته في تهيئة القبر ثم تناولت القليل من الطعام مع العلم أني لم أكن أشعر بالجوع ثم أحسست برغبة قوية لتذوق شرابي المفضل ... لم أكن أبالي بصرخات الألم المتدفقة من مشاعري المحبوسة في غرفة نومي بقدر ما كنت أهتم بتحضير الشراب الذي يستغرق مني بعضا من الوقت, كان الشراب مؤلفا من ثلاثة عناصر أولها قطرات من الماء التي كانت تتساقط من عيني كلما تذكرت أحداث حرق مسجد الأقصى وبعد ذلك اضيف العنصر الثاني وهو قطرات الندى التي كنت أجمعها حين كنت صغيرا وهذا العنصر كان يضيف على الشراب طعم البراءة والطفولة واما العنصر الأخير والأهم كان بضع قطرات من الدم النقي العذب التي كنت أجمعها من عروقي .
بعد تهيئة العناصر وضعتها في كأس ثم وضعت الكأس على الطاولة أمامي وبدأت بالنظر اليها ويدي ساكنة وعاجزة عن التحرك صوبه ... ساعة كاملة من الزمن لم يفارق نظري الكأس ولم أكن أتجرأ أن أتذوق الكأس رغم رغبتي القوية في فعل ذلك والسبب أمتناعي عن الشرب هو فقدان العناصر الأساسية لتكوين الشراب فلم يبق من العناصر سوى الموضوعة في الكأس , والذي كان يؤلمني أكثر من ذلك أنه من الأستحالة أن أجلب هذه العناصر من جديد فأين هي الأمطار التي كانت تتساقط من عيني .! فحرارة الظلام القوية قامت بتجفيف عيني من الماء فأصبحت عيني صحراء قاحلة والسبب الثاني فمن المستحيل أن أعيد الزمان الى الوراء وان أستعملت قطرات الندى التي تتساقط في هذه الأيام فأنها ستضيف على الشراب طعم الحقد والمرارة أما الاخير فلم يبقى في عروقي دم نظيف اذ اختلط به ما تحمله الحياة من قذارة فأصبح لوني دمي أسود .
جلست أتأمل في الكأس اأشربه ام اتركه تذكارا للأيام الجميلة التي اصبحت مفقودة في عصرنا هذا ... قررت في نهاية المطاف أن أشربه فلا أريد ان أخسر طعمه المميز لأحفظه في سجلات الذاكرة , شربت الكأس على نخبة الذكريات الجميلة وأطلقت على الكأس اسم (( كأس الضياع)) , أحسست بعد شرب الكأس بسكرة أغرقتني في النوم بضع دقائق أحسستها ساعات لما ما مر من هواجس في عقلي فيها , لقد رأيت شياطين ترفع أعلام النصر في كل مكان ورأيت جثث الأتقياء والعالمين تذوب في محرقة كبيرة حولها الشياطين يرقصون ويمارسون تقاليدهم عند النصر , كانو يمارسون بعض الحركات الغريبة حول موقد النار وهم شبه عراة ثم فجأة أختفت مظاهر المعركة والأحتفال من عقلي فساد الظلام به ولكن ما خي الا لحظات حتى أضاء في عقلي هواجس جديدة أخرى فلقد رأيت الاخ يقتل أخاه ورايت الدول العربية تتساقط الواحدة تلو الأخرى في مستنقع الاحتلال والعجيب بالأمر أنه كانوا يدمرون بعضهم البعض بما تبقى لهم من مقدرة وقوة , وما هي الا دقائق معدودة حتى أستيقظت من السطرة وكانت عيني تبكي دما لونه أسود ولكن سرعان ما قمت بأخفائه .
ثم ذهبت الى خزانتي وأخرجت منها عبائتي البضاء ولكنني ذهلت مما رأيت فلقد تغير لون العباءة واصبح لونها اسود قاتم , أيعقل ان ظلم البشرية يستطيع ان ينتقل سوادا الى الملابس !!؟
أخذت العباءة وملأت الغرفة بضحكاتي الساخرة من الحياة , أرتديت العباءة وأحضرت حبلا من خزانتي وتوجهت بعد ذلك الى غرفة نومي حيث حبست مشاعري هناك ففتحت باب الغرفة فرأيت مشاعري نائمة كالملاك على سريري لكن سرعان ما قمت بتعليق الحبل حول رقبتها وبدأت بسحبها الى القبر , كانت تتمسك بكل شيء تصل اليه يداها من أثاث المنزل مما أزعجني كثيرا فضربتها ب نعلي على وجهها ففقدت وعيها فورا وبدأت أسحبها وأنا مرتاح لعملي ان مشاعري باتت غير قادرة على المقاومة , وصلت بعد ذلك الى باب الخروج من المنزل ففتحته بحذر وهدوء مع العلم أن المنزل كان مهجورا, ولكن كنت أشعر بخوف من شيء لا أعرفه ولا أراه ولا أسمع خطواته, فتحت الباب برفقة مشاعري المكبلة بالحبال, كانت السماء ملبدة بالغيوم والظلام الدامس الا ان الأرض كانت تضيء بفعل كميات الأمطار الهائلة التي ترتطم بها وبفضل الشرارة البيضاء التي يصنعها الرعد .
في تلك الليلة سحبت مشاعري التي كانت شبه مخدرة بفعل ضربتي القاسية التي تلقتها مني الا ان شدة الأمطار أيقظتها وكنّا على مشارف الوصول الى المقبرة فبدأت تحاول ان تغرس قدمها في الوحل لعلها تستطيع الوقوف الا أن محاولاتها بائت بالفشل والسبب يعود الى أنها لم تستطع ان تلملم شتات قوتها للوقوف وكلما كانت تقترب بالوقوف سرعان ما تنهار ليلتصق وجهها على الطين..., وصلت الى القبر الذي أعددته لدفن مشاعري به فرأيته ممتلئا بمياه المطر ويطفو على سطح القبر ما رميته من ذكريات المؤلمة والغريبة اني لم ار مظاهر القتل والبطش والتعذيب فأدركت انها تحللت في التربة, بصراحة كان مظه ر عجيب فأحترت ما أفعل ... الا أنني اقتنعت بفكرة رمي مشاعري في القبر رغم وجود الماء , لأنه لم يكن لدي أختيار أخر , فذلك المخلوق الذي لا أعرفه ولا أراه ولا أسمع خطواته كان يرعبني ... .
في تلك الليلة وبالقرب من القبر , بحثت عما يشبه الكوب في الطبيعة فلم أعثر على شيء يماثله, ولكني خلعت حذائي وبدأت أسكب الماء بواسطته من القبر على جسد مشاعري لأزيل ما التصق عليه من وحل وأوساخ, ثم جعلت مشاعري ترتدي الكفن ومن الواضح انها كانت لا تبدي اي ردة فعل مفاجئة فأرتدت الثوب بكل هدوء لأنها كانت تعرف ان مصيرها محسوم وهو الموت ولقد أصبحت تتشوق الى معرفة اي نوع من العذاب سوف تلاقيه مني .
في تلك الليلة وأمام القبر ألتقت نظراتنا في بعضها البعض, ألتقت نظراتنا بعد فترة طويلة كنت فيها أجتنب حدوث هذا اللقاء, في تلك اللحظة الغيوم حبست أمطارها وصوت الذي يحدثه البرق توقف, كان كل شيء ساكن ما عدا صوت الضفادع كان يخترق الهدوء بين الفينة والأخرى, ألتقت نظراتنا وبات الحديث يقتصر على كلام العيون, كنت أفهم ما تقول دون ان تنطق هي بأي كلمة , كانت تبكي دون أن يتساقط من عيونها الماء وكانت مجروحة دون ان ينذف الدماء من جروحها , عيناها البريئتين كانت تشتكي عن قساوتي وكانت تسألني وتقول : لم تكن كذلك ؟! اأنت من تفعل ذلك ؟ الم أكن حضنك الدافي وسبيلك للتخلص من الحزن , لقد سألتني عدة أسئلة ولكني لم أكن اشاركها في الحديث كنت مشغولا في النظر الى حبتين من لؤلؤ كانت محفورتان في وجهها الطفولي, سرحت بضع ثوان أحسستها ساعات ثم تمالكت نفسي وأحضرت صخرة كبيرة ربطت الحبل بها من جهة ومن جهة أخرى ربطت مشاعري ثم نظرت الى مشاعري للمرة الأخيرة وقد قذفت بالصخرة الى القبر وبتلك العملية بدأت مشاعري بالسقوط داخل القبر وهي تصرخ ..., لن أستطيع نسيان تلك اللحظة ففيها تمت عملية الفراق ..., أختفت من ناظري شيئا فشيئا حتى وصلت الى قعر القبر ولم تترك لي سوى بضع فقعات ظهرت على سطح القبر.
وداعا يا مشاعري, وداعا والى الأبد ..., بتلك الكلمات ودعت مشاعري ثم أنهيت المهمة وعدت للبيت سريعا لأني كنت أخاف من ذلك المخلوق الذي لا اعرفه ولا اراه ولا أسمع خطواته .
الجزء الثاني : بقعة ضوء
هذه الكتابة تجسد ولو بشكل مختصر ما جرى في تلك الليلة المشئومة من أحداث .
ومرت السنين ..., ولا شيء في حياتي تغير سوى أني اصبحت وحيدا بلا قلب ولا مشاعر , أصبحت وحيد أحارب هذه الحياة أًبحت أعزل السلاح فلقد ضاع قلبي في دوامة الحياة ودفنت مشاعري, وما تبقى عندي من طموح وأمل قد سرقه مني الشياطين ..., بقيّت حالي على ما هي عليه حتى أتت المعجزة ففي هذه الليلة السوداء لمحت في الأفق البعيد ملاك ..., بل أجمل من الملاك , رأيت فتاة تخطف الأضواء والأبصار, رأيتها قادمة من السماء وكانت تسحب النور والخيرات خلفها..., اأنا أحلم ؟ فأن كنت كذلك فأتمنى أن أستيقظ من هذا الحلم أبدا , ولكن سرعان ما تذكرت اني منذ ما دفنت مشاعري حكم علي القدر بالحرمان من الاحلام والعيش أبد الدهر في الظلام, اذا لم أكن أحلم فما رأيته حقيقة ..., انها كالشهب بل أكثر اشراقة منه , تخترق الظلام ب ابتسامة, أيعقل انه يوجد وسط القهر والظلم من يبتسم !!؟ أيعقل ان من سجن الظلام من ينير الكون! اسئلة كثيرة طرحتها لكي أجبر نفسي على الرد عليها, وكان جوابي نعم ولكن بصوت لم يصل الى أذني ثم قلت نعم , نعم , نعم ... حتى ظن الجميع انني فقدت عقلي .
في تلك اللحظة عادت الفتاة تحلق في السماء ولكنها تخبىء بيديها الناعمتين شيئا..., انها تقترب أكثر فأكثر, نظرت من حولي فلم أرى غيري , وقبل ان أقوم بأي ردة فعل كانت صوبي وقالت لي بصوت عذب لو سمعه عطشان لأرتوى , قالت انا ذلك المخلوق الذي لا تعرفه ولا تراه ولا تسمع خطواته , وقبل ان أتفوه بأي كلمة وضعت يداها على فمي وقالت : لا تخف مني ثم تركت لي فرصة للكلام ولكني في تلك اللحظة كنت ما زلت متأثرا بيديها التي لامست وجهي وكم تمنيت أن تبقى , وسرحت بأفكاري ولكنها سرعان ما قاطعتني وقالت : لقد أحضرت لك مفاجئة صغيرة, مفاجئة أنا متأكدة انا لم تكن بالنسبة لك في الحسبان , لقد أحضرت لك قلبك الذي ضاع منك في دوامة الحياة, وأنهت حديثها بالقول : هذه هي المرة الثانية التي تراني بها وسأعود مرة أخي ساكون الاخيرة التي تراني بها قبل بدء رحلتك , ثم لامست أناملها وجهي وقالت : ستفقد الوعي الان ولكن عندما تستيقظ فكّر في كل كلمة قلتها لك .
في اليوم التالي أستيقظت بعد صراع عنيف مع الكسل, وسرعان ما تذكرت أحداث ليلة أمس وبحركة لاشعورية وضعت يدي على صدري لأتفقد قلبي فذهلت لأني لم أشعر بقلبي ينبض فهرولت كالمجنون نحو الشرفة فرأيت قلبي وضع على وبعناية فائقة على وسادة مريحة,عندها أخذت نفسا عميقا وغطست في بحر الفرح والسعادة . أقتربت من قلبي لأحضنه وأخبره عن وحدتي التي لم تفارقني يوما ولأخبره ما فعله جسدي القاسي لمشاعري الرقيقة ..., أقتربت صوبه فذهلت مما رايت , قلبي ساكن لا يتحرك ولكن لم ابالي بالأمر لأن جوارحي كانت تنطق شوقا لرؤية الفتاة مرة أخرى , وها هو الذي لم يكن في الحسبان حدث ...,
ومرت أكثر من ثلاثة ايام وكان جسدي يرفض ان ينام فهو متلهف لرؤية ملاك الرحمة الذي أدخل الى جسدي من بعد الرعب والخوف السلام والأمان
في الليلة الثالثة سهوت قليلاً لما اعانيه من ضعف في الجسد وقلة في الراحة فأرتخيت على الكرسي الهزاز وتركت عيناي تتمرجحان بين النوم والصمود ضد النوم
استطاع النوم ان يدخلني في ثبات, أستغرق 15 دقيقة ثم ما لبس ان تلاشى وكانت المفاجأة, كانت الفتاة أمامي يداعب الريح شعرها ألناعم وبكل رقة أقتربت مني وبحركة سحرية وضعت يدها الناعمة على جبيني وقالت : أسفة , لقد تأخرتٌَ عليك ثم ذهبتٌ الى المكان ما وضعت قلبي وحملته برفقة كما تحمِلُ الأم فلذة كبِدِها, وألقت عليا قبلة سريعة أعادت له نبضه وأعادت له الحياة بكل ما تحمله من أمل وسعادة وأنتعاش ثم وضعت ورقة ذهبية بجانبه وأختفت .
هذا هو اللقاء الأخير , هل أنتهى كل شيئ؟
افكار جنونية دارت في ذهني وأقتربتُ من الورقة لأتفقد محتواها …..
الحسرة والألم لفراق الفتاة أسقطني على الأرض كما يسقط الرجال العجوز عندما يفقد عصاه التي تسنده,سقطتُ على الأرض ولكن الألم لم يسقط من عيني فتابعت الوصول الى الرسالة زحفاً,….
عند وصولي وضعت يدي على الطاولة لتساعدني على الوقوف ثم بصرخة يا رب جمعت قواي ووقفت وأخذتُ الرسالة ....,مهلاً ماذا يحدث شيء غريب يتحرك بهدوء في صدري وضعتٌ يدي فعلمت أن قلبي عاد لي , ااااه كم أفتقدك اااه كم أنا محتاج اليك, ولله لن يعادل فرحتي بعودتك سوى عودتي مشاعري لي ولكن هيهات لها العودة, فلقد دفنتها بيدي ,فنظرتُ الى يدي نظرة سوء فوجدتٌ الرسالة التي نسيتٌ فتحها لفرحتي بعودة قلبي لي .....,
فتحتٌ الرسالة فبدأتٌ أقرأ كل حرف كتب بها وعيني أندهشت فيما رأت في جوف الرسالة فلقد كٌتِبَ في العنوان بلون الدم القاتم "لا حياة دون مشاعر" أخافني الموت والرعب سرعان ما خف ثقلهٌما بعد ما قرأت في أسفل الرسالة أسم الفتاة الغامضة عند خانة التوقيع.....,
أحساس غريب راودني وسؤال كبير خطر في ذهني وهو: ماذا تريد مني تلك الفتاة وان كانت تريد ان تترفق بي كما تدعي فلماذا تكتب لا حياة من دون مشاعر!هل ستأخذ حياتي لأنني دفنت مشاعري؟؟.....,أسئلة كثيرة طرحتها على نفسي وتمنيتٌ أن أجد جواباً لها في مضمون الرسالة....,
تناولت الرسالة وبدأت قراءتها بصوت عالي لأبعد الخوف الذي أصابني في عنوان الرسالة, قرأتُ الرسالة بتمعن شديد مع الكثير من الحذر والترقب من المستقبل القريب ....,
سقطت الرسالة من يدي ...., جسمي يرتعشٌ, وعيناي ساكنتان,وتمتة غريبة أصدرها لساني...,وجهي تحول الى كرة صفراء, جسمي كله يرتعش, وصوت الطرطقة لم يفارق اسناني,فُتحت يدي من تلقاء نفسها وسقطت الرسالة الذهبية مباشرة على الأرض,لم استطيع أن أتمالك نفسي, فالصدمة الذي أحدثه مضمون الرسالة لا يستطيع كائن حي على تحمله, مرت خمسة دقائق كنت فيها جسد أو بالأحرى كنت قطعة فنية جامدة لا تتحرك,كل شيئ كان غامض بالنسبة لي بات كالسهام يمزق ذاكرتي المشوشة, سكرات الماضي استيقظت وبدأت تدب الرعب في ذهني,حتى الحسرة على فقدان مشروبي المفضل عادت لتمزق قلبي ,مرت هذه الدقائق وكنت قطعة فنية من الخارج ولكن في الداخل براكين تفور وحمم تقذف في كل مكان,اجواء شغب وفيضانات وزلازل وكوارث عديدة أصابت جوهر كياني وتركت المظهر جامداً بلا حراك...,
رسالة ويا لها من رسالة, رسالة تحمل في جوفها ألغاز وغموض يعجز أحد من البشر على فك رموزها وتحرير غموضها..., اخذتُ الرسالة المرمية على الأرض مستخدماً خفة يدي وبدأتُ اقرا الرسالة من جديد:
لا حياة بلا مشاعر
- لم ينتهي شيئاً بعد إٍعلم أن الأمل موجود ما دام قلبك مستمر في الخفقان, والقيود التي تكبلك مفتاحها في جيبك, والكوابيس التي ترافق أخلامك انت من تغذيها بأوهامك
توقفتُ عن القراءة لشعوري بالعطش الشديد ومن المؤكد سببه ذالك الغموض الذي تزوقته في المقطع الأول من الرسالة....,شربتُ الماء لكنه لم يؤدي مهمته ولم أشعر بالأرتواءٍ,فأدركتٌ أن هذا العطش عبارة عن منزل مليئ بالأشباح ولن أرتوي حتى أجد المفتاح الذي بأمكانه إدخال النور على المنزل, حملتٌ الرسالة من جديد وسافر بصري فوراً إلى المقطع الثاني وبدأتٌ بالقراءة:
لا تحمل على نفسك ذنباً لم تقترفه يداك, فالقدر خطف حبيبتك فلسطين, لا لتستسلم وترمي سمات العروبة والنصر الى التهلكة بل قوة وعزم على تحمل الظلم وقهره.
-سأختم رسالتي بنصيحة وهي لا تتفاجأ كثيراً بما قلته لأن الخافي أعظم, والدهشة التي تصيبك الأن مهما تكن شدتها ليست سوى قطرة ماء وسط محيط من المفاجأت والعجائب التي ستكتشفها في القريب العاجل.
توقفت شفاهي عن التحرك وأصبح كل عضو من جسدي خامل وعاجز عن الحراك ..., لحظات هدوء وسكينة عمت المكان , والقلق أستطاع ان يتسلل الى اعماقي.., ماذا ينتظرني بعد؟ سؤال أحتل الصدارة في سباق الأسئلة الى ذهني المشوش, بدأت الدنيا من حولي تدور... كل أثاث
المنزل يدور حولي ... ثم أختفى كل شيئ.
الجزء الثالث : لقاء اخر
في اليوم التالي شعرت بصداع شديد ساعة النهوض , ووجدت نفسي حيث تركها الظلام ملقاة على الشرفة ..., إبتسامة رقيقى وخبيثة ظهرت على شفاهي, لقد أسكرتني أحداث الأمس , لقد تذوقت الخمر من كأس الحياة..., ثم بعد عناء وجهد بذله جسمي للتخلص من ثباته تركتٌ قدماي ترسلاني الى النبع القريب من منزلي لعلي ارفع قليلا من معنوياتي او أسترجع قليلا النشاط والحيوية الى جسمي الهزيل, سارت بجنون قدماي والنسيم البسيط كان يتراقص مع جسدي وجعلته يتمايل كما تتمايل السنابل في أوج نضارتها ..., وصلت الى النبع وتركت جسدي يُلقي بنفسه في النبع بعد أن جردته من ملابسه..., وبعد أشباع جسدي حاجته من الأنتعاش شعرت بروح الصحوة والنشاط فجلست على صخرة قبالة النهر وبدأت أفكر بطريقة عقلانية لعلي أحاول ان أواكب سرعة الأحداث ..., لا شيء يُصدق , الحياة كلها أكاذيب... المرأة التي وقعت في حبها كذبة , وإيجاد المقبرة كذبة أخرى حتى الأمل الذي ترعرع في جسدي منذ صغري لرؤية الأقصى حرة كانت كذبة كبيرة ..., ولكن أين الحل ...,لا بٌدّ من إيجاد حل بدأتُ أسترجع الأحداث في ذاكرتي وبدأت من نقطة الصفر أي من حيثٌ دفنتٌ مشاعري, تسارعت الأحداث (تحضير الكفن- تهيئة القبر- شراب المفضل- المرأة الغامضة والرسالة)
كل هذا مجرد خيال أو حلم لعين , قلبي مسكين ومشاعري ضائعة وجسدي أرتوى منذُ صغره القساوة .
حملتُ كل ما لَديَّ من هموم وأفكار جنونية ثم عدتُ بها الى المنزل وحين وصولي جلستُ على كرسيِّ الهزاز تاركاً أفكاري تحلق في سماء الهموم والمشاكل..., ماذا ينتظرني بعد؟؟ لا بدّ أن أكتشف ذالك بنفسي, ولكن كيف؟ لنعيد الزمان الى الوراء ...., لأشرب كأس الضياع مرة أخرى رغم قذارته وطعمه الذي يفيض بالمرارة...., قمتُ بتحضير الكأس ولكن بنكهة جديدة والمكونات أختلفت إذ أستبدلتُ قطرات الماء التي كانت تتساقط من عيني كلما تذكرتُ أحداث حرق مسجد الأقصى بقطرات الغضب التي كانت تتساقط من عيني عندما أرى الشهداء يتراقصون على أكتاف إخوانهم (( عرس الشهادة )) وإستبدلتُ قطرات الندى بقطرات ندى التي تتساقط في أيامنا والتي أصبحت تضفي طعم الغدر في الشراب كما إستبدلت قطرات الدم النضيف بقطرات من الدم المؤلم والملوث .
ضحكاتي ملأت كياني وصداها ملأ البيت العتيق..., الشراب مٌظلم ولونه يشير إلى الشر , ومن دون أي تفكير شربتُ بجرعة واحدة فإن كان الشراب مميت فأنا ميت وإن كانًّ يغرقني في سبات عميق فهذا جلُّ ما أتمناه ...,شعور رائع ها أنا أشعر بالموت يصارع جسمي ..., شعور رائع فالموت أستجاب أخيراً لدعواتي هاأنا أشعر بالأبر ووخزاتها التي إنطلقت من أخمص قدمي لتتابع طريقها نحو الركبة ثم الدر ثم إنتقلت إلى رأسي لترسم على شفاهي إبتسامة ناعمة رقيقة ثم إنتهى كل شيئ.
نور غريب يضايقني ويمنعني من الخلود مع عالم الأموات ...,فدعني وشأني
ف ماذا تريد منّا ايها الموت السقيم
هيا أقتلنا لا تعتبرنا مساكين
ارمِ علينا غضبك, فبغيرك لن نستعين
نحبك ! نعم نحبك فهيا
هيا إبعت علينا نار جحيم
لن ترانا غاضبين
لن ترانا خائفين
فالحياة أقتلعت من أجسادنا طعم الخوف
لم نعد نشعر بنكهة القهر والأنين
ها نحن نستقبلك مرحبين
نستقبلك بسعادة فنحن لك مبتسمين
اين كنت؟!
اين كنت ايها الموت السقيم
إني كنت أنتظرك طوال هذه السنين
أشتقت اليك حتى تدفقت مني مشاعر الحنين
ها أنا أسمع صوتك...,
صدى خطواتك
تقترب وتقترب وتدق بابي
وأخيرا أتيت لقد طال أنتظاري
لقد سهرت لأنتظارك الليالي والليالي
فمرحبا بك ايها العزيز الغالي
هيا خُذ روحي ..., خذها الان
وأنتشلني من هذا الزمان
مهلا لماذا تبتعد؟
بربك لا تقل لم يحن الأوان
ارجوك عد اليّ
ارحني من بني الأنسان
ف بطشك في نظري مصدر الحنان
وقسوتك تنعشني ... تبعث في قلبي الامان
اما هم ... ,
ابتسامتهم نحوي غضب وظلام
وكلامهم لكرمك يعتبر حرمان
ف هيا تعال ... تعال ايها الموت السقيم
لأجلك سأكتب أجمل الألحان
تعال لتنقذني من دائرة الأحزان
لأجلك ستتدفق مني اروع الأنغام
اروع العبارات وأعظم الكلام
فتعال حين يحل عندي الظلام
وارمي بهدوء عليًّ السلام
ثم مزق جسدي بما تملك من سهام
رحل الموت بعيدا والنور لم يرحل بعد : دعني وشأني لا أريد من الحياة شيئا كفاني قهر ... حرام عليك دعني وشأني ... هيا اذهب الى عشاق الحياة الى جبناء الامة... هيا اذهب للذين يحملون الهوية العربية دون ان يخلصو لها ... هيا أذهب لهم ودعني ارقد هنا بسلام ... دعني اريد ان أسمع قصص الشهداء ... اريد ان أعبر لهم عن مدى أشتياقي لهم ... دعني أحلق فوق مسجد الأقصى لأبارك لكل شهيد يسقط من أجله ... دعني لا أريد أن أعود ... كيف تريدني أن أعود وفي عالمك خونة ؟ كيف اعود وفي أرضك من يغتصب أمي ويدنس أرضي ويتسلى في حرق مسجدي ... دعني وشأني ... ألا يكفيك ما فعلته بي؟ لا حياة لا مشاعر لا أمل.
النور زاد من قوته وبدأ يخترق جبهتي ورغم عني سمحت له بالدخول والصورة التي كانت مشوشة أصبحت واضحة فرأيت نفسي على الأرض والكأس الذي شربت منه رأيته شظايا متناثرة حولي... وما هي الا لحظات معدودة حتى طُرق الباب..., دون أن أسأل نفسي من الطارق رغم انه لا أحد يعرفني قمت وفتحت الباب لأرى الفتاة الغامضة من جديد..., ومن دون استئذان دخلت الى المنزل ونظفت الأرض من الزجاج المكسور ثم بخفة مسحت ما تعلق في ثيابها من غبار ثم ذهبت وأحضرت كرسي ووضعته مقابل كرسيّ الهزاز وجلست عليه وبحركة مصطنعة أشارت عليَّ ان أجلس فقمت بذلك وعلامات الدهشة كانت واضحة على كياني ... سألتني بكل رقة ماذا تريد ان تشرب ؟ ثم ارتفع صوتها وقالت ماذا تريد ان تشرب بعيدا عن السم الذي كنت تتناوله ؟
دقائق مرت ولم أنطق بشيء فبادرت هي قائلة : لا تريد ان تشرب شيئا انت حر ولا اريد ان ارغمك على شيء , هيا أخبرني كيف حالك وما هي مشاريعك المستقبلية ؟!! . زادني السؤال دهشة وغرابة اذ هي تعلم ما اعانيه من يأٍس فلماذا تسألني هذه الأسئلة السخيفة ؟إلى اين تريد ان تصل بهذه الأسئلة ؟ أجبتها مكتفيا بقول لماذا عدت؟ وماذا تريدين مني بالتحديد ؟ وأنهيت سؤالي بعلامة غضب مصطنعة ..., أجابت : انا هنا لأجلك ورافقت اجابتها ابتسامة رقيقة تسحر القلوب لشدة روعتها ..., ماذا أفعل ..., تظاهرت بالغضب وصرخت قائلا: إسمعي لا ينقصني الغاز وان كنت قادة لخير فلماذا قلتِ "لا حياة من دون مشاعر" ..., صدقا لم أعد أحتملك ... دعيني وشأني وكالعادة أنهيت كلامي بعلامة غضب مصطنعة ..., أما ردها لم يختلف كثيرا واذ بكل برودة أعصاب قالت : لا تجيد التصنع وقناع الغضب الذي تضعه هذه اللحظة لا يليق عليك ! هيا أخلعه ودعني القي عليك ما جئت لأجله...,أخذتُ نفسا عميقا لأخفف من هذا التوتو وقلت بعد ما أصابني نوع من لهفة الأنتظار: ها أنا أسمعك تفضلي..., - اسقطت المعطف كما تتساقط الأوراق في أوج الخريف, وعلقته بهدوء ثم عادت لتجلس من جديد على مقعدها..., وبعد أن تأقلمت في الجلوس واضعة قدمها اليسرى على شقيقتها قالت : من أنت !؟ صدقا لم أعد أعرفك! أنت الذي تدرك أن مشاعرك وهبتك حب الجهاد أم أنت الذي بم تعد تبالي بمصير الأمة وأصبح همك الموت ؟؟ لم أكن أتصور أنك في يوم من الأيام ستترك الباب مفتوحا أمام الموت لرتاح من الدنيا فقط, اين الشاب الذي أعرفه؟ ذلك الفتى الذي أهدى حياته للجهاد وذلك الفتى الذي كلما رأى أم صابرة تحت الحصار يعدها بالنصر ويؤازر وحشتها بالصبر , ذلك الفتى الذي ان احب شيئا أخلص له وان مسه سوء شكر ربه... اين ...., هل تعلم لا أريد ان أطيل عليك في الكلام ولا أريد ان أشعر ان كلامي لا يجد أذان صاغية له ...,تعلم لا اريد ان أملي عليك ما تفعل لكني أتمنى منك أن تجعل من الأمل بوابة العبور الى غد أفضل .
في تلك اللحظات وبينما هي تتكلم كنت أصغي اليها لدرجة إني أغمضت عيني تحسبا من أن تلهيني من الأستماع , وعندما أنهت حديثها نظرت من حولي فلم أجدها ..., عجبا على هذا المخلوق لم تتخطى مدة انهاء حديثها والنظر من حولي ثوان معدودة فأين أختفت ؟!! أو بالأحرى كيف أختفت!!
النهاية : روعة الحرية
معالم الدهشة سرعان ما انهارت لأنني أصبحت أدرك انني أعيش في عالم غريب فالحق فيه عار والصدق عيب والكراهية والعنف هما الصفات السامية والأمور التي تأخذ مجراها الصحيح نادرة والأمور الخبيثة هي الحق ذاته ..., أصبحت أدرك ان حواس الأنسان لا تكفيه لمواكبة الحياة فالأنسان يجب ان يكون له عينين في واجهة رأسه ليرى أمامه وثلاثة عيون من خلفه ليتجنب الغدر , والأنسان لا تكفيه أذناه فهو لا يستطيع من خلالهما ان يسمع الأكاذيب التي يتداولها أهل السوء عنه .
أصبحت أدرك ان من يقاوم دفاع عن ارضه إرهابي حقير يجب ان ينال عقابه جراء هذه الجريمة فمن العار ان تدفاع عن الحق والغاصب الذي يُهدّم البيوت على أهلها هو البطل الهمام الذي يجب علينا أحترامه ونقدسه..., أفكار كثيرة راودتني في تلك اللحظة تمنيت لو أجمعها في صندوق وأغلقه مدى الحياة..., أفكار كثيرة جعلت رأسي يشعر بالدوار فذهبت الى المطبخ وسكبت القليل من عضير الليمون في فنجان وشربته مستمتعا بنكهته, فهو على الأرجح الوحيد الذي حافظ على طبيعته ولم يٌغير من هويته ومذاقه, شعرت بالقليل من الأرتياح بعد شرب العصير وقررت أن أخرج ولو قليلا من بؤس هذا البيت فتذكرت في تلك اللحظة ... تذكرت مكان كنت أذهب اليه عندما كنت صغيرا , كان عبارة عن بستان جميل يتوسطه بئر قديم ..., قررت ان أذهب الى ذلك المكان لأتفقده ولكي أهرب من وحشة البيت وظلامه ولأنعم بالقليل من الهدوء والسكينة والراحة ..., حينها قررت أن أفتح غرفتي القديمة لكي إطلق على هذا اليوم "يوم الذكريات" . ذهبت لأتفقد ما بداخل هذه الغرفة التي عاشت أكثر من عشرة سنوات في الظلام .
صعدت على السلالم وكم تمنيت لو أحلق الى باب الغرفة...,وقفت أمام الباب وأخرجت من جعبتي سلسلة مفاتيح لعل أكثرها حداثة صُنع قبل 5 سنوات أخذت مفتاح الغرفة الذي تميز عن غيره فهو الوحيد الذي الذي استطاع ان يصير مع نكهة الليمون وبالتالي الحفاظ على لونه الذهبي ...., ثم بدأت أفتح باب الغرفة قليلا فرأيت صندزق قديم أكلته خيوط العنكبوت, ثم أكملت فتح الباب قليلا فظهر لي صورة للكعبة وحولها الناس يطوفون , ثم فتحت الباب ايضا قليلا فرأيت صورة أخرى وهو مسجد الأقصى بجانبه قبة النصر ثم فتحت
الباب بأكلمه فأول ما لفت أنتباهي ثياب جدي القديمة من بنطال وكوفيه وبجانبها مصحف أثري..., دخلت الغرفة وأتجهت نحو الصندوق لأكتشف ما بداخله فلقد خانتني ذاكرتي في معرفة ما بداخله, ولا ألومها اذ ان ذاكرتي نسيت مكان المقبرة التي صنعتها منذ سنوات معدودة فكيف لها ان تتذكر ما بداخل الصندوق الذي لم أفتحه منذ صغري ؟!..., كان الصندوق مقفلا وأستخدمت كل ما أملك من مفاتيح الا ان جميع محاولاتي بائت بالفشل مما دفعني الى كسر القفل ثم فتحت الصندوق فرأيت بداخله قطعة من قماش احمر اللون عليها يوجد مفتاح الصندوق, من الواضح انني عندما كنت صغيرا قررت ان أمنع نفسي من فتح الصندوق مستخدما هذه الوسيلة..., ولكن لماذا؟! رفعت الغطاء الأحمر فرأيت أسفله مجموعة متبعثرة من الأوراق بجانبها رصاصة نُقش عليها " ك.ف.ا.ح " فأخذت هذه الرصاصة بكلتا يديًّ وقبلتها كما يُقبل الطفل جبين أمه ثم وضعتها في جيبي, ثم جمعت الأوراق المتبعثرة لأتصفح فحواها, ( رسالة الى مسجدي – امتي- حائر انا – اشتقت اليك ) عناوين كثيرة منقسمة ما بين نصوص وخواطر ومتحدة فيما بالأصالة اذ ان كل فرد منها يحمل بين سطوره النفحة الجهادية ويتدفق من كلماته سمات العروبة, عناوين عدة تتفق تحت شعار واحد وهو شعار النصرة والأنتصار ..., قرأت العديد منها مما دفعني الى تذكر الكثير عن طفولتي مما دفعني الى اطلاق الضحكات الحزينة ثم البكاء مطولا على كل شيء , على الأطفال الذين اصبحو من عداد القتلى – على الشيوخ وألسنتهم التي أخرستها مدفعية الصهاينة – على الأمهات التي تحولن بين ليلة وضحاها الى ثكالي وأرامل ..., على عمري الذي ضاع بين حب الأرض وحب المال ... .
أغلقت الصندوق وخرجت من الغرفة ومنعت نفسي أن تتجاوب مع المشاعر , فأغلقت مدخل الوصول الى ذهني مع أغلاق باب الغرفة..., تابعت السير حيث للمرة الأولى كان وجهة سيري معروفة ( البستان) فغادرت الغرفة ونزلت على السلالم المكسورة,وصوت طرطقة حذائي تفاعل مع كل خطوة (( حذاء لعين ففيه ضربت مشاعري وفيه قدتها الى الجحيم وفيه وفيه ...)) خلعت هذا الكابوس الحي من قدماي, وغادرت المنزل حافيًّ القدمين .
كان الطقس جميل اذ تجاوبت الرياح مع حرارة الجو الدافئة فكانت رياح ناعمة رقيقة والغيوم أفرغت من جعبتها لون السواد كأنها أغتسلت ثم وضعت لنفسها حاجز بينها وبين الأرض لتمنع وصول دخان الكذب وتلوث البشرية الى خيوطها البيضاء الجميلة بكل بساطة لقد عزفت الغيوم على أوتار الفرح لحن جميل .
وبعد ان قطعت المنزل ببضع اشواط معدودة راودني شعور غريب. شعور غامض أكاد أجهل فحواه, فحاولت قدر الأمكان أكتشاف رموزه, كان هذا الشعور منغلق على نفسه الا ان رائحة الخير تخلصت من عزلته, بينما كنت أحاول تفسير ما يدور في ذهني من مشاعر وأفكار كانت قدماي تتسابقا للوصول الى البستان..., مهلا لحظة ( - لساني امر قدمي بالتوقف -) هذا المكان أعرفه تمام المعرفة ..., هل يعقل ان يكون هو ؟!!, لا لن أتكلم سأكتفي بالمشي والهرولة عسى أستطيع تفادي داء الجنون..., أرتطمت ساقي بجسم غريب فنظرت الى الأسفل فرأيت بوابة البستان المحطمة, ولقد ألتهمت الغبار هيكلها رغم عنها, أو ربما قبلت البوابة ان تجعل من الغبار كساء لها في ليالي الكذب الباردة , لا أدري ماذا حصل ولكن ما كنت أقتنع به هو مسح الغبار عنها لمعرفة ما نقش عليها..., فقمت بذلك وبعد رؤية ما نُقش عليها لم يعد ما كان غامضا بالنسبة لي غامض, فالأمور المعقدة أستسلمت لسذاجة الحظ, لقد كُتبً على البوابة >>مقبرة النسيان<< .
اي لعنة هذه؟ فالبئر الذي دفنت فيه مشاعري كان بجواري طوال الوقت, اي لعنة هذه التي جعلت نظري ينتظر الحظ ليرى البستان,!! بل اي لعنة التي جعلت من قدماي تطوف في أنحاء المعمورة دون أن تقترب من البستان... .
بعد مدة من الوقت أستيقظت لأجد نفسي ملقى على الأرض و جسدي ملطخ بدمائي وفجوة عميقة في رأسي..., واضح ان أعصابي وكالعادة أمام المواقف الصعبة تعمد على خيانتي مما جعل جسدي يرتطم على مجسم البوابة, والأضرار نزيف في الرأس .
أستجمعت ما تبقى عندي من قوة وتابعت المشي الى البستان يرافقني الألم والصداع, أقتربت من الوصول الى البئر فرأيت بعض الأرواح تحلق حوله والبعض الأخر منتشرين في البستان, فتوقفت ليصيبني بعض الهدوء ولكن للأسف سمع هدوئي معظمهم وأقترب مني بعض أرواح قد يتجاوز عددهم العشرين ثم ألتفوا حولي لأصبح نواة لدائرة أرواح وإنبثق من الدائرة أحدهم فأقترب مني وبدأ يدور بسرعة حولي, وزادت سرعته أكثر فأكثر الى ان أختفى الصداع الذي كان يرافقني ثم أختفى معه الروح, ثم فتحت الدائرة من احدى جوانبها مرة أخرى ولكن ما لبثت ان أغلقت من جديد بعد دخول كبيرهم منها فأقترب مني والشعر الأبيض الكثيف منعني من التعرف على ملامج وجهه ثم أقترب أكثر فسألني : ماذا تفعل هنا ؟ وكيف أستطعت الدخول الى هنا فالأحياء محظور عليهم رؤية هذه البقعة من الأرض فأخبرني هيا كيف استطعت الوصول الى هنا ولكن اياك ثم اياك ان تسألني من أنا .
ختم حديثه وانتقل الى مرحلة انتظار سماع الأجوبة مني , فظهر على وجهي ابتسامة ملعونة وأجبته من أنت ! نعم من أنت ...ايها العجوز , ثم تسارعت الأحداث وبدأت الأرواح تدور بسرعة من حولي مطلقة اصوات شبيهة بصوت الذئب فأختفوا كما أختفى كبيرهم شيئا فشيئا وبذهابهم ذهب الخوف من قلبي وذهب معه البؤس من هذا المكان والبوابة التي كانت محطمة انتفضت من جديد والأزهار أنبثقت من داخل الأرض , كل شيء تغير او بالأحرى عاد كما كان قبل ان يغيره القدر ولم يتبقى من مهرجان الفرح هذا سوى البئر وعدد من القبور حوله رفضو الأشتراك في هذا المهرجان , فأقتربت أكثر نحو البئر فرايت روحا جالسة فوق احدى القبور فأقتربت منها أكثر حتى بدا لي تفاصيل وجهه فكان رجل في منتصف العمر تغلب على ملامحه سمات الحزن والهم , فسألته ماذا حل بك ايتها الروح ولماذا لت تطيرين كأصحابك؟!! ونظر اليًّ وكان الكلام يريد ان يتساقط من عينيه قبل فمه وقال : انا يا بني ضحية أقوالهم وللأسف لم أكتشف ذلك الا بعد موتي فلقد أكتشفت ان كنت دمية كبيرة تلعب بها الأصابع الكبيرة في هذا البلد ..., لقد سقطت قتيل الشعارات المزيفة ( حرية – سيادة – استقلال – طائفة ) والأن لا أحد منهم يسأل عني فقاطعته قائلا : وانا لن أسألك أكثر من ذلك وكفاني أحزاني وتابعت السير نحو البئر مباشرة فنظرت اليه وكان الماء ينتفض منه كما كان عندما دفنت مشاعري به انها اللحظة نفسها والموقف القديم نفسه, أعتراني بعض الخوف و الكثير من القلق الممزوج بالشوق لرؤية مشاعري مرة أخرى..., نعم أمتلكني الشوق والحنين لرؤية مشاعري رغم علمي بأنها غرقت في بحر الأموات وسكنت فيه ..., أريد رؤيتها لكن كيف !!! كيف يا ربي..., لم أنته من تساؤلاتي بعد حتى هبًّ نسيم عليل يحمل معه رائحة الموت..., شكرا ايتها الرياح لقد أرشدتني الى الخيار الصحيح..., سأرمي بنفسي في البئر..., سأحاول ضبط أنفاسي لعلي أراها قبل أن أموت وان لم أنجح فيكفيني ان جسدي سيكون رفيقها..., نعم هذا هو الحل للتخلص من الهموم التي لم تفارقني قط ..., هذا هو الحل لأكتفي من خداع نفسي :
فعذرا أحبائي اريد القليل من الصمت هنا :
اريد أن أكلم نفسي
هيا انا اسمعك ماذا تريد مني ايها الساحر؟؟؟
اريد الموت الذي طالما حرمتني منه
ولماذا تريده ؟؟
كي اهرب من سجن الحماقة
عن اي حماقة تتكلم ؟؟
عن شعوب لا تفقه ما معني العروبة
عن قلوب نست قبلتها الأولى
عن رمضان سيأتي للمسلمين قريبا
ولكنه لم يغادر اقصانا منذ عقود طويلة
عن ... وعن ...
لا تحزن لا بدّ ان تعود ؟؟؟
ولمن ستعود ؟؟؟
لشعب سلب منه الكرامة
فأصبح من الكرامة مفقود ؟؟
ام لشعب تناسى الأولويات
بل وضع مشاعره في سجن وقيود
لمن ستعود؟؟؟
لشعب اصبح لحب المال والشهوات عبيد
ف كفى يا نفسي سخرية مني
سيأتي امثال صلاح الدين فلا تحزن ولا تقلق
تبا لماضى نتحدث عليه ونحن نشوهه
تبا لزمان غيًّر الموازين
تبا لحياة جعلت منًّا بعد عز وبطولات
بعد نصر الم وحماقة
تبا لك يا حياتي
حرمتني الموت الذي اعشقه
وتبا لك يا قلمي
دائما تفضح جنوني امام الملأ
نزعت ثيابي عن جسدي وأصبحت عاريا كما ولدتني أمي ووقفت على حافة البئر مرددا :
أنا قادم فلا ترحلي ... أنا قادم فلا ترحلي
ونظرتُ نظرة مفارق للدنيا:
وداعا يا ام الشرور
فالحياة فيك موت والموت فيك حياة
وداعا يا عاشقة القبور
فلقد أحببت من مات وخذلتي من عاشي
أرتفع كعب قدمي وأصبحت واقفا على أصابع قدمي مستعدا للقفز, أردت أن أخذ معي من رحلتي نفس عميق يكون عون لي ثم ..., .
لكن لا , لا اريد ان تنتهي قصتي هكذا , أنا أعلم نفسي جيدا والخوف والجبن للهروب من المشاكل لم تكن يوما من صفاتي...,
دعوني أحاول أن أغيّر نفسي ومجتمعي وان أردتم ان تقولوا عني مجنون أو حالم فدعوني وشأني دعوني على الأقل أحلم...
عنوان الرواية : الألم الضاحك
مقدمة :
في ليلة سوداء لا يعرف النور اين بابها قررت ان أحلق في سماء الحب والعشق فبدأت بحثي عما يطلق عليه بأسم (( الحب الأول )) ومن أجل هذا الهدف ذهبت لأتفقد مشاعري التي دفنتها منذ سنين في مقيرة النسيان
بدأت بلف شريط حياتي الى الوراء لعلي أتذكر مكان المقبرة ..., تذكرت كيف كانت مشاعري تبكي بينما كنت أصطحبها الى مكان دفنها ... , كنت جسدا بلا روح كنت أشبه البشر , نفس الكيان ونفس الهيئة الا أني كنت أفتقد شيئا غير مرئي يجلب لباقي البشر السعادة ... اليوم وفي هذه الليلة السوداء بالذات عرفت ما كنت أفتقده .
كنت أفتقد قلبي الذي ضاع في دوامة الحياة ... بدأت شيئا فشيئا استعادة ذكريات الماضي , ها أنا أتذكر كيف دفنت مشاعري بلا رحمة وأتذكر أحداث ما قبل الدفن .
الجزء الأول : رقصة الموت
وسأروي لكم أحداث تلك الليلة المشئومة , في تلك الليلة بدأت بأختيار الخيوط التي أستخرج منها الكفن حينها سرقت من الشمس خيوطا ذهبية وسرقت من الهواء طعم النسيم وبعد ذلك قطفت من بستان الموت رائحة الشهداء الزكية ثم جمعت العناصر المسروقة بالأضافة الى ما كنت أخبأه من خيوط فضية أهداني اياها القمر حين كان بدرا فلم يريد بعد ذلك ان يظهر في ثوب البدر مجددا , ووضعت جميع هذه العناصر في وعاء يكشف للناظر ما في قلبه ثم خبأت هذا الوعاء في حفرة صغيرة في حديقتي وتعمدت ان يكون الوعاء من دون غطاء ليختلط ما في داخله بمكونات الأرض ... بعد بضع ساعات أخرجت الوعاء من الحفرة وقمت بحياكة الخيوط مع المواد الغريبة المستخرجة من باطن الأرض والتي أمتزجت مع الخيوط فظهر في نهاية الحياكة ثوبا عجزت مخلوقات الأرض على وصفه .
بعد تجهيز الكفن جلست على كرسيّ الهزاز متأملا في الكون وبدأت أختار مكان دفن مشاعري وحينما أخرت مكان الأرض دون ان أسأل نفسي لماذا اريد دفن مشاعري ؟!
لقد كنت بصناعة حفرة ضخمة وتعمدت أن تكون عميقة ثم رميت بدأخلها بعضا من الذكريات المؤلمة ثم رميت بعد ذلك العديد من مظاهر البطش والقتل والتعذيب , بعد ذلك عدت الى المنزل والعجيب بذلك أني لم أشعر بالتعب رغم كل المجهود الكبير الذي بذلته في تهيئة القبر ثم تناولت القليل من الطعام مع العلم أني لم أكن أشعر بالجوع ثم أحسست برغبة قوية لتذوق شرابي المفضل ... لم أكن أبالي بصرخات الألم المتدفقة من مشاعري المحبوسة في غرفة نومي بقدر ما كنت أهتم بتحضير الشراب الذي يستغرق مني بعضا من الوقت, كان الشراب مؤلفا من ثلاثة عناصر أولها قطرات من الماء التي كانت تتساقط من عيني كلما تذكرت أحداث حرق مسجد الأقصى وبعد ذلك اضيف العنصر الثاني وهو قطرات الندى التي كنت أجمعها حين كنت صغيرا وهذا العنصر كان يضيف على الشراب طعم البراءة والطفولة واما العنصر الأخير والأهم كان بضع قطرات من الدم النقي العذب التي كنت أجمعها من عروقي .
بعد تهيئة العناصر وضعتها في كأس ثم وضعت الكأس على الطاولة أمامي وبدأت بالنظر اليها ويدي ساكنة وعاجزة عن التحرك صوبه ... ساعة كاملة من الزمن لم يفارق نظري الكأس ولم أكن أتجرأ أن أتذوق الكأس رغم رغبتي القوية في فعل ذلك والسبب أمتناعي عن الشرب هو فقدان العناصر الأساسية لتكوين الشراب فلم يبق من العناصر سوى الموضوعة في الكأس , والذي كان يؤلمني أكثر من ذلك أنه من الأستحالة أن أجلب هذه العناصر من جديد فأين هي الأمطار التي كانت تتساقط من عيني .! فحرارة الظلام القوية قامت بتجفيف عيني من الماء فأصبحت عيني صحراء قاحلة والسبب الثاني فمن المستحيل أن أعيد الزمان الى الوراء وان أستعملت قطرات الندى التي تتساقط في هذه الأيام فأنها ستضيف على الشراب طعم الحقد والمرارة أما الاخير فلم يبقى في عروقي دم نظيف اذ اختلط به ما تحمله الحياة من قذارة فأصبح لوني دمي أسود .
جلست أتأمل في الكأس اأشربه ام اتركه تذكارا للأيام الجميلة التي اصبحت مفقودة في عصرنا هذا ... قررت في نهاية المطاف أن أشربه فلا أريد ان أخسر طعمه المميز لأحفظه في سجلات الذاكرة , شربت الكأس على نخبة الذكريات الجميلة وأطلقت على الكأس اسم (( كأس الضياع)) , أحسست بعد شرب الكأس بسكرة أغرقتني في النوم بضع دقائق أحسستها ساعات لما ما مر من هواجس في عقلي فيها , لقد رأيت شياطين ترفع أعلام النصر في كل مكان ورأيت جثث الأتقياء والعالمين تذوب في محرقة كبيرة حولها الشياطين يرقصون ويمارسون تقاليدهم عند النصر , كانو يمارسون بعض الحركات الغريبة حول موقد النار وهم شبه عراة ثم فجأة أختفت مظاهر المعركة والأحتفال من عقلي فساد الظلام به ولكن ما خي الا لحظات حتى أضاء في عقلي هواجس جديدة أخرى فلقد رأيت الاخ يقتل أخاه ورايت الدول العربية تتساقط الواحدة تلو الأخرى في مستنقع الاحتلال والعجيب بالأمر أنه كانوا يدمرون بعضهم البعض بما تبقى لهم من مقدرة وقوة , وما هي الا دقائق معدودة حتى أستيقظت من السطرة وكانت عيني تبكي دما لونه أسود ولكن سرعان ما قمت بأخفائه .
ثم ذهبت الى خزانتي وأخرجت منها عبائتي البضاء ولكنني ذهلت مما رأيت فلقد تغير لون العباءة واصبح لونها اسود قاتم , أيعقل ان ظلم البشرية يستطيع ان ينتقل سوادا الى الملابس !!؟
أخذت العباءة وملأت الغرفة بضحكاتي الساخرة من الحياة , أرتديت العباءة وأحضرت حبلا من خزانتي وتوجهت بعد ذلك الى غرفة نومي حيث حبست مشاعري هناك ففتحت باب الغرفة فرأيت مشاعري نائمة كالملاك على سريري لكن سرعان ما قمت بتعليق الحبل حول رقبتها وبدأت بسحبها الى القبر , كانت تتمسك بكل شيء تصل اليه يداها من أثاث المنزل مما أزعجني كثيرا فضربتها ب نعلي على وجهها ففقدت وعيها فورا وبدأت أسحبها وأنا مرتاح لعملي ان مشاعري باتت غير قادرة على المقاومة , وصلت بعد ذلك الى باب الخروج من المنزل ففتحته بحذر وهدوء مع العلم أن المنزل كان مهجورا, ولكن كنت أشعر بخوف من شيء لا أعرفه ولا أراه ولا أسمع خطواته, فتحت الباب برفقة مشاعري المكبلة بالحبال, كانت السماء ملبدة بالغيوم والظلام الدامس الا ان الأرض كانت تضيء بفعل كميات الأمطار الهائلة التي ترتطم بها وبفضل الشرارة البيضاء التي يصنعها الرعد .
في تلك الليلة سحبت مشاعري التي كانت شبه مخدرة بفعل ضربتي القاسية التي تلقتها مني الا ان شدة الأمطار أيقظتها وكنّا على مشارف الوصول الى المقبرة فبدأت تحاول ان تغرس قدمها في الوحل لعلها تستطيع الوقوف الا أن محاولاتها بائت بالفشل والسبب يعود الى أنها لم تستطع ان تلملم شتات قوتها للوقوف وكلما كانت تقترب بالوقوف سرعان ما تنهار ليلتصق وجهها على الطين..., وصلت الى القبر الذي أعددته لدفن مشاعري به فرأيته ممتلئا بمياه المطر ويطفو على سطح القبر ما رميته من ذكريات المؤلمة والغريبة اني لم ار مظاهر القتل والبطش والتعذيب فأدركت انها تحللت في التربة, بصراحة كان مظه ر عجيب فأحترت ما أفعل ... الا أنني اقتنعت بفكرة رمي مشاعري في القبر رغم وجود الماء , لأنه لم يكن لدي أختيار أخر , فذلك المخلوق الذي لا أعرفه ولا أراه ولا أسمع خطواته كان يرعبني ... .
في تلك الليلة وبالقرب من القبر , بحثت عما يشبه الكوب في الطبيعة فلم أعثر على شيء يماثله, ولكني خلعت حذائي وبدأت أسكب الماء بواسطته من القبر على جسد مشاعري لأزيل ما التصق عليه من وحل وأوساخ, ثم جعلت مشاعري ترتدي الكفن ومن الواضح انها كانت لا تبدي اي ردة فعل مفاجئة فأرتدت الثوب بكل هدوء لأنها كانت تعرف ان مصيرها محسوم وهو الموت ولقد أصبحت تتشوق الى معرفة اي نوع من العذاب سوف تلاقيه مني .
في تلك الليلة وأمام القبر ألتقت نظراتنا في بعضها البعض, ألتقت نظراتنا بعد فترة طويلة كنت فيها أجتنب حدوث هذا اللقاء, في تلك اللحظة الغيوم حبست أمطارها وصوت الذي يحدثه البرق توقف, كان كل شيء ساكن ما عدا صوت الضفادع كان يخترق الهدوء بين الفينة والأخرى, ألتقت نظراتنا وبات الحديث يقتصر على كلام العيون, كنت أفهم ما تقول دون ان تنطق هي بأي كلمة , كانت تبكي دون أن يتساقط من عيونها الماء وكانت مجروحة دون ان ينذف الدماء من جروحها , عيناها البريئتين كانت تشتكي عن قساوتي وكانت تسألني وتقول : لم تكن كذلك ؟! اأنت من تفعل ذلك ؟ الم أكن حضنك الدافي وسبيلك للتخلص من الحزن , لقد سألتني عدة أسئلة ولكني لم أكن اشاركها في الحديث كنت مشغولا في النظر الى حبتين من لؤلؤ كانت محفورتان في وجهها الطفولي, سرحت بضع ثوان أحسستها ساعات ثم تمالكت نفسي وأحضرت صخرة كبيرة ربطت الحبل بها من جهة ومن جهة أخرى ربطت مشاعري ثم نظرت الى مشاعري للمرة الأخيرة وقد قذفت بالصخرة الى القبر وبتلك العملية بدأت مشاعري بالسقوط داخل القبر وهي تصرخ ..., لن أستطيع نسيان تلك اللحظة ففيها تمت عملية الفراق ..., أختفت من ناظري شيئا فشيئا حتى وصلت الى قعر القبر ولم تترك لي سوى بضع فقعات ظهرت على سطح القبر.
وداعا يا مشاعري, وداعا والى الأبد ..., بتلك الكلمات ودعت مشاعري ثم أنهيت المهمة وعدت للبيت سريعا لأني كنت أخاف من ذلك المخلوق الذي لا اعرفه ولا اراه ولا أسمع خطواته .
الجزء الثاني : بقعة ضوء
هذه الكتابة تجسد ولو بشكل مختصر ما جرى في تلك الليلة المشئومة من أحداث .
ومرت السنين ..., ولا شيء في حياتي تغير سوى أني اصبحت وحيدا بلا قلب ولا مشاعر , أصبحت وحيد أحارب هذه الحياة أًبحت أعزل السلاح فلقد ضاع قلبي في دوامة الحياة ودفنت مشاعري, وما تبقى عندي من طموح وأمل قد سرقه مني الشياطين ..., بقيّت حالي على ما هي عليه حتى أتت المعجزة ففي هذه الليلة السوداء لمحت في الأفق البعيد ملاك ..., بل أجمل من الملاك , رأيت فتاة تخطف الأضواء والأبصار, رأيتها قادمة من السماء وكانت تسحب النور والخيرات خلفها..., اأنا أحلم ؟ فأن كنت كذلك فأتمنى أن أستيقظ من هذا الحلم أبدا , ولكن سرعان ما تذكرت اني منذ ما دفنت مشاعري حكم علي القدر بالحرمان من الاحلام والعيش أبد الدهر في الظلام, اذا لم أكن أحلم فما رأيته حقيقة ..., انها كالشهب بل أكثر اشراقة منه , تخترق الظلام ب ابتسامة, أيعقل انه يوجد وسط القهر والظلم من يبتسم !!؟ أيعقل ان من سجن الظلام من ينير الكون! اسئلة كثيرة طرحتها لكي أجبر نفسي على الرد عليها, وكان جوابي نعم ولكن بصوت لم يصل الى أذني ثم قلت نعم , نعم , نعم ... حتى ظن الجميع انني فقدت عقلي .
في تلك اللحظة عادت الفتاة تحلق في السماء ولكنها تخبىء بيديها الناعمتين شيئا..., انها تقترب أكثر فأكثر, نظرت من حولي فلم أرى غيري , وقبل ان أقوم بأي ردة فعل كانت صوبي وقالت لي بصوت عذب لو سمعه عطشان لأرتوى , قالت انا ذلك المخلوق الذي لا تعرفه ولا تراه ولا تسمع خطواته , وقبل ان أتفوه بأي كلمة وضعت يداها على فمي وقالت : لا تخف مني ثم تركت لي فرصة للكلام ولكني في تلك اللحظة كنت ما زلت متأثرا بيديها التي لامست وجهي وكم تمنيت أن تبقى , وسرحت بأفكاري ولكنها سرعان ما قاطعتني وقالت : لقد أحضرت لك مفاجئة صغيرة, مفاجئة أنا متأكدة انا لم تكن بالنسبة لك في الحسبان , لقد أحضرت لك قلبك الذي ضاع منك في دوامة الحياة, وأنهت حديثها بالقول : هذه هي المرة الثانية التي تراني بها وسأعود مرة أخي ساكون الاخيرة التي تراني بها قبل بدء رحلتك , ثم لامست أناملها وجهي وقالت : ستفقد الوعي الان ولكن عندما تستيقظ فكّر في كل كلمة قلتها لك .
في اليوم التالي أستيقظت بعد صراع عنيف مع الكسل, وسرعان ما تذكرت أحداث ليلة أمس وبحركة لاشعورية وضعت يدي على صدري لأتفقد قلبي فذهلت لأني لم أشعر بقلبي ينبض فهرولت كالمجنون نحو الشرفة فرأيت قلبي وضع على وبعناية فائقة على وسادة مريحة,عندها أخذت نفسا عميقا وغطست في بحر الفرح والسعادة . أقتربت من قلبي لأحضنه وأخبره عن وحدتي التي لم تفارقني يوما ولأخبره ما فعله جسدي القاسي لمشاعري الرقيقة ..., أقتربت صوبه فذهلت مما رايت , قلبي ساكن لا يتحرك ولكن لم ابالي بالأمر لأن جوارحي كانت تنطق شوقا لرؤية الفتاة مرة أخرى , وها هو الذي لم يكن في الحسبان حدث ...,
ومرت أكثر من ثلاثة ايام وكان جسدي يرفض ان ينام فهو متلهف لرؤية ملاك الرحمة الذي أدخل الى جسدي من بعد الرعب والخوف السلام والأمان
في الليلة الثالثة سهوت قليلاً لما اعانيه من ضعف في الجسد وقلة في الراحة فأرتخيت على الكرسي الهزاز وتركت عيناي تتمرجحان بين النوم والصمود ضد النوم
استطاع النوم ان يدخلني في ثبات, أستغرق 15 دقيقة ثم ما لبس ان تلاشى وكانت المفاجأة, كانت الفتاة أمامي يداعب الريح شعرها ألناعم وبكل رقة أقتربت مني وبحركة سحرية وضعت يدها الناعمة على جبيني وقالت : أسفة , لقد تأخرتٌَ عليك ثم ذهبتٌ الى المكان ما وضعت قلبي وحملته برفقة كما تحمِلُ الأم فلذة كبِدِها, وألقت عليا قبلة سريعة أعادت له نبضه وأعادت له الحياة بكل ما تحمله من أمل وسعادة وأنتعاش ثم وضعت ورقة ذهبية بجانبه وأختفت .
هذا هو اللقاء الأخير , هل أنتهى كل شيئ؟
افكار جنونية دارت في ذهني وأقتربتُ من الورقة لأتفقد محتواها …..
الحسرة والألم لفراق الفتاة أسقطني على الأرض كما يسقط الرجال العجوز عندما يفقد عصاه التي تسنده,سقطتُ على الأرض ولكن الألم لم يسقط من عيني فتابعت الوصول الى الرسالة زحفاً,….
عند وصولي وضعت يدي على الطاولة لتساعدني على الوقوف ثم بصرخة يا رب جمعت قواي ووقفت وأخذتُ الرسالة ....,مهلاً ماذا يحدث شيء غريب يتحرك بهدوء في صدري وضعتٌ يدي فعلمت أن قلبي عاد لي , ااااه كم أفتقدك اااه كم أنا محتاج اليك, ولله لن يعادل فرحتي بعودتك سوى عودتي مشاعري لي ولكن هيهات لها العودة, فلقد دفنتها بيدي ,فنظرتُ الى يدي نظرة سوء فوجدتٌ الرسالة التي نسيتٌ فتحها لفرحتي بعودة قلبي لي .....,
فتحتٌ الرسالة فبدأتٌ أقرأ كل حرف كتب بها وعيني أندهشت فيما رأت في جوف الرسالة فلقد كٌتِبَ في العنوان بلون الدم القاتم "لا حياة دون مشاعر" أخافني الموت والرعب سرعان ما خف ثقلهٌما بعد ما قرأت في أسفل الرسالة أسم الفتاة الغامضة عند خانة التوقيع.....,
أحساس غريب راودني وسؤال كبير خطر في ذهني وهو: ماذا تريد مني تلك الفتاة وان كانت تريد ان تترفق بي كما تدعي فلماذا تكتب لا حياة من دون مشاعر!هل ستأخذ حياتي لأنني دفنت مشاعري؟؟.....,أسئلة كثيرة طرحتها على نفسي وتمنيتٌ أن أجد جواباً لها في مضمون الرسالة....,
تناولت الرسالة وبدأت قراءتها بصوت عالي لأبعد الخوف الذي أصابني في عنوان الرسالة, قرأتُ الرسالة بتمعن شديد مع الكثير من الحذر والترقب من المستقبل القريب ....,
سقطت الرسالة من يدي ...., جسمي يرتعشٌ, وعيناي ساكنتان,وتمتة غريبة أصدرها لساني...,وجهي تحول الى كرة صفراء, جسمي كله يرتعش, وصوت الطرطقة لم يفارق اسناني,فُتحت يدي من تلقاء نفسها وسقطت الرسالة الذهبية مباشرة على الأرض,لم استطيع أن أتمالك نفسي, فالصدمة الذي أحدثه مضمون الرسالة لا يستطيع كائن حي على تحمله, مرت خمسة دقائق كنت فيها جسد أو بالأحرى كنت قطعة فنية جامدة لا تتحرك,كل شيئ كان غامض بالنسبة لي بات كالسهام يمزق ذاكرتي المشوشة, سكرات الماضي استيقظت وبدأت تدب الرعب في ذهني,حتى الحسرة على فقدان مشروبي المفضل عادت لتمزق قلبي ,مرت هذه الدقائق وكنت قطعة فنية من الخارج ولكن في الداخل براكين تفور وحمم تقذف في كل مكان,اجواء شغب وفيضانات وزلازل وكوارث عديدة أصابت جوهر كياني وتركت المظهر جامداً بلا حراك...,
رسالة ويا لها من رسالة, رسالة تحمل في جوفها ألغاز وغموض يعجز أحد من البشر على فك رموزها وتحرير غموضها..., اخذتُ الرسالة المرمية على الأرض مستخدماً خفة يدي وبدأتُ اقرا الرسالة من جديد:
لا حياة بلا مشاعر
- لم ينتهي شيئاً بعد إٍعلم أن الأمل موجود ما دام قلبك مستمر في الخفقان, والقيود التي تكبلك مفتاحها في جيبك, والكوابيس التي ترافق أخلامك انت من تغذيها بأوهامك
توقفتُ عن القراءة لشعوري بالعطش الشديد ومن المؤكد سببه ذالك الغموض الذي تزوقته في المقطع الأول من الرسالة....,شربتُ الماء لكنه لم يؤدي مهمته ولم أشعر بالأرتواءٍ,فأدركتٌ أن هذا العطش عبارة عن منزل مليئ بالأشباح ولن أرتوي حتى أجد المفتاح الذي بأمكانه إدخال النور على المنزل, حملتٌ الرسالة من جديد وسافر بصري فوراً إلى المقطع الثاني وبدأتٌ بالقراءة:
لا تحمل على نفسك ذنباً لم تقترفه يداك, فالقدر خطف حبيبتك فلسطين, لا لتستسلم وترمي سمات العروبة والنصر الى التهلكة بل قوة وعزم على تحمل الظلم وقهره.
-سأختم رسالتي بنصيحة وهي لا تتفاجأ كثيراً بما قلته لأن الخافي أعظم, والدهشة التي تصيبك الأن مهما تكن شدتها ليست سوى قطرة ماء وسط محيط من المفاجأت والعجائب التي ستكتشفها في القريب العاجل.
توقفت شفاهي عن التحرك وأصبح كل عضو من جسدي خامل وعاجز عن الحراك ..., لحظات هدوء وسكينة عمت المكان , والقلق أستطاع ان يتسلل الى اعماقي.., ماذا ينتظرني بعد؟ سؤال أحتل الصدارة في سباق الأسئلة الى ذهني المشوش, بدأت الدنيا من حولي تدور... كل أثاث
المنزل يدور حولي ... ثم أختفى كل شيئ.
الجزء الثالث : لقاء اخر
في اليوم التالي شعرت بصداع شديد ساعة النهوض , ووجدت نفسي حيث تركها الظلام ملقاة على الشرفة ..., إبتسامة رقيقى وخبيثة ظهرت على شفاهي, لقد أسكرتني أحداث الأمس , لقد تذوقت الخمر من كأس الحياة..., ثم بعد عناء وجهد بذله جسمي للتخلص من ثباته تركتٌ قدماي ترسلاني الى النبع القريب من منزلي لعلي ارفع قليلا من معنوياتي او أسترجع قليلا النشاط والحيوية الى جسمي الهزيل, سارت بجنون قدماي والنسيم البسيط كان يتراقص مع جسدي وجعلته يتمايل كما تتمايل السنابل في أوج نضارتها ..., وصلت الى النبع وتركت جسدي يُلقي بنفسه في النبع بعد أن جردته من ملابسه..., وبعد أشباع جسدي حاجته من الأنتعاش شعرت بروح الصحوة والنشاط فجلست على صخرة قبالة النهر وبدأت أفكر بطريقة عقلانية لعلي أحاول ان أواكب سرعة الأحداث ..., لا شيء يُصدق , الحياة كلها أكاذيب... المرأة التي وقعت في حبها كذبة , وإيجاد المقبرة كذبة أخرى حتى الأمل الذي ترعرع في جسدي منذ صغري لرؤية الأقصى حرة كانت كذبة كبيرة ..., ولكن أين الحل ...,لا بٌدّ من إيجاد حل بدأتُ أسترجع الأحداث في ذاكرتي وبدأت من نقطة الصفر أي من حيثٌ دفنتٌ مشاعري, تسارعت الأحداث (تحضير الكفن- تهيئة القبر- شراب المفضل- المرأة الغامضة والرسالة)
كل هذا مجرد خيال أو حلم لعين , قلبي مسكين ومشاعري ضائعة وجسدي أرتوى منذُ صغره القساوة .
حملتُ كل ما لَديَّ من هموم وأفكار جنونية ثم عدتُ بها الى المنزل وحين وصولي جلستُ على كرسيِّ الهزاز تاركاً أفكاري تحلق في سماء الهموم والمشاكل..., ماذا ينتظرني بعد؟؟ لا بدّ أن أكتشف ذالك بنفسي, ولكن كيف؟ لنعيد الزمان الى الوراء ...., لأشرب كأس الضياع مرة أخرى رغم قذارته وطعمه الذي يفيض بالمرارة...., قمتُ بتحضير الكأس ولكن بنكهة جديدة والمكونات أختلفت إذ أستبدلتُ قطرات الماء التي كانت تتساقط من عيني كلما تذكرتُ أحداث حرق مسجد الأقصى بقطرات الغضب التي كانت تتساقط من عيني عندما أرى الشهداء يتراقصون على أكتاف إخوانهم (( عرس الشهادة )) وإستبدلتُ قطرات الندى بقطرات ندى التي تتساقط في أيامنا والتي أصبحت تضفي طعم الغدر في الشراب كما إستبدلت قطرات الدم النضيف بقطرات من الدم المؤلم والملوث .
ضحكاتي ملأت كياني وصداها ملأ البيت العتيق..., الشراب مٌظلم ولونه يشير إلى الشر , ومن دون أي تفكير شربتُ بجرعة واحدة فإن كان الشراب مميت فأنا ميت وإن كانًّ يغرقني في سبات عميق فهذا جلُّ ما أتمناه ...,شعور رائع ها أنا أشعر بالموت يصارع جسمي ..., شعور رائع فالموت أستجاب أخيراً لدعواتي هاأنا أشعر بالأبر ووخزاتها التي إنطلقت من أخمص قدمي لتتابع طريقها نحو الركبة ثم الدر ثم إنتقلت إلى رأسي لترسم على شفاهي إبتسامة ناعمة رقيقة ثم إنتهى كل شيئ.
نور غريب يضايقني ويمنعني من الخلود مع عالم الأموات ...,فدعني وشأني
ف ماذا تريد منّا ايها الموت السقيم
هيا أقتلنا لا تعتبرنا مساكين
ارمِ علينا غضبك, فبغيرك لن نستعين
نحبك ! نعم نحبك فهيا
هيا إبعت علينا نار جحيم
لن ترانا غاضبين
لن ترانا خائفين
فالحياة أقتلعت من أجسادنا طعم الخوف
لم نعد نشعر بنكهة القهر والأنين
ها نحن نستقبلك مرحبين
نستقبلك بسعادة فنحن لك مبتسمين
اين كنت؟!
اين كنت ايها الموت السقيم
إني كنت أنتظرك طوال هذه السنين
أشتقت اليك حتى تدفقت مني مشاعر الحنين
ها أنا أسمع صوتك...,
صدى خطواتك
تقترب وتقترب وتدق بابي
وأخيرا أتيت لقد طال أنتظاري
لقد سهرت لأنتظارك الليالي والليالي
فمرحبا بك ايها العزيز الغالي
هيا خُذ روحي ..., خذها الان
وأنتشلني من هذا الزمان
مهلا لماذا تبتعد؟
بربك لا تقل لم يحن الأوان
ارجوك عد اليّ
ارحني من بني الأنسان
ف بطشك في نظري مصدر الحنان
وقسوتك تنعشني ... تبعث في قلبي الامان
اما هم ... ,
ابتسامتهم نحوي غضب وظلام
وكلامهم لكرمك يعتبر حرمان
ف هيا تعال ... تعال ايها الموت السقيم
لأجلك سأكتب أجمل الألحان
تعال لتنقذني من دائرة الأحزان
لأجلك ستتدفق مني اروع الأنغام
اروع العبارات وأعظم الكلام
فتعال حين يحل عندي الظلام
وارمي بهدوء عليًّ السلام
ثم مزق جسدي بما تملك من سهام
رحل الموت بعيدا والنور لم يرحل بعد : دعني وشأني لا أريد من الحياة شيئا كفاني قهر ... حرام عليك دعني وشأني ... هيا اذهب الى عشاق الحياة الى جبناء الامة... هيا اذهب للذين يحملون الهوية العربية دون ان يخلصو لها ... هيا أذهب لهم ودعني ارقد هنا بسلام ... دعني اريد ان أسمع قصص الشهداء ... اريد ان أعبر لهم عن مدى أشتياقي لهم ... دعني أحلق فوق مسجد الأقصى لأبارك لكل شهيد يسقط من أجله ... دعني لا أريد أن أعود ... كيف تريدني أن أعود وفي عالمك خونة ؟ كيف اعود وفي أرضك من يغتصب أمي ويدنس أرضي ويتسلى في حرق مسجدي ... دعني وشأني ... ألا يكفيك ما فعلته بي؟ لا حياة لا مشاعر لا أمل.
النور زاد من قوته وبدأ يخترق جبهتي ورغم عني سمحت له بالدخول والصورة التي كانت مشوشة أصبحت واضحة فرأيت نفسي على الأرض والكأس الذي شربت منه رأيته شظايا متناثرة حولي... وما هي الا لحظات معدودة حتى طُرق الباب..., دون أن أسأل نفسي من الطارق رغم انه لا أحد يعرفني قمت وفتحت الباب لأرى الفتاة الغامضة من جديد..., ومن دون استئذان دخلت الى المنزل ونظفت الأرض من الزجاج المكسور ثم بخفة مسحت ما تعلق في ثيابها من غبار ثم ذهبت وأحضرت كرسي ووضعته مقابل كرسيّ الهزاز وجلست عليه وبحركة مصطنعة أشارت عليَّ ان أجلس فقمت بذلك وعلامات الدهشة كانت واضحة على كياني ... سألتني بكل رقة ماذا تريد ان تشرب ؟ ثم ارتفع صوتها وقالت ماذا تريد ان تشرب بعيدا عن السم الذي كنت تتناوله ؟
دقائق مرت ولم أنطق بشيء فبادرت هي قائلة : لا تريد ان تشرب شيئا انت حر ولا اريد ان ارغمك على شيء , هيا أخبرني كيف حالك وما هي مشاريعك المستقبلية ؟!! . زادني السؤال دهشة وغرابة اذ هي تعلم ما اعانيه من يأٍس فلماذا تسألني هذه الأسئلة السخيفة ؟إلى اين تريد ان تصل بهذه الأسئلة ؟ أجبتها مكتفيا بقول لماذا عدت؟ وماذا تريدين مني بالتحديد ؟ وأنهيت سؤالي بعلامة غضب مصطنعة ..., أجابت : انا هنا لأجلك ورافقت اجابتها ابتسامة رقيقة تسحر القلوب لشدة روعتها ..., ماذا أفعل ..., تظاهرت بالغضب وصرخت قائلا: إسمعي لا ينقصني الغاز وان كنت قادة لخير فلماذا قلتِ "لا حياة من دون مشاعر" ..., صدقا لم أعد أحتملك ... دعيني وشأني وكالعادة أنهيت كلامي بعلامة غضب مصطنعة ..., أما ردها لم يختلف كثيرا واذ بكل برودة أعصاب قالت : لا تجيد التصنع وقناع الغضب الذي تضعه هذه اللحظة لا يليق عليك ! هيا أخلعه ودعني القي عليك ما جئت لأجله...,أخذتُ نفسا عميقا لأخفف من هذا التوتو وقلت بعد ما أصابني نوع من لهفة الأنتظار: ها أنا أسمعك تفضلي..., - اسقطت المعطف كما تتساقط الأوراق في أوج الخريف, وعلقته بهدوء ثم عادت لتجلس من جديد على مقعدها..., وبعد أن تأقلمت في الجلوس واضعة قدمها اليسرى على شقيقتها قالت : من أنت !؟ صدقا لم أعد أعرفك! أنت الذي تدرك أن مشاعرك وهبتك حب الجهاد أم أنت الذي بم تعد تبالي بمصير الأمة وأصبح همك الموت ؟؟ لم أكن أتصور أنك في يوم من الأيام ستترك الباب مفتوحا أمام الموت لرتاح من الدنيا فقط, اين الشاب الذي أعرفه؟ ذلك الفتى الذي أهدى حياته للجهاد وذلك الفتى الذي كلما رأى أم صابرة تحت الحصار يعدها بالنصر ويؤازر وحشتها بالصبر , ذلك الفتى الذي ان احب شيئا أخلص له وان مسه سوء شكر ربه... اين ...., هل تعلم لا أريد ان أطيل عليك في الكلام ولا أريد ان أشعر ان كلامي لا يجد أذان صاغية له ...,تعلم لا اريد ان أملي عليك ما تفعل لكني أتمنى منك أن تجعل من الأمل بوابة العبور الى غد أفضل .
في تلك اللحظات وبينما هي تتكلم كنت أصغي اليها لدرجة إني أغمضت عيني تحسبا من أن تلهيني من الأستماع , وعندما أنهت حديثها نظرت من حولي فلم أجدها ..., عجبا على هذا المخلوق لم تتخطى مدة انهاء حديثها والنظر من حولي ثوان معدودة فأين أختفت ؟!! أو بالأحرى كيف أختفت!!
النهاية : روعة الحرية
معالم الدهشة سرعان ما انهارت لأنني أصبحت أدرك انني أعيش في عالم غريب فالحق فيه عار والصدق عيب والكراهية والعنف هما الصفات السامية والأمور التي تأخذ مجراها الصحيح نادرة والأمور الخبيثة هي الحق ذاته ..., أصبحت أدرك ان حواس الأنسان لا تكفيه لمواكبة الحياة فالأنسان يجب ان يكون له عينين في واجهة رأسه ليرى أمامه وثلاثة عيون من خلفه ليتجنب الغدر , والأنسان لا تكفيه أذناه فهو لا يستطيع من خلالهما ان يسمع الأكاذيب التي يتداولها أهل السوء عنه .
أصبحت أدرك ان من يقاوم دفاع عن ارضه إرهابي حقير يجب ان ينال عقابه جراء هذه الجريمة فمن العار ان تدفاع عن الحق والغاصب الذي يُهدّم البيوت على أهلها هو البطل الهمام الذي يجب علينا أحترامه ونقدسه..., أفكار كثيرة راودتني في تلك اللحظة تمنيت لو أجمعها في صندوق وأغلقه مدى الحياة..., أفكار كثيرة جعلت رأسي يشعر بالدوار فذهبت الى المطبخ وسكبت القليل من عضير الليمون في فنجان وشربته مستمتعا بنكهته, فهو على الأرجح الوحيد الذي حافظ على طبيعته ولم يٌغير من هويته ومذاقه, شعرت بالقليل من الأرتياح بعد شرب العصير وقررت أن أخرج ولو قليلا من بؤس هذا البيت فتذكرت في تلك اللحظة ... تذكرت مكان كنت أذهب اليه عندما كنت صغيرا , كان عبارة عن بستان جميل يتوسطه بئر قديم ..., قررت ان أذهب الى ذلك المكان لأتفقده ولكي أهرب من وحشة البيت وظلامه ولأنعم بالقليل من الهدوء والسكينة والراحة ..., حينها قررت أن أفتح غرفتي القديمة لكي إطلق على هذا اليوم "يوم الذكريات" . ذهبت لأتفقد ما بداخل هذه الغرفة التي عاشت أكثر من عشرة سنوات في الظلام .
صعدت على السلالم وكم تمنيت لو أحلق الى باب الغرفة...,وقفت أمام الباب وأخرجت من جعبتي سلسلة مفاتيح لعل أكثرها حداثة صُنع قبل 5 سنوات أخذت مفتاح الغرفة الذي تميز عن غيره فهو الوحيد الذي الذي استطاع ان يصير مع نكهة الليمون وبالتالي الحفاظ على لونه الذهبي ...., ثم بدأت أفتح باب الغرفة قليلا فرأيت صندزق قديم أكلته خيوط العنكبوت, ثم أكملت فتح الباب قليلا فظهر لي صورة للكعبة وحولها الناس يطوفون , ثم فتحت الباب ايضا قليلا فرأيت صورة أخرى وهو مسجد الأقصى بجانبه قبة النصر ثم فتحت
الباب بأكلمه فأول ما لفت أنتباهي ثياب جدي القديمة من بنطال وكوفيه وبجانبها مصحف أثري..., دخلت الغرفة وأتجهت نحو الصندوق لأكتشف ما بداخله فلقد خانتني ذاكرتي في معرفة ما بداخله, ولا ألومها اذ ان ذاكرتي نسيت مكان المقبرة التي صنعتها منذ سنوات معدودة فكيف لها ان تتذكر ما بداخل الصندوق الذي لم أفتحه منذ صغري ؟!..., كان الصندوق مقفلا وأستخدمت كل ما أملك من مفاتيح الا ان جميع محاولاتي بائت بالفشل مما دفعني الى كسر القفل ثم فتحت الصندوق فرأيت بداخله قطعة من قماش احمر اللون عليها يوجد مفتاح الصندوق, من الواضح انني عندما كنت صغيرا قررت ان أمنع نفسي من فتح الصندوق مستخدما هذه الوسيلة..., ولكن لماذا؟! رفعت الغطاء الأحمر فرأيت أسفله مجموعة متبعثرة من الأوراق بجانبها رصاصة نُقش عليها " ك.ف.ا.ح " فأخذت هذه الرصاصة بكلتا يديًّ وقبلتها كما يُقبل الطفل جبين أمه ثم وضعتها في جيبي, ثم جمعت الأوراق المتبعثرة لأتصفح فحواها, ( رسالة الى مسجدي – امتي- حائر انا – اشتقت اليك ) عناوين كثيرة منقسمة ما بين نصوص وخواطر ومتحدة فيما بالأصالة اذ ان كل فرد منها يحمل بين سطوره النفحة الجهادية ويتدفق من كلماته سمات العروبة, عناوين عدة تتفق تحت شعار واحد وهو شعار النصرة والأنتصار ..., قرأت العديد منها مما دفعني الى تذكر الكثير عن طفولتي مما دفعني الى اطلاق الضحكات الحزينة ثم البكاء مطولا على كل شيء , على الأطفال الذين اصبحو من عداد القتلى – على الشيوخ وألسنتهم التي أخرستها مدفعية الصهاينة – على الأمهات التي تحولن بين ليلة وضحاها الى ثكالي وأرامل ..., على عمري الذي ضاع بين حب الأرض وحب المال ... .
أغلقت الصندوق وخرجت من الغرفة ومنعت نفسي أن تتجاوب مع المشاعر , فأغلقت مدخل الوصول الى ذهني مع أغلاق باب الغرفة..., تابعت السير حيث للمرة الأولى كان وجهة سيري معروفة ( البستان) فغادرت الغرفة ونزلت على السلالم المكسورة,وصوت طرطقة حذائي تفاعل مع كل خطوة (( حذاء لعين ففيه ضربت مشاعري وفيه قدتها الى الجحيم وفيه وفيه ...)) خلعت هذا الكابوس الحي من قدماي, وغادرت المنزل حافيًّ القدمين .
كان الطقس جميل اذ تجاوبت الرياح مع حرارة الجو الدافئة فكانت رياح ناعمة رقيقة والغيوم أفرغت من جعبتها لون السواد كأنها أغتسلت ثم وضعت لنفسها حاجز بينها وبين الأرض لتمنع وصول دخان الكذب وتلوث البشرية الى خيوطها البيضاء الجميلة بكل بساطة لقد عزفت الغيوم على أوتار الفرح لحن جميل .
وبعد ان قطعت المنزل ببضع اشواط معدودة راودني شعور غريب. شعور غامض أكاد أجهل فحواه, فحاولت قدر الأمكان أكتشاف رموزه, كان هذا الشعور منغلق على نفسه الا ان رائحة الخير تخلصت من عزلته, بينما كنت أحاول تفسير ما يدور في ذهني من مشاعر وأفكار كانت قدماي تتسابقا للوصول الى البستان..., مهلا لحظة ( - لساني امر قدمي بالتوقف -) هذا المكان أعرفه تمام المعرفة ..., هل يعقل ان يكون هو ؟!!, لا لن أتكلم سأكتفي بالمشي والهرولة عسى أستطيع تفادي داء الجنون..., أرتطمت ساقي بجسم غريب فنظرت الى الأسفل فرأيت بوابة البستان المحطمة, ولقد ألتهمت الغبار هيكلها رغم عنها, أو ربما قبلت البوابة ان تجعل من الغبار كساء لها في ليالي الكذب الباردة , لا أدري ماذا حصل ولكن ما كنت أقتنع به هو مسح الغبار عنها لمعرفة ما نقش عليها..., فقمت بذلك وبعد رؤية ما نُقش عليها لم يعد ما كان غامضا بالنسبة لي غامض, فالأمور المعقدة أستسلمت لسذاجة الحظ, لقد كُتبً على البوابة >>مقبرة النسيان<< .
اي لعنة هذه؟ فالبئر الذي دفنت فيه مشاعري كان بجواري طوال الوقت, اي لعنة هذه التي جعلت نظري ينتظر الحظ ليرى البستان,!! بل اي لعنة التي جعلت من قدماي تطوف في أنحاء المعمورة دون أن تقترب من البستان... .
بعد مدة من الوقت أستيقظت لأجد نفسي ملقى على الأرض و جسدي ملطخ بدمائي وفجوة عميقة في رأسي..., واضح ان أعصابي وكالعادة أمام المواقف الصعبة تعمد على خيانتي مما جعل جسدي يرتطم على مجسم البوابة, والأضرار نزيف في الرأس .
أستجمعت ما تبقى عندي من قوة وتابعت المشي الى البستان يرافقني الألم والصداع, أقتربت من الوصول الى البئر فرأيت بعض الأرواح تحلق حوله والبعض الأخر منتشرين في البستان, فتوقفت ليصيبني بعض الهدوء ولكن للأسف سمع هدوئي معظمهم وأقترب مني بعض أرواح قد يتجاوز عددهم العشرين ثم ألتفوا حولي لأصبح نواة لدائرة أرواح وإنبثق من الدائرة أحدهم فأقترب مني وبدأ يدور بسرعة حولي, وزادت سرعته أكثر فأكثر الى ان أختفى الصداع الذي كان يرافقني ثم أختفى معه الروح, ثم فتحت الدائرة من احدى جوانبها مرة أخرى ولكن ما لبثت ان أغلقت من جديد بعد دخول كبيرهم منها فأقترب مني والشعر الأبيض الكثيف منعني من التعرف على ملامج وجهه ثم أقترب أكثر فسألني : ماذا تفعل هنا ؟ وكيف أستطعت الدخول الى هنا فالأحياء محظور عليهم رؤية هذه البقعة من الأرض فأخبرني هيا كيف استطعت الوصول الى هنا ولكن اياك ثم اياك ان تسألني من أنا .
ختم حديثه وانتقل الى مرحلة انتظار سماع الأجوبة مني , فظهر على وجهي ابتسامة ملعونة وأجبته من أنت ! نعم من أنت ...ايها العجوز , ثم تسارعت الأحداث وبدأت الأرواح تدور بسرعة من حولي مطلقة اصوات شبيهة بصوت الذئب فأختفوا كما أختفى كبيرهم شيئا فشيئا وبذهابهم ذهب الخوف من قلبي وذهب معه البؤس من هذا المكان والبوابة التي كانت محطمة انتفضت من جديد والأزهار أنبثقت من داخل الأرض , كل شيء تغير او بالأحرى عاد كما كان قبل ان يغيره القدر ولم يتبقى من مهرجان الفرح هذا سوى البئر وعدد من القبور حوله رفضو الأشتراك في هذا المهرجان , فأقتربت أكثر نحو البئر فرايت روحا جالسة فوق احدى القبور فأقتربت منها أكثر حتى بدا لي تفاصيل وجهه فكان رجل في منتصف العمر تغلب على ملامحه سمات الحزن والهم , فسألته ماذا حل بك ايتها الروح ولماذا لت تطيرين كأصحابك؟!! ونظر اليًّ وكان الكلام يريد ان يتساقط من عينيه قبل فمه وقال : انا يا بني ضحية أقوالهم وللأسف لم أكتشف ذلك الا بعد موتي فلقد أكتشفت ان كنت دمية كبيرة تلعب بها الأصابع الكبيرة في هذا البلد ..., لقد سقطت قتيل الشعارات المزيفة ( حرية – سيادة – استقلال – طائفة ) والأن لا أحد منهم يسأل عني فقاطعته قائلا : وانا لن أسألك أكثر من ذلك وكفاني أحزاني وتابعت السير نحو البئر مباشرة فنظرت اليه وكان الماء ينتفض منه كما كان عندما دفنت مشاعري به انها اللحظة نفسها والموقف القديم نفسه, أعتراني بعض الخوف و الكثير من القلق الممزوج بالشوق لرؤية مشاعري مرة أخرى..., نعم أمتلكني الشوق والحنين لرؤية مشاعري رغم علمي بأنها غرقت في بحر الأموات وسكنت فيه ..., أريد رؤيتها لكن كيف !!! كيف يا ربي..., لم أنته من تساؤلاتي بعد حتى هبًّ نسيم عليل يحمل معه رائحة الموت..., شكرا ايتها الرياح لقد أرشدتني الى الخيار الصحيح..., سأرمي بنفسي في البئر..., سأحاول ضبط أنفاسي لعلي أراها قبل أن أموت وان لم أنجح فيكفيني ان جسدي سيكون رفيقها..., نعم هذا هو الحل للتخلص من الهموم التي لم تفارقني قط ..., هذا هو الحل لأكتفي من خداع نفسي :
فعذرا أحبائي اريد القليل من الصمت هنا :
اريد أن أكلم نفسي
هيا انا اسمعك ماذا تريد مني ايها الساحر؟؟؟
اريد الموت الذي طالما حرمتني منه
ولماذا تريده ؟؟
كي اهرب من سجن الحماقة
عن اي حماقة تتكلم ؟؟
عن شعوب لا تفقه ما معني العروبة
عن قلوب نست قبلتها الأولى
عن رمضان سيأتي للمسلمين قريبا
ولكنه لم يغادر اقصانا منذ عقود طويلة
عن ... وعن ...
لا تحزن لا بدّ ان تعود ؟؟؟
ولمن ستعود ؟؟؟
لشعب سلب منه الكرامة
فأصبح من الكرامة مفقود ؟؟
ام لشعب تناسى الأولويات
بل وضع مشاعره في سجن وقيود
لمن ستعود؟؟؟
لشعب اصبح لحب المال والشهوات عبيد
ف كفى يا نفسي سخرية مني
سيأتي امثال صلاح الدين فلا تحزن ولا تقلق
تبا لماضى نتحدث عليه ونحن نشوهه
تبا لزمان غيًّر الموازين
تبا لحياة جعلت منًّا بعد عز وبطولات
بعد نصر الم وحماقة
تبا لك يا حياتي
حرمتني الموت الذي اعشقه
وتبا لك يا قلمي
دائما تفضح جنوني امام الملأ
نزعت ثيابي عن جسدي وأصبحت عاريا كما ولدتني أمي ووقفت على حافة البئر مرددا :
أنا قادم فلا ترحلي ... أنا قادم فلا ترحلي
ونظرتُ نظرة مفارق للدنيا:
وداعا يا ام الشرور
فالحياة فيك موت والموت فيك حياة
وداعا يا عاشقة القبور
فلقد أحببت من مات وخذلتي من عاشي
أرتفع كعب قدمي وأصبحت واقفا على أصابع قدمي مستعدا للقفز, أردت أن أخذ معي من رحلتي نفس عميق يكون عون لي ثم ..., .
لكن لا , لا اريد ان تنتهي قصتي هكذا , أنا أعلم نفسي جيدا والخوف والجبن للهروب من المشاكل لم تكن يوما من صفاتي...,
دعوني أحاول أن أغيّر نفسي ومجتمعي وان أردتم ان تقولوا عني مجنون أو حالم فدعوني وشأني دعوني على الأقل أحلم...