![]() |
تلال البلان
-1- تنقلت امينة كالفراشة بين المربعات المرسومة على الأرض،وكأنها تطير من زهرة لإخرى،بحيث كنا ننتظر طويلاً حتى تخطئ قدمها الصغيرة،وتخرج من قلب المربع ليأتي دورنا باللعب،ومع انها كانت في الثانية عشرة من عمرها،إلا أن قوامها الممشوق وشعرها المسترسل الطويل يجعلانها تبدو أكبر سناً من باقي الفتيات اللواتي في سنها. جاء دوري باللعب،وبما اني كنت صبياً فلم أخجل من رفع ثوبي بيدي،كي أتنقل بسهولة بين المربعات،ومع أني في الربيع العاشر من عمري،إلا أني لم أكن بمهارة أمينة،فقد أخطأت من أول خطوة خطوتها. جاءت أم امينة من بعيد تنادي على ابنتها،حاملة وليدتها في حضنها،اقتربت منا وطلبت من امينة مرافقتها إلى البيت،فرفضت امينة متوسلة أياها مواصلة اللعب معنا. صرخت أم امينة بصوت عال: -اذا لم تأتي معي فسوف يأتي أبوك ويضربك -ولكني أريد أن ألعب مع رفاقي -هيا نذهب إلى البيت،لترتدي ملابسك الجديدة،وتلعبي لعبة العروس والعريس وافقت أمينة بسرعة فهي تحب هذه اللعبة كثيراً،وقد كانت تلعبها معي،وتشعرني بالحنان عندما كانت تمسح شعري بيديها الصغيرتين وترتب الحصى على أنه فراش للنوم وحجرة كبيرة عبارة عن موقد وكانت اللعبة تنتهي عندما تقوم أمينة بكل واجباتها حتى يحين موعد النوم فيذهب كل منا إلى بيته. أما دوري أنا في اللعبة هو الجلوس وإعطاء الأوامر كما كنت أرى الرجال يفعلون. صرخت بصوت عال مخاطباً أم امينة: -وأنا أريد أن ألعب عريس وعروس،سوف اذهب معكم -أذهب أنت إلى بيتكم فما زلت صغيراً،فسوف تلعب أمينة عروس وعريس مع الطحش -ولكن الطحش كبير جداً ولا يلعب مع الأطفال. وقد كان الطحش في الخامسة والثلاثين من العمر،ولم يكن اسمه الطحش،ولكن بسبب ضخامة جسده كانوا يلقبونه بالطحش. لم ترد أم أمينة،واكتفت بضم شفتيها،وهي تغادر،ومعها أمينة. بعد أن غادرت أمينة،لم تعد اللعبة ممتعة،فتركنا اللعب،وذهبنا إلى ساحة القرية،لكي نشاهد العرس الدائر هناك،ولم أكن أدري أن هذا العرس الكبير هو فقط من أجل أن يلعب الطحش عروس وعريس مع أمينة. -يتبع |
الاخ العزيز والكاتب المبدع / فائز الاشتر
اشتقنا لنور كلماتك تشع علينا فتملؤ قلوبنا بالبهجة والسرور وتترك فينا شوق اكبر لجديدك المميز .. انا هنا اتابع لطيف حكايتك .. امتعنا اخي باسلوبك الرشيق تقبل تقديري واحترامي |
شكراً أخي العزيز الراجي
أن شاء الله تنال اعجابك رمضان كريم |
-2- كانت الدبكة دائرة في ساحة القرية،وأبو فناد دائماً الأول في دائرة الراقصين يلوح بمسبحته وينزل ويطلع القرفصاء مع تحريك كتفيه حركة دائرية تتناغم مع حركات اقدامه،وبالرغم من كبر سنه،إلا أن حركات جسده النحيل كانت رشيقة جداً،فهو أول من يحضر إلى الأعراس،وأخر من يغادرها،ولا يكتمل عرس بالقرية إلا بوجوده. كنت أنظر إلى قارع الطبل بدهشة،وهو يقرع طبله الكبير المتدلي على بطنه فيصدر صوتا،له لحنا جميلا في صداه،يتناغم مع حركات الأرجل ومع عازف المزمار الذي يصدر حركات من فمه تشبه حركات فم الضفدع،وكانت النساء تشاهد الدبكة من بعيد،غير مسموح لها بالأقتراب من مكان الرجال،إلا من بعض العجائز اللواتي يبللن الخبز بالماء ليسهل مضغه. اقتربت مني جدة أبي وسألتني بدافع الفضول: - ابن من أنت - أنا عامر بن حمودة - مين حموده -حمودة بن بنتك -اذهب إلى ابيك و قل له أن يشتري لي الدواء لأني مريضة - حاضر يا ستي ورحت اركض مهرولاً إلى الجهة الأخرى من الساحة حتى لا تراني،وعلى علمي ان أبي أخذها إلى الطبيب أكثر من مرة،وكان الطبيب يعطيها حبوب مسكنة،ويقول لأبي أنها لا تشتكي من أي مرض،ولكنها تتخيل الأمراض بسبب الشيخوخة. تركت الساحة،واتجهت إلى بيت أم امينة،لعلي استطيع أن أجعلها تهرب من أمها لكي نعود،ونكمل اللعب سوية. كان بيت أم امينة يكتظ بالنساء،وأمي كانت موجودة في الداخل مما ساعدني في الدخول،والوقوف بجانبها،فسألتني بغضب: -ماذا تفعل هنا!? أذهب و ألعب مع الأولاد في الساحة -أريد أن العب مع امينة -امينة سوف تتزوج إلا تستحي من نفسك -ولكن أمها قالت انها ستلعب عروس وعريس مع الطحش! -اذهب قبل أن أضربك تركت أمي،واندسست بين النساء حتى وصلت إلى امينة التي كانت تجلس على كرسي كبير يتوسط الغرفة،وقد ارتدت ثوب ابيض تهدلت اكمامه على ركبتيها الصغيرتين. اقتربت منها،وقد فاحت منها روائح عطرية كافية لتقتل جيش من الناموس،وصبغوا وجهها بجميع الألوان حتى صارت تشبه الجوكر،همست بأسمها لكي الفت إنتباهها من بين النساء -امينة..امينة..امينة نظرت نحوي مستغربة وجودي وقالت بصوت منخفض: -ماذا تريد? -هيا لنخرج ونلعب سوية -لا استطيع..ألا ترى أني العب هنا! -دعي أحداً يلعب بدلاً منك وتعالي نهرب -قلت لك لا استطيع،سيضربني أبي اذا هربت،اذهب الأن وسوف اناديك عندما ينتهي العرس. -حسناً،ولكن لا تتأخري ولم أكمل كلامي حتى شعرت بيد أمي تشدني من شعري وتسحبني للخارج،للحظات ظننت بأنها سوف توبخني،ولكنها أخرجت من جيبها العميق بعض النقود،وقالت: -خذها واشتري لنفسك شيئاً رطباً،أفضل لك من الجلوس بين النساء. ثم غادرت وهي تتمتم،بالكاد سمعتها تقول...من ستشبه..أكيد أباك..يحب النساء. وضعت النقود في جيبي وانطلقت راكضاً إلى الدكان،وفي الطريق استوقفتني نظرات مروان،وهو يجلس على حجر صغير،بيده قطعة حديد يحفر بها التراب،وكأنه اشتم رائحة النقود بجيبي. تابعت الركض ولم أعره أي اهتمام،فمنذ أن وعيت على هذه الدنيا وأنا أعلم أنه فقير،وكنت أشتري له الحلويات في كل مرة،عندما تعطيني أمي مصروفي،ولكني صدمت به منذ اسبوع،فقد أعطاه أحد أقاربهم النقود ليشتري الحلوى،وكنت سعيداً من أجله،ولكني فوجئت به يشتري لنفسه فقط،وبقيت أنظر إليه وهو يأكل الحلوى فتألمت كثيراً،وعاهدت نفسي أن لا أشتري له بعد الأن. لم أشعر بحلول الظلام،وأنا أتنقل بين الساحة،وبيت أم امينة مختلساً النظر من بعيد،متلهفاً لرؤية امينة،لعلها تخرج للعب معي. فجأة تجمع الناس امام بيت أم امينة،وخرجت النساء دفعة واحدة من البيت تتوسطهم امينة،وقد ارتدت عباءة سوداء فوق ثوبها الأبيض،ثم انطلق موكب النساء إلى بيت الطحش،والرجال يمشون في الخلف،يتبعهم الطبال والزمار. أيقنت أن اللعبة قد قاربت على الانتهاء،وما هي إلا لحظات،حتىتصل امينة إلى بيت الطحش،ثم تعود إلى بيتها وينتهي كل شيء. ركضت سابقاً الموكب ودخلت إلى بيت الطحش الذي كان خالياً من الناس،واختبئت في غرفته تحت السرير لكي أفاجئ امينة عندما تدخل،ونهرب سوية من النافذة. ما هي إلا دقائق حتى دخلت امينة ومعها أم الطحش،أجلستها على السرير ونزعت عنها العباءة السوداء،ثم خرجت بعد أن أغلقت خلفها الباب. خرجت مسرعاً من تحت السرير،مما أخاف امينة وارعبها،ولكنها اطمئنت عندما رأتني،وسألتني مستغربة: -كيف وصلت إلى هنا? -لقد دخلت قبل قليل،،،هيا لنهرب من النافذة -هيا بسرعة،قبل أن يأتي الطحش فتحت النافذة المطلة إلى خارج المنزل،ولكني فوجئت بشبك من الحديد يمنع دخول أو خروج أحد من الغرفة،فلم يكن امامنا سوى الخروج من الباب،ولكن عندما اقتربنا من باب الغرفة سمعت صوت الطحش قادم وهو يضحك بصوت يرعب القلب. |
اخي الاديب الرائع / فائز الاشتر
ذكريات الطفولة وتفاصيلها البريئة لها وقع خاص تداعب الاعماق ... قلمك من افضل الاقلام التي تحكي لنا عن رونقها .. يسير على الورق ببساطة وسلاسة فتأخذ من القاريء لبه فتسرح به حيثما شئت ... تقبل تقديري واحترامي |
قصه رائعه تلامس الواقع حتى انها ذكرتني باحدى قريباتي
اخي فايز بربي لم امل قراءتها ليتها لم تنتهي شكرا لك |
الأخ العزيز الراجي
شكراً للمتابعة والكلمات اللطيفة اتمن أن تعجبك البقية تحيتي ومودتي |
الأخت سمو الذكريات
شكراً لك على المتابعة اطفال كثيرون تقتل براءتهم بترخيص شنيع من ذويهم اتمنى ان تنال اعجابك البقية تحيتي ومودتي |
-3- عدت إلى تحت السرير،وامينة جلست مكانها على السرير،أملاً بأن يغادر الطحش بسرعة،فنعود للهرب إلى الخارج. دخل الطحش،وأغلق وراءه باب الغرفة الحديدي،الذي يصدر صوتاً مخيفاً بسبب احتكاك المفاصل ببعضها،التي لم تزيت منذ زمن طويل. مرت دقائق رهيبة من الصمت،كتمت خلالها أنفاسي حتى لا يكتشفني الطحش أعتقدت لولهة أني وحيداً في الغرفة،لأن الطحش منذ دخوله لم يتفوه ولا بكلمة. كان الصمت رهيباً،ودقات قلبي تتسارع،حتى تخيلت أن الطحش قد سمعها،وما هي إلا لحظات،ويمد يده الكبيرة السوداء،ليسحبني من تحت السرير،ومن يدري ماذا سيفعل بي،فقد رأيته ذات مرة يتشاجر مع جاره سعيد،فقد ضربه ضرباً مبرحاً وفج رأسه،فقط لأن بقرة سعيد دخلت بالخطأ إلى ارضه،فقد كانت ترتعد أوصالي كلما فكرت ماذا يمكن أن يفعل بي. وفجأة ضحك الطحش بصوت عال مخيف ارتجت من صداه جدران الغرفة،ثم تكلم بنشوة: -أهلاً بك يا جميلة فردت عليه امينة،وصوتها لا يكاد يسمع -أنا امينة ولست جميلة -امينة،جميلة،كله عند العرب صابون،الناس ينتظروني في الخارج ويجب أن أبيض وجهي،حتى لا يثرثر أحد،ويقول أن الطحش ليس رجل،ثم القى بثقله على السرير،حتى أني شعرت بأني أعصر من تحت السرير. كانت رائحة عرق الطحش تصل إلى أنفاسي فتصيبني بالغثيان،وهو يهمهم،وينفث الهواء،مثل الثور الهائج،مزلزلاً السرير من تحته،أما امينة فكانت تصرخ بقوة وتلعنه قائلة: - دعني،لا أريد أن العب معك،دعني يا بن الكلب،دعني ياحقير. وراحت تصرخ تستنجد بأمها..أمي..أمي..أمي..أمي كان قلبي يدق بسرعة،والدم يكاد يتفجر من عروق رأسي،وبدأت تخاطبني روحي العميقة بلسان امينة: - اخرج يا جبان،اخرج وقاتل الطحش،دافع عني يا جبان،ظننتك رجل يا نذل... حاولت الخروج من تحت السرير لألبي نداء روحي العميقة،ولكني لم استطيع سحب جسدي المرعوب من شدة الخوف. فجأة هدأت العاصفة،وتوقف الطحش عن الحركة تماماً،إلا من صوت انفاسه المتعبة وأنين متقطع تصدره امينة. وقف الطحش على قدميه،وقال متهكماً: - الأن خلصنا لعب! غداً نلعب من جديد،ثم فتح الباب وغادر،وهو يضحك ضحكته القبيحة،التي تقشعر البدن،وما أن خرج الطحش إلى خارج الغرفة حتى علت زغاريد النساء،وكأن أبو زيد عاد من الحرب منتصراً. أول ما وقع نظري عليه،عندما خرجت من تحت السرير،كان ثوب امينة الأبيض وقد مزقه الطحش،إلى قطع صغيرة،أما امينة فقد لفت جسدها العاري بغطاء السرير،وامتزجت الألوان على وجهها الجميل فسالت على جيدها الطويل،وهي تطرق بعينيها إلى الأرض بحياء،مما هي عليه،والحقيقة أني أنا الذي كنت خجلاً منها ومن نفسي،لعدم قدرتي على فعل شيء،ولجبني وخوفي من الطحش. ادركت بأنها لن تخرج معي بهذه الحال،فتركتها وتسللت إلى خارج الغرفة،حيث كان العرس مازال قائماً،والطحش يجلس بين رجال القرية يهنئونه،ويرتبون على كتفه وكأنه أنجز بطولة ما،وفجأة التقت عيني بعين الطحش،الذي نظر إلي نظرة مرعبة ومخيفة وكأنه رأني أخرج من غرفته،فركضت مسرعاً من بين الناس،هارباً إلى بيتنا ولكني اصطدمت بجدة أبي،ووقعت على الأرض،فمدت يدها تساعدني على الوقوف وهي تلعن السرعة،وسألتني مستفسرة: -لماذا أنت مسرع هكذا، -اريد أن أذهب للبيت فقد تأخر الوقت -أين بيتكم? وابن من أنت? لم أرد عليها،تركتها تتكلم،ورحت أركض إلى البيت،الذي كان خالياً تقريباً سوى من قط كبير،كان يتربص بفأرة صغيرة،تحاول الخروج من بين الحجارة لتبحث عن طعام لها في ساحة المنزل. أخرجت الفراش من غرفتي وصعدت به إلى سطح المنزل،فقد اعتدت النوم على السطح في الصيف من شدة الحر،استلقيت على الفراش،ورحت أتمعن بالقمر الساطع بالسماء والنجوم الكثيفة تحيط به،ولم تغب عني صورة امينة ولا للحظة،تلتف بالغطاء خجلة أن تنظر نحوي،كانت صورتها تتماوج مع ضوء القمر،فتعكس حالة من الحزن والألم على صفحات الكون الساكنة،يقطعها شهاب احمر ناري،يرسم خيطاً من الأمل سرعان ما يزول. |
جهل وتجرد من الانسانيه
اخي فايز شكرا لك |
اخي الكاتب الرائع / فائز الاشتر
مازلت اتابع بشغف ما يجود علينا به قلمك الفياض بالروعة .. الصراحة اني احسدك (( للمزاح فقط )) كيف انك تستطيع ان تكتب في اجواء شهر رمضان .. .. فعن نفسي لم استطع ان اكتب جملة واحدة فاجواء الصيام لها تأثير اخر .. تقبل تقديري واحترامي |
الأخ العزيز الراجي
شكراً لك على المرور الجميل والكلمات اللطيفة معك حق،الكتابة وتجميع الأفكار صعب جداً في رمضان مع الصيام تحيتي ومودتي. |
-4- فتحت عيناي مع بزوغ أول خيوط الضوء المسترسلة من الشمس القادمة من بعيد ولكن ضوءها سرعان ما أضاء التلال المحيطة بقرية البلان،طارداً ماتبقى من عتمة،خلفها الليل وراءه،كان الندى قد تشرب بالغطاء،وكأن أحدهم سكب الماء عليه،ولكن سرعان ما يتبخر عندما تشتد أشعة الشمس. كنت اراقب من فراشي الذي افترشته على سطح المنزل حركة الفلاحين،مغادرين منازلهم على ظهر البغال والحمير،متجهين إلى اراضيهم في ساعات الصباح الباكر حتى ينهوا اعمالهم قبل أن تشتد شمس الظهيرة عليهم في العراء. نزلت من على السطح،وقد كان الجميع نيام بسبب عرس البارحة فقد عادوا متأخرين،ولم يشعر أحد بخروجي من المنزل،حيث اتجهت مباشرة إلى بيت امينة لعلي اراها مستيقظة،ولكني وجدت والدها عند باب الأصطبل يسرج البغل،كي يذهب للحقل،وعندما رأني،صاح مستغرباً: -لماذا استيقظت باكراً ياولد?..حتى إنك لم تغسل وجهك،وتسمي بالرحمن. -أريد أن العب مع امينة!..ألم تستيقظ بعد يا عمي!! ضحك بصوت عال،وقال مستغرباً: -أين كنت البارحة? ألا تعلم أن امينة قد تزوجت من الطحش! -نعم أعلم،لكن العرس انتهى البارحة،وكل شخص ذهب لشأنه. عاد يضحك ثانية،وقال بسخرية: -امينة عند الطحش،أذهب واسأله،ربما يدعها تلعب معك. كان اسم الطحش فقط يخيفني،فكيف سأطلب منه هذا الطلب،وقد سمعته البارحة عندما كنت مختبئاً تحت السرير يضرب امينة من دون سبب،وقد مزق لها ثيابها الجديدة،الأفضل أن أنتظر حتى تخرج امينة لوحدها ثم نهرب سوية إلى التلال بجانب القرية،حيث لا يرانا الطحش. اختبئت وراء كومة من الحجارة على مسافة قريبة من بيت الطحش،وجلست انتظر لعل امينة تخرج من البيت فأراها،ومرت الساعات وأنا جالس في مكاني أراقب حركة الباب الكبير لمنزل الطحش،ولكن دون جدوى،فلم يدخل أو يخرج أحد منه واشتدت شمس الظهيرة فوق رأسي حتى شعرت بالدوار،ولم أعد أميز الأشياء أمامي وعيناي لفهما السواد،حتى لم أعد اسمع جيداً،وكأن السكون أطبق على الكون،أرخيت رأسي على الحجارة،ولم اعد أشعر بشيء من حولي. كانت أمي تبحث عني في كل مكان،وعندما رأتني مستلقياً بجانب كومة الحجارة،هرعت تركض نحوي،وبصعوبة كانت تحملني قليلاً وتستريح قليلاً حتى اوصلتني إلى البيت،لتضعني على السرير،وذهبت لتحضر طبيب القرية. لم اذكر كم رقدت في السرير،ولكني أتذكر كمادات الماء البارد فوق رأسي والدواء الكثير الذي ابتلعته مجبراً،حتى عندما استعدت وعي كان لساني يلتف على بعضه من طعم الدواء المر. كانت أمي تجلس بجانبي،وعندما رأتني أفتح عيناي فرحت،وارتسمت البسمة على وجهها الحنون،ثم قالت مازحة معي: -أعتقد إنك تحب امينة أكثر مني!!! لقد كنت تنادي عليها في نومك طوال الوقت -أريد ان العب معها ولكني اخاف من الطحش أن يضربني -كيف يضربك?ان شاء الله تنكسر يده،إذا مدها عليك،تعال ياحبيبي ياغالي،وسحبتني ثم ضمتني إلى حضنها فشعرت بالحنان والأمان يخترق صدري حتى يصل إلى قلبي الصغير فيغمره ويبعث فيه السكينة. كنت أراقب بيت الطحش كل يوم من بعيد،لعلي احظى برؤية امينة ولو للحظات ولكن من دون جدوى،فلم أكن أرى سوى الطحش،يخرج من بيته لشراء بعض الحاجات من دكان ابو شحادة القريب من بيته ثم يعود مسرعاً. ضاق بي الحال ولم أعد احتمل فراق امينة وهي بجانبي لا يفصلني عنها سوى تلك الجدران اللعينة،فقررت المخاطرة والأقتراب من منزل الطحش في الدقائق القليلة التي يخرج بها إلى الدكان،وجاءت اللحظة السانحة،فقد جاء أحد أصدقاء الطحش واصطحبه معه خارج المنزل،فاسرعت مغتنماً الفرصة،واقتربت من نافذة الغرفة التي حاولت الهرب منها عندما كنت مختبئاً في الداخل. كانت النافذة مرتفعة عن الأرض بالنسبة لصغر جسدي،فتسلقت على القضبان الحديدية التي تمنع خروج أو دخول احداً إلى الغرفة،ورحت أصرخ على امينة بخوف وصراخي لا يكاد يصل إلى أذني من شدة خوفي من الطحش الشرير،ولكن امينة لم تسمعني،فحاولت الصراخ بصوت أعلى،وفجأة،رأيت شيئاً يتحرك في الداخل بجانب السرير،لقد كانت امينة،نعم هي امينة،مقيدة من يديها إلى السرير الحديدي وكانت تنظر نحوي وكأنها ترى رحمة من السماء. كان وجهها شاحب جداً،ويداها ترتجفان،وهي تحاول الوقوف،ولكن قيدها كان يعيقها عن الحركة،راعني ما رأيت ولم أعد أفكر بالخوف من أحد قفزت من على سور البيت ودخلت إلى الغرفة. كانت امينة تجلس بجانب السرير،وهي ترتدي ثوب قصير،أعتقد انه لأم الطحش،وقد بانت ذراعيها الصغيرتين منه بيضاء كالثلج،مع بعض الكدمات الزرقاء تشوه جمال وجهها،وأنياب الطحش تركت أثار بالغة على صدرها الرقيق. عندما رأتني امينة،سالت من عينيها الدموع وهمست بخوف شديد: - كيف دخلت إلى هنا? أهرب قبل أن يأتي الطحش،كي لا يقتلك! - لا يهمني لا الطحش ولا غيره،،،،قلتها وساقاي تقصفان من الخوف -أذهب أرجوك!! غادر الأن،،إذا جاء الطحش ووجدك هنا لن يحصل خير -لا تخافي لن يحضر بسرعة،فقد رأيته يغادر مع أحد اصحابه - الله يأخذه -ولكن لماذا يفعل بك هكذا? ولماذا يعضك من صدرك?هل يريد أن يأكلك!! -لا ادري ولكنه يفعل أشياء حقيرة،أستحي ان أتفوه بها -ولماذا لا تخبري ابيك وامك عنه،حتى يخلوصوك منه! -لقد أخبرت امي،ولكنها نهرتني وقالت لي،أفعلي مايطلبه منك زوجك،فأنت ملكه الأن. -لماذا لا تعودين إلى البيت وتنهي هذه اللعبة الحقيرة،وأنا أعدك بأننا لن نلعبها ثانية،فأنا الأن أكره كل شيء اسمه عرس. -لا أستطيع،فقد قالت لي أمي أن أبي سيذبحني اذا عدت إلى البيت،وأن بيت زوجي الطحش،هو قبري،يجب أن لا أغادره أبداً. -تعالي لنهرب سوية إلى التلال المجاورة للقرية ولا نعود حتى يموت الطحش. -لا استطيع فك القيد، أنه يقيدني بسلسلة وقفل،كي لا اهرب! -ولكن أين مفتاح القفل? - انه يضعه بجيبه،لا يفارقه أبداً،ولكن أذهب الأن،وغداً سوف ألاقيك عند التلال بجانب مقبرة القرية. -وهل ستستطعين الهرب غداً! -لقد وعدني أن يدعني أذهب غداً في الصباح لأرى أمي،وبعد أن أرى أمي سوف نلعب سوية عند التلال،قبل أن أعود ثانية لبيت الطحش، -سوف انتظرك اذاً في الصباح عند التلال قرب المقبرة،ولكن لماذا تريدين العودة ثانية لبيت الطحش? -أني أخاف أن يذبح أبي أمي،فقد قالت لي أمي عندما أخبرتها بأنني سوف أهرب من بيت الطحش:أرجوك يابنتي أستري علينا،والله ان سمع أباك ليذبحني ويذبحك سوية. مددت يدي الصغيرة إلى وجه امينة الجميل،حتى لامست خدها الوردي،ورحت أمسح دموعها برفق،فأمسكت بيدي وقبلتها،ثم ضمتها إلى صدرها بحنان. اخترقت ضحكات الطحش المرعبة القادمة من الشارع لحظات الحنان التي تغمر قلبي الصغير،فأسرعت بالخروج من الغرفة،ولكني لم أستطيع مغادرة حديقة المنزل،فقد كان الطحش يقف بجانب السور يودع صاحبه. |
اخي العزيز فائز الاشتر
مازال التشويق يأخذ بمجامع القلب ويشدنا الى اثارتك التي راقت لي كثيرا .. بشغف ننتظر منك البقية تقبل تقديري واحترامي |
الأخ العزيز الراجي
شكراً لك على المتابعة تحيتي ومودتي |
تلال البلان.الجزء الخامس والأخير -------------------------------------------------------------------------------- اختبئت وراء شجرة صغيرة في حديقة المنزل،وأنتظرت حتى دخل الطحش إلى غرفته وبسرعة قفزت من على السور واطلقت ساقاي للريح،وكأنني خرجت من مغارة الضبع قبل أن يفترسني ويجعلني عشاءه اللذيذ،فأثار انياب الطحش على صدر امينة،لا تزال في خيالي لا تفارقه ابداً. امضيت معظم الليل اراقب النجوم،من على سطح المنزل،ومنظر المسكينة امينة لا يفارقني،كنت أرى وجهها البريء على صفحات السماء،يتماوج بين القمر والنجوم ومن بين خيوط الليل وبصيص النجوم،تتعالى فراشة،تتمايل،تهوي تارة وترتفع تارة اخرى،محاولة بلوغ النجوم،انه يوم عرسها تبحث عن الشريك الذي ستحيي معه سينفونية العشق والحب الأبدي لبضع ساعات،ثم تنام في عرشها،بعد أن تضع بصمات الغد في أعشاش الأمارة،وكانت عيناي تراقب حركاتها الجميلة عندما انقض عليها خفاش جائع،بسرعة البرق واختفى سريعاً. لم انتظر أمي في الصباح،فقد كنت اخرج من المنزل عندما استيقظت وسألتني مستغربة: - ما الذي أيقظك باكراً! وإلى أين أنت ذاهب? - سوف أذهب لألعب مع امينة - ولكن امينة تزوجت،وهي تقيم مع زوجها ولن يسمح لها باللعب مع الأطفال - اعلم ولكن امينة وعدتني بأنها سوف تلعب معي اليوم - حسناً ! تعالى اصنع لك الفطور،ثم أذهب إلى عمتك في القرية المجاورة،لتلعب مع أولاد عمتك،وتستطيع البقاء عندهم ثلاثة أيام. تناولت الفطور بسرعة،وخرجت من البيت بعد أن وعدت أمي بأنني سوف أذهب لبيت عمتي بعد العصر،عندما انتهي من اللعب مع امينة،فوافقت امي وهي تبتسم لي ابتسامة لطالما كنت اراها على وجهها عندما كنت اطلب منها طلباً صعب المنال. وصلت مبكراً إلى التلال،وكان بعض الفلاحين قد أتوا إلى المقبرة ليصلحوا ويدهنوا قبور اقرباءهم التي مر عليها زمن من دون تصليح،وقد حطمت قطعان الماعز أحجارها،عندما تمر خلال المقبرة قادمة من المرعى. مر علي الوقت بطيئاً،وأنا أراقب كل قادم من بعيد لعله يكون أمينة،وطال إنتظاري وبدأ الجوع يقرص معدتي مع توسط شمس الظهيرة وسط السماء،ولم يبقى في المكان سواي وبعض الكلاب الشاردة،فقررت العودة إلى القرية لعلي التقي بأمينة على الطريق فنعود سوية للعب عند التلال. وصلت إلى القرية ولم التقي بأحد على الطريق،فذهبت مباشرة إلى بيت أم امينة استطلع الأمر،فربما لم يدع الطحش امينة تأتي لترى أمها،ولم أكد أصل حتى رأيت من بعيد أمينة تمشي بجانب الطحش وقد حجبها عن الرؤية بسبب ضخامة جسده،فرحت أتبعهم من بعيد حتى دخلوا بيت أم امينة،وبعد دقائق خرج الطحش،وبقيت امينة عند امها. عدت إلى البيت لأطمئن أمي علي،وتناولت معها الطعام،ثم عدت مسرعاً إلى بيت أم امينة،أنتظر خروج امينة لنلعب سوية عند التلال. لم يطل إنتظاري،حتى رأيت امينة تخرج من البوابة الكبيرة،وتغادر متجهة إلى التلال،فلحقت بها من بعيد أراقب حركات اقدامها الجميلة وهي تقفز يميناً ويساراً،وما ان ابتعدنا قليلاً عن القرية حتى اقتربت منها،ومسكت يدها الصغيرة ورحنا نمشي والأبتسامة تطفو على وجهينا،وكأننا حققنا نصراً ما. لم نشعر بمرور الوقت ونحن نلعب،تارة نتسابق،وتارة نبني بيت صغير من الحجارة الكثيرة المبعثرة هنا وهناك على تلال البلان،وعندما تملكنا التعب جلسنا بجانب البيت الصغير،وقد أرخيت رأسي على التراب وراحت امينة تمسح شعري بلطف. نظرت إلى الشمس المتسارعة في الهروب،استعطفها قلبي الصغير،ألا إلى أين ياشمس تهربين،تتركي وراءك زهور الياسمين،ألا يكفينا ظلم الأقربين،ألا تعلمي أيتها الشمس أن في غروبك قسوة على براءة المنتظرين،ولكن الشمس مضت في غروبها ولم تسمع أهات قلبي الحزين. غابت الشمس بعد أن تركت وراءها أشعة حمراء وردية تعانق تلال البلان،وتعكس حمرتها على الصخور البركانية لتكون أية من الجمال شكلت مشهداً رائعاً لإلتحام الأفق مع الأرض،بألوان ربانية،تعكس الهدوء والسكينة على النفوس،وتثبت عظمة الخالق،ولكن سرعان ما يحيك الظلام ستائره،معلناً سلطنته على الكون. همست لي امينة وكأنها توقظني من النوم: - لقد تأخرنا كثيراً! ياويلي ماذا سيفعل الطحش بي! - لا تخافي لن أدعك تعودين للطحش،سوف نهرب،ونعيش سوية بعيداً عن الطحش - لا استطيع أن أهرب وأترك أمي،فسوف يذبحها أبي،ولكني أعدك بأني سوف أعود لألعب معك بين الحين والأخر - ولكني لا أستطيع أن أدعك تعودين إلى هذا الوحش اللعين. ولم أنهي كلامي حتى سمعنا أصواتاً تأتي من بعيد وشبحان يتحركان في الظلام،قادمان نحونا،فقالت لي امينة: - هيا أختبئ بسرعة! انه الطحش ومعه أبي. - لن أدعك لوحدك - أرجوك أختبئ،سيضربك الطحش ان لم تهرب! وبصعوبة بالغة دفعتني امينة لأختبئ وراء كومة من الحجارة،في حين وقفت امينة تنتظر المجهول القادم مع الظلام المخيف بالقرب من المقبرة الساكنة. بسرعة تملكني الرعب،وأنا أراقب من وراء الحجارة،عندما صرخ والد امينة عليها - ماذا تفعلين هنا أيتها اللعينة،الله يلعن اليوم الذي ولدتك به امك،قولي ماذا تفعلين هنا،قبل أن ينفذ صبري. ولكن امينة لم تحرك ساكناً،وظلت واقفة تنظر نحو الأرض.رغم حرارة الجو المرتفعة في فصل الصيف ألا أن البرد دخل أوصالي وبدأت أرتجف من البرد والخوف على امينة المسكينة،التي ارتعبت عندما صرخ عليها الطحش فجأة بصوت اهتزت له حجارة المقبرة - تكلمي ماذا تفعلين هنا يا كلبة يا حقيرة،أنا استاهل لأني تزوجتك ولم اعلم بحالك ايتها الساقطة. لم يحتمل كلامه والد امينة ورد عليه بأستياء: - لماذا تتكلم هكذا يارجل،لقد جوزتك بنت مثل الوردة،وأنت من أوصلتنا لهذه الحال،ألا تستحي من كلامك هذا وأنا عمك! - ولماذا استحي! أنا أفعل العيب أم أنتم،لقد زوجتموني من بنت مجنونة،لم استمتع معها حتى الأن،وعلى كل حال لم تعد تناسبني سأتركها لك تشبع بها،وغداً سوف أذيع كل شيء عنك وعن ابنتك الحقيرة في كل التلال،حتى يعلم الناس حقارتكم. انتفض والد امينة،وأخرج من جيبه سكين،وهجم على الطحش غير مبالي بضخامة جسده ولكن الطحش دفعه عنه بقوة،وقال له: هذه السكين أقتل بها ابنتك الوسخة لتغسل عارك،بدلاً من أن تضربني بها. وأخذت بوالد امينة عزة الجاهلية وانتفض الدم بشرايينه،واحمرت عيناه،وخرجت انيابه، فأمسك بأمينة من شعرها وطعنها بصدرها عدة طعنات،وهو يردد: سأقتلك الف الف مرة ولن أدع هذا الحيوان يعيرني بك،ثم سقطت امينة على الأرض جثة هامدة من غير حراك،ولم يخرج منها أي صوت وكأنها ماتت قبل أن تتلقى الطعنات القاسية من دون رحمة. غادر الطحش وهو يردد مشجعاً والد امينة: -الأن أنت رجل في نظري،لقد صفينا الحساب،ولا تخاف لن أخبر أهل القرية بما جرى تسطيع أن تخبرهم بأنها وقعت من على السطح وماتت. ولكن والد امينة لم يرد عليه،وجلس منكباً على امينة،بعد أن هدأت ثائرته وكأنه خرج من نشوة أفرغها بعد كتمان طويل. بعد دقائق من مغادرة الطحش،رفع والد امينة رأسه،ثم رفع امينة ووضعها على كتفه،وغادر بها متجهاً إلى القرية،لأبقى لوحدي مذهولاً وسط خبايا هذا الليل المضني،لم أكن أعلم أحقيقة ما كان أم حلم،حتى الدم في عروقي قد تجمد،وقدماي تسمرت في مكانها،ولم أعد أدرك ماذا أفعل،فقد وجدت نفسي اركض وقدماي لا أشعر بهما،وأتعثر بالحجارة،فأصطدم بالقبور،خائفاً مرتعباً،محروق القلب،مجروح الروح مفتت الكيان،متسائلاً: من الوحش،ومن الأنسان،وهل الأنسان وحش،أم الوحش انسان ولم أتوقف عن الركض،حتى وصلت إلى البيت،وارتميت بين أحضاني أمي مرتعباً،أرتجف من الخوف،نصف جسدي يرتجف من البرد ونصفه الآخر يغلي من الحرارة. ضمتني أمي إلى صدرها وراحت تصرخ على أبي الذي أتى مسرعاً تتبعه جدته العجوز وسأل أمي عن سبب صراخها،ولكن أمي لم تستطيع الأجابة من شدة الإرتباك والخوف وأكتفت بتمسيح الدموع عن خديها. مد أبي يده إلى جبيني وقال لجدته: - الولد مريض ! جسده يغلي مثل النار فردت جدته تلوم أمي: -هذا كله من اللعب طول النهار بالشمس،لازم تأخذي بالك من ابنك بدلاً من الكلام الفاضي مع النسوان طول النهار. أذهب يا حمودة لعند الحجة المجيدية،كي تأتي لتقرأ له المعوذات وسوف يشفى بسرعة.ذهب أبي مسرعاً،وعاد ومعه الحجة المجيدية،التي وضعت يدها على رأسي بعد أن ذكرت اسم الله،والتفتت إلى أبي وقالت: - هذا الولد لازمه طبيب ومستشفى بسرعة،حالته خطرة. لكن جدة أبي صرخت بوجهها: - الظاهر انك خرفت يا حجة! الولد متوعك ولازمه قراءة المعوذات! فردت الحجة المجيدية بغضب - لماذا لم تقرأي أنت له المعوذات! الولد حالته صعبة ويحتاج إلى مستشفى اللهم أني بلغت. ثم غادرت المنزل وهي تلعن وتشتم الجهل. لم ينتظر أبي طويلاً،حملني وذهب بي مع أمي إلى جارنا الذي يملك سيارة لنقل الماشية،وطلب منه نقلنا إلى المدينة بسرعة،ولم يتقاعص الجار عندما علم انها حالة اسعاف. وصلنا مستشفى المدينة،وحضر الطبيب بسرعة وأخذ يفحصني ويسألني بماذا أشعر ولكني لم أستطيع أن أفتح فمي أو أحرك شفتاي،فقط كانت صورة امينة على كتف والدها مدرجة بالدماء امام عيناي لا تفارقهما ابداً، نظر الطبيب إلى أبي وقال له: ابنك أصابته صدمة عصبية،يبدو والله أعلم،ظهر له حيوان أخافه،أو شيء من هذا القبيل،تستطيع الرجوع به إلى البيت وسوف أعطيه بعض المهدئات لكي يستطيع النوم،واذا لم يتعافى عودوا به بسرعة. عدنا إلى البيت عند الفجر،ليضعني أبي على السرير في غرفتي،وأمي المسكينة لم تفارق دمعتها خدها،وهي تحاول وضع الماء على شفتاي والتوسل والدعاء لله ليشفيني. مرت ثلاثة ايام على حالتي هذه،أرفض الطعام والماء،إلا ما تدخله أمي عنوة بفمي،وكان أبي يأتي بين الحين والأخر ليطمئن علي،وهو يخفي دموعه بصعوبة في عينيه،ويسأل أمي عن حالتي: - هل تحسن قليلاً ! - أشعر أن حالته تسوء كل يوم عن الذي قبله. - غداً سوف نعود للطبيب ليفحصه مرة ثانية،واذا لزم الأمر سنبقيه في المستشفى غادر أبي وبقيت أمي جالسة بجانبي تمسح شعري بلطف كما كانت تفعل امينة،التي لم تفارق خيالي ولو للحظة،وكلما أتذكر أباها والطحش،كان جسدي يرتجف ويداي ترتعشان بشدة،وأشعر بعيناي تخرجان من محجريهما. مضى الليل ثقيلاً،وأمي المسكينة أعياها التعب والارهاق،فأرخت رأسها بجانبي وغفت. قبل بزوغ الفجر،كان السكون يخيم على الكون،شعرت بجسدي يتعافى وغمرني احساس غريب،لم يعد يعيق حركتي شيء،وكأنني تحررت من قيد كان يثقلني ويشل حركتي،وسمعت دقات على النافذة،وصوت امينة يناديني: عامر..عامر..عامر تحركت نحو النافذة،ونظرت إلى الخارج،فرأيت امينة تقف امام النافذة تبتسم لي وهي ترتدي ثوب أبيض جميل،يشع فيه النور،وقد فتحت ذراعيها تستعجلني الخروج. وضعت قبلة على رأس أمي،ثم خرجت لأمسك بيد امينة ونمشي سوية مبتسمين ابتسامة المنتصرين بإتجاه التلال. كانت خيوط الفجر الوردية تتسابق إلى التلال فتمتزج بالندى المنبعث عن الحشائش،فتتطاير قطرات الندى أمام أقدامنا،لتتعانق مع التراب. كانت الأضواء منتشرة في كل مكان،حمراء،صفراء،خضراء،وكانت التلال تعج بالأطفال الذين ينتظرون قدومنا،يرتدون الثياب البيضاء،وكلهم يبتسمون لنا،فرحين بقدومنا. امسكت امينة بيدي،وطارت بي إلى السماء وتبعنا باقي الأطفال بمشهد رباني جميل خلاب،وكانت أبواب السماء مفتوحة تنتظر دخولنا،وعلى جوانب الأبواب كانت الملائكة تستعد لاستقبال طيور الجنة. |
تلال البلان.الجزء الخامس والأخير -------------------------------------------------------------------------------- اختبئت وراء شجرة صغيرة في حديقة المنزل،وأنتظرت حتى دخل الطحش إلى غرفته وبسرعة قفزت من على السور واطلقت ساقاي للريح،وكأنني خرجت من مغارة الضبع قبل أن يفترسني ويجعلني عشاءه اللذيذ،فأثار انياب الطحش على صدر امينة،لا تزال في خيالي لا تفارقه ابداً. امضيت معظم الليل اراقب النجوم،من على سطح المنزل،ومنظر المسكينة امينة لا يفارقني،كنت أرى وجهها البريء على صفحات السماء،يتماوج بين القمر والنجوم ومن بين خيوط الليل وبصيص النجوم،تتعالى فراشة،تتمايل،تهوي تارة وترتفع تارة اخرى،محاولة بلوغ النجوم،انه يوم عرسها تبحث عن الشريك الذي ستحيي معه سينفونية العشق والحب الأبدي لبضع ساعات،ثم تنام في عرشها،بعد أن تضع بصمات الغد في أعشاش الأمارة،وكانت عيناي تراقب حركاتها الجميلة عندما انقض عليها خفاش جائع،بسرعة البرق واختفى سريعاً. لم انتظر أمي في الصباح،فقد كنت اخرج من المنزل عندما استيقظت وسألتني مستغربة: - ما الذي أيقظك باكراً! وإلى أين أنت ذاهب? - سوف أذهب لألعب مع امينة - ولكن امينة تزوجت،وهي تقيم مع زوجها ولن يسمح لها باللعب مع الأطفال - اعلم ولكن امينة وعدتني بأنها سوف تلعب معي اليوم - حسناً ! تعالى اصنع لك الفطور،ثم أذهب إلى عمتك في القرية المجاورة،لتلعب مع أولاد عمتك،وتستطيع البقاء عندهم ثلاثة أيام. تناولت الفطور بسرعة،وخرجت من البيت بعد أن وعدت أمي بأنني سوف أذهب لبيت عمتي بعد العصر،عندما انتهي من اللعب مع امينة،فوافقت امي وهي تبتسم لي ابتسامة لطالما كنت اراها على وجهها عندما كنت اطلب منها طلباً صعب المنال. وصلت مبكراً إلى التلال،وكان بعض الفلاحين قد أتوا إلى المقبرة ليصلحوا ويدهنوا قبور اقرباءهم التي مر عليها زمن من دون تصليح،وقد حطمت قطعان الماعز أحجارها،عندما تمر خلال المقبرة قادمة من المرعى. مر علي الوقت بطيئاً،وأنا أراقب كل قادم من بعيد لعله يكون أمينة،وطال إنتظاري وبدأ الجوع يقرص معدتي مع توسط شمس الظهيرة وسط السماء،ولم يبقى في المكان سواي وبعض الكلاب الشاردة،فقررت العودة إلى القرية لعلي التقي بأمينة على الطريق فنعود سوية للعب عند التلال. وصلت إلى القرية ولم التقي بأحد على الطريق،فذهبت مباشرة إلى بيت أم امينة استطلع الأمر،فربما لم يدع الطحش امينة تأتي لترى أمها،ولم أكد أصل حتى رأيت من بعيد أمينة تمشي بجانب الطحش وقد حجبها عن الرؤية بسبب ضخامة جسده،فرحت أتبعهم من بعيد حتى دخلوا بيت أم امينة،وبعد دقائق خرج الطحش،وبقيت امينة عند امها. عدت إلى البيت لأطمئن أمي علي،وتناولت معها الطعام،ثم عدت مسرعاً إلى بيت أم امينة،أنتظر خروج امينة لنلعب سوية عند التلال. لم يطل إنتظاري،حتى رأيت امينة تخرج من البوابة الكبيرة،وتغادر متجهة إلى التلال،فلحقت بها من بعيد أراقب حركات اقدامها الجميلة وهي تقفز يميناً ويساراً،وما ان ابتعدنا قليلاً عن القرية حتى اقتربت منها،ومسكت يدها الصغيرة ورحنا نمشي والأبتسامة تطفو على وجهينا،وكأننا حققنا نصراً ما. لم نشعر بمرور الوقت ونحن نلعب،تارة نتسابق،وتارة نبني بيت صغير من الحجارة الكثيرة المبعثرة هنا وهناك على تلال البلان،وعندما تملكنا التعب جلسنا بجانب البيت الصغير،وقد أرخيت رأسي على التراب وراحت امينة تمسح شعري بلطف. نظرت إلى الشمس المتسارعة في الهروب،استعطفها قلبي الصغير،ألا إلى أين ياشمس تهربين،تتركي وراءك زهور الياسمين،ألا يكفينا ظلم الأقربين،ألا تعلمي أيتها الشمس أن في غروبك قسوة على براءة المنتظرين،ولكن الشمس مضت في غروبها ولم تسمع أهات قلبي الحزين. غابت الشمس بعد أن تركت وراءها أشعة حمراء وردية تعانق تلال البلان،وتعكس حمرتها على الصخور البركانية لتكون أية من الجمال شكلت مشهداً رائعاً لإلتحام الأفق مع الأرض،بألوان ربانية،تعكس الهدوء والسكينة على النفوس،وتثبت عظمة الخالق،ولكن سرعان ما يحيك الظلام ستائره،معلناً سلطنته على الكون. همست لي امينة وكأنها توقظني من النوم: - لقد تأخرنا كثيراً! ياويلي ماذا سيفعل الطحش بي! - لا تخافي لن أدعك تعودين للطحش،سوف نهرب،ونعيش سوية بعيداً عن الطحش - لا استطيع أن أهرب وأترك أمي،فسوف يذبحها أبي،ولكني أعدك بأني سوف أعود لألعب معك بين الحين والأخر - ولكني لا أستطيع أن أدعك تعودين إلى هذا الوحش اللعين. ولم أنهي كلامي حتى سمعنا أصواتاً تأتي من بعيد وشبحان يتحركان في الظلام،قادمان نحونا،فقالت لي امينة: - هيا أختبئ بسرعة! انه الطحش ومعه أبي. - لن أدعك لوحدك - أرجوك أختبئ،سيضربك الطحش ان لم تهرب! وبصعوبة بالغة دفعتني امينة لأختبئ وراء كومة من الحجارة،في حين وقفت امينة تنتظر المجهول القادم مع الظلام المخيف بالقرب من المقبرة الساكنة. بسرعة تملكني الرعب،وأنا أراقب من وراء الحجارة،عندما صرخ والد امينة عليها - ماذا تفعلين هنا أيتها اللعينة،الله يلعن اليوم الذي ولدتك به امك،قولي ماذا تفعلين هنا،قبل أن ينفذ صبري. ولكن امينة لم تحرك ساكناً،وظلت واقفة تنظر نحو الأرض.رغم حرارة الجو المرتفعة في فصل الصيف ألا أن البرد دخل أوصالي وبدأت أرتجف من البرد والخوف على امينة المسكينة،التي ارتعبت عندما صرخ عليها الطحش فجأة بصوت اهتزت له حجارة المقبرة - تكلمي ماذا تفعلين هنا يا كلبة يا حقيرة،أنا استاهل لأني تزوجتك ولم اعلم بحالك ايتها الساقطة. لم يحتمل كلامه والد امينة ورد عليه بأستياء: - لماذا تتكلم هكذا يارجل،لقد جوزتك بنت مثل الوردة،وأنت من أوصلتنا لهذه الحال،ألا تستحي من كلامك هذا وأنا عمك! - ولماذا استحي! أنا أفعل العيب أم أنتم،لقد زوجتموني من بنت مجنونة،لم استمتع معها حتى الأن،وعلى كل حال لم تعد تناسبني سأتركها لك تشبع بها،وغداً سوف أذيع كل شيء عنك وعن ابنتك الحقيرة في كل التلال،حتى يعلم الناس حقارتكم. انتفض والد امينة،وأخرج من جيبه سكين،وهجم على الطحش غير مبالي بضخامة جسده ولكن الطحش دفعه عنه بقوة،وقال له: هذه السكين أقتل بها ابنتك الوسخة لتغسل عارك،بدلاً من أن تضربني بها. وأخذت بوالد امينة عزة الجاهلية وانتفض الدم بشرايينه،واحمرت عيناه،وخرجت انيابه، فأمسك بأمينة من شعرها وطعنها بصدرها عدة طعنات،وهو يردد: سأقتلك الف الف مرة ولن أدع هذا الحيوان يعيرني بك،ثم سقطت امينة على الأرض جثة هامدة من غير حراك،ولم يخرج منها أي صوت وكأنها ماتت قبل أن تتلقى الطعنات القاسية من دون رحمة. غادر الطحش وهو يردد مشجعاً والد امينة: -الأن أنت رجل في نظري،لقد صفينا الحساب،ولا تخاف لن أخبر أهل القرية بما جرى تسطيع أن تخبرهم بأنها وقعت من على السطح وماتت. ولكن والد امينة لم يرد عليه،وجلس منكباً على امينة،بعد أن هدأت ثائرته وكأنه خرج من نشوة أفرغها بعد كتمان طويل. بعد دقائق من مغادرة الطحش،رفع والد امينة رأسه،ثم رفع امينة ووضعها على كتفه،وغادر بها متجهاً إلى القرية،لأبقى لوحدي مذهولاً وسط خبايا هذا الليل المضني،لم أكن أعلم أحقيقة ما كان أم حلم،حتى الدم في عروقي قد تجمد،وقدماي تسمرت في مكانها،ولم أعد أدرك ماذا أفعل،فقد وجدت نفسي اركض وقدماي لا أشعر بهما،وأتعثر بالحجارة،فأصطدم بالقبور،خائفاً مرتعباً،محروق القلب،مجروح الروح مفتت الكيان،متسائلاً: من الوحش،ومن الأنسان،وهل الأنسان وحش،أم الوحش انسان ولم أتوقف عن الركض،حتى وصلت إلى البيت،وارتميت بين أحضاني أمي مرتعباً،أرتجف من الخوف،نصف جسدي يرتجف من البرد ونصفه الآخر يغلي من الحرارة. ضمتني أمي إلى صدرها وراحت تصرخ على أبي الذي أتى مسرعاً تتبعه جدته العجوز وسأل أمي عن سبب صراخها،ولكن أمي لم تستطيع الأجابة من شدة الإرتباك والخوف وأكتفت بتمسيح الدموع عن خديها. مد أبي يده إلى جبيني وقال لجدته: - الولد مريض ! جسده يغلي مثل النار فردت جدته تلوم أمي: -هذا كله من اللعب طول النهار بالشمس،لازم تأخذي بالك من ابنك بدلاً من الكلام الفاضي مع النسوان طول النهار. أذهب يا حمودة لعند الحجة المجيدية،كي تأتي لتقرأ له المعوذات وسوف يشفى بسرعة.ذهب أبي مسرعاً،وعاد ومعه الحجة المجيدية،التي وضعت يدها على رأسي بعد أن ذكرت اسم الله،والتفتت إلى أبي وقالت: - هذا الولد لازمه طبيب ومستشفى بسرعة،حالته خطرة. لكن جدة أبي صرخت بوجهها: - الظاهر انك خرفت يا حجة! الولد متوعك ولازمه قراءة المعوذات! فردت الحجة المجيدية بغضب - لماذا لم تقرأي أنت له المعوذات! الولد حالته صعبة ويحتاج إلى مستشفى اللهم أني بلغت. ثم غادرت المنزل وهي تلعن وتشتم الجهل. لم ينتظر أبي طويلاً،حملني وذهب بي مع أمي إلى جارنا الذي يملك سيارة لنقل الماشية،وطلب منه نقلنا إلى المدينة بسرعة،ولم يتقاعص الجار عندما علم انها حالة اسعاف. وصلنا مستشفى المدينة،وحضر الطبيب بسرعة وأخذ يفحصني ويسألني بماذا أشعر ولكني لم أستطيع أن أفتح فمي أو أحرك شفتاي،فقط كانت صورة امينة على كتف والدها مدرجة بالدماء امام عيناي لا تفارقهما ابداً، نظر الطبيب إلى أبي وقال له: ابنك أصابته صدمة عصبية،يبدو والله أعلم،ظهر له حيوان أخافه،أو شيء من هذا القبيل،تستطيع الرجوع به إلى البيت وسوف أعطيه بعض المهدئات لكي يستطيع النوم،واذا لم يتعافى عودوا به بسرعة. عدنا إلى البيت عند الفجر،ليضعني أبي على السرير في غرفتي،وأمي المسكينة لم تفارق دمعتها خدها،وهي تحاول وضع الماء على شفتاي والتوسل والدعاء لله ليشفيني. مرت ثلاثة ايام على حالتي هذه،أرفض الطعام والماء،إلا ما تدخله أمي عنوة بفمي،وكان أبي يأتي بين الحين والأخر ليطمئن علي،وهو يخفي دموعه بصعوبة في عينيه،ويسأل أمي عن حالتي: - هل تحسن قليلاً ! - أشعر أن حالته تسوء كل يوم عن الذي قبله. - غداً سوف نعود للطبيب ليفحصه مرة ثانية،واذا لزم الأمر سنبقيه في المستشفى غادر أبي وبقيت أمي جالسة بجانبي تمسح شعري بلطف كما كانت تفعل امينة،التي لم تفارق خيالي ولو للحظة،وكلما أتذكر أباها والطحش،كان جسدي يرتجف ويداي ترتعشان بشدة،وأشعر بعيناي تخرجان من محجريهما. مضى الليل ثقيلاً،وأمي المسكينة أعياها التعب والارهاق،فأرخت رأسها بجانبي وغفت. قبل بزوغ الفجر،كان السكون يخيم على الكون،شعرت بجسدي يتعافى وغمرني احساس غريب،لم يعد يعيق حركتي شيء،وكأنني تحررت من قيد كان يثقلني ويشل حركتي،وسمعت دقات على النافذة،وصوت امينة يناديني: عامر..عامر..عامر تحركت نحو النافذة،ونظرت إلى الخارج،فرأيت امينة تقف امام النافذة تبتسم لي وهي ترتدي ثوب أبيض جميل،يشع فيه النور،وقد فتحت ذراعيها تستعجلني الخروج. وضعت قبلة على رأس أمي،ثم خرجت لأمسك بيد امينة ونمشي سوية مبتسمين ابتسامة المنتصرين بإتجاه التلال. كانت خيوط الفجر الوردية تتسابق إلى التلال فتمتزج بالندى المنبعث عن الحشائش،فتتطاير قطرات الندى أمام أقدامنا،لتتعانق مع التراب. كانت الأضواء منتشرة في كل مكان،حمراء،صفراء،خضراء،وكانت التلال تعج بالأطفال الذين ينتظرون قدومنا،يرتدون الثياب البيضاء،وكلهم يبتسمون لنا،فرحين بقدومنا. امسكت امينة بيدي،وطارت بي إلى السماء وتبعنا باقي الأطفال بمشهد رباني جميل خلاب،وكانت أبواب السماء مفتوحة تنتظر دخولنا،وعلى جوانب الأبواب كانت الملائكة تستعد لاستقبال طيور الجنة. |
تلال البلان.الجزء الخامس والأخير -------------------------------------------------------------------------------- اختبئت وراء شجرة صغيرة في حديقة المنزل،وأنتظرت حتى دخل الطحش إلى غرفته وبسرعة قفزت من على السور واطلقت ساقاي للريح،وكأنني خرجت من مغارة الضبع قبل أن يفترسني ويجعلني عشاءه اللذيذ،فأثار انياب الطحش على صدر امينة،لا تزال في خيالي لا تفارقه ابداً. امضيت معظم الليل اراقب النجوم،من على سطح المنزل،ومنظر المسكينة امينة لا يفارقني،كنت أرى وجهها البريء على صفحات السماء،يتماوج بين القمر والنجوم ومن بين خيوط الليل وبصيص النجوم،تتعالى فراشة،تتمايل،تهوي تارة وترتفع تارة اخرى،محاولة بلوغ النجوم،انه يوم عرسها تبحث عن الشريك الذي ستحيي معه سينفونية العشق والحب الأبدي لبضع ساعات،ثم تنام في عرشها،بعد أن تضع بصمات الغد في أعشاش الأمارة،وكانت عيناي تراقب حركاتها الجميلة عندما انقض عليها خفاش جائع،بسرعة البرق واختفى سريعاً. لم انتظر أمي في الصباح،فقد كنت اخرج من المنزل عندما استيقظت وسألتني مستغربة: - ما الذي أيقظك باكراً! وإلى أين أنت ذاهب? - سوف أذهب لألعب مع امينة - ولكن امينة تزوجت،وهي تقيم مع زوجها ولن يسمح لها باللعب مع الأطفال - اعلم ولكن امينة وعدتني بأنها سوف تلعب معي اليوم - حسناً ! تعالى اصنع لك الفطور،ثم أذهب إلى عمتك في القرية المجاورة،لتلعب مع أولاد عمتك،وتستطيع البقاء عندهم ثلاثة أيام. تناولت الفطور بسرعة،وخرجت من البيت بعد أن وعدت أمي بأنني سوف أذهب لبيت عمتي بعد العصر،عندما انتهي من اللعب مع امينة،فوافقت امي وهي تبتسم لي ابتسامة لطالما كنت اراها على وجهها عندما كنت اطلب منها طلباً صعب المنال. وصلت مبكراً إلى التلال،وكان بعض الفلاحين قد أتوا إلى المقبرة ليصلحوا ويدهنوا قبور اقرباءهم التي مر عليها زمن من دون تصليح،وقد حطمت قطعان الماعز أحجارها،عندما تمر خلال المقبرة قادمة من المرعى. مر علي الوقت بطيئاً،وأنا أراقب كل قادم من بعيد لعله يكون أمينة،وطال إنتظاري وبدأ الجوع يقرص معدتي مع توسط شمس الظهيرة وسط السماء،ولم يبقى في المكان سواي وبعض الكلاب الشاردة،فقررت العودة إلى القرية لعلي التقي بأمينة على الطريق فنعود سوية للعب عند التلال. وصلت إلى القرية ولم التقي بأحد على الطريق،فذهبت مباشرة إلى بيت أم امينة استطلع الأمر،فربما لم يدع الطحش امينة تأتي لترى أمها،ولم أكد أصل حتى رأيت من بعيد أمينة تمشي بجانب الطحش وقد حجبها عن الرؤية بسبب ضخامة جسده،فرحت أتبعهم من بعيد حتى دخلوا بيت أم امينة،وبعد دقائق خرج الطحش،وبقيت امينة عند امها. عدت إلى البيت لأطمئن أمي علي،وتناولت معها الطعام،ثم عدت مسرعاً إلى بيت أم امينة،أنتظر خروج امينة لنلعب سوية عند التلال. لم يطل إنتظاري،حتى رأيت امينة تخرج من البوابة الكبيرة،وتغادر متجهة إلى التلال،فلحقت بها من بعيد أراقب حركات اقدامها الجميلة وهي تقفز يميناً ويساراً،وما ان ابتعدنا قليلاً عن القرية حتى اقتربت منها،ومسكت يدها الصغيرة ورحنا نمشي والأبتسامة تطفو على وجهينا،وكأننا حققنا نصراً ما. لم نشعر بمرور الوقت ونحن نلعب،تارة نتسابق،وتارة نبني بيت صغير من الحجارة الكثيرة المبعثرة هنا وهناك على تلال البلان،وعندما تملكنا التعب جلسنا بجانب البيت الصغير،وقد أرخيت رأسي على التراب وراحت امينة تمسح شعري بلطف. نظرت إلى الشمس المتسارعة في الهروب،استعطفها قلبي الصغير،ألا إلى أين ياشمس تهربين،تتركي وراءك زهور الياسمين،ألا يكفينا ظلم الأقربين،ألا تعلمي أيتها الشمس أن في غروبك قسوة على براءة المنتظرين،ولكن الشمس مضت في غروبها ولم تسمع أهات قلبي الحزين. غابت الشمس بعد أن تركت وراءها أشعة حمراء وردية تعانق تلال البلان،وتعكس حمرتها على الصخور البركانية لتكون أية من الجمال شكلت مشهداً رائعاً لإلتحام الأفق مع الأرض،بألوان ربانية،تعكس الهدوء والسكينة على النفوس،وتثبت عظمة الخالق،ولكن سرعان ما يحيك الظلام ستائره،معلناً سلطنته على الكون. همست لي امينة وكأنها توقظني من النوم: - لقد تأخرنا كثيراً! ياويلي ماذا سيفعل الطحش بي! - لا تخافي لن أدعك تعودين للطحش،سوف نهرب،ونعيش سوية بعيداً عن الطحش - لا استطيع أن أهرب وأترك أمي،فسوف يذبحها أبي،ولكني أعدك بأني سوف أعود لألعب معك بين الحين والأخر - ولكني لا أستطيع أن أدعك تعودين إلى هذا الوحش اللعين. ولم أنهي كلامي حتى سمعنا أصواتاً تأتي من بعيد وشبحان يتحركان في الظلام،قادمان نحونا،فقالت لي امينة: - هيا أختبئ بسرعة! انه الطحش ومعه أبي. - لن أدعك لوحدك - أرجوك أختبئ،سيضربك الطحش ان لم تهرب! وبصعوبة بالغة دفعتني امينة لأختبئ وراء كومة من الحجارة،في حين وقفت امينة تنتظر المجهول القادم مع الظلام المخيف بالقرب من المقبرة الساكنة. بسرعة تملكني الرعب،وأنا أراقب من وراء الحجارة،عندما صرخ والد امينة عليها - ماذا تفعلين هنا أيتها اللعينة،الله يلعن اليوم الذي ولدتك به امك،قولي ماذا تفعلين هنا،قبل أن ينفذ صبري. ولكن امينة لم تحرك ساكناً،وظلت واقفة تنظر نحو الأرض.رغم حرارة الجو المرتفعة في فصل الصيف ألا أن البرد دخل أوصالي وبدأت أرتجف من البرد والخوف على امينة المسكينة،التي ارتعبت عندما صرخ عليها الطحش فجأة بصوت اهتزت له حجارة المقبرة - تكلمي ماذا تفعلين هنا يا كلبة يا حقيرة،أنا استاهل لأني تزوجتك ولم اعلم بحالك ايتها الساقطة. لم يحتمل كلامه والد امينة ورد عليه بأستياء: - لماذا تتكلم هكذا يارجل،لقد جوزتك بنت مثل الوردة،وأنت من أوصلتنا لهذه الحال،ألا تستحي من كلامك هذا وأنا عمك! - ولماذا استحي! أنا أفعل العيب أم أنتم،لقد زوجتموني من بنت مجنونة،لم استمتع معها حتى الأن،وعلى كل حال لم تعد تناسبني سأتركها لك تشبع بها،وغداً سوف أذيع كل شيء عنك وعن ابنتك الحقيرة في كل التلال،حتى يعلم الناس حقارتكم. انتفض والد امينة،وأخرج من جيبه سكين،وهجم على الطحش غير مبالي بضخامة جسده ولكن الطحش دفعه عنه بقوة،وقال له: هذه السكين أقتل بها ابنتك الوسخة لتغسل عارك،بدلاً من أن تضربني بها. وأخذت بوالد امينة عزة الجاهلية وانتفض الدم بشرايينه،واحمرت عيناه،وخرجت انيابه، فأمسك بأمينة من شعرها وطعنها بصدرها عدة طعنات،وهو يردد: سأقتلك الف الف مرة ولن أدع هذا الحيوان يعيرني بك،ثم سقطت امينة على الأرض جثة هامدة من غير حراك،ولم يخرج منها أي صوت وكأنها ماتت قبل أن تتلقى الطعنات القاسية من دون رحمة. غادر الطحش وهو يردد مشجعاً والد امينة: -الأن أنت رجل في نظري،لقد صفينا الحساب،ولا تخاف لن أخبر أهل القرية بما جرى تسطيع أن تخبرهم بأنها وقعت من على السطح وماتت. ولكن والد امينة لم يرد عليه،وجلس منكباً على امينة،بعد أن هدأت ثائرته وكأنه خرج من نشوة أفرغها بعد كتمان طويل. بعد دقائق من مغادرة الطحش،رفع والد امينة رأسه،ثم رفع امينة ووضعها على كتفه،وغادر بها متجهاً إلى القرية،لأبقى لوحدي مذهولاً وسط خبايا هذا الليل المضني،لم أكن أعلم أحقيقة ما كان أم حلم،حتى الدم في عروقي قد تجمد،وقدماي تسمرت في مكانها،ولم أعد أدرك ماذا أفعل،فقد وجدت نفسي اركض وقدماي لا أشعر بهما،وأتعثر بالحجارة،فأصطدم بالقبور،خائفاً مرتعباً،محروق القلب،مجروح الروح مفتت الكيان،متسائلاً: من الوحش،ومن الأنسان،وهل الأنسان وحش،أم الوحش انسان ولم أتوقف عن الركض،حتى وصلت إلى البيت،وارتميت بين أحضاني أمي مرتعباً،أرتجف من الخوف،نصف جسدي يرتجف من البرد ونصفه الآخر يغلي من الحرارة. ضمتني أمي إلى صدرها وراحت تصرخ على أبي الذي أتى مسرعاً تتبعه جدته العجوز وسأل أمي عن سبب صراخها،ولكن أمي لم تستطيع الأجابة من شدة الإرتباك والخوف وأكتفت بتمسيح الدموع عن خديها. مد أبي يده إلى جبيني وقال لجدته: - الولد مريض ! جسده يغلي مثل النار فردت جدته تلوم أمي: -هذا كله من اللعب طول النهار بالشمس،لازم تأخذي بالك من ابنك بدلاً من الكلام الفاضي مع النسوان طول النهار. أذهب يا حمودة لعند الحجة المجيدية،كي تأتي لتقرأ له المعوذات وسوف يشفى بسرعة.ذهب أبي مسرعاً،وعاد ومعه الحجة المجيدية،التي وضعت يدها على رأسي بعد أن ذكرت اسم الله،والتفتت إلى أبي وقالت: - هذا الولد لازمه طبيب ومستشفى بسرعة،حالته خطرة. لكن جدة أبي صرخت بوجهها: - الظاهر انك خرفت يا حجة! الولد متوعك ولازمه قراءة المعوذات! فردت الحجة المجيدية بغضب - لماذا لم تقرأي أنت له المعوذات! الولد حالته صعبة ويحتاج إلى مستشفى اللهم أني بلغت. ثم غادرت المنزل وهي تلعن وتشتم الجهل. لم ينتظر أبي طويلاً،حملني وذهب بي مع أمي إلى جارنا الذي يملك سيارة لنقل الماشية،وطلب منه نقلنا إلى المدينة بسرعة،ولم يتقاعص الجار عندما علم انها حالة اسعاف. وصلنا مستشفى المدينة،وحضر الطبيب بسرعة وأخذ يفحصني ويسألني بماذا أشعر ولكني لم أستطيع أن أفتح فمي أو أحرك شفتاي،فقط كانت صورة امينة على كتف والدها مدرجة بالدماء امام عيناي لا تفارقهما ابداً، نظر الطبيب إلى أبي وقال له: ابنك أصابته صدمة عصبية،يبدو والله أعلم،ظهر له حيوان أخافه،أو شيء من هذا القبيل،تستطيع الرجوع به إلى البيت وسوف أعطيه بعض المهدئات لكي يستطيع النوم،واذا لم يتعافى عودوا به بسرعة. عدنا إلى البيت عند الفجر،ليضعني أبي على السرير في غرفتي،وأمي المسكينة لم تفارق دمعتها خدها،وهي تحاول وضع الماء على شفتاي والتوسل والدعاء لله ليشفيني. مرت ثلاثة ايام على حالتي هذه،أرفض الطعام والماء،إلا ما تدخله أمي عنوة بفمي،وكان أبي يأتي بين الحين والأخر ليطمئن علي،وهو يخفي دموعه بصعوبة في عينيه،ويسأل أمي عن حالتي: - هل تحسن قليلاً ! - أشعر أن حالته تسوء كل يوم عن الذي قبله. - غداً سوف نعود للطبيب ليفحصه مرة ثانية،واذا لزم الأمر سنبقيه في المستشفى غادر أبي وبقيت أمي جالسة بجانبي تمسح شعري بلطف كما كانت تفعل امينة،التي لم تفارق خيالي ولو للحظة،وكلما أتذكر أباها والطحش،كان جسدي يرتجف ويداي ترتعشان بشدة،وأشعر بعيناي تخرجان من محجريهما. مضى الليل ثقيلاً،وأمي المسكينة أعياها التعب والارهاق،فأرخت رأسها بجانبي وغفت. قبل بزوغ الفجر،كان السكون يخيم على الكون،شعرت بجسدي يتعافى وغمرني احساس غريب،لم يعد يعيق حركتي شيء،وكأنني تحررت من قيد كان يثقلني ويشل حركتي،وسمعت دقات على النافذة،وصوت امينة يناديني: عامر..عامر..عامر تحركت نحو النافذة،ونظرت إلى الخارج،فرأيت امينة تقف امام النافذة تبتسم لي وهي ترتدي ثوب أبيض جميل،يشع فيه النور،وقد فتحت ذراعيها تستعجلني الخروج. وضعت قبلة على رأس أمي،ثم خرجت لأمسك بيد امينة ونمشي سوية مبتسمين ابتسامة المنتصرين بإتجاه التلال. كانت خيوط الفجر الوردية تتسابق إلى التلال فتمتزج بالندى المنبعث عن الحشائش،فتتطاير قطرات الندى أمام أقدامنا،لتتعانق مع التراب. كانت الأضواء منتشرة في كل مكان،حمراء،صفراء،خضراء،وكانت التلال تعج بالأطفال الذين ينتظرون قدومنا،يرتدون الثياب البيضاء،وكلهم يبتسمون لنا،فرحين بقدومنا. امسكت امينة بيدي،وطارت بي إلى السماء وتبعنا باقي الأطفال بمشهد رباني جميل خلاب،وكانت أبواب السماء مفتوحة تنتظر دخولنا،وعلى جوانب الأبواب كانت الملائكة تستعد لاستقبال طيور الجنة. |
اخي الاديب والكاتب المبدع / فائز الاشتر
استمتعنا كثيرا وملآنا الاسى اكثر ولكن حسن وصفك ورقة كلامك خففت من حدة الحزن الذي لفّ نهاية قصتك الراقية ... لا تبخل علينا بالمزيد ... ننتظر بشغف جديدك الهني تقبل تقديري واحترامي |
اقتباس:
يسعدني مرورك الجميل وتعقيبك الرائع تحيتي ومودتي |
| الساعة الآن 03:36 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
