المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الزائر القديم / القهر


يوسف ماجد عمر نايف
26-06-2012, 12:14 PM
الزائر القديم / القهر، بقلم يوسف ماجد نايف


الشخصيات:


يوسف، مطلق في الثلاثينات
يعقوب، والد يوسف، مات قبل عامين عن عمر ناهز الخمسين
الشخص، يشبه يعقوب، في أواخر الخمسينات


المسرحية
بيت يعقوب داخلي / نهار


(صورة ليعقوب، والد يوسف، على حائط في منتصف المسرح. يوسف جالس في منتصف المسرح على كرسي وراء الطاولة، مواجها الجمهور، مطأطئ الرأس قليلا.)


صوت يعقوب (ينشد):


يا هذا اذكرني،
واسكب شايك، وانقشني
في ذهنك كالأطفالْ


إني آلامك،
أحزان الآهات
وُلدت لكي ألقى الأهوالْ


نظراتي قد لا تعني شيئا،
لكن ما همي إن كان فُعالي
من خير الأفعالْ


كرهتني الدنيا
لكن ما همي،
فليهزمني الأبطالْ


أغلقت الباب
وأوصدْت الأقفالْ


لكنّ النور تسرب
من خلف الجدران
وأنشد لي صوت ذاك الموالْ


ليذكرني بك،
فارتعشت فيّ الأوصالْ


وعلمت بأنك يوسف
حقا، يا ولدي، وستبقى
في كل الأحوالْ


لا تنساني،
واجعلني شربة ماء
تحيي فيك الشمس لتنبثقَ الآمالْ


(يقوم يوسف عن كرسيه وينظر إلى صورة أبيه فترة، ثم يأخذها ويضعها على الكرسي الآخر يمين الطاولة. ريثما يتحدث يوسف مع الصورة يجهز الطاولة ويعد الإفطار لاثنين وفنجانا شاي.)


يوسف:
(بشوق)
اقترب موعدنا يا أبي، ستجيء بعد قليل وسأفرح برؤيتك وسماع صوتك. الناس يحسدونني لأن لي أبا مثلك.


(يدور حول الطاولة مرة)


ولكن اعذرني أبي، ولا تؤاخذني بهذه الكلمة، فأنت عودتني على الصراحة. لن أطيل عليك: لكن كأنك قد تغيرت هذه الأيام. أما لاحظتَ ذلك أنت؟ أنا أذكر بسمتك الحانية كل صباح، وفنجان قهوتك التركية. لماذا لا تشرب إلا الشاي هذه الأيام؟ ألا تجد ذلك غريبا؟ آسف، أبي. أنت تعرف أني لا أحب التدخل في أمور سخيفة كهذه، لكن الصداع يؤرقني.


(يصرخ بقوة. ثم يكمل مرهقا، يكاد يبكي)


لا أعرف ما بي. لا أحد يعرف. لو أن الناس ينسونني أو يرحمونني. حتى زوجتي طلقتها وأخذت أولادي مني رغما عن أنفي. إنه ذنب محاميَّ الفاشل وليس ذنبي أو ذنبك أبي. أحيانا أشعر أني لا أستطيع، لا أستطيع، أن أراك تنظر إلي هكذا. الناس يشمتون فيّ ويستهزؤون بي. إنه القهر يا أبي. ما عدت أطيق القهر.


(يأخذ نفسا، براحة بال)


اسمعني، قد رأيتك في المنام البارحة. أحلامي عادة مثل مغامرات الكرتون ولكن هذا مختلف. رأيتك تحمل غصنا قطعته من شجرة في البيت. رأيتك تركض إلى نهاية الشارع كالضائع، يستوقفك الناس ليأخذوا ورقة أو اثنتين من الغصن، وأنت على أعصابك. وعندما وصلت إلى الحديقة العامة لم تكن على الغصن إلا ورقة واحدة. فكتبت عليها اسمي وغرست الغصن في الوحل. ما معنى هذا الحلم يا أبي؟ لم أجد له تأويلا في كتب تفسير الأحلام. شيء غريب.


(يصرخ. بنظرة وحشية يطالع وجهه في المرآة، يهدأ ببطء)


علي أن أهدأ. الهدوء ... جميل، جميل.


(يتشبث بالطاولة وهو يكاد ينهار من الداخل. هنا يدخل الشخص، شبيه يعقوب. يضع الصورة مكانها على الحائط ويجلس على الكرسي الذي أخذها من عليه. يستغرب يوسف جدا.)


أبي؟ ما بك اليوم؟ لماذا تنظر إلي هكذا؟


(يقوم الشخص من مكانه ويدور حول الطاولة مرة. ثم يجلس على الكرسي ذاته.)


اليوم ... اليوم حلمت بك! … وكتبت اسمي على ورقة غصن. رأيت الغصن يتمايل يا أبي بعدما غرسته بيديك في الوحل … انظر! أعددت الإفطار ... وشايك المفضل. أرأيت؟ أنا لا أنسى شيئا.


الشخص
(بقهر)
أرجوك اصمت قليلا … أني أفكر.


(ينظر يوسف إلى الشخص بانبهار واستغراب شديدين مدة من الزمن. يتمالك أعصابه ويجلس على كرسيه ويأكل قليلا ثم يتوقف عن الأكل ويبكي. ينظر إليه الشخص أخيرا.)


(بعصبية)
قلت لك اصمت!


(يتوقف يوسف عن البكاء ملاحظا شيئا جديدا وغريبا جدا. يقترب تدريجيا من الشخص.)


يوسف
(بحيرة)
من أنت؟ أأنت أبي. لست أبي، أليس كذلك؟ من تكون؟!


محمد
(بهدوء مزيف)
اسمي محمد.
(بعصبية شديدة)
هذه المشكلة! عقلك كحجر! أنا تعبت، اختنقت! اسمع يا ولد. أنا لست أباك. ارتحت الآن؟ أنا خالك؟ تعبت وأنا أكرر هذا المشهد سنتين من عمري. ضيعت عمري كله من أجلك، وأنت تنسى كل يوم أو كل مرة أني لست خالك. أنا خالك! افهم! طبعا أصبت بالدهشة كالعادة. ستنسى غدا صباحا كل شيء. اسمعني جيدا يا يوسف. هذه آخر مرة ستراني فيها. بما معناه أني سأموت غدا، لن آتي، انتهى الأمر. أفهمت؟


يوسف
(مصدوما)
من أبي؟ أين هو؟

محمد
(متضايقا)
هذه آخر مرة أقولها لك، أبوك مات. وأنا هو الغبي الذي أرغم نفسه أن يحل مكانه. أنا تعبت، تعبت، تعبت!


(يتجه نحو الصورة ويأخذها من على الحائط ويحطمها.)


(بهدوء مزيف)
أفهمت الآن؟ أفهمت؟


(يخرج محمد تاركا يوسف في منتصف المسرح ينظر إلى السماء. ستار.)

ذكريات
26-06-2012, 05:29 PM
قرأنا نصا مسرحيا متحركا بأبطاله وديكوره...فهلا تفكر في تحويله فعلا الى مسرحية على الركح ...فكر بذلك

يوسف ماجد عمر نايف
27-06-2012, 01:50 AM
أنا فعلا أفكر بذلك، وآمل أن أخرجها في فصل الخريف بإذن الله :)