نزار ب. الزين
26-07-2012, 02:22 AM
الشعرة من العجين
قصة قصيرة
نزار ب. الزين*
*****
تعرفعليها في بلد خليجي ، تزوجها ، ثم صحبها معه إلى بلده ،كانت تعمل كسكرتيرة في إحدى الشركات الكبرى ، و كان يعمل مراسلا في نفس الشركة ،كانت متفوقة عليه علميا فهي تحمل شهادة جامعية ، أما هو فلم يتعد المرحلة المتوسطة، و لكنه يحمل في الوقت نفسه ذكاء متقدا و على الأخص ذكاء إجتماعيا ، جعله محل ثقة رؤسائه في الشركة و ثقة كل من تعامل معه من المسؤولين باسم الشركة .
عاد إلى بلده يحمل هذه الخبرات إضافة إلى مبلغ جيد من المال تمكن من توظيفهما في الحال بافتتاح مقهى ناجحا وسط مدينته السياحية الصغيرة ، سرعانما جذب إليه كبار موظفي المدينة بدءا من رئيس المخفر إلى قاضيها إلى معلميها و حتى أصغر شرطي فيها .
كان يعرف تماما كيف يرضيهم ، و اين و متى يعفيهم من ثمن مشروباتهم ، و أين و متى يقدم لأحدهم الشيشة ( الأرغيلة ) بالتبغ المعسل و هو أقصى ما يمتلكه من تكريم .
كان يديرعمله بنفسه و يشرف على كل كبيرة و صغيرة و قد زين وجهه بابتسامة عريضة دائمة ،فأحبه عماله و زبائنه و كل من تعرف عليه ، و أصبح مقهاه دائم الإزدحام و في جميع المواسم .
*****
و على العكس من ذلك تماما كان سلوكه في بيته ، فقد منع زوجته من الإستفادة من شهادتها الجامعية وخبراتها الوظيفية ، و منعها من الخروج من المنزل أو إقامة أي صلة مع الناس .
و هو بذلك يستغل بعدها عن أهلها و صعوبة وصولهم إليها أو وصولها إليهم .
يصرف على الطعام بسخاء ، و لكنه لا يؤمن بضرورة تجديد الملابس ، ولا يؤمن كذلك بالاحتياجات النسائية كأدوات الزينة أو العطور ، هذه كلها توافه – بنظره - لا يحبها و لا يسمح بصرف درهم واحد على أي منها .
أنجبت له ثلاثة أطفال ، كان يعاملهم بمنتهى القسوة و يعاقبهم لأتفه الأخطاء ، و إن حاولت الدفاع عن أي منهم ، يصب جام غضبه عليها بلسانه البذيء بداية ثم بيده أحيانا .
ثم بدأ يحملها مسؤولية أي تقصير مدرسي يصدرعن أولاده فيعاقبها تماما كما يعاقبهم .
يخلع حزام بنطاله و يبدأ بجلدها أولا ، ثم بجلد المذنب من الأطفال ، تستغيث ، تستنجد ، فلا من مغيث و لا من منجد !
الجيران يسمعون صياحها و لكنهم لا يتدخلون ،
يصغون إلى استغاثاتها باهتمام و لكنهم يتجمدون عجزا ،
قد تتوقف اللقم في حلوقهم إشفاقا ،
قد تزرف نساؤهم الدموع بصمت،
و لكن ليس أكثر من ذلك .!..
*****
وذات يوم وردها كتاب من شقيقتها .
لقد توفي الوالد
و خلف لهما منزلا ، باعته و دعتها للحضور لاستلام حصتها .
رفض الزوج السماح لها بالسفر !
أجبرها على كتابة توكيل له ، ثم سافر بنفسه .
قبض النقود ،
و لما عاد وضعها في حسابه !.
تجرأت فاعترضت :
- هذه نقودي يا رجل ، بأي حق تستولي عليها ؟
فخلع حزامه و بدأ بجلدها ..
و لكنها قاومته هذه المرة ...
عضته من يده فأدمتها ...
تناولت المقلاة و ضربته بها فآلمته ..
ثارت ثائرته ..
أمسكها من شعرها ..
وبدأ يضرب رأسها بالجدار ..
استثار المنظر أطفالها ..
فبدؤوا يلقون عليه ما تطاله أياديهم ..
أنقض على كبيرهم فكسر يده !
و دفع ابنته فوقعت أرضا و شج رأسها ..
و عندما أصيبت الزوجة بالإغماء ..
و عندما ازداد صراخ الأطفال و عويلهم ..
و تفاقمت ثورتهم ..
غادرالمنزل مهددا متوعدا .
ثم عاد إلى المقهى يوزع إبتساماته .
أما الجيران فكانوا يسمعون صياحها و صراخ أطفالها و لكنهم لا يتدخلون،
يصغون إلى استغاثاتها باهتمام و لكنهم يتجمدون عجزا ،
قد تتوقف اللقم في حلوقهم ،
قد تزرف نساؤهم الدموع بصمت ،
و لكن ليس أكثر من ذلك !
فقد كُمّت أفواههن ! ...
*****
تجرأت جِنان – وهذا هو اسمها – و غادرت المنزل متوجهة إلى المستشفى .
عالجوا جراحها ..
صوروا دماغها ...
أكد الطبيب أنها مصابة بكسور بالدماغ وبارتجاج في المخ ..
عالجوا كسور ابنها ..
و جروح ابنتيها ..
ثم كتبوا تقريرا بالواقعة ،
و قعه المدير ،
تمهيدا لرفعه إلى النيابة العامة .
*****
حضر مشاري – وهذا هو اسمه – بصحبة أحد كبار المتنفذين إلى المستشفى .
ناقشا مدير المستشفى طويلا ..
ضغطا عليه كثيرا ..
فوافق - تحت الضغوط - على السماح بخروج المصابين على مسؤوليتهم (!)..
و تحت الضغوط سلم مشاري و صاحبه تقريره ، فمزقاه أمام عينيه ..
ثم أمر مشاري أفراد عائلته بالعودة إلى المنزل مرغمين ..
و في اليوم التالي أسلمت جِنان روحها إلى باريها ..
و خرج مشاري من جريمته كما تخرج الشعرة من العجين !!!!!
*****
أما الجيران فضرب كل كفا على كف ..
و هزوا رؤوسهم تعجبا و أسفا و أسى ...
توقفت اللقم في حلوقهم هلعا و ولها ..
و زرفت نساؤهم الدموع ...
ولكن مُنعن من التعبير أكثر من ذلك ...
------------------
*نزار بهاء الدين الزين (http://www.freearabi.com/NizarZainBibliography.htm)
سوريمغترب
عضو اتحاد كتاب الأنترنيتالعرب
الموقع :www.FreeArabi.com (http://www.freearabi.com/)
قصة قصيرة
نزار ب. الزين*
*****
تعرفعليها في بلد خليجي ، تزوجها ، ثم صحبها معه إلى بلده ،كانت تعمل كسكرتيرة في إحدى الشركات الكبرى ، و كان يعمل مراسلا في نفس الشركة ،كانت متفوقة عليه علميا فهي تحمل شهادة جامعية ، أما هو فلم يتعد المرحلة المتوسطة، و لكنه يحمل في الوقت نفسه ذكاء متقدا و على الأخص ذكاء إجتماعيا ، جعله محل ثقة رؤسائه في الشركة و ثقة كل من تعامل معه من المسؤولين باسم الشركة .
عاد إلى بلده يحمل هذه الخبرات إضافة إلى مبلغ جيد من المال تمكن من توظيفهما في الحال بافتتاح مقهى ناجحا وسط مدينته السياحية الصغيرة ، سرعانما جذب إليه كبار موظفي المدينة بدءا من رئيس المخفر إلى قاضيها إلى معلميها و حتى أصغر شرطي فيها .
كان يعرف تماما كيف يرضيهم ، و اين و متى يعفيهم من ثمن مشروباتهم ، و أين و متى يقدم لأحدهم الشيشة ( الأرغيلة ) بالتبغ المعسل و هو أقصى ما يمتلكه من تكريم .
كان يديرعمله بنفسه و يشرف على كل كبيرة و صغيرة و قد زين وجهه بابتسامة عريضة دائمة ،فأحبه عماله و زبائنه و كل من تعرف عليه ، و أصبح مقهاه دائم الإزدحام و في جميع المواسم .
*****
و على العكس من ذلك تماما كان سلوكه في بيته ، فقد منع زوجته من الإستفادة من شهادتها الجامعية وخبراتها الوظيفية ، و منعها من الخروج من المنزل أو إقامة أي صلة مع الناس .
و هو بذلك يستغل بعدها عن أهلها و صعوبة وصولهم إليها أو وصولها إليهم .
يصرف على الطعام بسخاء ، و لكنه لا يؤمن بضرورة تجديد الملابس ، ولا يؤمن كذلك بالاحتياجات النسائية كأدوات الزينة أو العطور ، هذه كلها توافه – بنظره - لا يحبها و لا يسمح بصرف درهم واحد على أي منها .
أنجبت له ثلاثة أطفال ، كان يعاملهم بمنتهى القسوة و يعاقبهم لأتفه الأخطاء ، و إن حاولت الدفاع عن أي منهم ، يصب جام غضبه عليها بلسانه البذيء بداية ثم بيده أحيانا .
ثم بدأ يحملها مسؤولية أي تقصير مدرسي يصدرعن أولاده فيعاقبها تماما كما يعاقبهم .
يخلع حزام بنطاله و يبدأ بجلدها أولا ، ثم بجلد المذنب من الأطفال ، تستغيث ، تستنجد ، فلا من مغيث و لا من منجد !
الجيران يسمعون صياحها و لكنهم لا يتدخلون ،
يصغون إلى استغاثاتها باهتمام و لكنهم يتجمدون عجزا ،
قد تتوقف اللقم في حلوقهم إشفاقا ،
قد تزرف نساؤهم الدموع بصمت،
و لكن ليس أكثر من ذلك .!..
*****
وذات يوم وردها كتاب من شقيقتها .
لقد توفي الوالد
و خلف لهما منزلا ، باعته و دعتها للحضور لاستلام حصتها .
رفض الزوج السماح لها بالسفر !
أجبرها على كتابة توكيل له ، ثم سافر بنفسه .
قبض النقود ،
و لما عاد وضعها في حسابه !.
تجرأت فاعترضت :
- هذه نقودي يا رجل ، بأي حق تستولي عليها ؟
فخلع حزامه و بدأ بجلدها ..
و لكنها قاومته هذه المرة ...
عضته من يده فأدمتها ...
تناولت المقلاة و ضربته بها فآلمته ..
ثارت ثائرته ..
أمسكها من شعرها ..
وبدأ يضرب رأسها بالجدار ..
استثار المنظر أطفالها ..
فبدؤوا يلقون عليه ما تطاله أياديهم ..
أنقض على كبيرهم فكسر يده !
و دفع ابنته فوقعت أرضا و شج رأسها ..
و عندما أصيبت الزوجة بالإغماء ..
و عندما ازداد صراخ الأطفال و عويلهم ..
و تفاقمت ثورتهم ..
غادرالمنزل مهددا متوعدا .
ثم عاد إلى المقهى يوزع إبتساماته .
أما الجيران فكانوا يسمعون صياحها و صراخ أطفالها و لكنهم لا يتدخلون،
يصغون إلى استغاثاتها باهتمام و لكنهم يتجمدون عجزا ،
قد تتوقف اللقم في حلوقهم ،
قد تزرف نساؤهم الدموع بصمت ،
و لكن ليس أكثر من ذلك !
فقد كُمّت أفواههن ! ...
*****
تجرأت جِنان – وهذا هو اسمها – و غادرت المنزل متوجهة إلى المستشفى .
عالجوا جراحها ..
صوروا دماغها ...
أكد الطبيب أنها مصابة بكسور بالدماغ وبارتجاج في المخ ..
عالجوا كسور ابنها ..
و جروح ابنتيها ..
ثم كتبوا تقريرا بالواقعة ،
و قعه المدير ،
تمهيدا لرفعه إلى النيابة العامة .
*****
حضر مشاري – وهذا هو اسمه – بصحبة أحد كبار المتنفذين إلى المستشفى .
ناقشا مدير المستشفى طويلا ..
ضغطا عليه كثيرا ..
فوافق - تحت الضغوط - على السماح بخروج المصابين على مسؤوليتهم (!)..
و تحت الضغوط سلم مشاري و صاحبه تقريره ، فمزقاه أمام عينيه ..
ثم أمر مشاري أفراد عائلته بالعودة إلى المنزل مرغمين ..
و في اليوم التالي أسلمت جِنان روحها إلى باريها ..
و خرج مشاري من جريمته كما تخرج الشعرة من العجين !!!!!
*****
أما الجيران فضرب كل كفا على كف ..
و هزوا رؤوسهم تعجبا و أسفا و أسى ...
توقفت اللقم في حلوقهم هلعا و ولها ..
و زرفت نساؤهم الدموع ...
ولكن مُنعن من التعبير أكثر من ذلك ...
------------------
*نزار بهاء الدين الزين (http://www.freearabi.com/NizarZainBibliography.htm)
سوريمغترب
عضو اتحاد كتاب الأنترنيتالعرب
الموقع :www.FreeArabi.com (http://www.freearabi.com/)