المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أنا والرحيل


إياد ماجد
26-09-2006, 10:43 AM
واستلمت بريده كانت الرسالة قصيرة جداً ومختصرة , كانت تقول بسطرها اليتيم دعيني أراك قبل الغروب , وبعد ساعات تحول الكون كله إلى رجل وامرأة امرأة كتبت لها الأقدار أن تكون صفقة رابحة في تجارة أبيها فكانت كما أراد وخسرت الرهان الكبير رهان الحياة , ورجل أحب ليجد نفسه وجها لوحه أمام خصمه اللدود الريشة تقابل الرمح والحب يواجه المال والخسة , والخيارات هنا محددة ولا حلول وسطى فإما أن تكون قاتلا أو مقتولا . لم يكن نزالا عادلا أو انه لم يعتد هذا النوع من النزال , كانوا دائما يقولون (( الحضارة أقوى من البربرية )) وكان ذات يوم يؤمن بذالك اشد إيمان , لكن إيمانه تلاشى عندما رأى بأم عيناه الحضارة وهي تتمرغ بالتراب تحت أقدام البربرية , حملوه من الحلبة مضرجا بدمائه وقذفوا بجثته إلى البحر أدرك عند ذالك بأنه خسرها , خسرها إلى الأبد . ترددت اليوم قبل أن تأتي فلقد أصبحت متزوجة ولأول مرة من زواجها تحس بأنها وجدت صدرا حنونا تسند آسها عليه وتبكي مثل طفل جائع متعب ضل طريقه , جلست على ذات الربوة المطلة على البحر تتأمل شريط الذكريات الحزين متجهة إلى الغرب وهي تعلم في قراءة نفسها بأن حبيبها الذي كان ومازال حبيبها سيأتي من الشرق . ارتعشت للحظة عندما سمعت صوت أقدام متعبة تقترب منها رويدا رويدا لكنها لم تستطيع أن تستدير فقد خانتها الدموع كانت تتمنى أن لا تبكي أمامه لكن قهرها في تلك اللحظة فاق الاحتمال ......... واستدرت أخيرا لم يتغير مثلما عهدته إلا ذالك الشحوب التي كانت تتشح به ابتسامته التي حفظتها عن ظهر قلب بكل تفاصيلها استمر في الاقتراب منها دهشت عندما رفع يده اليسرى ليصافحها بدلا من اليمنى فرفعت يدها وتصافحا , لم يفلت يدها ومد يده الأخرى ومسح الدموع عن وجنتيها وقال لها ممازحا من أي مدينة أنت ؟ ابتسمت ابتسامة صفراء وهي تقول في برود من تدمر , تذكرت حين سمعت كلماته أول لقاء عندما تعرفت عليه . قال لها وما اسمك ؟ قالت ألا تذكر زنوبيا ! ضحك وهو يقول وهل جميع التدمريات يحملن اسم زنوبيا , افلت يده من يدها بعد أن خطف الخاتم من (( بنصر يدها )) اليسرى دهشت لذالك قال لها سأحررك من قيدك لتري آخر قصيدة تكتب في هاتين العينين وبعدها سأعيد لك قيدك وامضي فأنا أريد أن تسمعي قصيدتي وأنت حرة خارج القيود والسجون , جلسا غربا أمسكت زراعه وراح يتلو عليها قصيدة اسمها
(( الرحيل ))

ارحلي لكن ليس بهذه الطريقة , هذه الطريقة التي طالما قتلتني , تلك الطريقة التي خلفت في قلبي عدة جروح وأنا أبدو حزينا كئيب منذ الفراق ذاك الفراق عندما ذهبت دون أن تودعيني دون أن تخبريني بأنك سوف تغيبين لشهور لسينين ! مازلت ابحث عن قلبي ولا ادري متى أجده ربما عندما ألقاك مرة أخرى ولكن ليس ككل لقاء بل لقاء الأحبة لقاء لن يكون بعده فراق فأنت منذ لقاءنا الأول مازلت تذكرين كيف ارتسمت ضحكتي على وجهي الحزين ثم جاء رحيلك ......... رحيلك الطويل , ارحلي من أني اعرف أن رحيلك سوف يجرحني
ارحلي ولكنك سوف تبقين ووجهك سيبقى في قلبي دفين وروحك تحتضر أمام أشواق الحنين اعلم علم اليقين بأنك سوف تبقين في كل حلم وليلة وفجر وغروب وفي كل لحظة تمر كما كنت في كل لحظة مرت . لكني لم أتخيل أن ترحلي هكذا دون أي كلام دون أن يبان عليك الرحيل دون أن تطفىء نار قلبي الحزين , آه كم اشتقت لعينيك الحوراء ولنظرتك الساحرة التي قتلت الأحداث الماكرة والتي مازلت وستظل في الذاكرة منقوشة كنقطة بيضاء في ذالك الماضي وأيامه السوداء , ارحلي ولكن دعيني أتأمل رحيلك أتأمل عيناك تقتلعان قلبي أتأمل وجهك يسرق خيالي أتأمل النجوم تخترق الغيوم أتأمل الأزهار تطلق المرار أتأمل الجبال تفارق الوديان أتأمل الأوتار تصيح الآهات أتأمل قلبي يغادر المكان ويهوي إليك كأنه سكران . أأعيش عندك وعقلي هنا هذه أضحوكة صنعها الزمان آه من هذا الزمان , لأول مرة أقف فيها عاجزا عن فعل ما أريد معاندة الزمان كانت وما زالت تورث الجروح تورث الأوجاع وأنا يكفيني حزن الوداع ويكفيني انك تبتعدين وتزيدين من شوقي والحنين وتزيدين من لوعة قلبي الدفين . ارحلي ولكن لا تأخذي معك أي شي لأنني لا أستطيع إعطائك أي شيء , فقلبي لديك وعقلي وحيد وأضلعي لديك دون الوريد فماذا أعطيك وعندك كل شيء , أنت قمري ولكن في غير سماي نورك غاب عني ولم تبصره عيناي لم يعرف العالم ما بي ومالي وما للعالم فأنا احبك لوحدك دون الناس دون العالم لذا ارحلي ولكن دعيني ولا تنسيني فأنا لن أنساك مهما طالت الأوقات وتباعدت بين قلبي وقلبك المسافات سيبقى قلبي ينبض حبا لأجلك رغم كل الصعوبات )) .

وعندما انتهى من قراءة القصيدة كانت الشمس قد جمعت ما تبقى من شتات أشعتها المتناثرة هنا وهناك على شعرها وخديها وانكسارات البحر وعينيها , لم يكن يسمع شيء في تلك اللحظة إلا هدير البحر وصوت (( نشيج التدمرية )) وهي تبكي , امسك بنصر يدها اليسرى وأعاد لها قيدها ومضى مع الغروب , نظرت إلى الأفق الملتهب كانت جميع النورس تحلق عائدة إلى الشواطىء بعد جهد يوم طويل إلا واحد كان يسافر عكس الجميع إلى المجهول إلى حيث غربت الشمس أدركت بأنه حبيبها فلوحت له ونادت بأعلى صوتها
(( أرجع أرجع يا طائري العزيز )) استدار إليها فرأى بريق الدموع في عينيها لكن بريق ذالك الخاتم كان أقوى فاغرورقت عيناه بالدموع وأكمل طريقه إلى حيث غربت الشمس بينما نزعت فتاته خاتمها وألقت به إلى البحر ومضت باكية إلى سجنها الذي أختاره لها أبيها لتكتب في مذكراتها :
((( رحل آخر النوارس ومات الحلم الجميل )))

أحزان
23-10-2006, 02:53 PM
يسلموا عالطرح الرائع..بارك الله فيك

إيمان السعيد
26-10-2006, 08:35 AM
ماجد

ما أروعكـ


يطاع الحرف لكـ


مودتي


إيمان

مزون المحمد
11-03-2007, 02:12 AM
إياد ماجد

ألف شكر لروعة حضورك

لاهنت

محمد الفرحان
22-02-2008, 08:31 AM
.

.

الف شكر لك اخي على هذه

القصة الرائعة ولاعدمنا

حضورك

لك مني فائق التقدير
والاحترام

فهد الدباسي
22-03-2008, 02:07 PM
إياد ماجد


قصةٌ جميلة

و حضورٌ لافت كـ عادتك


تقبل تحياتي