المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كيف عبرت الفراشة لهيب الحرائق


توفيق-توفيق
09-02-2008, 09:33 PM
فاطمة كذات طبيعية لا تعرف كيف شكل منها الوجود إنسانا متحدا .متحديا .فذروة السرور عندها هو الولوج إلى أعمق حالات الألم ..

تتذكر في يقظة متوقدة كمشعل أزلي المدينة البيضاء التي تعرفها جيدا

كانت تقف عشرات المرات في طوابيرها..........من الخباز إلى أخر زقاق في حيها الشعبي ذو الساحة المثقلة بالغبار و الأزبال , ساحة خدشتها هشاشة الحياة التي تسكن حيها الشعبي البسيط.

تقف فاطمة أمام النافورة الممتدة على مفترق الشوارع التي تعرفها جيدا .تعرف حتى أسماء عاهراتها و متسكعيها , والنائمين على جنباتها ..............

وأعيان المدينة وموظفيها , وخادمات البيوت الصغيرات النحيلات المتعبات بالأشغال المنزلية. ..

وبوليسها الذين تعرفهم والذين لا تعرفهم حين يطاردون الباعة المتجولون..

و التلاميذ العائدون من المدارس ورؤوسهم الصغيرة الدائخة , الحالمة .ينتظرون إضراب هيئة التدريس ليرتاحوا من مدرسة التاريخ والجغرافيا و مدرس الحساب ......

تمرر فاطمة أمام أعينها شريط ذكرياتها , مشهدا ,مشهدا وهي تعبر من شارع إلى شارع ومن زقاق إلى زقاق............

طوت المدينة [الغول ] _كما كان يقول أبوها الحارس الليلي في إحدى فيلات المدينة لأسرة يهودية_ جسدها المتعب لتجدها واقفة أمام بيتها القديم المتواضع في أخر الزقاق داخل حيها الشعبي أو كما تسميه يافطة صغيرة معلقة في أول الزقاق [ حــــي الأحلام ]

************************************************** ***************

_..آه كيف يعيشون ؟؟؟؟

_ تعالي فاطمة الكسكس أصبح باردا كعشاء العزاء

_المدينة الغول .ليلها الصاخب / البارد كحد نصل السكين ......إستطرد قائلا : إفتحي التلفاز صغيرتي..

الأخبار تتقاطر...و تتوزع بشكل رتيب و متسلسل من فلسطين إلى لبنان مرورا بأفغانستان و العراق ....فرغبات المشاهدين .....وأخبار الموضة و رجال الأعمال .......الدعاية لشركات الغرب الرأسمالي ..وأخيرا تظهر إحدى مطربات العصر في مشهد إستريبتزي .." عايزة أفرح..................عايزة أرقص..........."

يخرج الأب مودعا أسرته الصغيرة مقبلا طفلته ذات السبع سنوات على جبينها

ولما غادر ضربت الطفلة على رأسها :آه نسيت أن أطلب منه أن يحضر لي معه حذاءً أسودا وبضعة أقلام الرصاص.

مسحت الأم خصلات الطفلة قائلة : في المرة القادمة سيحضر لك كل شيئ .



************************************************** ********************

بل كانت المرة الأخيرة التي يودعها فيها ..

لم يعد الأب وفاطمة لم تشتري حذاءها الأسود و لا أقلام الرصاص

..تتذكر فاطمة المشهد و هي المتعبة بجولاتها عبر أزقة المدينة وأحيائها ..

إقتربت من بيتها القديم واضعة رأسها على دفة الباب المقفلة ..لتفا جئها أغنية أمها وهي تدلك العجينة ..وسط الغرفة الضيقة , مشمرة على ساعديها , عاصبة رأسها بمنديل وردي كأحلام إبنتها ذات الثانية عشر من عمرها ....

تتابع فاطمة المشهد كأنها تعيشه لأول مرة ..متمتمة : ما ذنبكن أيتها الأمهات ؟؟؟؟

شرعت الأم في تحضير العجينة لخبز الصباح .....................تدلك.........تدلك..........لي متزج صوت دلك العجينة بأغنية حزينة يتردد صداها من بين جدران البيت المتواضع ....تخرجها الأم نبرات من بئر جمري مشتعل من داخلها ..و الطفلة تغالب النعاس .....تغالبه ..تتابع حركات أيادي الأم و صوتها .............و حين نامت أخدتها إلى الركن المقابل للغرفة.

_نامي حبيبتي عليك أن تستيقظي باكرا.......غذا تنتظرك الإمتحانات....

************************************************** *******************

ذات يوم قررت فاطمة أن تدخل المدينة بجسدها النحيل الشاهد على المحنة التي كانت فيها كقوة الحصان البري أو الشلالات الجارفة.

كانت تعرف ان المدينة ليست حيها الشعبي ذو الساحة المغبرة ..و القطط و الكلاب الشاردة...

_ لا يا صغيرتي ما زلت غير قادرة على الزحامات والوقوف في الطوابير إهتمي بدراستك و سأوفر لك كل ما تحلمين به

_ أمي لا تخافي علي سأعبر كل هذا اللهيب المشتعل , وسأساعدك على مضغة الخبز وأتابع دراستي ..وأحقق كل أحلامي وأحلامك ....

************************************************** ******

كانت فاطمة تتدفق بالتلقائية و الصرامة في نفس الوقت كما الأن _.هي مشاعر ذات إنفعال هائل تعجز اللغة عن _رصده .فالخوف يمتزج بالشعور العذب و عذاباته الداخلية تخطت الألم الذاتي إلى الإحساس الحاد بالمصير الإنساني الفاجع .

حينما تتذكر ذات الصباح الذي دخلت فيه إلى المدينة و على رأسها سلة الخبز والرغيف و في يدها دفترها وبضعة أقلام ., وهاته الشوارع التائهة و الأرصفة الممتلئة بأصوات الأطفال الفقراء منهم: " بائعي السجائر .....أو بائعي الورد .....أو, بائعي .الحلوى ...أو ماسحي الأحذية...."

إن هذا التيه الذي فيه هؤلاء يدفعهم هائمون دون وعي : أيغوصون في الوحل و العار, أم يتقدمون إلى الضياء والفرح ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟



و في أخر المشهد

تستقل فاطمة سيارتها الفخمة متمتمة بترنيمة حزينة تتبعها تنهيدة عميقة ...:::

أكل هاته الفراشات الجميلة ستعبر اللهيب ؟؟؟؟؟

و تغادر إلى مدينتها الجديدة و حيها الراقي تاركة

السؤال مشرعا على جميع الإجابات

توفيق توفيق
السبت, 12 يناير, 2008


::إهداء خاص

لأرواح كل الطفولة العذبة

محمد محفوظ
11-02-2008, 03:49 PM
... جميلةٌ رائعة نثرتها أناملك لتأخذنا إلى عالمك أنت يا استاذ توفيق .. ولتدعنا في ذلك العالم ننتظر المزيد منك فشكرا اليك ايها الجميل

مزون المحمد
15-02-2008, 05:57 PM
توفيق

ألف شكر لحروفك وتواصلك الجميل

لاهنت

توفيق-توفيق
15-02-2008, 07:35 PM
من قلبي أبعث لك آلاف ...تعابير الشكر على هذا الحضور الدائم بين متصفحي

دمت بفرح أخي العزيز

إحترامي :rose:

توفيق-توفيق
15-02-2008, 07:36 PM
و لا هنت أيضا

حين أتشرف بحضورك ها هنا

مودتي:rose:

لون الثلج
17-02-2008, 12:28 AM
:

توفيق

من جد أستمتعت بالقرأتها

لك كل الاحــترام

.

توفيق-توفيق
19-02-2008, 12:12 AM
بالـتأكيد

إحترامي يفتح ذراعيه الواسعتين مد البصر

ليحضنك ..و تواجد روحك النقي هنا
في متصفحي

لك أطيب المنى

تقديري

محمد الفرحان
22-02-2008, 07:46 AM
.

.

كنت هنا وسأبقى طويلا

.

.

توفيق-توفيق
22-02-2008, 09:43 PM
ولك الرحب حد إتساعه ..يعطر بعطر تواجد هنا
أخي محمد

دم بفرح

تقديري

فهد الدباسي
22-03-2008, 01:51 PM
القدير / توفيق


قصةٌ جميلة

و حضورٌ لافت كـ عادتك


تقبل تحياتي