مشاهدة النسخة كاملة : عنترة ..................فارس الحب النيل (2) تكملة
السيد سالم
05-01-2012, 06:38 AM
عنترة ..................فارس الحب النيل (2) تكملة:
ويتحدث عن شجاعته كفارس نبيل ، يحارب من أجل الحق والحرية فيقول:
ألا مَنْ مُبْلغٌ أهلَ الجُحُود مَقالَ فتى ً وَفيٍّ بالعُهُود
سأخرجُ للبرازِ خلى َّ بالِ بقَلبٍ قُدَّ منْ زُبَرِ الحديدِ
وأطعنُ بالقنا حتى يراني عَدوي كالشرارة ِ من بعيد
إذا ما الحربُ دارتْ لي رَحاها وطاب المَوْتُ للرَّجُلِ الشَّدِيد
تَرَى بيضاً تَشَعْشَعُ في لَظاها قد التصقت بأعضادِ الزنود
فأقحمُها ولكن معْ رجالٍ كأَنَّ قلوبها حَجَرُ الصَّعيد
وَخَيْلٍ عُوِّدتْ خَوْضَ المنايا تُشَيِّبُ مَفْرِقَ الطفْلِ الوليدِ
سأَحمِلُ بالأُسودِ على أسودٍ وأخْضِبُ ساعدي بدمِ الأُسود
بمَمْلكَة ٍ عليها تَاج عِزٍّ وَقَوْمٍ من بني عَبْسٍ شُهود
فأَما القائلونَ هزبرُ قومٍ فَذَاكَ الفَخرُ لا شَرَفُ الجدود
وأمَّا القائِلونَ قَتيلُ طَعْنٍ فذلك مصرع البطل الجليد
وهذا الفارس النبيل يحفظ عورات النساء وشرفهم بحد السيف ، وهو الفارس الذي دافع عن حياض وشرف بنات عبس ، فيقول:
ألاّ قاتل الله الطلولَ البواليا وقاتل ذِكراكَ السنين الخَواليا
وقولك للشيء الذي لا تنالهُ إذا ما حَلاَ في العين: يا ليتَ ذا ليا
ونحن منعنا بالفروق نساءَنا نطرفُ عنها مشعلات غواشيا
حلَفنا لهمْ والخيلُ تَردي بنا معاً نزايلُهُمْ حتى يَهِّروا العواليا
عواليَ زُرْقاً من رماحٍ رُدينَة ٍ هرير الكلاب يتقين الأفاعيا
تَفاديتُم أَسْتاهَ نيبٍ تجَمَّعتْ على رِمَّة ٍ من ذي العِظام تفاديا
ألم تعلموا أنَّ الأسنة أحرزتْ بقيتنا لو أن للدهر باقياً
ونحْفظ عورَاتِ النِّساءِ ونتَّقي عليْهنَّ أنْ يلْقينَ يوْماً مخازيا
أبينا أبينا أن تضبَّ لثاتكمْ على مرشِفاتٍ كالظّباء عوَاطيا
وقلت لمن قد أحضرَ الموتَ نفسه ألاَ من لأَمر حازمٍ قد بدا ليا
وقلت لهم ردوا المغيرة عن هوَى سوابقها وأقبلوها النواصيا
وإنا نقودُ الخيل تحكي رؤوسها رؤوس نساءٍ لا يجدن فواليا
فما وَجدُونا بالفَرُوق أُشابة ً ولا كشفاً ولا دعُينا مواليا
تعالوا إلى ما تعلمون فإنني أرى الدَّهْر لا يُنْجي من المَوتِ ناجيا
ورغم المصائب التي أصابت عنترة في حياته ، وماواجهه من عند الأهل وظلمهم ، وتجني الأحبة وغدرهم ، وحرب الأعداء ونحرهم ، إلا أن الفارس النبيل لا يستسلم ، بل يقاتل في كل الأصعدة ، تحقيقا لأحلامه الكبيرة ، فيقول:
دهتْني صروفُ الدّهر وانْتَشب الغَدْرُ ومنْ ذا الذي في الناس يصفو له الدهر
وكم طرقتني نكبة ٌ بعد نكبة ٍ ففَرّجتُها عنِّي ومَا مسَّني ضرُّ
ولولا سناني والحسامُ وهمتي لما ذكرتْ عبسٌ ولاَ نالها فخرُ
بَنَيْتُ لهم بيْتاً رفيعاً منَ العلى تخرُّ له الجوْزاءُ والفرغ والغَفْرُ
وها قد رَحَلْتُ اليَوْمَ عنهمْ وأمرُنا إلى منْ له في خلقهِ النهى والأمر
سيذْكُرني قَومي إذا الخيْلُ أقْبلت وفي الليلة ِ الظلماءِ يفتقدُ البدر
يعيبون لوني بالسواد جهالة ولولا سواد الليل ما طلع الفجر
وانْ كانَ لوني أسوداً فخصائلي بياضٌ ومن كَفيَّ يُستنزل القطْر
محوتُ بذكري في الورى ذكر من مضى وسدتُ فلا زيدٌ يقالُ ولا عمرو
ومن شيم الفرسان النبلاء ، عشقهم الفطري لحياة الحرية ، والفطرة البدوية ، التي هي أغلى عنده من اللآلي والمال ، ويؤكد على هذه المعاني الجميلة شعرا فيقول:
بَرْدُ نَسيم الحجاز في السَّحَرِ إذا أتاني بريحهِ العطِرِ
ألذُ عندي مما حوتهُ يدي من اللآلي والمال والبدَر
ومِلْكُ كِسْرَى لا أَشتَهيه إذا ما غابَ وجهُ الحبيبِ عن النظر
سقى الخيامَ التي نُصبنَ على شربَّة ِ الأُنسِ وابلُ المطر
منازلٌ تطلعُ البدورُ بها مبرقعاتٍ بظلمة ِ الشَّعرِ
بيضٌ وسمرٌ تحمي مضاربها أساد غابٍ بالبيضِ والسُّمر
صادتْ فُؤادي مِنهُنَّ جارية ٌ مكْحولة ُ المقْلتين بالحور
تريك من ثغرها إذا ابتسمت كاسَ مدامٍ قد حفّ بالدرّر
أعارت الظبي سحر مقلتها وباتَ ليثُ الشَّرَى على حذَر
خودٌ رداحٌ هيفاءُ فاتنة ٌ تُخجلُ بالحُسنِ بهجة َ القمر
يا عبلَ نارُ الغرام في كَبدي ترمي فؤادي بأسهم الشرر
يا عبلَ لولا الخيالُ يطرقُني قضيت ليلي بالنوح والسَّهر
يا عبلَ كَمْ فِتْنة ٍ بَليتُ بها وخُضتُها بالمُهنَّدِ الذَّكر
والخيلُ سُودُ الوجوه كالحة ٌ تخوض بحر الهلاكِ والخطر
أُدَافعُ الحادثاتِ فيكِ ولاَ أطيق دفعَ القضاء والقدر
ويمدح الملك النعمان صاحب الفضل عليه ، والذي أهداه النياق الحمر التي طلبها عمه مهرا لعبلة فيقول:
يا أيها الملكُ الذي راحاتُهُ قامَتْ مَقامَ الغيْثِ في أزمانِهِ
يا قِبْلَة َ القُصَّادِ يا تاجَ العُلا يا بدْر هذا العصر في كيوانه
يا مُخجِلاً نَوْءَ السَّماء بجُودهِ يا مُنْقذَ المحزونِ منْ أحزانه
يا ساكِنينَ ديارَ عبْسٍ إنني لاَقيْتُ منْ كِسرى ومنْ إحْسانه
ما ليْس يوصَفُ أو يُقَدَّرُ أوْ يَفي أوْصافَهُ أحدٌ بوَصْفِ لسانه
ملكٌ حوى رتبَ المعالي كلّها بسموِّ مجدٍ حلَّ في إيوانه
مولى به شرفَ الزَّمانُ وأهلهُ والدَّهْرُ نالَ الفَخْرَ من تيجانه
وإذا سطا خافَ الأنامُ جميعهم منْ بأْسهِ واللّيثُ عنْد عِيانِه
المظهرُ الإنصاف في أيَّامهِ بخصالهِ والعدلَ في بلدانهِ
أمسيتُ في ربعٍ خصيبٍ عندهُ متنَزِّهاً فيه وفي بسْتانهِ
ونظَرْتُ برْكَته تَفيضُ وماؤها يَحْكي مواهِبَه وجودَ بنانه
في مَربَعٍ جمَعَ الرَّبيعَ بربْعهِ من كلِّ فنِّ لاحَ في أفنانه
وطُيورُهُ منْ كلِّ نوْعٍ أَنْشَدَتْ جهراً بانَّ الدَّهرَ طوعُ عنانه
ملكٌ إذا ما جالَ في يوم اللّقا وَقَفَ العدُّو مُحيَّراً في شانه
والنَّصْرُ من جُلَسائِهِ دونَ الورى والسَّعد والإقبالُ من أعوَانه
فلأشكرنَّ صنيعه بينَ الملا وأُطاعِنُ الفُرْسانَ في مَيْدانِهِ
ومن كل ماسبق نستطيع التأكيد على شيئين أساسيين في أخلاق الفروسية عند عنترة:
الأول: أخلاق الفروسية كاملة ومتأصلة فيه فهو سمح كريم في وقت السلم ، لايحب الظلم ومستعد للنضال وبذل النفس والنفيس في سبيل الدفاع عن المظلوم ونصرة الحق.
الثاني: استطاع عنترة الشاعر الفارس أن يصور لنا أخلاق الفوارس في ذلك العصر بقوة شاعرية رائعة وحنكة فنان شاعر يدرك أبعاد الفن الشعري وطرائق تعبيره ، وكيف يستطيع أن يرسم الصور المعبرة الموحية بالمعنى ، والمستقاة من البيئة المحيطة به ، فنستطيع أن نسمي تلك المكارم ونعرف أخلاق الفوارس ، وكيف تصرف الفوارس النبلاء في المواقف المختلفة ، وكذا البيئة التي عاش فيها هؤلاء الشعراء.
السيد سالم
05-01-2012, 06:42 AM
ولم يكن عنترة ذلك الصعلوك المتمرد على قوانين القبيلة والبيئة البدوية الجاهلة ، ولكنه الفارس الذي خاض غمار الحرب ، من أجل الشرف والمبادئ الكريمة ، وهو العاشق الذي يبتهل في محراب محبوبه ليل نهار ، ولم يكن المتبذل الذي يسعى وراء إشباع رغباته الجسدية ولكنه العاشق الذي يعشق جمال روح محبوبه ، ابنة عمه عبيلة بنت مالك ، تلك الجميلة من أشراف بني عبس ، التي علقت بقلب عنتره منذ صباه ، فيقول وهو مما قاله في صباه:
رمتِ الفؤادَ مليحة ٌ عذراءُ بسهامِ لحظٍ ما لهنَّ دواءُ
مَرَّتْ أوَانَ العِيدِ بَيْنَ نَوَاهِدٍ مِثْلِ الشُّمُوسِ لِحَاظُهُنَّ ظِبَاءُ
فاغتالني سقمِى الَّذي في باطني أخفيتهُ فأذاعهُ الإخفاءُ
خطرتْ فقلتُ قضيبُ بانٍ حركت أعْطَافَه ُ بَعْدَ الجَنُوبِ صَبَاءُ
ورنتْ فقلتُ غزالة ٌ مذعورة ٌ قدْ راعهَا وسطَ الفلاة ِ بلاءُ
وَبَدَتْ فَقُلْتُ البَدْرُ ليْلَة َ تِمِّهِ قدْ قلَّدَتْهُ نُجُومَهَا الجَوْزَاءُ
بسمتْ فلاحَ ضياءُ لؤلؤ ثغرِها فِيهِ لِدَاءِ العَاشِقِينَ شِفَاءُ
سَجَدَتْ تُعَظِّمُ رَبَّها فَتَمايلَتْ لجلالهِا أربابنا العظماءُ
يَا عَبْلَ مِثْلُ هَواكِ أَوْ أَضْعَافُهُ عندي إذا وقعَ الإياسُ رجاءُ
إن كَانَ يُسْعِدُنِي الزَّمَانُ فإنَّني في هَّمتي لصروفهِ أرزاءُ
وينقلنا عنترة معه إلى أجمل قصة حب في تاريخ الأدب العربي ، عشقه لعبلة ابنة عمه مالك فيقول:
سأُضْمِرُ وجدي في فؤَادي وأكْتُم وأَسْهرُ ليلي والعواذلُ نوَّمُ
وأطْمعُ من دَهري بما لا أنالهُ وألزمُ منه ذلَّ من ليسَ يرحمْ
وأرجو التداني منكِ يا ابنة مالكٍ ودونَ التَّداني نارُ حَرْبٍ تُضَرَّمُ
فمني بطيفِ من خيالكِ واسألي إذا عادَ عني كيفَ باتَ المتيَّمُ
ولا تَجْزَعي إنْ لَجَّ قوْمُكِ في دَمي فما لي بعْدَ الهجرِ لَحمٌ ولا دَمُ
ألم تسمعي نوحَ الحمائمٍ في الدجى فمنْ بعض أشجاني ونوحي تعلّموا
ولم يبْقَ لي يا عبلَ شخْصٌ معَرَّفٌ سوى كبدٍ حَرَّى تذوبُ فأَسقمُ
وتلكَ عِظامٌ بالياتٌ وأَضْلعٌ على جلدِها جيْشُ الصُّدودِ مخيِّمُ
وإنْ عشْتُ منْ بَعد الفراقِ فما أنا كما أدَّعي أني بعبلة َ مُغْرَمُ
وإنْ نامَ جفني كانَ نومي علالة ً أقولُ لعلَّ الطَّيف يأتي يسلّم
أَحِنُّ إلى تلكَ المنازلِ كلّما غدَا طائرٌ في أيكَة ٍ يترَنَّمُ
بكيتُ من البيْنِ المُشِتِّ وإنني صبورٌ على طعن القنا لو علمتُم
هذا الفارس العاشق سلم قلبه لمحبوبته ، في كل الأحوال ، فيقول:
لو كان قلبي معى ما اخترتُ غيركم ولا رضيتُ سِوَاكُمْ في الهَوى بدَلا
لكنهُ راغبٌ في منْ يعذّبه فليسَ يقبل لا لوماً ولا عذلا
ورغم كل ما كان يعانيه عنترة من ظلم أهله و أهل عبلة فقد ظل وفيا لعهدها وحبها الذي ينمو في قلبه وما طلب غيرها أبدا في الهوى ، وهو على هذا الحب يرعاه وينميه ، ويغفر في حبه لأهله وأهل عبلة تجنيهم عليه ، هذا الفارس النبيل والعاشق المكلوم يقول:
ألا ياعبلُ قد زادَ التصابيْ ولجَّ اليومَ قومُكِ في عذابي
وظلَّ هواكِ ينمو كلَّ يومٍ كما ينْمو مشيبي في شَبابي
عتبتُ صروفَ دهري فيكِ حتى فَني وأَْبيكِ عُمْري في العِتابِ
وَلاقيْتُ العِدى وحفِظتُ قوْماً أضاعُوني وَلمْ يَرْعَوا جَنابي
سلي يا عبلُ عنَّا يومَ زرنا قبائل عامرٍ وبني كلابِ
وكمْ من فارس خلّيتُ مُلقى خضيب الراحتينِ بلا خضابِ
يحركُ رجلهُ رعباً وفيهِ سنانُ الرُّمح يلمعُ كالشَّهابِ
قتلنا منهمُ مئتين حرَّا وألفاً في الشِّعابِ وفي الهضابِ
وعندما تتمرد عليه عبلة ، يجفوها جفاءا ضاهرها ، ويخبرها أنه قد سلا هواها ، ولكن هيهات ، لا يلبث أن يعود يبثها شكواه ، وحبه ، ويخبرها أن العمر يمر وأيام الجفاء لا تليق ، فلتغنم هي وهو أيام الجمال القليلة ، و لا يضيعون تلك الأيام في الهجر والجفاء ، ولنسمعه مخاطبا إياها:
سَلا القلبَ عَمّا كان يهْوى ويطْلبُ وأصبحَ لا يشكو ولا يتعتبُ
صحا بعدَ سُكْرٍ وانتخى بعد ذِلَّة ٍ وقلب الذي يهوى ْ العلى يتقلبُ
إلى كمْ أُداري من تريدُ مذلَّتي وأبذل جهدي في رضاها وتغضبُ
عُبيلة ُ! أيامُ الجمالِ قليلة ٌ لها دوْلة ٌ معلومة ٌ ثمَّ تذهبُ
فلا تحْسبي أني على البُعدِ نادمٌ ولا القلبُ في نار الغرام معذَّبُ
وقد قلتُ إنِّي قد سلوتُ عَن الهوى ومَنْ كان مثلي لا يقولُ ويكْذبُ
هَجرتك فامضي حيثُ شئتِ وجرِّبي من الناس غيري فاللبيب يجرِّبُ
لقدْ ذلَّ منْ أمسى على رَبْعِ منْزلٍ ينوحُ على رسمِ الدَّيار ويندبُ
وقدْ فاز منْ في الحرْب أصبح جائلا يُطاعن قِرناً والغبارُ مطنبُ
نَدِيمي رعاكَ الله قُمْ غَنِّ لي على كؤوسِ المنايا مِن دمٍ حينَ أشرَبُ
ولاَ تسقني كأْسَ المدامِ فإنَّها يَضلُّ بها عقلُ الشُّجَاع وَيذهَبُ
ولنقرأ معا هذه القصيدة الرائعة التي يشكو فيها زمانه ، وزمان الهجر من عبلة ، فحساناته عند الزمان ذنوب ، وفعالي مذمة وعيوب ، ثم يكمل شمواه من الهوى الذي لا يشفى منه ، و من ظلم الأحبة ، ما أرعه هنترة في وصف حبه لعبلة إذ يقول فكأنَّ "الزمانَ يهوى حبيباً وكأَنِّي على الزَّمانِ رَقيبُ".
حسناتي عند الزَّمانِ ذنوبُ وفعالي مذمة ٌ وعيوبُ
ونصيبي منَ الحبيبِ بعادٌ وَلغيْري الدُّنوُّ منهُ نَصيبُ
كلَّ يوْمٍ يَبْري السِّقامُ محباً منْ حَبيبٍ ومَا لسُقمي طبيبُ
فكأنَّ الزمانَ يهوى حبيباً وكأَنِّي على الزَّمانِ رَقيبُ
إنَّ طَيْفَ الخيالِ يا عبْلَ يَشفي وَيداوي بهِ فؤادي الكئيبُ
وهلاكي في الحبِّ أهوَنُ عندي منْ حياتي إذا جفاني الحبيبُ
يا نسيم الحجازِ لولاكِ تطفي نارُ قلْبي أَذابَ جسْمي اللَّهيبُ
لكَ منِّي إذا تَنفَّستُ حَرٌّ ولرَيَّاكَ منْ عُبيلة َ طيبُ
ولقد ناحَ في الغُصونِ حمامٌ فشجَاني حنينُهُ والنَّحيبُ
باتَ يشكُو فِراقَ إلفٍ بَعيدٍ وَينادِي أَنا الوحيدُ الغريبُ
ياحمامَ الغصونِ لو كنتَ مثلي عاشقاً لم يرُقكَ غُصْنٌ رَطيبُ
فاتركِ الوجدَ والهوى لمحبٍ قلبُهُ قدْ أَذَابَهُ التَّعْذِيبُ
كلُّ يومٍ لهُ عتابٌ معَ الدَّه ـرِ وأَمْرٌ يَحارُ فيهِ اللَّبيبُ
وَبلايا ما تنقضي ورزايا مالها منْ نهاية ٍ وخطوبُ
سائلي يا عبيلَ عني خبيراً وَشُجاعاً قَدْ شيَّبَتهُ الحُرُوبُ
فسينبيكِ أنَّ في حدَّ سيفي ملكُ الموتِ حاضرٌ لا يغيبُ
وسِناني بالدَّارعينَ خَبيرٌ فاسأليهِ عما تَكون القلوبُ
كمْ شُجاعٍ دَنا إليَّ وَنادَى يا لَقَوْمي أَنا الشُّجاعُ المَهيبُ
ما دَعاني إلاَّ مَضى يَكْدِمُ الأَرْ ض وَقَدْ شُقَّتْ عَلَيْهِ الجُيُوبُ
ولسمرِ القَنا إليَّ انتسابٌ وَجَوَادي إذَا دَعاني أُجيبُ
يضحكُ السَّيفُ في يدي وَينادي ولهُ في بنانِ غيري نحيبُ
وهوَ يَحْمي مَعِي على كلِّ قِرْنٍ مثلما للنسيبِ يحمي النسيبُ
فدعوني منْ شربِ كأسِ مدامِ منْ جوارٍ لهنَّ ظرفٌ وطيبُ
وَدَعُوني أَجُرُّ ذَيلَ فخَارٍ عِندَما تُخْجِلُ الجبانَ العُيُوبُ
وحين تبعد عنه عبلة ، ويذهب لوداعها يقول وهو يتمزق حسرة وألما من نار البعاد:
أشاقكَ مِنْ عَبلَ الخَيالُ المُبَهَّجُ فقلبكَ فيه لاعجٌ يتوهجُ
فقَدْتَ التي بانَتْ فبتَّ مُعذَّبا وتلكَ احتواها عنكَ للبينِ هودجُ
كأَنَّ فُؤَادي يوْمَ قُمتُ مُوَدِّعاً عُبَيْلَة مني هاربٌ يَتَمعَّج
خَليلَيَّ ما أَنساكُمَا بَلْ فِدَاكُمَا أبي وَأَبُوها أَيْنَ أَيْنَ المعَرَّجُ
ألمَّا بماء الدُّحرضين فكلما دِيارَ الَّتي في حُبِّها بتُّ أَلهَجُ
دِيارٌ لذَت الخِدْرِ عَبْلة َ أصبحتْ بها الأربعُ الهوجُ العواصِف ترهجُ
ألا هلْ ترى إن شطَّ عني مزارها وأزعجها عن أهلها الآنَ مزعجُ
فهل تبلغني دارها شدنية ٌ هملعة ٌ بينَ القفارِ تهملجُ
تُريكَ إذا وَلَّتْ سَناماً وكاهِلاً وإنْ أَقْبَلَتْ صَدْراً لها يترَجْرج
عُبيلة ُ هذا دُرُّ نظْمٍ نظمْتُهُ وأنتِ لهُ سلكٌ وحسنٌ ومنهجُ
وَقَدْ سِرْتُ يا بنْتَ الكِرام مُبادِراً وتحتيَ مهريٌ من الإبل أهوجُ
بأَرْضٍ ترَدَّى الماءُ في هَضَباتِها فأَصْبَحَ فِيهَا نَبْتُها يَتَوَهَّجُ
وأَوْرَقَ فيها الآسُ والضَّالُ والغضا ونبقٌ ونسرينٌ ووردٌ وعوسجُ
لئِنْ أَضْحتِ الأَطْلالُ مِنها خَوالياً كأَنْ لَمْ يَكُنْ فيها من العيش مِبْهجُ
فيا طالما مازحتُ فيها عبيلة ً ومازحني فيها الغزالُ المغنجُ
أغنُّ مليحُ الدلَّ أحورُ أَكحلٌ أزجُّ نقيٌ الخدَّ أبلجُ أدعجُ
لهُ حاجِبٌ كالنُّونِ فوْقَ جُفُونِهِ وَثَغْرٌ كزَهرِ الأُقْحُوَانِ مُفَلَّجُ
وردْفٌ له ثِقْلٌ وَقدٌّ مُهَفْهَفُ وخدٌّ به وَرْدٌ وساقٌ خَدَلَّجُ
وبطنٌ كطيِّ السابرية ِ لينٌ أقبّ لطيفٌ ضامرُ الكشح أنعجُ
لهوتُ بها والليلُ أرخى سدولهُ إلى أَنْ بَدا ضَوْءُ الصَّباح المُبلَّجُ
أراعي نجومَ الليلُ وهي كأنها قواريرُ فيها زئبق يترجرجُ
وتحتي منها ساعدٌ فيه دملجٌ مُضِيءٌ وَفَوْقي آخرٌ فيه دُمْلجُ
وإخوانُ صدق صادقينَ صحبتهمْ على غارة ً من مثلها الخيلُ تسرجُ
تَطوفُ عَلَيْهمْ خَنْدَرِيسٌ مُدَامَة ٌ تَرَى حَبَباً مِنْ فَوْقِها حينَ تُمزَجُ
ألا إنَّها نِعْمَ الدَّواءُ لشاربٍ أَلا فاسْقِنِيها قَبْلما أَنْتَ تَخْرُج
فنضحيْ سكارى والمدامُ مصفَّف يدار علينا والطعامُ المطبهجُ
وما راعني يومَ الطعانِ دهاقهُ إليَ مثلٍ منْ بالزعفرانِ نضرِّجُ
فأقبلَ منقضَّاعليَّ بحلقهِ يقرِّبُ أحياناً وحيناً يهملجُ
فلمَّا دنا مِني قَطَعْتُ وَتِينَهُ بحدِّ حسامٍ صارمٍ يتفلجُ
كأنَّ دماءَ الفرسِ حين تحادرتْ خلوقُ العذارى أو خباءُ مدبجُ
فويلٌ لكسرى إنْ حللتُ بأرضهِ وويلٌ لجيشِ الفرسِ حين أعجعجُ
وأحملُ فيهمْ حملة ً عنترية ً أرُدُّ بها الأَبطالَ في القَفْر تُنبُجُ
وأصدمُ كبش القوم ثمَّ أذيقهُ مرارَة َ كأْسِ الموتِ صبْراً يُمَجَّجُ
وآخُذُ ثأرَ النّدْبِ سيِّدِ قومِهِ وأضرُمها في الحربِ ناراً تؤجَّجُ
و إني لحمالٌ لكلِّ ملمة ٍ تَخِرُّ لها شُمُّ الجبالِ وَتُزْعَجُ
وإني لأحمي الجارَ منْ كلّ ذلة ٍ وأَفرَحُ بالضَّيفِ المُقيمِ وأَبهجُ
وأحمي حمى قومي على طول مدَّتي الى أنْ يروني في اللفائفِ أدرجُ
فدُونَكُمُ يا آلَ عَبسٍ قصيدة ً يلوحُ لها ضوْءٌ منَ الصُّبْح أبلَجُ
ألا إنها خيرُ القصائدِ كلها يُفصَّل منها كلُّ ثوبٍ وينسجُ
السيد سالم
05-01-2012, 06:46 AM
وعندما يعلم الحبيب الشاعر ما تعانيه محبوبته من نار حبه يفرح ، ويهش قلبه ويقول:
صحا مِنْ بعْدِ سكرته فؤَادي وعاود مقْلتي طِيبُ الرُّقاد
وأصبح من يعاندني ذليلا كَثيرَ الهَمّ لا يَفْدِيهِ فادي
يرى في نومهِ فتكات سيفي فَيَشْكُو ما يَرَاهُ إلى الوِسادِ
ألا ياعبل قد عاينتِ فعلي وبانَ لكِ الضلالُ من الرَّشاد
وإنْ أبْصَرْتِ مِثْلِي فاهْجُريني ولا يَلْحَقْكِ عارٌ مِنْ سَوادي
وإلاَّ فاذكري طَعني وَضَربي إذا ما لَجّ قَوْمُك في بِعادي
طَرَقْتُ ديار كِنْدَة َ وهي تدْوي دويَّ الرعدِ منْ ركضِ الجياد
وبَدَّدْتُ الفَوارِسَ في رُباها بطعنٍ مثلِ أفواه المزادِ
وَخَثْعَمُ قد صَبَحْناها صَباحاً بُكُوراً قَبْلَ ما نادى المُنادي
غدوا لما رأوا من حد سيفي نذير الموت في الأرواحِ حاد
وعُدْنا بالنّهابِ وبالسَّرايا وبالأَسرَى تُكَبَّلُ بالصَّفاد
وإذا عاوده الصد والدلال يقول:
إذا رشقت قلبي سهامٌ من الصَّدّ وبدلَ قربي حادثُ الدَّهر بالبعد
لبست لها درعاً من الصَّبر مانعاً ولاقَيتُ جَيْشَ الشَّوْقِ مُنْفرداً وحدي
وبتُّ بطَيْفٍ منْكِ يا عبلَ قانِعاً ولو باتَ يسرى في الظَّلام على خدّى
فبالله يا ريحَ الحجازِ تنفَّسي على كَبدٍ حَرَّى تَذُوبُ من الوجْدِ
ويا بَرْقُ إنْ عَرَّضت من جانبِ الحمى فَحَيِّ بني عَبْسٍ على العلم السَّعْدي
وانْ خمدتْ نيرانُ عبلة موهناٌ فكن أنتَ في اكنافها نيّرَ الوقد
وَخَلِّ النّدَى ينْهلُّ فوقَ خِيامِها يُذَكِّرُها أني مُقيمٌ على العَهْدِ
عدِمْتُ اللّقا إنْ كنتُ بعد فِراقها رقدْتُ وما مَثَّلْتُ صورَتها عندي
ومَا شاقَ قَلبي في الدُّجَى غيرُ طائرٍ ينوحُ على غصنٍ رطيب من الرَّند
به مثل ما بي فهو يخفى من الجوى كمَثْل الذي أخفِي ويُبْدي الي أبدي
ألا قاتلَ اللهُ الهوى كم بسيفهِ قتيلُ غرامٍ لا يُوَسّدُ في اللَّحْدِ
ويعتب على عبلة عدم حفظها عهد الهوى ، بعد عهد من الوصال، ويخبرها كريم فعاله فيقول:
ألا يا عبل ضيعتِ العُهودا وأمسَى حبكِ الماضي صُدُودا
وما زالَ الشبابُ ولا اكتهلنا ولا أبْلى الزَّمانُ لنا جديدا
وما زالتْ صوارمنا حداداً تَقُدُّ بها أنامِلُنا الحديدا
سَلي عنَّا الفزاريّينَ لمَّا شَفَيْنَا مِنْ فَوَارسها الكُبُودا
وخلينا نسائهمُ حيارى قُبَيْلَ الصُّبْحِ يَلْطِمْنَ الخُدُودا
مَلأْنا سائِرَ الأَقطار خَوْفاً فأضحى العالمونَ لنا عبيدا
وجاوزنا الثريا في علاها ولم نَتْرُك لقَاصِدَنا وَفُودا
إذا بَلَغَ الفِطامَ لنا صبيٌّ تَخِرُّ لهُ أعاديَنا سُجُودا
فمن يقصدْ بداهية ٍ الينا يرى منا جبابرة ً أسودا
ويَوْمَ البَذْلِ نعْطي ما مَلَكْنا ونملا الأرضَ إحسانا وجودا
وننعلُ خيلنا في كلَّ حربٍ عِظاماً دامياتٍ أَوْ جلُودا
فَهَلْ مَنْ يُبْلغ النُّعْمانَ عنَّا مَقالاً سَوْفَ يَبْلغهُ رشيدا
إذا عادتْ بَنو الأَعْجام تَهوي وقد وَلَّتْ ونَكَّسَت البنُودا
عنترة الشاعر الرقيق ليس هو الفارس المغوار ، فعندما يكتب عشقا في محبوبته يرق ويشف في وصفها ودلالها فيقول:
لعُوبٌ بأَلْبابِ الرّجال كأَنَّها إذا أَسْفَرَتْ بَدْرٌ بدا في المَحَاشِدِ
شَكَتْ سَقَماً كيْما تُعَادَ وما بها سِوَى فَتْرة ِ العيْنَين سقْمٌ لِعائِدِ
منَ البيض لا تلْقاكَ إلاَّ مَصونَة ً وتمْشي كَغُصْنِ البانِ بينَ الولائِدِ
كأَنَّ الثُّريَّا حينَ لاحَتْ عَشيَّة ً على نحرها منظومة ٌ في القلائدِ
منعَّمة الأطرافِ خودٌ كأنها هلالٌ على غصنِ من البانِ مائدِ
حوَى كلَّ حسن في الكواعبِ شخْصها فليسَ بها إلاَّ عيوبُ الحواسدِ
والعاشق لا يخفي هواه ، وكيف يخفيه ودمعه شاهد على عشقه ، ومهما قاتل صبره وتجلد إلا أن هواه مفضوح فيقول:
إذا كانَ دمْعي شاهدي كيفَ أجْحَدُ ونارُ اشتياقي في الحشا تتوقَّد
وهيهاتَ يخفى ما اكنُّ من الهوى وثوبُ سقامي كلَّ يومٍ يجدَّدُ
أقاتلُ أشواقي بصبري تجلداً وقلبيَ في قيدِ الغرامِ مقيدَّ
إلى الله أشكُو جَوْرَ قَوْمي وظُلْمَهُمْ إذا لم أجِدْ خِلاً على البُعد يَعْضُدُ
خليليَّ أمسى حبُّ عبلة قاتلي وبأْسِي شديدٌ والحُسامُ مُهَنَّدُ
حرامٌ عليّ النومُ يا ابنة َ مالكٍ ومَنْ فَرْشُهُ جمْرُ الغَضا كيْف يَرْقُدُ
سأندبُ حتى يعلم الطيرُ أنني حزينٌ ويرثي لي الحمامُ المغرِّدُ
وأَلثِمُ أرْضاً أنْتِ فيها مقيمَة ٌ لَعَلَّ لَهيبي مِنْ ثرى الأَرضِ يَبْرُدُ
رَحَلْتِ وقلْبي يا ابْنَة َ العمِّ تائهٌ على أثرِ الأظغانِ للرِّكب ينشدُ
لئنْ تشمتِ الأعداء يا بنتَ مالكٍ فإن ودادي مثلما كانَ يعهدُ
عندما يرى المحب محبوبه ، يتغزل فيها ويقول:
لمن الشموسُ عزيزة َ الأحداج يطلعنَ بينَ الوشيِ والديباجِ
منْ كلّ فائقة ِ الجمال كدمية ٍ من لؤْلُؤٍ قدْ صُوِّرَتْ في عاج
تمشي وَتُرفِلُ في الثِّيابِ كأَنَّها غصنٌ ترنحً في نقاً رجاجِ
حفَّتْ بهن مَناصلٌ وذَوابلٌ ومشتْ بهنَّ ذواملٌ ونواجِ
فيهن هيفاءُ القوام كأنها فُلكٌ مُشرَّعة ٌ على الأَمواج
خطفَ الظلامُ كسارقٍ من شعرها فكأَنَّما قرَنَ الدُّجى بدَياجي
ابصرتُ ثمَّ هويتُ ثمَّ كتمتُ ما أَلقى وَلمْ يَعْلَمْ بذَاكَ مُناجي
فوَصلْتُ ثمَّ قَدَرْتُ ثمَّ عَفَفْتُ من شرَفٍ تناهى بي إلى الإنضاج
وعندما يرى عنترة ما فعل الحب بالمحبين ، يحمد حبه ، ويثني على صبره وتجلده ، وتحمله لويلات الحب ونيرانه ، فيقول:
إذا لعبَ الغرامُ بكلَّ حرَّ حَمِدْتُ تجلُّدي وشَكَرْتُ صبري
وفضلتُ البعادَ على التداني وأخفيت الهوى وكتمت سرِّي
ولا أُبْقي لعذَّالي مجالاً ولا أشْفي العدُوَّ بهتْكِ سِتْري
عرَكْتُ نَوائِبَ الأَيام حتى عرفتُ خيالها منْ حيثُ يسري
وذلَّ الدَّهر لمَّا أن رآني أُلاقي كلَّ نائبة ٍ بصدري
وما عابَ الزَّمانُ عليّ لوْني ولا حَطّ السوادُ رفيع قَدري
سموتُ إلى العلا وعلوتُ حتى رأَيتُ النَّجمَ تَحتي وهو يجري
وقَوماً آخرين سَعَوا وعادُوا حيارى ما رأوا أثراً لأثري
وعنترة الذي خبر صروف الدهر وفعاله ، وعرف الموت مرات عدييدة في معاركه ، واجتاز الصحاري بحثا عن الحرية والعدالة ، وطمعا في قلب حبيبته ، يؤمن بقضاء الله وقدره ويؤكد هذا شعرا فيقول:
إذا كان أمرُ الله أمراً يُقَدّر فكيفَ يفرُّ المرءُ منْه ويحذَرُ
ومن ذا يردُّ الموتَ أو يدفعُ القضا وضرْبتُهُ محْتُومة ٌ ليس تعثرُ
لَقد هانَ عِنْدي الدَّهْرُ لمَّا عرفْتُهُ وإني بما تأْتي المُلمَّاتُ أخبَرُ
وليس سباعُ البَرّ مثْلَ ضِباعِهِ ولاَ كلُّ مَنْ خاض العَجاجة َ عَنْتَرُ
سلُوا صرْفَ هذَا الدَّهْر كمْ شَنَّ غارة ً ففرَّجْتُها والمَوْتُ فيها مشَمِّرُ
بصارم عَزْمٍ لوْ ضرَبتُ بحَدِّهِ دُجى اللَّيل ولَّى وهو بالنَّجْم يَعثُر
دعوني أجدُّ السَّعي في طلب العُلا فأُدْرِكَ سُؤْلي أو أمُوتَ فأُعذَرُ
ولاَ تختشوا مما يقدرُ في غدٍ فما جاءَنا منْ عالم الغيبِ مخبرُ
وكمْ منْ نَذِيرٍ قدْ أَتَانا محذِّراً فكانَ رسولاً في السُّرور يبَشّر
قفي وانظري يا عبلَ فعلي وعايني طِعاني إذَا ثَارَ العَجاجُ المكدّر
تري بطلاً يلقى الفوارسَ ضاحكاً ويرجَعُ عنْهمْ وهو أشعثُ أَغْبَرُ
ولا ينثني حتى يخلى جماجماً تَمرُّ بنها ريحُ الجَنوبِ فتَصْفر
وأجْسادَ قوْمٍ يَسكنُ الطَّيْرُ حَولَها إلى أن يرى وحشَ الفلاة ِ فينفر
وكم من مرة مشى الواشي بين عنترة وعبلة ، وحاولوا التفريق بينهم ، ولكنه يعاتبها على تصديقها للوشاة ، ويعتذر لها إن كان قد أخطأ في حقها ، ويتودد إليها بشعره فيقول:
يا عبلَ خلّي عنكِ قوْلَ المفْتري واصْغي إلى قَوْلِ المحِبِّ المُخبِرِ
وَخُذي كلاماً صغْتُهُ من عَسجَدٍ ومَعانياً رَصَّعْتُها بالجوْهر
كَم مَهْمَهٍ قفْرٍ بنفْسي خُضْتُهُ ومفاوزِ جاوزتها بالأبجر
كم جحْفل مثْل الضباب هزمتهُ بمهندٍ ماض ورمح أسمر
كم فارسٍ بينَ الصُّفوفِ أخذْتُهُ والخيْلُ تعْثرُ بالقنا المتكسر
يا عَبلَ دُونك كلَّ حيٍّ فاسأَلي إنْ كان عنْدكِ شُبْهة ٌ في عَنْتر
يا عَبلَ هلْ بُلِّغتِ يوماً أنني ولّيْتُ مُنْهزماً هَزيمة َ مُدبرِ
كم فارس غادَرْت يأْكلُ لحْمَهُ ضَاري الذّائبِ وكاسِرات الأَنسُر
أفري الصدورَ بكلَّ طعن هائل والسابغاتِ بكلَّ ضربٍ منكرِ
وإذا ركبتُ ترى الجبالَ تضجُّ من ركْضِ الخيولِ وكلَّ قُطْرٍ مُوعِرِ
وإذا غزوتُ تَحومُ عِقبانُ الفَلا حولي فَتُطْعِمُ كَبْدَ كلِّ غَضَنْفَرِ
ولكم خطفتُ مدرعاً من سرجهِ في الحَرْب وهو بنَفْسهِ لم يَشْعُرِ
ولَكمْ وَرَدْتُ الموت أعْظَمَ مَوْرِدٍ وصدرت عنهُ فكانَ أعظم مصدر
يا عبلَ لو عاينْتِ فِعلي في العِدَى من كلِّ شِلوٍ بالتُّرابِ مُعفَّرِ
والخيْلُ في وسطِ المَضيق تبادَرَتْ نَحْوي كمثلِ العارِضِ المتَفَجِّر
منْ كلِّ أدْهَم كالرِّياحِ إذا جرى أو أشهبِ عالي المطا أوْ أشقر
فصرَخْتُ فيهمْ صرخة ً عَبْسية ً كالرّعدِ تدوي في قلوبِ العَسْكر
وعطفتُ نحوهم وصلت عليهم وَصَدَمْتُ مَوْكِبَهُم بصَدر الأبجر
وطرحْتُهُم فوقَ الصّعيد كأَنّهُم أعجاز نخلٍ في حضيض المحجر
ودِماؤُهمْ فوْقَ الدُّروعِ تخضّبَتْ منها فصارت كالعقيق الأحمر
ولربما عثر الجواد بفارس ويخالُ أنَ جوادهُ لم يعثر
السيد سالم
05-01-2012, 06:49 AM
و عبلة لا تفارق عنترة في الصحو أو في المنام ، فهاهو يقول:
زارَ الخيالُ خيالُ عَبلَة َ في الكَرى لمتِّيم نشوانَ محلول العرى
فنهضتُ أشكو ما لقيتُ لبعدها فتنفَّسَتْ مِسكاً يخالطُ عَنْبَرا
فضَممتُها كيما أقبِّلَ ثغرَها والدَّمعُ منْ جَفنيَّ قد بلَّ الثرى
وكشفتُ برقعها فأشرقَ وجهها حتى أعادَ اللَّيلَ صُبحاً مُسفِراً
عربية ٌ يهتزُّ لين قوامها فيخالُه العشَّاقُ رُمحاً أسمرا
محجوبة ٌ بصوارمٍ وذوابل سمرٌ ودونَ خبائها أسدُ الشرى
يا عَبلَ إنَّ هَواكِ قد جازَ المَدى وأنا المعنى فيكِ من دون الورى
يا عَبلَ حبُّكِ في عِظامي مَعَ دَمي لمَّا جرت روحي بجسمي قدْ جرَى
وَلقد عَلِقْتُ بذَيلِ مَنْ فَخُرتْ به عبسٌ وسيفُ أبيهِ أفنى حميرا
يا شأْسُ جرْني منْ غرامٍ قاتلٍ أبداً أزيدُ به غراماً مسعرا
يا ساشُ لولا أنْ سلطانَ الهوى ماضي العزيمة ِ ما تملكَ عنترا
وفي لحظات الصفاء والدلال يداعب عنترة عبلة ، وتداعبه ، ويسجل هذا شعرا ، فيقول:
ضحكتْ عبيلة ُ إذ رأتني عارياً خلق القميص وساعدِي مخدوُش
لا تَضْحكي مني عُبيلة ُ واعْجبي مني إذا التفتْ عليّ جيوشُ
ورأيتِ رمحي في القلوبِ محكماً وعليهِ منْ فَيْضِ الدِّماءِ نقوشُ
ألقى صدورَ الخيل وهي عوابسٌ وأنا ضَحوكٌ نحْوها وبَشُوشُ
إني أنا لَيثُ العرين ومَنْ له قلْبُ الجبانِ مُحيَّرٌ مدْهوش
إني لأعجبُ كيفَ ينظرُ صورتي يوم القتال مبارزٌ ويعيشُ
ولا يكتفي الفارس النبيل بمحاربة الأعداء ، بل يحارب ما يبتليه به الزمان من رزء و أحزان ونوائب ، ويصف صديق رحلته في محاربة الأعداء ومحاربة الزمن ، وهو حصانه الأدهم ، فيقول:
حاربيني يا نائباتِ اللَّيالي عنْ يميني وتارة ً عن شمالي
واجْهَدي في عَداوَتي وعِنادي أنتِ والله لم تُلِمِّي ببالي
إنَّ لي همة ً أشدُّ من الصخـ ـر وأقْوى منْ راسياتِ الجبال
وسِناناَ إذا تعسفتُ في الليْـ لِ هداني وردَّني عن ضلالي
وجواداً ما سارَ إلاَّ سرَى البَرْ قُ وَرَاهُ من اقْتداحِ النّعال
أدهمٌ يصدعُ الدجى بسوادٍ بين عينيه غرة ٌ كالهلال
يفتديني بنفسه وأفدّيـ ـهِ بنَفْسي يوْم القِتال ومَالي
وإذا قامَ سوقُ حربِ العوالي وتلَّظى بالمرْهفاتِ الصقّال
كنت دَلاَّلها وكان سناني تاجراً يشتري النفوس الغوالي
يا سِباعَ الفَلاَ إذا اشْتعل الحر بُ اتبعيني من القفار الخوالي
إتبعيني ترى دماءَ الأعادي سائلاَتٍ بين الرُّبى والرِّمال
ثم عودي منْ بعد ذا واشكريني واذكري ما رأيْتِهِ منْ فعالي
وخُذي منْ جَماجمِ القوْمِ قوتاً لبنيكِ الصّغار والأشبال
ها هو يشكو لندمائه لوعة غرامه:
هذِه نارُ عبلة ٍ يا نديمي قد جلتْ ظلمة َ الظَّلام البهيم
تتلظَّى وَمثْلُها في فؤادي نارُ شَوْق تزْداد بالتَّضريم
أَضْرمَتْها بيضاءُ تهْتز كالْغُصْـ ن اذا ما انثنى بمرِّ النسيم
وكَستْهُ أنْفاسُها أرَجَ النَّـدى
ويتغزل في عبلة ويقول:
كاعبٌ ريقها ألذُّ من الشهـدِ اذَا مازجتْهُ بنْتُ الكُرُوم
كلما ذُقتُ بارداً من لَماها خلتهُ في فمي كَنار الجحيم
سَرقَ البدْرُ حسْنَها واسْتعارَت سحرَ أجفانها ظباءُ الصَّريم
وغرامي بها غرامٌ مقيمُ وعذابي منَ الغرام المقيم
واتّكالي على الذِي كلّما أبـ صرَ ذلّي يزيد في تعظيمي
ومُعيني على النَّوائبِ ليثٌ هو ذخْري وفارجٌ لهمومي
ملِكٌ تسْجُدُ المُلوكُ لذِكْرَا ه وتومي إليهِ بالتفخيم
وإذا سارَ سابقتهُ المنَايا نحوَ أعداهُ قبلَ يومِ القدوم
ويخبرها عن مقدار حبه لها فيقول:
أُحِبُّكِ يا ظَلُومُ فأَنْتِ عِنْدي مكان الرُّوح من جسدِ الجبان
ولو أَني أقولُ مكانَ روحي خشيتُ عَليْكَ بادِرَة َ الطّعانِ
ويشاركه طائر البان مشاركة روحية في شكوى الحب والهجران:
يا طائر البان قد هيَّجتَ أشجاني وزِدْتَني طرَباً يا طائرَ البانِ
إن كنتَ تندب إلفاً قد فجعتَ بهِ فقد شجاكَ الذي بِالبينِ أشجاني
زدني من النَّوح واسعدني على حزني حتى تَرى عجباً من فَيْضِ أجفاني
وقِفْ لتَنْظُرَ ما بي لا تَكنْ عَجِلاً واحذَرْ لِنَفْسِكَ من أَنْفاسِ نيراني
وطرْ لعلك في ارض الحجازِ ترى رَكْباً على عَالِجٍ أوْ دون نَعْمان
يسري بجارية ٍ تنهلُّ أدمعها شوقاً إلى وطن ناءٍ وجيران
ناشدتُكَ الله يا طيرَ الحمامِ إذا رأيتَ يوْماً حُمُولَ القوْمِ فانعاني
وقلْ طريحاً تركناهُ وقد فنيت دُموعُهُ وهوَ يبكي بالدَّم القاني
ونسمعه يبثها وجده وهيامه:
سأُضْمِرُ وجدي في فؤَادي وأكْتُم وأَسْهرُ ليلي والعواذلُ نوَّمُ
وأطْمعُ من دَهري بما لا أنالهُ وألزمُ منه ذلَّ من ليسَ يرحمْ
وأرجو التداني منكِ يا ابنة مالكٍ ودونَ التَّداني نارُ حَرْبٍ تُضَرَّمُ
فمني بطيفِ من خيالكِ واسألي إذا عادَ عني كيفَ باتَ المتيَّمُ
ولا تَجْزَعي إنْ لَجَّ قوْمُكِ في دَمي فما لي بعْدَ الهجرِ لَحمٌ ولا دَمُ
ألم تسمعي نوحَ الحمائمٍ في الدجى فمنْ بعض أشجاني ونوحي تعلّموا
ولم يبْقَ لي يا عبلَ شخْصٌ معَرَّفٌ سوى كبدٍ حَرَّى تذوبُ فأَسقمُ
وتلكَ عِظامٌ بالياتٌ وأَضْلعٌ على جلدِها جيْشُ الصُّدودِ مخيِّمُ
وإنْ عشْتُ منْ بَعد الفراقِ فما أنا كما أدَّعي أني بعبلة َ مُغْرَمُ
وإنْ نامَ جفني كانَ نومي علالة ً أقولُ لعلَّ الطَّيف يأتي يسلّم
أَحِنُّ إلى تلكَ المنازلِ كلّما غدَا طائرٌ في أيكَة ٍ يترَنَّمُ
بكيتُ من البيْنِ المُشِتِّ وإنني صبورٌ على طعن القنا لو علمتُم
د. السيد عبد الله
المنوفية - مصر
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026, TranZ by Almuhajir