مشاهدة النسخة كاملة : ((( نظرة إلى الحياة )))
قطرات من ندى
20-12-2006, 11:33 AM
((( نظرةٌ إلى الحياة )))
بسم الله الرحمن الرحيم
" الحمد لله رب العالمين"
في سطور بسيطة أحببتُ أن أوافيكم بشيء من التحليل الأدبي الناقد الذي يغور في تفاصيل اللفظ،
و اختيار الكلمة،
و امتلاء المعنى و سعته،
و ذلك من خلال :
((( نظرة إلى الحياة )))
قصيدة لأمير الصعاليك الشاعر ...عروة بن الورد..
نبدأ أولا بالشاعر في نبذة بسيطة عنه،
ثم نسوق أبيات الشعر،
و نتبعها بالفكرة العامة ،
فالتحليل،
و نختم بالنظرة الناقدة.
متمنية أنْ تسعد الأوقات منكم ،
و اللحظات معكم،
بالذائقة التي أضعها بين يديكم*****
قطرات من ندى
20-12-2006, 11:35 AM
((( الشاعر)))
ينتمي عروة بن الورد بن زيد إلى قبيلة عبس،التي كانت تقطن قريبا من يثرب ( المدينة المنورة)،غير أن الحروب التي استعر أوارها بينها و بين بني عمومتها (ذبيان) جعلتها تهجر مواطنها الأصلية و تقصد منازل بني عامر،فألقتْ رِحالَها على مقربة من الحجاز.
و كان أبوه من شجعان القبيلة و أشرافها،و قام بدورٍ بارزٍ في حرب داحس و الغبراء بين عبس و ذبيان.
و كانت أمه من بني نهد من قضاعة،و هي عشيرة لم تعرف بشرفٍ و لاخطر، فآذى ذلك نفسَ عروة ايذاء منكرا و أحس في أعماقه من قِـبَـلِـها بعارٍ لا يُمحى كما يقول:
و ما بي من عار إخالَ عَلِمْتُهُ
سوى أنَّ أخْوالِي -إذا نسبوا-نَـهْـدُ .
و لعل هذا الإحساس من بين الدوافع التي أججت في نفسه الثورة على النظام الاجتماعي و الاقتصادي الذي كان سائدا آنذاك،و لكنها ثورة جادة هادفة مهذبة،لم تحوله إلى سافك دماء،ولا إلى قاطع طريق،ولا إلى متشرد يرود مجاهل الصحراء،فقبيلته لم تخلعه،
بل ظل ينزل فيها منزلا كريما،
إذ اتخذ من ثورته أو صعلكته بابا من أبواب الفتوة و المروءة و التعاون الاجتماعي بينه و بين فقراء قبيلته،
و من اجل ذلك لقب بعروة الصعاليك.
يقول صاحب الأغاني :
- إن عبسا كانت إذا أجدبت أتى أناس منها ممن أصابهم جوع شديد و بؤس عظيم فجلسوا أمام بيت عروة حتى إذا أبصروا به صرخوا و قالوا:
يا أبا الصعاليك
أغثنا
فكان يرق لهم و يخرج بهم فيصيب معاشهم -.
و لم يكن عروة يؤثر نفسه بشيء مما يصيبه على منْ يرعاهم من الفقراء و المحتاجين من قبيلته،
و كثيرا ما كان يؤثرهم على نفسه و يبيت طاوياً ناعمَ البال راضِيَ النفس .
كما لم يكن يغير على كريمٍ يبذل ماله للناس،بل يتخير لغاراته الأشحاء الذين لا يرعون ضعفاً و لا قرابة.
ولذلك كانت قبيلته تَأْتَمُّ به في خِلالِه و خِصالِه،
و جاءت العربُ من بعدها فأعجبت به إعجابا شديدا حتى قال عنه عبد الملك بن مروان:
منْ زعم أن حاتماً أَكْرَمَ الناس،
فقد ظلم عروة .
و هذه القصيدة من أوثق شعره و أصدقه،انشدها له الأصمعي في أصمعياته.
****
قطرات من ندى
20-12-2006, 11:39 AM
((( القصيدة)))
أقِـلِّـي علَيَّ اللومَ يا بنتَ مُنذِرٍ
و نامي،و إن لم تشْتهي النومَ فاسْهري
ذرِيني أُطـوِّفُ في البلادِ لعلَّـني
أُخَلِّيكِ أو أُغْـنِـيكِ عن سُوءِ مَـحْـضَرِ
فإنْ فازَ سَهْمٌ للمنِـيَّـةِ لم أكُنْ
جزوعاً،وهل عن ذاك من مُـتـأخِّرِ
وإنْ فازَ سَهْمي كـفَّـكم عن مقاعِدٍ
لكم خلفَ أدْبارِ البيوتِ و مَـنْـظَـرِ
لَـحَـى اللهُ صُـعْـلُـوكاً إذا جـنَّ ليْلُهُ
مُـصـافي الـمِـشـاشَ آلِـفـاً كُلَّ مَجْزَرِ
يعُدُّ الـغِنَى من دهرهِ كلَّ ليْلَةٍ
أصابَ قِراها من صديقٍ مُيَسَّـرِ
ينامُ عِـشاءً،ثم يُصْبِحُ ناعساً
يَحُـثُّ الـحَـصـى عن جنبهِ الـمُـتـعَـفِّرِ
قليلُ التماسِ الزادِ إلا لنفسهِ
إذا هو أضْحى كالعريشِ الـمُـجَـوَّرِ
يُـعِـينُ نساءَ الحـيِّ ما يَسْتعِـنَّـهُ
فـيُـمْـسِي طليحاً كالبعيرِ الـمُـحَـسَّـرِ
و لله صُـعْـلُـوكٌ صَـحِـيـفَـةُ وَجْـهِـهِ
كضـوء شِـهـاب الـقـابِـسِ الـمُـتَـنَـوِّرِ
مُطِلاًّ على أعدائه يَـزْجُـرُونَـهُ
بساحَتِـهم زَجْـرَ الـمَـنِـيـحِ الـمُـشَـهَّـرِ
و إنْ بَـعُـدُوا لا يأْمَـنُـونَ اقْـتِـرابَـهُ
تَـشَوُّفُ أهلِ الغائبِ الـمُـتَـنَـظَّـرِ
فذلك إن يَـلْقَ الـمَنِـيَّـةَ يَلْقَـها
حميداً،و إنْ يستـغْـنِ يوماً فأجْـدِرِ
أيَـهْلَكُ مُـعْـتمٌ و زَيْدُ و لم أقُـمْ
على نَـدْبٍ يوماً و لي نَـفْـسُ مُخْـطِـرِ
سنُـفْـزِعُ بعد اليأس منْ لا يخافُـنا
كَـوَاسِعُ في أخرى السَّـوَامِ الـمُـنَـفَّـرِ
نُـطاعِـنُ عنها أوّلَ القوم بالـقِـنَـا
و بِـيضٍ خِـفَافٍ وَقْـعُـهُـنَّ مُـشَـهَّـرُ
و يوماً على غاراتِ نَـجْـدٍ و أهلِـهِ
و يوماً بأرضٍ ذات شَـتٍّ و عَـرْعَـرِ
يُـرِيحُ عَـلَيَّ الليلُ أضْـيـافَ مـاجِـدٍ
كريمٍ،ومَـالِـي سَـارِحًا مالُ مُـقْـتِـرِ
*****
قطرات من ندى
20-12-2006, 11:43 AM
(((نظرة فاحصة )))
يتناول عروة بن الورد في هذا النص عدة أفكار:
فهو يستهله بالحوار بينه و بين زوجته سلمى،ثم يعرض عليها صورتين إحداهما للصعلوك الخامل و الأخرى للصعلوك العامل ،ثم يحدثها عن دوافع غزوه و اتجاهاته و ينوه بفقره لشدة كرمه.
في الأبيات الأولى يوجه الشاعر الخطاب إلى زوجته و يكني عنها ببنت منذر،تكريما لها و تقديرا لمكانتها في نفسه،
و ينصح لها أن تخفف من حدة لومها له على كثرة مخاطراته و مغامراته في الغزوات و الغارات ، فهو إنما يرمي بنفسه في المهالك من أجلها حتى يغنيها ،و حتى لا تشعر بذل الحاجة و الهوان من بعده،و هو يقابل المنية بقلب جلد لا يعرف الخوف و جنان ثابت لا يستشعر الفزع،فإن فاز سهم المنية فيكفيه أنه أدى ما تفرضه عليه طبيعة الحياة دون وَجَل،لأن سهم المنية نافذ،
قاتَلَ أم لم يقاتل
أغار و خاطر أم يغر و لم يخاطر.
و يسوق عروة هذا المعنى في أسلوب الاستفهام الذي يخرج عن معناه الأصلي إلى النفي،و كأنما يود أن يُشْرِك زوجته معه في التفكير كي تتنفس جو الـمخاطرة و اليقين الذي يتنفسه،حتى تهدأ ثائرتها و يستقر خاطرها و يثوب إلى ذهنها ما كان عنه غائبا،و هو أنه سيموت إن لم يُقْتَل، فهذه طبيعة الحياة.
أما إذا فاز سهمه و نجح في غاراته و استاق غنائمه فان ذلك يصون ماء وجوههم أن يراق،و يحميهم ذل السؤال،
و هو لم يصرح بذلك تصريحا،و انما رسم صورة للمحتاجين بكلمات مادية تجعلها أقوى تأثيرا في النفس من الصور الخيالية ... تلك هي مقاعدهم خلف البيوت ينتظرون فضلات الأغنياء و فتات موائدهم،و هذا المنظر السيئ من شأنه أن يؤذي القلوب الذكية و الضمائر الأبيـّة.
و من ثم فهو لا يستطيع القعود عن الغزو كما تريد زوجته لما عليه من واجبات نحو المحتاجين من بني قبيلته و نسائها المعوزات،و العفاة و طُلاب العطاء من الضعفاء،فهو إنما يغزو من أجل الوفاء بحقوق هؤلاء جميعا في تحقيق حياةٍ أفضل لهم و تخليصهم من حياة الذل والهوان التي يفرضها عليهم المجتمع،لما يسوده من خلل اقتصادي و اجتماعي.
و هذا ما يجعله ذا جرأة و شجاعة و تحدٍّ للمنيّة،
و ندرك هذا من موازنته البارعة بين سهمه و سهمها،
و جعلها قسيمة له،
لا تستطيع أن تفزعه،
و لا أن تروعه،و تجزعه،
و لم لا ؟
و هو ذو مهارة فائقة،
و دِرْبَـةٍ تامة،
و سيفٍ إذا هزّه لم يَكْـبُ
و إذا ضربَ به لم يَـنْـبُ.
ثم يعرض عروة على زوجته صورتين للصعلوك:
الأولى صورة الصعلوك الخامل ...يتراءى فيها الصعلوك ضعيف الهمة،ساقط المروءة،حسبه لُقَيْماتٍ ينالها مما يتساقط من فتات موائد الموسرين،و انه لينام ملء جفونه إذ ليس هناك ما يشغله أو يؤرقه،كما أنه في النهار ليس له ما يصنعه سوى خدمة النساء،فهو
ذليلٌ
مهينٌ
يعيش عالةً على مجتمعه،
يتعاطى الدَّنِـيَّة،
و لا يربأ بنفسه عن الصَّـغَار.
و قد جعله عروة شبيها بالحيوانات التي تبحث عن قوتها في مواضع الفضلات و مواطن النفايات،و كان مُوَفَّقا في وصفه بقوله(آلِـفًـا كل مَجْزَرِ) ليبرز دأبه و عادته و سيرة حياته،و في جعله يعد غاية الغنى ما يتساقط إليه من فضلات الموسرين،و في تصوير كسله و بلادته بهذه الصورة التي تجعلنا نتخيله ماثلا أمامنا و قد صحا من نومه تبدو عليه أمارات النعاس كأنه لا يريد الإفاقة،فراح يعمل يديه ليزيل عن جسمه ما لصق به من الحصى لطول ما تمرغ في التراب،و لا نجد أروع و لا أدق من هذا الفعل الذي عبر به الشاعر(يحت الحصى) ليستحضر في الذهن صورة الفعل و يجعلنا نشاهد وقت إجرائه،
فينفر منه ذوقنا،
و تضيق به صدرونا،
و تشمئز منه نفوسنا.
و ما ذاك إلا لأنه كالعرين المتهدم المتساقط الذي لا نفع فيه لأحد ولا فائدة ترجى منه لغيره،وغاية ما يستطيعه هو هذه الأعمال التافهة المرذولة التي يكلفه بها نساء الحي و مع ذلك ترهقه و تضنيه كالبعير المحسر.
و أما الصورة الثانية فهي صورة الصعلوك العامل:
هي صورة يعجب بها عروة كثير الإعجاب و يرضى عنها كل الرضا،إذ هو صعلوك يشرق وجهه بأعماله المجيدة و أفعاله النبيلة،و لا يزال يطل على أعدائه الأغنياء الأشحاء و يشرف عليهم فيظفر منهم بكل ما يريد على الرغم من صياحهم و زجرهم له و مقاومتهم اياه،يودُّون أن يخرج من ديارهم دون أن يصيب مغنماً،و هم مهما بعدت ديارهم عنه لا يأمنون غزوه و مخاطرته،بل إنهم ليتوقعون ذلك منه،و ينتظرون مَقْدمه عليهم انتظار أهل الغائب له،لعلمهم انه لا بد راجع إليهم و مصيب منهم.
و مثل هذا الصعلوك الجريء إن يمت تظل ذكراه خالدة لمحامده و مناقبه،و يظفر بحسن الأحدوثة و بقائها.
و نحس إعجاب عروة بهذه الصورة من خلال الخطوط الأساسية التي رسمها لها فلونها بلون وجدانه و خلع عليها إحساسه، فصحيفة وجهه كضوء الشهاب،و كان دقيقا حين جعل اقتباس الشهاب للاستضاءة به ليتمم الصورة و يستكمل لها البريق و الصفاء ( كضوء شهاب القابس المتنور)،و كذلك حين صوّره مُشْرِفا على أعدائه الأغنياء الأشحاء من مكانٍ علٍ،ليبرز عُلُوَّ القِيَم التي يغير من أجلها و يسعى إلى تحقيقها،و جعلهم في ساحاتهم لا يبدون مقاومةً له و لا دفْـعًا إلا بالصياح و الضجيج،عله يخرج من ديارهم مُسْرِعًا دون أن يفوز بغنيمة،كالقدح المنيح بين الناس.
و لكننا قد نشعر باختلاف الجو النفسي حين يجعل الشاعر تشوف هؤلاء الأعداء و تطلعهم إلى غزو (الصعلوك العامل )لهم مثل (تشوف أهل الغائب المتنظر)فشتان بين قومٍ ينتظرون غائبًا يُهَـدْهِـدُهُـمُ الحنين،و يستعجلون الأيام لحضوره،و بين قومٍ يتوقعون عدوًّا مُغِيرًا لا يدرون كيف يكون دفعه و اتِّـقاؤُه.
و ما هنالك من شكٍ في أن عروة حين عرض على زوجته هاتين الصورتين إنما أراد منها أن تختار لزوجها الصورة الرائقة الجديرة بكل اعجاب و تشجيع من الزوجة و غير الزوجة،صورة الصعلوك الشريف الخليق بالثناء و التقدير.
و كأنما ءانس عروة من زوجه حسن الاختيار فشرع يحدثتها عن دوافع غزوه و اتجاهاته ،فهو يستنكر أن يرى عشائره تهلك جوعا و أسىً،و هو في الحي قابعٌ في مكانه لا يخاطر من أجلهم،فذلك عارٌ ما بعده عار على الصعلوك الشريف الذي نصب نفسه لرعاية الضعفاء و الْـهُـلاَّك من قومه،فلا بد له أن يقتحم مع رفاقه الصعاليك العاملين حمى بعض القبائل التي لا تعترف بحقوق الضعفاء،و لا تبذل مالها للبائسين المحتاجين،و ذلك ليطردوا إبلها السائمة بخيولهم و يستاقوا منها ما يشبع هؤلاء الجياع و يدرأ عنهم غائلة الهلاك،و لا بأس في أن يخوضوا المعارك في سبيل هذا الهدف الإنساني النبيل،فيطاعن هو رفاقه بالرماح و بالسيوف التي ذاق الأغنياء الأشحاء مرارة وقعها،و عرفوا حسن بلائها،و هو لا يألوا جهدا في تشديد غاراته و تسديد ضرباته،تارةً بنجد و أخرى بالحجاز حتى يغنم ما يسد عوز المحتاجين،و حتى يجد ما يقدمه لضيفانه الذين يطرقون بابه ينشدون المأوى و الطعام.
و ما أكثر ما غنم،
و لكنه مَاجِدٌ كريم
لا يكاد يبقي في يده شيئا،
فنواله مبذول لإطعام ذوي المسغبة،
و إغناء ذوي الحاجة الذين عضهم الفقر و نكل بهم الزمان و تنكّر لهم المجتمع،
و لذلك لا يبدو غنيا ذا مال،
بقدر ما يبدو فقيرا ذا إقلال.
و لعل في الصورة المتحركة التي رسمها الشاعر للخيل تطرد الإبل الـمُـنَـفَّـرَة و تستاقها و تجعلها تابعة لها، في حين يقاتل هو و رفاقه أؤلئك الذين يحاولون صدهم عنها،لعل فيها ما ينقل الأشياء التي يصورها محتفظًا لها بكل خصائصها و صفاتها،لأنه لا يفرض إرادته الفنية عليها،
بل هو يشعر فيما يفعل،
لا فيما يتخيل،
و تلك سمة من سمات الواقعية التي صبغت الشعر في زمانه بصفة خاصة.
كما أنه لا ينبغي أن تَحُولَ بعضُ الألفاظ التي استخدمها الشاعر في رسم هذه الصورة بينك و بينها،
فذلك فعل المسافة الزمنية التي تفصل بيننا و بين هذا الشعر من ثراتنا،
كما أن هذه الألفاظ المادية بمعانيها الحسية التي لم يتعمق فيها الشاعر و لم يعمد إلى تجريدها و تحليلها إلى معانٍ ذهنية يغوص فيها الفكر و يسعى ورائها العقل،إنما يأتي بها كما استقاها من عالم الحس الذي يراه تحت عينيه ...
وإنما هي كذلك أثر من ءاثار البيئة التي يعيش فيها ،
و أثر من طبيعة الحياة التي فَرضتْ عليه السرعة و الحركة الدائبة المستمرة،و لم تتح له الحياة الثابتة المستقرة ليأتي شعره دقيق الفكرة عميق الخيال
قطرات من ندى
20-12-2006, 11:47 AM
((( نظرة أخرى )))
هذه القصيدة:
تخالف هذه القصيدة طبيعة الشعر الجاهلي من ناحية و طبيعة شعر الصعاليك من ناحية أخرى:
فمن المعروف أن القصيدة الجاهلية تتناول موضوعات متعددة،ينتقل الشاعر من أحدها إلى الآخر حسب مقدرته الفنية و براعته في حسن التخلص،و أن أبياتها لا ترتبط بعضها ببعض ارتباطا وثيقا،فقلما تتعاون مجموعة من الأبيات في تصوير خاطرة من الخواطر،و انما هي انفعالات متتابعة،يصور كلا منها بيت من الابيات و كأنه وحدة معنوية قائمة بذاتها،فما اشبه القصيدة الجاهلية بباقة من الزهور تضم كل الألوان.
أما هذه القصيدة فقد تناولت موضوعا واحدا شأنها في ذلك شان معظم شعر الصعاليك،
بدأها عروة بحوار بينه و بين زوجته التي تماريه في الغزو شفقة عليه و ضنا به،و لكي يستطيع اقناعها عرض عليها صورتين للصعلوك،و اتاح لها أن توازن بينهما و أن تختار الصورة التي تروقها لزوجها،و بعد أن اطمأن إلى حسن اختيارها و صواب حكمها،مضى يحدثتها عن الدوافع الانسانية النبيلة التي تحفزه للغزو.
فهي قصيدة ذات موضوع واحد يشرح فيها الشاعر مبادئ حركة الصعلكة،
و اهدافها،
و نظرتها إلى الحياة،
و يصور حملاتها و اغاراتها،
و يضع براعم فلسفتها الاجتماعية و نزعاتها الانسانية كما تصورها عروة و كما فرضتها طبيعة النظام الجاهلي قبل الاسلام.
و لا بأس في أن نجد شيئا من التكرار لبعض المعاني التي ألمّ بها عروة،و بخاصة في حديثه عن الغزو و دوافعه،فلعل ذلك لانه يريد أن يرسخ هذه القيم السامية التي يدافع عنها و يجاهد في سبيل بلوغها،ألا و هي اقرار شيء من التوازن الاقتصادي في المجتمع،و اذابة الفوارق الطبقية التي كانت تسود المجتمع الجاهلي،و التي جعلت الناس يستعبد بعضهم بعضا بسبب اللون و المال
( حتى جاء الاسلام فانتشلهم من بين براثنها)
فإنما خُلقتْ هذه النعم لا ليستأثر بها فريق من الناس دون فريق بل ليستمتع بها الناس جميعا
قد تتفاوت حظوظهم في هذا الاستمتاع
و لكن لا ينبغي أن يفرض الحرمان على احد.
و اما مخالفة القصيدة لشعر الصعلكة :...فمن حيث الطول و القصر،
إذ أن شعر الصعاليك في معظمه مقطوعات قصيرة لا ترقى إلى مرتبة القصيدة،و ذلك نتيجة كثرة اضطرابهم و قلة استقرارهم لقيام حياتهم على الإغارات التي لم تيسر لهم الإطالة في الشعر،فكأنما يخطفون خطفا كما يخطفون في غاراتهم التي يشنوها،
و ما هذه القصائد الطويلة القليلة التي وصلت الينا مثل هذه القصيدة و مثل لامية الشنفرى إلا مجرد استثناء يثبت القاعدة و لا ينفيها،
و الراجح أن هذه القصائد الطوال قيلت في ظروف مستقرة سنحت فيها الفرصة لصاحبها أن يطيل.
و القصيدة هذه تعبير عن فردية صاحبها و نفسيته كما هو الشان في شعر حركة الصعاليك،فلا نجد فيها اثرا لفخره بالقبيلة أو الاعتزاز بالإنتماء اليها ذلك انه و قد انسلخ عن القبيلة و نظامها و تقاليدها في سلوكه فقد انفرد عنها في تعبيره،
لذلك يعد النقاد الشعر الذي صدر عن حركة الصعاليك من الشعر الغنائي الصحيح الذي يعتز بالشخصية الفردية و مذهبها في الحياة.
كما أن هذه القصيدة تعد ايضا ذات مضمون ثوري،
لأن عروة أحس بالظلم الاجتماعي و الاقتصادي الذي نزل على بعض قومه،
فسعى ليكفكف دموع هؤلاء البائسين المحاويج،
و ليصونهم عن حياة الذل و الحرمان،
و ليعيد توزيع الثروة في المجتمع
بانتزاع حقوق الفقراء
الذين لا يجدون ما ينفقون
من ذوي الثروة
الذين يجدون
و لا ينفقون.
فهو كما يقول عنه الدكتور احمد امين:
( اشتراكي عملي لا اشتراكي نظري فحسب)
و بهذا الارتباط بقضية اجتماعية عاد عروة في شعرنا المعاصر رمزاً للمصلح الاجتماعي الثائر..
يقول (سالم الخباز) في قصيدته (عروة):
عجيبٌ أنتَ يا عُرْوَةْ
إِباؤُكَ ناصِعُ الـنَّخْـوَةْ
هَـزَمْـتَ الليْـلْ
لم تَـخْـشَ احْـتِـكَـارَاتِـهْ
و لم تَـأْبَـهْ بِـظُـلُـمَـاتِـهْ.
( حايره )
26-12-2006, 06:27 AM
شعر الصعاليك له مميزاته الخاصه
لكن نجد أن شعر ( عروة ) قد تجاوز وتفوق
على شعراء الصعاليك من خلال مواضيعه التي تطرق لها
ومن خلال تغييره في القصيدة من حيث عدد الأبيات
قطرات من ندى
ألف شكر
على الدراسة النقدية الوافيه
لكِ أجمل تحية
محمد الفرحان
27-12-2006, 02:25 PM
.
.
سأعود بعد ان اقرأها على مهل
.
.
قطرات من ندى
20-01-2007, 06:40 PM
شعر الصعاليك له مميزاته الخاصه
لكن نجد أن شعر ( عروة ) قد تجاوز وتفوق
على شعراء الصعاليك من خلال مواضيعه التي تطرق لها
ومن خلال تغييره في القصيدة من حيث عدد الأبيات
قطرات من ندى
ألف شكر
على الدراسة النقدية الوافيه
لكِ أجمل تحية
يسعدني لا شك منك الكلمة و المرور
فرحة بها
منتظرة دوما
لكل تواصل
معكم
و بكم
فهيد العامري
22-01-2007, 04:58 AM
لم أجد ما أقوله بعد هذا الطرح الشامل
الا انك قد وفقتي في السرد والطرح ..
وكم تستميلني مثل هذه الاطروحات ..
قطرات من ندى ... بانتظار جديدك
مشاعل ابراهيم
29-01-2007, 05:08 PM
أختي قطرات من ندى
الف شكر لك على هذه المشاركة الرائعه
تحياتي لك ولقلمك الراااائع
فهد الدباسي
31-01-2007, 03:25 PM
شاعرٌ رائع
كان رمزاً لأـ شعر الصعاليكِ و لم يزل
فـ تميزهُ لافت و حرفه باهي
قطرات من ندى
سلمتي و دمتي
تحياتي
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2026, TranZ by Almuhajir