المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ـشـ ـ ـهـ ـد الـ ـحـ ـ ـياهـ


ملاك الرحمة
15-09-2008, 12:43 AM
~¤¦¦§¦¦¤~ شــ ـ ـ ـهد الحيــ ـ ـ ـاة ~¤¦¦§¦¦¤~



السلام على من اتبع الهدى..

تم بحمد الله تعالى الانتهاء من أولى قصصي بعنوان : شهد الحياة..

وأرجو أن تكون محط إعجابكم.. وسيكون من دواعي سروري استقبال أي تعليق أو اقتراح بهذا الشأن...


اترككم مع القصة..


:fh[1]:




--------------------------------------------

شــ ـ ـ ـهد الحيــ ـ ـ ـاة (1)

" دَعي البكاءَ عنك ِ فنحن هنا كلنا معك ِ.. إننّا في هذه الدار أخوة يساند ُ بعضنا بعضا ً .. " قالت زينب لزميلتها فاطمة التي أُدخِلتْ حديثا ً دار العجزة..

فردت فاطمة: " لست أبكي على وجودي هنا.. إنما لأن لهذا اليوم ذكرى حزينة في نفسي.. "

رأت فاطمة في زينب نظرات العجب والتساؤل... فتابعت حديثها وعيناها مليئتان بالدموع:

" اليوم عيد الأم.. والعام السابق في نفس هذا اليوم توفي ابني في حادثٍ مروّع.. "

مسحت زينب الدموع المتناثرة فوق وجنتي فاطمة وربتت على كتفها..

" إنْ شئتِ أخبريني، علّك تجدين للراحة سبيل وعلّي أقدم لك ِ شيئاً من المواساةِ والدعم.."

تنهدت فاطمة فسكتت للحظات ثم تابعت..

" حسنا ً .. سأحكي لك ِ قصتي..

كنت أعيش أنا ووالديّ في منزل هادئ هنيئين.. إلى أن صار عمري 10 سنوات أصيبت أمي بمرض ٍ في قلبها.. ظلّت تعاني منه حتى أخذ من صحتها ما أخذ وارتحلت إلى عالم الخلود.. فبقينا أنا وأبي نقاسي فراقها ووحدتنا.. وكان أبي يهتم بكل الأمور ومعه لم أشعر أبداً بالضيق أو الحزن..
ولكنه ما أن التقى بامرأةٍ أخرى وأحبها صار يهملني ولا يأبه بي.. فشعرت بفراغ ٍ قاتل ووحدة مرة..

وعندما بلغت من العمر 15 عاما ً أجبرني أبي على الزواج من رجل فارق السنَّ بيني وبينه كبير اسمه علي.. حتى تتسنى له فرصة الزواج منها، حيث انها لا ترغب بوجودي معهما في المنزل..

وبعد زواجي أبي لم يكلّف نفسه عناء السؤال عن أحوالي.. وكأنني لم أكنْ في يوم ٍ من الأيام ِ ابنته الوحيدة.. "

سألت زينب وهي في حيرة من أمرها..

"وزواجك.. كيف كان ؟؟ "

ابتسمت فاطمة ابتسامة باهتة..

"زواجي!! لم أشعر لحظة ً إني زوجة لذاكَ الرّجل.. لقد كانَ يعتبرني كأي تحفة أخرى في منزله .. لم يكترثْ يوما ً إن كنت بخير ٍ أم عليلة.. حزينة ً أم سعيدة.. بل كان يعتدي عليّ بالشتم ِ والضرب ِ كل ليلة بعد أن يعود ثملا ً..

فارغة أصبحت حياتي.. لكني رغم ذلك لم أهتم.."

تأثرّت زينب بما قالته فاطمة عن حال زواجها.. فصارت تتأمل بحزنٍ قسمات وجهها الحزين لا تدري ما تقول وما تفعل..

ثم نهضت تصبّ قدحين من الشاي، ناولت أحدهما لفاطمة وعادت تجلس مكانها..

" إلى متى احتملت ِ كل هذا العناء؟؟ فحياتك لم تكن سهلة... لقد عشت ِ الهمّ في عمر ِ الزهور... "

" كان الصبر ملهاي .. "

" ألَمْ تفكري في الهرب أو طلب المساعدة؟ "

" ...... بلى فكرت أن أتقدم بشكوى ضده ولكن...."

" ما الذي منعك؟ "

" خبر حملي ردعني عن ذلك.. "

" ... لماذا؟ "

" .. عندما اكتشفت أنني حامل بطفلنا الأول ظننت أن هذا الطفل الذي سأنجبه سيغير حياتنا كثيرا ً.. خاصة ً والده سيتغير للأفضل.. ولا سيّما أننا انتظرناه ثلاث سنوات..

في فترة حملي –لحسن ِ حظّي – لم أتعرّض للضرب .. فظننت أنه ما إن يرى طفلنا الأول سوف يمحو سمات العنف واللامبالاة من نفسه..

والحمد لله رزقني الرّحمن بولد ٍ سميناه حسَنْ.. غمرتنا الفرحة ُ وأحسست فعلاً أنّ لي أُسرة ، وأنّ لي كيان.. أقلع زوجي عن شرب الخمرِ لفترة وترك القمار أيضا ً..

ولكنه بعد عام عاد لما كان عليه وأسوأ.. حتى أنه أحيانا كان يضرب الطفل بقسوة إن تمادى في اللعب ِ أو الصراخ..

إنه مجرد طفل لا يستدعي تأديبه الضرب المبرح والشتائم الدنيئة .. لم يكنْ علي يوما ً قدوة حسنة لابننا.. لقد كان سببا ً في ضياعه.. "

انهارت فاطمة وبدأت في البكاء.. وما إن رأتها زينب على هذا الحال اقتربت منها وضمّتها تواسيها وتخفف عنها حزنها..

" يكفي لليوم.. تأخر الوقت ويجب أن ترتاحي.. "


لكن فاطمة ظلّت صامتة كالجثة بلا روح على كرسيها.. وبعد لحظات توجّهت إلى سريرها واستلقت... راحت تفكر وتتأمل... كيف أن الحال أودى بها إلى دار العجزة,,, ألم يكن من المفترض أن تكون في منزلا ً دافئا ً مع زوج حنون وابن بارّ! ولكنها الآن في هذه الدار الموحشة على هذا السرير البارد.. مع امرأة رغم أنها غريبة إلا أنها تهتم بها أكثر مما يهتم القريب.. القدر حرمها براءة الطفولة وهناء العيش..

ولكن في النهاية.. لكلٍّ من الدنيا نصيب.. وهي رضت بما كتب الله وقدّر..

التفت فاطمة إلى زينب فرأتها منشغلة بالتطريز والحياكة وقالت في نفسها.. ..

" من يعلم ما تخبأه زينب أيضا ً من هموم وشجون خلف هذا القناع.. علّها تعاني ما أعانيه وأكثر.. "

" تصبحين على خير يا زينب.. "

" وأنت ِ من أهلهِ.. أحلاما ً سعيدة.."

-------------------------------


شــ ـ ـ ـهد الحيــ ـ ـ ـاة (2)

أفاقَت فاطمة وخيوط الشمس الذهبية تداعب وجنتيها معلنة ً عن بدء ِ يوم ٍ وأمل ٍ جديدان.. ورأت زينب منشغلة بتجهيز الفطور وترتيب الغرفة...

" صباح الخير يا زينب.."

فردت زينب ببشاشة وابتسامة تعلو شفتيها..

" صباح النور.. ألا تودّين النهوض يا عزيزتي ؟! لقد طلعت الشمس.. "

فسرحت فاطمة تتمنى لو أنها تظل بهذا الفراش للأبد، فمصيرها الموت فيه.. وإلى أين ستأوي ويديها صِفرْ؟! في كل لحظةٍ تعيش ماضيها الأليم ومع كل ذكرى تموت ألف َ ميتةٍ ويتحطّم ما بقى منها من صبرٍ وعزيمةٍ ألف َ مرة..

" سيبرد الفطور إِن ظللتِ سارحة يا فاطمة.. دعي عنك التفكير الذي يشيّب الرأس.."

وتوجهت زينب نحو فاطمة تقبّلها وتشجعها على النهوض.. وعلمت فاطمة أنه لا مفر من النهوض ومواجهة ألمها كما اعتادت أن تفعل كل يوم... فنهضت بتثاقلٍ لتغسل وجهها وتؤدي الصّلاة... وفي صلاتها ظلّت تدعي الله أن ينعمها بالهدوء وراحة البال، ترجوه أن ينهي عذابها ويريحها من لهيبِ الوحدةِ وقسوةِ العيش..

وما إن فرغت من الصلاة حتى توجّهت للطاولة لتناول الفطور مع زينب..

" أرى أنّكِ نهضتِ باكرا ً.. كيف كان صباحك ؟.. "

فردّت زينب وهي تحشو فمها بالموز..

" اممم.. امممم.. جيّد لحد الآن.. وأنتي يا عزيزتي لما استلزمك النهوض كل هذا الوقت؟.. لم أعلم أنّكِ كسولة إلى هذه الدرجة؟ ... "

فضحكت فاطمة ضحكة ً باهتة..

" كل ما في الأمر أنّني لم أنَم جيّدا ً البارحة ولهذا صحوت متأخرة اليوم..


.... ألديكِ شيءٍ مميز تفعلينه اليوم ؟ "

" لا شيء مهم .. لماذا؟ "

" أرى أنّكِ ماهرة بالحياكةِ والتطريز... ما رأيك أن تعلميني؟ "

" بكل سرور... ما إن ننتهي من الإفطار سأعلمكِ كيف تحيكين وتطرزين أشياءا ً جميلة"

وبعدَ أن تناولتا طعامَ الإفطار، أحضرت زينب أدوات الحياكة والتطريز وجلست بالقرب من فاطمة تعلّمها.. لقد كانت فاطمة تستمع بوقتها وأخذت بتبادل أطراف الحديث مع زينب.. سألتها عن اهتماماتها، وما تحبّ وما تكرَه.. وحدثتها عن المواقف المضحكة التي عاشتها في طفولتها.. فتارة ً تضحكان ، وتارة ً أخرى تسخران من بعضهما البعض... إلى أن وصلوا في حديثهم عن متاعب الأزواج والأولاد .. تغيرت ملامح فاطمة.. وتوقفت زينب عن الضحك ..

" اعذريني يا فاطمة لم أقصد شيئا ً .. أرجو أنّني لم أزعجك.."

" لا بأس.. أنا التي أصبحت حسّاسة أكثر من اللزوم في هذه الفترة.."

".. وعدتني أن تخبريني بكل شيء... "

" أجل اعلم ..."

" حسنا .. أخبريني ... "

وسادت لحظات من الصمت الرّهيب، فتزعزع قلب فاطمة.. ثمّ تابعت حديثها عن ماضيها..

"كما أخبرتك البارحة يا عزيزتي شخصية علي الطيب والحنون لم تستمر طويلا.. فهو لم يغيّره شيء.. أنا نفسي فشلت في جعله يتغير، وكذلك وجود ابننا حسن لم يحيي في نفسه الإحساس بالمسؤولية وضرورية تغيير ما بنفسه.. إن ضميره مقتول، لم يكن هناك جدوى من محاولة إيقاظه..

وللأسف ترعرع حسن في بيئة كهذه.. فعلت المستحيل كي لا يرى أباه في حالة يرثى لها من السكر والانهيار والاحباط.. ولكن كل ليلة عندما يعود علي من الخارج يزعزع جنبات البيت بصراخه وكلماته الدنيئة.. كان يشتمني ويضربني ويفرغ في جسمي نيران فشله، إلى أن يستقيظ حسن من نومه مفزوعا ً فيجري راكضا ً إلي يريد إنقاذي من سوط والده ولكنه لا يلقى إلا الضرب مثلي .. ويسقط على الأرض يبكي لعجزه عن فعل شيء.. وهكذا كانت تمر معظم الليالي من حياة أسرتنا... نادرا ما كنّا ننام دون تعذيب وبكاء..

وفي الصباح يرى حسن والده هادئا لا يتكلم ولا يكلمه أحد.. يتناول قدحا ً من الشاي ثم يخرج دون أن يتفوّه بأي كلمة.. ولا يعود إلا منتصف الليل ليعيد الدراما التي طالما تكررت..

ومرّت الأيام والسنين وألتحق حسن بالمدرسة.. وتعرّف على أصدقاء جدد وصار له الكثير من الزملاء.. ولكنه صار محطما ً محتارا ً... يحزّ في نفسه سماع قصص أصحابه في منازلهم ومغامراتهم مع أبائهم.. خالَ أنه الوحيد الذي يعيش فراغا ً عاطفيا ً في منزله، وأنه الوحيد الذي يضربه أبوه ويعذبه... لهذا أخذ يبتعد شيئا ً فشيئا ً عنهم إلى أن صار يجلس وحيدا ً ولا يكلم أحدا ً..

وفي البيت كان يجالسني ويحدثني عن أحلامه عندما يكبر ويصبح رجلا ً .. قال إنه سيصبح رجل إطفاء لينقذ الناس، وأنه سيأخذني معه بعيداً عن منزلنا ونعيش في سلام... كم كان يحب هذه المهنة حتى أنه كان يفرح فرحا شديدا ً عندما أشتري له ألعاب سيارات اطفاء... كان دائما ً يمثل ويتخيل نفسه رجل إطفاء في وسط مهمة لإنقاذ طفلة عالقة في بناية كبيرة أو امرأة عجوز محتجزة في غرفة اكلتها النيران..حتى أنه كان أحيانا يمازحني ويسخر من والده
قائلاً: إن استطعت سوف اطفئ النار التي طالما اشتعلت في جوف والدي ! "

ضحكت فاطمة والدموع محبوسة في عينيها.. أما زينب فكانت منصتة لها بهدوء واهتمام.. تتأملها بعين الشفقة والعطف دون أن تقول شيئا ً... ودون وعي جرحت فاطمة يدها بإبرة الحياكة وتناثرت قطرات الدم على التطريز اللذي تعمله، فأسرعت زينب بإحضار قطعة من القطن والمطهر لتطهر به الجرح.. فأخذتهما فاطمة منها وطهرت يدها.. ثم استرسلت في الكلام..

" عندما أصبح ابني حسن في المدرسة الإعدادية صار فريسة سهلة ً لأصحاب السوء.. بدأو يتقربون منه ويقنعونه بالبقاء معهم.. ثم صار يتهرب من دخول حصصه ويهرب من المدرسة.. بل كان كثيرا ً ما يتغيب عن المدرسة ويظلّ متسكعا ً في الشوارع مع هؤلاء الأولاد..

ولم يكتفوا بجعل حسن يتغيب عن المدرسة ويهمل دروسه بل أيضا ً جعلوه يجرب السجائر ويدمن عليها.. كان كل نهار يعود من المدرسة – كما يوهمني – ورائحة السجائر تفوح من فمه وملابسه.. بادئ الأمر ظننت أنه يجالس أناسا ً مدخنين.. ولكن هذا الحال لم يتغير.. وعندما واجهته لأول مرة انهار باكيا ً وقال لي أن أصحابه هم الذين أجبروه على التدخين... لسوء الحظ لم يبتعد عن التدخين ولا عن أصحابه السيئين رغم محاولاتي في مساعدته على اجتياز هذه المحنة.. وصار حاله يتدهور من سيء ٍ إلى أسوأ... في البيت والمدرسة..

وصدمت أكثر حينما علمت أن ابني وأصحابه وصل بهم انعدام الضمير إلى الاعتداء على الأولاد الأصغر سنا ً منهم.. فقد كانو يضربونهم ضربا ً مبرحا ً ويغتصبونهم.. وفي إحدى المرات أخذوا طفلا ً ليغتصبوه ولكن هذا الطفل حاول مقاومتهم فضربوه ليجعلوه يذعن ويتمكنو من السيطرة عليه ولكنه كان يقاومهم .. وهم بالمقابل استمروا في ضربه إلى أن مات!!!...

هلعوا هلعا ً شديدا ً حينما تأكدوا أنه مات.. ورموا الجثة في مكب النفايات.. ولكن الشرطة اكتشفت أمر الجثة وباشروا التحقيق في مقتل الصبي الذي اثبت أن ابني حسن وأصحابه هم المسؤولين عن موته.. فتم إلقاء القبض عليهم وكان حكم المحكمة بأن يتم أدخالهم إلى بيت القاصرين لأن سنّهم أقل من السن القانوني..


وفي عز الأزمات رحل علي من المنزل ولم يعد.. فصرت وحيدة بمعنى الكلمة ولم أعلم ما العمل لإعادة المياه إلى مجاريها.. صحيح أنّني ارتحت من ظلمه وتعذيبه ولكن من ناحية أخرى كنت أموت حرقة ً للوضع الذي وصل حسن إليه... "

تأثرّت زينب تأثرا ً شديدا ً لما سمعته من كلام فاطمة.. لم تتخيل أن امرأة في طيبها وهدوءها قد تتعرض لكل هذه المشاكل وتعيش كل هذا العناء..

" عزيزتي ... ما الذي حدث بعد ذلك؟؟! "

" اصبت بانهيار ٍ عصبي.. واضطر الجيران لأخذي لمستشفى الطب النفسي.!.. "



-------------------------------


شــ ـ ـ ـهد الحيــ ـ ـ ـاة (3)

انقضى باقي النهار سريعاً حيث استمتعت زينب وفاطمة بمشاهدة البرامج التلفزيونية والحياكة.. وعاشتا لحظات شاعرية حزينة مع أنغام الطرب الأصيل.. وبعد الانتهاء من تناول العشاء سألت زينب فاطمة أن تتابع أحداث قصتها.. فهي متشوّقة لمعرفة ما حدث معها في مستشفى الطب النفسي وما حدث لحسن وما الذي أودى بحياته..

فتابعت فاطمة تحكي..

" .. ظللت في المستشفى حوالي عام أتلقى العلاج.. وحينما صرت بحال جيدة لم يكن من داع ٍ لبقائي هناك أكثر.. فعدت إلى منزل زوجي لأن لا مكان أخر ألجأ ُ إليه..

حينما دخلت.. كان المكان موحشا ً.. مظلما ً.. كئيبا ً..

رحت أتذكر آهاتي في زوايا البيت.. وصرخات حسن.. وقطرات الدم التي تناثرت بسبب ضرب علي...

وخلتني أسمع ضحكات حسن حينما كان طفلا ً بين ليالي البكاء..

والآن.. أقف هنا في نفس المكان.. ولكنه ميت بلا حياة.. يغطيه الغبار.. "

فسألتها فاطمة في عجب:

" ما الذي حلّ بحسن.. أخبريني.. يكاد الفضول يقتلني.. "

" حسن ظلّ في بيت القاصرين إلى أن أنهى عقوبته المفروضة.. لقد كان يتواصل معي.. كنت استلم منه الرسائل حيث كان يخبرني بالتطورات التي تجري له.. وحينما سمح لي بزيارته كنت أزروه كلما أتتني الفرصة..

لا تتصورين يا زينب كم تغير في تلك الفترة.. كان نادما ً على التصرفات السيئة التي يقوم بها.. ندم على إهمال دراسته وتأسف لأنه تعاطى السموم.. وتأسف أكثر على اعتدائه على طفل ٍ بريء ٍ وقتله..

فأقلع عن التدخين ووعدني بإكمال دراسته ما أن يخرج من بيت القاصرين..

وفي تلك الفترة حاولت جاهدة الاتصال بأبي ولكني لم أتمكن من ذلك.. لقد كانت كل صلة له بي مقطوعة.. كم كان احتياجي له كبيرا ً .. تمنيته قربي ليقتل إحساسي بالوحدة، ولكن تلك الأماني ذهبت مع الريح! "

ابتسمت فاطمة وتابعت حديثها..

" على الأقل هذه التغيرات التي طرأت في حياة حسن تبعث بعض السعادة والراحة.. فليس من العيب أن يخطأ الإنسان، ولكن العيب ألآ يعترف بخطأه.. "

" .. ما الذي حدث بعد إنهاء حسن عقوبته وخروجه من بيت القاصرين؟ "

" كانت فرحتي لا توصف عند عودة حسن إلى البيت.. عاد ابني الذي طالما تمنيته أن يكون..

حسن الطيب.. المجتهد.. المؤمن..

وكم شعرت بالفخر عندما واصل دراسته بجد ٍ واجتهاد..
تحققت أمنية ولدي..

عشنا معاً في سلام ٍ وهناء.. بدون ظلم أبيه.. "

توقفت فاطمة عن الحديث وتلك الابتسامة الباهتة لا تزال مرسومة على وجهها.. فنظرت إليها زينب بنظرات ترجوها أن تكمل حديثها.. فضحكت فاطمة قائلة:

" .. تعبت كثرة الكلام .. ألن تحضري شيئا ً يبلّ ريقي الجاف؟!"

فابتسمت زينب وأسرعت تحضر كوبين من الشاي وبعضاَ من الكعك المحلى.. وقالت بابتسامة عريضة:

" أحلى شاي لأحلى رفيقة .. وأيضا بعض الكعك لتحلي لسانك العذب.. هيّا أكملي.. اليوم لا مفرّ لكِ مني.."

ضحكت فاطمة لكلام زينب وتناولت كوب الشاي وارتشفت منه قليلا ً...

" ذات يومٍ أيقظني حسن من النوم في الصباح الباكر مبتهجا ً ينشد أناشيدا ً عن الأم.. فاستغربته .. فقال لي : اليوم عيد الأم.. وأنا قررت أن أهديكِ يوما رائعا ً لم تحلمي به من قبل..

ثم جاء لي بفطور ٍ شاعري تناولته بغنج ٍ فوق السرير.. وقد كان يطعمني بيده.. لقد كان إحساسي تلك اللحظات لا يوصف.. لم أتخيل أني سأحظى بيوم ٍ كهذا مع ابني..

وبعد تناول الإفطار أخذني حسن للمتنزه نتمشى هناك وننعم بالطبيعة الساحرة والمياه الزرقاء.. ثم ذهبنا إلى مقهى راق ٍ لتناول المثلجات والعصير.. لقد كان المكان جميلا ً هناك يطل على أرجاء السوق حيث النساء والأطفال والأولاد في كل مكان..

وبينما كنّا جالسين لفت نظر حسن فتاة في الجهة المقابلة من الطريق تبيع زهورا ً بيضاء.. فنهض يجري لها ليشتري لي من تلك الزهور..

كانت تلك أخر لحظات ٍ جميلة أرى ابني فيها حيا..

يا ليته سمع صرختي أناديه حتى ينتبه للسيارة المسرعة المقبلة نحوه .. "

طأطأت فاطمة رأسها وانهمرت من عينيها الدموع..

" لم أكن أصدق ما يجري.. كان كالحلم الغريب.. من ذاك المدد على الأرض الملطخ بالدماء؟!

أهو حسن؟ أم أنه شخص يشبهه.. تخدر جسمي واختنقت عبراتي..

ولوهلة أنكرت أنني أعيش الواقع...

مشيت نحوه.. ورأيته.. طريح الأرض غارقا ً بالدماء... وزهورا بيضاء مجروحة في يديه.. والناس متجمهرة ُ حوله.. وصاحب السيارة واقف ٌ قرب حسن مستنكرا ً ما حدث..

انحنيت أناديه..

حسن.. حبيبي.. يا مهجة قلبي.. انهض فإن شيئا ً لم يحدث..

حسن.. يا بني .. ألا تسمعني..

أنا أمك يا عزيزي..

أمسكته بقوة وهززته.. صرخت..

بني ألا تسمعني..؟!.. حسن هيا انهض..

أراه صامتا ً .. وابتسامةٌ راسخة في شفتيه..

انهارت دموعي..

حسن.. لا تتركني ... أنت ابني وليس لي في الدنيا سواك...

أنا أحبك يا حسن..

إلى أن اقترب مني بعض الحاضرين ليجعلوني انهض ولكني لم أكن في وعيي كل ما أذكره أصواتٌ تقول:
- أحسن الله عزاكِ يا سيدتي..
- رحمة الله عليه..
- يا له من حادث بليغ.."

ثم عانقت زينب وأجهشت في البكاء..

".. لقد كان مكتوبا ً أن يموت.. فهذا مصيره الذي خطّه له القدر... أدعي له بالرحمة.. وأحمدي الله على كل شيء.. "

ظلّت زينب تواسي فاطمة وتهدئ روعها إلى أن توقفت عن البكاء وهدأت..

ثم قامت فاطمة لتغسل وجهها.. وتنزع منه ملامح الحزن وآثار الدموع.. شعرت زينب بالذنب لأنها طلبت من فاطمة أن تحكي لها قصتها.. فلقد أحيت فيها الذكريات من جديد.. وجعلتها حزينة ..

وبعد ذلك أخذت زينب تحكي بعض القصص والمواقف المضحكة لتغيير الجو الكئيب الذي عاشتاه.. وأيضا ً أخذتها للحديقة الخارجية تتأملان الليل والنجوم وتتمشيان بين الشجيرات..

تأخر الوقت فقررتا العودة لغرفتهما والنوم..

فاطمة غطّت في نومٍ عميق ما إن لامس رأسها الوسادة.. أما زينب لم تتمكن من النوم لآن شعورها بالذنب ما زال يتملكها ويؤرقها..

".. إن فاطمة امرأةٌُ طيبة لا تستحق كل ما جرى لها... كم يؤنبني ضميري.. أشعر أني قلبت المواجع عليها.."

ثم نظرت لفاطمة تتأملها..


" ما أقسى الحياة التي تعيشينها يا فاطمة... لو لا صبرك وقناعتك لما تمكنت من الصمود وما استمريتي.. الصبر على البلاء، ثم الصبر، ثم الصبر.. هذا درسي القيّم الذي تعلمته منكِ..

لا زلتِ امرأةٌ شابة، وأنتِ هنا مع العجزة مثلي.. لا تستحقين هذه النهاية..

سيكون من اللطيف أن أحضّر مفاجأةً صغيرة تعيد البهجة لكِ..

تصبحين على خيرٍ يا فاطمة.. "

وبعد عدة أيام.. بينما فاطمة كانت منشغلة بالحياكة.. سمعت صوتاً مألوفاً جداً يحييها..

".. السلام عليكم"..

إنه صوت ٌ مألوف.. وقريبٌ جداً من قلبها.. هذا الصوت اعتادت أن تنام كل ليلة على أصداءه.. إنه صوت والدها الذي منحها الأمان دائماً وطرد الوحدة من حياتها.. أمعقول؟! أبي كيف من الممكن أن يكون هو.. !..

رفعت رأسها فإذا برجلٍ عجوزٍ جار عليه الزمن واقف أمامها.. نظرت إلى وجهه.. تتأمله.. إنها نفس الملامح التي كانت تتأملها كل ليلة قبل أن تخلد للنوم.. إلا أن التجاعيد بانت والشيب انتزع سواد شعره..

ناداها..

"ابنتي فاطمة.. "

إنني أحلم أكيد.. إنه يناديني! إنه أبي الذي فارقته سنين..

نهضت فاطمة تحضن أبيها باكية تقبل وجنتيه.. تقبل يديه ورأسه.. تعاتبه..

"أبي لما تركتني كم احتجتك كم تمنيت وصالك... "

ظلّ صامتاً يحضنها ويقبلها.. ثم قال..

"لن تتمنين وصالي بعد اليوم لأنك سوف تأتين معي.. ونعيش معاً.."

ذُهِلَت فاطمة.. خالت أنها تعيش حلماً من أروع الأحلام..

" وزوجتك يا أبي.. لم ترغب بوجودي يوماً..؟!"

" لقد توفيت منذ عامين وصرت وحيداً.. ولم أعلم أنكِ لم تكوني سعيدة في حياتك وزواجك.. زميلتك زينب هي التي تمكنت من الوصول إلي لتخبرني عما جرى لكِ..

ابنتي سامحيني لقد ظلمتكِ كثيراً.. وأعدك بأني لن أتخلى عنكِ وسأظل قربك ما تبقى من عمري.."

نظرت فاطمة إلى زينب بامتنان وسعادة.. فاقتربت منها تعانقها وتقبلها..

" هيا يا فاطمة اذهبي مع أبيكِ فمكانك ليس هنا.. وعيشي حياتك مع أبيك.. أحببتك كثيراً وأتمنى لكِ حياةٍ سعيدة.. "

وفي ذاك اليوم عادت فاطمة مع أبيها لمنزلهم.. وعاشت بسعادة بهناء..

* * * * * * *

‏10‏/02‏/2008

قديم الشوق
15-11-2008, 01:38 AM
الغالية / ملاك الرحمة

كم أنت ِ مبدعة ورائعة

قصة جميلة وممتعة

وفيها الكثير من صور الجمال والإبداع

شكرا ً لك من الأعماق

ونحن في أشد الشوق لقصتك القادمة

وتقبلي فائق احترامي وتقديري