المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاستبداد ومصادرة الآراء عند العرب


باسم الجرفالي
19-03-2012, 12:55 AM
الاستبداد ومصادرة الآراء عند العرب

بسم الله الرحمن الرحيم
تناقشت مع أحد الإخوة الكرام حول موضوع يخصني ، وهمٍّ يلفني ، فأضاء لي أخي الكريم إضاءات أستند إليها في مقالي هذا .
إن العرب هم العرب ، لا يغيّرهم غير الدين ، فمتى ما تمسكوا به بقصد التعبد صلحوا ، وإن هم تمسكوا به بقصد فرض السيطرة على المجتمع ؛ ازدادوا في طغيانهم ، وأنا لا أتكلم عن الحكام وذوو السلطة والنفوذ وحدهم - أيا كان ذاك النفوذ وتلك السلطة - ، بل حتى عامة العرب .
من سمات العربي الاستبداد وفرض الرأي ومصادرة الآراء ، وهي صفة قد نقول أنها موروثة ، أو أنه قد تلقاها من ثدي أمه ، والأُولى أصح عندي من الثانية .
يحبُّ العربي أن يمنع من يخالفه – أيا كانت تلك المخالفة - ، ويستخدم لذلك كل الوسائل المتاحة له بحسب قدرته ، فالمسؤول له قدراته اللامحدودة ، والشيخ له منبره وزبانيته ، والقبيلة لها ضغطها الاجتماعي وأسلوب العزل والإقصاء ، والوالد له الضغط من باب الرضا عنك ومحبتك له والمخافة عليك ، والغوغاء لهم الهمز واللمز ومباشرة الأذى الميداني ، وأسوؤها ما تضافرت فيه القوى السالفة الذكر معا .
وأكثر المصادرات الحالية ليست من قِبل المسؤول في مجتمعنا ، بل هي من المؤسسة الدينية وتوابعها ، إذ تتضافر معها القبيلة في كثير من الأحيان ، وخشية الوالد ، وغوغائية الشارع .
إن أي مخالفة لرأي فقهي ، أو طريقة تعامل اعتادت المؤسسة الدينية اتباعها ؛ قد يوقعك في مهالكها ، ويستدعي استثارتها لبقية توابعها ، مما قد يوقعك في حرب الإقصاء ومصادرة الآراء .
كما بدأت مقالي ؛ فمصادرة الآراء سمة عربية أصيلة ، ليست مهجّنة أو مستعربة ولا دخيلة ، يدل على ذلك تاريخ العرب مع الإسلام ، ومحاربتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ودعوته للإسلام ، فقد استخدموا مؤسستهم الدينية وبيّنوا أنهم باقون على ما اعتادوا عليه من عبادات ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) ، والسلطة السياسية فرضت سلطتها على الواقع بالعزل في الشِّعْب ، والضغط القبلي بالمقاطعة اتباعا للرأي الديني والسياسي ، ومن ثَمَّ ضغط الوالد ؛ وكان في طلب عم النبي صلى الله عليه وسلم أبي طالب بترك الدعوة للإسلام خوفا عليه ومحبة له ، وأما الغوغاء فحدث عن فعلهم ولا حرج ؛ كأم جميل التي تضع الشوك في طريق النبي صلى الله عليه وسلم .
ومما سبق نتيقن أن مصادرة الآراء هي سمة عِرقية يتسم بها العرب ، ولا يمكن تغييرها إلا بالدين الحق المراد منه التعبد لا التسلط ، وظهر لنا دوره في الصحابة رضوان الله عليهم ، وفي خلافهم في فهم الدين ومسائله ، وبُعدِهم عن التسلط على الآخر ، ومصادرة رأيه ، بل عُرِف بعضهم بالتشديد والآخر بالتيسير ؛ كابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما ، ولم يعِب أحد منهم الآخر ، فضلا عن أن يصادر رأيه ، بل عُدّت سمة لهما عُرفت على مدى القرون .
أن الحركة الفكرية في زمننا هذا تحتاج إلى تحرر من هذه القيود ، وصبر وجَلَد في تحمل أعبائها ، وإن العاقل الفطن ليرى بصيص ضوء في الأفق يبشّر بفتح الطريق أمام مرحلة جديدة ، يكون للعقل فيها كلمته ؛ متّبعا الدين ، غير مجافٍ عنه ، لا كما هو الحال في مرحلتنا ، من إغفال لصوت العقل ؛ حتى ينفرد ذوو السلطة الدينية بالمجتمع يسيرونه كيفما شاؤوا ، دون مخافة من عاقبة هذا الظلم والاستبداد .
إن أيامنا هذه هي أيام ثورات ، قد عمّت حمّاها أرجاء الوطن العربي ، وكلها تنادي بدفع الظلم ، ونبذ الاستبداد – طبعا هذا رأي الجمهور فقط ، أما أصحاب الكرفتات والعباءات فلهم أهدافهم الخاصة - ، وإني أنتظر اليوم الذي تخرج فيه الجموع منادية برفع الاستبداد الديني ، بعد أن نجحوا في إزالة رؤوس أنظمة استبدادية ، وقد ذكر الشيخ سلمان العودة في إحدى رسائله على صفحته الفيس بوكية : أن أشد الاستبداد ما اجتمع فيه استبداد المؤسسة الدينية مع استبداد الدولة .
ومن هنا أرى أنه من الواجب على كل ذي عقل وفكر أن يكون عونا لأخيه المفكر والمثقف ، وأن يقف معه في محنته إن هو تعرض للإقصاء ومصادرة الآراء ، وأن يستمر المثقف المفكر في نفس الطريق الذي يدين الله به .
باسم الجرفالي
20 / 4 / 1433هـ

يزيد فاضلي
21-03-2012, 08:39 PM
...وهلْ أركسنا شيْءٌ-أخي الكريم باسم-منذ المائة السابعة إلى الآن،فهوينا في سقوطٍ شاقوليٍّّ حُرٍّ من تلكَ القِمةِ الشمَّاءِ التي تركنا عليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلمَ-والتي اتسمتْ بالسموق العقلي والفكري والوجداني والإنساني-إلى الحضيض والتسفلِ والدونيةِ التي آلَ إليها الظرفُ والحالُ والزمانُ والمكانُ...هل أركسنا شيءٌ مذ ذاكَ إلا الاستبدادُ الفكري ومصادرة الرأي وإلغاء الآخر وقمْعِه والتصامم عن فن السماع والإصغاء..؟؟!!!

من تلكَ الذروة التي كان سَوَادُ الأمةِ الناضِج،يستقبلُ فيها رُخَصَ ابن عباسٍ وشدائدَ ابن عمرٍ-رضي الله عنهما-بأريَحيَّةٍ فكريةٍ،لا نظيرَ لسماحتِها وسَعَتِها وأفْقِها الرحب الواسع..وكان فقهاءُ المذاهب في حركةٍ دؤوبةٍ من فكر الاجتهاد في منطقةِ العَفْو والمتغيراتنولمْ يُسمَعْ عن واحدٍ منهم أنه ألغى صاحبَه أو صادرَ فيه رأياً،ولا كانتْ هناكَ-زمن الخلافة الراشدة-فجوةٌ بين قيادةِ الأمةِ السياسيةِ وقيادتها الفكرية...

كانَ العَوَامُّ والخواصُّ،يدركونَ-عن وعيٍ وفقهٍ-أهميةَ احترام مساحةِ الرأي،في غير تقتيرٍ أو مغالاةٍ...

كان الكُلُّ في إيقاعٍ واتساقٍ وانسجام....

من تلك الذِّرْوَةِ السامقةِ التي كان فيها الفكر العربي المسلم،يُعلِّمُ الدنيا أصولَ الاحترام الفكري..إلى هذه الدهاليز المظلمة التي خنقتْ أنوارَ الفكر،والتي بدأتْ بذرَتُها المشؤومةُ في تبسيق أشواكِها منذ أن تجرأ والي المدينةِ،فسجنَ الإمامَ مالك بن أنسٍ-رضي الله عنه-وعرَّضَهُ لعذابٍ،انتهى بكسْر ذراعيْه،عندما وقفَ الإمامُ وقفةً صارمةً،فرفض قصة ( اليمين المُغلَّظةِ ) التي فرضها أمراءُ بني العباس فرضاً على الأمة...!!!

ومنذ أن حُكِمَ على تلميذه الفقيه الإمام محمد بن إدريس الشافعي-رضي الله عنه-بالإعدام،وكان عاشرَ عشرةٍ حكمَ عليهم الخليفةُ،وقد نجَا بأعجوبةٍ...!!!

ومنذ أن عُذبَ إمام أهل الرأي أبو حنيفة النعمان بن ثابت-رضي الله عنه-وماتَ وهو الفقيهُ الضخمُ الحرُّ في سجنهِ مُهاناً...!!!

ومنذ جرى ما جرى لإمام أهل السنةِ أحمد بن حنبل الشيباني -رضي الله عنه-في قضيةٍ فكريةٍ تافهةٍ،استهلكتْ من عمر الإسلام سبعَ عشرة سنةً،وأركستْ إبداعَه لوراء..قضية ( خلق القرآن ) الشهيرة..وكلنا يعلم ما الذي جرى للإمام أحمد جرَّاءَها...!!!

ومنذ وقَّعَ حاكمُ الناصرةِ في الأندلس بجرةِ قلمٍ أثيمةٍ على إحراق كل كتب القاضي الفقيه الحر أبي الوليد محمد بن رشد،لأنها تخالف المَزاجَ العام لتوجهاتِ السلطة...هكذا ببساطةٍ...!!!

ومنذ....ومنذ....ومنذ.....ومنذ تتالتِ المآسي الفكرية إلى يوم الناس هذا...!!!!!

واتفقُ معكَ تماماً-أخي الكريم-أن السببَ الأساسي في هذه الجائحة الفكريةِ التي استشرتْ في عقل الأمةِ الجمعي هو الاختلال الفظيع في فهم روح هذا الدين العظيم...

وصدقَ العَلاَّمةُ الاجتماعي الكبير عبد الرحمان بن خلدون في الفصل السابع والعشرين من موسوعته ( المقدمة )،حيثُ خلُصَ بعد استقراءٍ في تركيبةِ النفسيةِ والطبيعةِ العربية أن العربَ جنسٌ ((...لا يَصلُحُ إلا بدينٍ ولا يُقادُ إلا به ولا تهدأ غرائز التسلط والاستحواذ الحادة التي رسَّختْها الجاهليةُ فيه...وبغير الدين-والكلام لابن خلدون- سيتحولُ إلى قطعانٍ يموجُ بعضُها في بعض...!!! ))....

بوركتَ-أخي-على الطرح الشائك..في قضيةٍ هي أشكى من الشوك الشائك ذاتِه...!!!

باسم الجرفالي
31-03-2012, 08:11 PM
أستاذي الفاضل :
نالني الشرف بردك الضافي ، وإني أتمنى أن تفرده بمقال خاص ، فهو أهل لذلك ، وكي تعم به الفائدة .
ولكم خالص شكري وتقديري

بسكوته
01-04-2012, 02:40 PM
بارك الله فيك للمقال
ولكم خالص شكري وتقديري

[/URL]


(http://www.manab3.com/vb/showthread.php?t=22500#) [URL="http://www.manab3.com/vb/showthread.php?t=22500#"]

سمو القلم
02-04-2012, 12:00 AM
الاستبداد الفكري لغة المجتمع العربي

اشكرك استاذنا الكريم