المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في ذكرى أمل دنقل ( لا تصالح )


محمد سعد
23-05-2012, 01:43 AM
http://www.youtube.com/watch?v=uF5OHwLqOhg



لا تصالحْ!

..ولو منحوك الذهب

أترى حين أفقأ عينيك

ثم أثبت جوهرتين مكانهما..

هل ترى..؟

هي أشياء لا تشترى..:

ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،

حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،

هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،

الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..

وكأنكما

ما تزالان طفلين!

تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:

أنَّ سيفانِ سيفَكَ..

صوتانِ صوتَكَ

أنك إن متَّ:

للبيت ربٌّ

وللطفل أبْ

هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟

أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..

تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟

إنها الحربُ!

قد تثقل القلبَ..

لكن خلفك عار العرب

لا تصالحْ..

ولا تتوخَّ الهرب!

(2)

لا تصالح على الدم.. حتى بدم!

لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ

أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟

أقلب الغريب كقلب أخيك؟!

أعيناه عينا أخيك؟!

وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك

بيدٍ سيفها أثْكَلك؟

سيقولون:

جئناك كي تحقن الدم..

جئناك. كن -يا أمير- الحكم

سيقولون:

ها نحن أبناء عم.

قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك

واغرس السيفَ في جبهة الصحراء

إلى أن يجيب العدم

إنني كنت لك

فارسًا،

وأخًا،

وأبًا،

ومَلِك!

(3)

لا تصالح ..

ولو حرمتك الرقاد

صرخاتُ الندامة

وتذكَّر..

(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)

أن بنتَ أخيك "اليمامة"

زهرةٌ تتسربل -في سنوات الصبا-

بثياب الحداد

كنتُ، إن عدتُ:

تعدو على دَرَجِ القصر،

تمسك ساقيَّ عند نزولي..

فأرفعها -وهي ضاحكةٌ-

فوق ظهر الجواد

ها هي الآن.. صامتةٌ

حرمتها يدُ الغدر:

من كلمات أبيها،

ارتداءِ الثياب الجديدةِ

من أن يكون لها -ذات يوم- أخٌ!

من أبٍ يتبسَّم في عرسها..

وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها..

وإذا زارها.. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،

لينالوا الهدايا..

ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)

ويشدُّوا العمامة..

لا تصالح!

فما ذنب تلك اليمامة

لترى العشَّ محترقًا.. فجأةً،

وهي تجلس فوق الرماد؟!

(4)

لا تصالح

ولو توَّجوك بتاج الإمارة

كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟

وكيف تصير المليكَ..

على أوجهِ البهجة المستعارة؟

كيف تنظر في يد من صافحوك..

فلا تبصر الدم..

في كل كف؟

إن سهمًا أتاني من الخلف..

سوف يجيئك من ألف خلف

فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة

لا تصالح،

ولو توَّجوك بتاج الإمارة

إن عرشَك: سيفٌ

وسيفك: زيفٌ

إذا لم تزنْ -بذؤابته- لحظاتِ الشرف

واستطبت- الترف

(5)

لا تصالح

ولو قال من مال عند الصدامْ

".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.."

عندما يملأ الحق قلبك:

تندلع النار إن تتنفَّسْ

ولسانُ الخيانة يخرس

لا تصالح

ولو قيل ما قيل من كلمات السلام

كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟

كيف تنظر في عيني امرأة..

أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟

كيف تصبح فارسها في الغرام؟

كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام

-كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام

وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟

لا تصالح

ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام

وارْوِ قلبك بالدم..

واروِ التراب المقدَّس..

واروِ أسلافَكَ الراقدين..

إلى أن تردَّ عليك العظام!

(6)

لا تصالح

ولو ناشدتك القبيلة

باسم حزن "الجليلة"

أن تسوق الدهاءَ

وتُبدي -لمن قصدوك- القبول

سيقولون:

ها أنت تطلب ثأرًا يطول

فخذ -الآن- ما تستطيع:

قليلاً من الحق..

في هذه السنوات القليلة

إنه ليس ثأرك وحدك،

لكنه ثأر جيلٍ فجيل

وغدًا..

سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،

يوقد النار شاملةً،

يطلب الثأرَ،

يستولد الحقَّ،

من أَضْلُع المستحيل

لا تصالح

ولو قيل إن التصالح حيلة

إنه الثأرُ

تبهتُ شعلته في الضلوع..

إذا ما توالت عليها الفصول..

ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)

فوق الجباهِ الذليلة!

(7)

لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم

ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..

كنت أغفر لو أنني متُّ..

ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.

لم أكن غازيًا،

لم أكن أتسلل قرب مضاربهم

لم أمد يدًا لثمار الكروم

لم أمد يدًا لثمار الكروم

أرض بستانِهم لم أطأ

لم يصح قاتلي بي: "انتبه"!

كان يمشي معي..

ثم صافحني..

ثم سار قليلاً

ولكنه في الغصون اختبأ!

فجأةً:

ثقبتني قشعريرة بين ضلعين..

واهتزَّ قلبي -كفقاعة- وانفثأ!

وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ

فرأيتُ: ابن عمي الزنيم

واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم

لم يكن في يدي حربةٌ

أو سلاح قديم،

لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ

(8)

لا تصالحُ..

إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:

النجوم.. لميقاتها

والطيور.. لأصواتها

والرمال.. لذراتها

والقتيل لطفلته الناظرة

كل شيء تحطم في لحظة عابرة:

الصبا - بهجةُ الأهل - صوتُ الحصان - التعرفُ بالضيف - همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي - الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ - مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ

وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة

كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة

والذي اغتالني: ليس ربًا..

ليقتلني بمشيئته

ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته

ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة

لا تصالحْ

فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ..

(في شرف القلب)

لا تُنتقَصْ

والذي اغتالني مَحضُ لصْ

سرق الأرض من بين عينيَّ

والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!

(9)

لا تصالح

ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخ

والرجال التي ملأتها الشروخ

هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم

وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخ

لا تصالح

فليس سوى أن تريد

أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد

وسواك.. المسوخ!

(10)

لا تصالحْ

لا تصالحْ

نداء الذات
23-05-2012, 11:05 AM
الف شكر


وبوركت

محمد سعد
24-05-2012, 01:47 AM
شكرا نداء الذات :)

السيد سالم
01-06-2012, 12:07 PM
قصيده رائعه صح لسان شآعرهآ..
وسلم احساسك ورقي حرفك..
ودام بوحك وحضورك ..
بإنتظار القادم من ابداعك
ودمت بخير
د. السيد عبد الله سالم
المنوفية - مصر

محمد سعد
27-06-2012, 05:10 PM
أنا سعيد بأن طرحي نال إعجاب حضرتك وأنا من عشاق أمل دنقل
و أتمنى أن يعجبك القادم بإذن الله :)

يزيد فاضلي
28-06-2012, 09:07 PM
...حيَّا اللهُ دائماً أرضَ الكنانةِ-أخي البديع الأصغر محمد سعد-فيومَ أن تلفتتْ في تاريخها الشعري المعاصر ( الثائر والثوري ) لم يكنْ لجماهير ( التحرير )-وفي ساحته الدائرية بالذات-من صوتٍ ينبعث من شِغافِ قصيدةٍ تليدةٍ،يروْنَ في ماضيها واقعَ حاضرهم اللاحب غير قصيدة ( الكعكة الحجرية ) لشاعر الحرية والضمير والإنسان محمد فهيم أمل دنقل..وكأنما التاريخ في هذه القصيدة لا يُعيدُ شخوصَه ومناسباته وأحداثه بقدر ما أعادَ سننَهُ وملابساتِه و حيثياتِه...
http://www.boswtol.com/sites/default/files/imagecache/inner_page/sites/default/files/10/Jun/22/a_54.jpg
ففي إحدى زوايا ( مقهى ريش )-في القاهرة وهي قريبة من الميدان-كانَ يجلسُ شاعرُنا بمعيةِ أترابه الذين اكتووا من آثار هزيمة 67 ولوافح نكسةِ حُزَيْرانِها التي لم تُلْقِ بظلالِها القاتمة على الإنسان العربي المصري فحسب-وهو في صفوف المعركة الأمامية-بل على الإنسان العربي عموماً من المحيط إلى الخليج،وما تلبثُ النفوس التي خنقتْها النكسةُ تجدُ متنفساً في مظاهرةٍ حتى كانَ شاعرنا أمل دنقل ورفيقُ دربه شاعرُ الزجل عبد الرحمان الأبنودي و الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي يجدون أنفسَهم في قلب التظاهرة التي احتشدَ لها الآلاف في ميدان التحرير..وكانَ النداء الجهوري الذي صرخ به الشبابُ هو حثُّ واستسراعُ الرئيس محمد أنور السادات على مسْح آثار العدوان بضربةٍ مضادةٍ،تحرر الأرضَ والإنسان ومهما كان الثمن...وراحَ شاعرنا-ومعه الجماهيرُ المتدفقة تلتف حول نصب التمثال الرمز الذي كان قائماً وقتَ ذاكَ في قلب الميدان..وكأنما التاريخ يتجدد بطقوس ثوريةٍ ومراسيمَ أخرى...!!!

كان ذلكَ في بداياتِ السبعينيات من القرن الماضي...وسبحان الله...مر وقتٌ طويلٌ جدًّا على قصيدة شاعرنا الكبير أمل..ومر وقتٌ أطول على وفاته ( توفي في شهر أيار-مايو العام 1983 للميلاد )...وها أنتَ أخي..وأنا..وكل حرٍّ أبيٍّ في هذه الدنيا يقرأ شذراتٍ خالدةٍ من دواوينه الإنسانية الثائرة ( مقتل القمر - البكاء بين يدي زرقاء اليمامة - أوراق الغرفة الثامنة...) فيرى من فراسته الشعرية العجيبة ما يجعله بالفعل ؛ الغائبُ الحاضر..!!!

وهاهي..رائعته الصرخة : ( لا تصالح.. ) تستحيي في ضمائرنا التعوبة التي طالما رددتْ كلماتها وقد عجنها-أي ضمائرنا-اليأسُ والإحباطُ والانكسار من واقعٍ عربيٍّ بائسٍ،استعصى داؤه عن العلاج والترياق..وما راحت الأيامُ الكئيبة،المثقلة،بالاستبداد والقهر والغُبْن والفقر والجوع وما أتتْ حتى تفتقَ من سديم العدل والحق بصيصاً من نورٍ..وكانتْ صرخة دنقل ( لا تصالحْ ) عنواناً امتدَّ طولاً وعرضاً وعُمقاً في الإنسان،تجاوزَ به الزمان والمكانَ الذي قيلتْ فيهما إلى أزمنةٍ أخرى وأمكنةٍ أخرى..فكانتْ صرخاتُه أكبرُ بكثيرٍ من أن تَفُتَّ من جسد الشاعر النحيل المريض،وكانتْ أكبرُ من أن يهزمها السرطانُ الذي حاصرَ عظامه التعوبة،ليُسلِمَ الروحَ لبارئها وهو في الغرفة الثامنة بمعهد الأورام القومي..!!

كانتْ صرختُه ستاراً لقدر الله تعالى النافذ في معاركِ الحق والعدل التي يُجندِلُ بها الباطلَ...!!!

لقد ولد أمل دنقل العام 1940 للميلاد...ومات العام 1983 للميلاد...وما كانتْ رحلةُ عمره الشعرية الثائرة لتسجنَه في ثلاثٍ وأربعين عاماً هي كل عمره الحياتي..فإن لأرباب الكلمةِ أعماراً أخرى أكبرُ بكثير أن تُحسبَ بِعَدِّ السنوات...ولله در أمير الشعراء :

دقـــاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له ** إن الحـياة دقـائقٌ وثواني
فارفَعْ لنفسِكَ بعد موتكَ ذكرَها ** فالذِّكْرُ للإنسان عُمْرٌ ثانِ...!!!

رحمَ الله أمل دنقل...حقًّا..لقد كانَ صوتاً لمَنْ لا صوتَ له..!!!

وشكراً-أميرَنا الجميل البديع-على إنعاش مشاعرنا وذوائقنا بهذه الرائعة...!!!

محمد سعد
09-07-2012, 12:07 AM
أستاذي الحبيب..
أقسم أنني كنت سأحزن لو لم تعلق حضرتك دون الجميع على هذا الموضوع!
نعم الكعكة الحجرية كانت في اذني -أقسم- ونحن على حواف التحرير!!
نعم حينها دقت الساعة المتعبة..!
أمل دنقل بالنسبة لي أروع شاعر قرأت له ربما..
و لا تصالح ليست هي محبوبتي الوحيدة إنني عاشق لكلمات سبارتكوس الأخيرة و أهيم عشقا بسفر التكوين..
سعدت كثيرا بسردك الرائع لحياته فكالعادة تعقيب حضرتك درسا بحد ذاته..!
أشكرك جزيلا جزيلا أستاذ يزيد :)

ذكريات
09-07-2012, 12:01 PM
أمير النبلاء...
المؤكد أن امل دنقل لم يكن قط صقرا مستباحا بل ظلّ صقرا محاربا من أجل أمتّه ولذلك ظلّ ولا يزال شاعرا قوميّا تترجّع أصداء صوته في أزمنة التّراجع العربي التي نحياها كي نقاوم ولا نصالح...
شعره مواجهة للموت وانتزاع لأقصى مدى للحياة
بورك فيك يا أمير النبلاء على ما أمتعتنا به في أستحضار هذا الشاعر الفذّ الذي لا تموت ذكراه أبدا في فكرنا ووجداننا.....

محمد سعد
10-07-2012, 04:46 PM
بوركت عزيزتي الوحيدة اللي بتفكرني بأمير النبلاء :)
نعم هو رمز الصمود حتى أمام المرض الذي ظل ينحل في جسده أنا أعشقه كثيرا..!
ألف شكر لك يا ماما :d

ذكريات
10-07-2012, 09:04 PM
وتبقى دوما امير النبلاء عند ماما ذكريات ....فالأم وحدها التي لا تنسى اسماء ابنائها

محمد سعد
18-07-2012, 12:47 AM
وهذا شرف عظيم لي يا ماما :)

السيد سالم
28-08-2012, 08:50 AM
إنتقاء جـميل ورائع
يدل على جـمال حسك الشعري وذائقتك المتدفقه بالجمال
صح لسانك ولسان شاعرها
لك تقديري وإحترامي
د. السيد عبد الله سالم
المنوفية - مصر