![]() |
سلاح الجريمة ( بقلم : محمد سنجر )
سحبني الظمأ عنوة من بين دفء أغطيتي الصوفية ، نهضت من نومي على مضض ، جلست أحاول إقناع نفسي بحتمية الذهاب للارتواء ، روعة و حلاوة الدفء في هذه الليالي الباردة لا تعادله لذة أيا كانت ، من المفروض ألا أتراجع عن الذهاب ، حاولت بل شفتاي التي تشققت من شدة الجدب بلساني ، أجابني العدم ، مرارة جفاف حلقي تعنفني ، يبدو أنه لا مفر ، داعبت شلالات المياه خيالي ، فلأذهب إذن و ليكن ما يكون ، و ماذا ستفعل في هذا الدفء الذي بدأ يتسرب من تحت الأغطية ؟ لا عليك فسأحاول الحفاظ عليه لحين عودتي سريعا ، دثرت دفء فراشي بحرص شديد ، فلم أترك له منفذا للهرب ، و ماذا ستفعل في هذا النوم الذي ملء جفونك ؟ سأحاول ألا أفتح عيني ، علي أن أتحسس طريقي حتى لا يتسرب هو الآخر. ذهبت ألتمس باب الغرفة الحالكة ، أقدم رجلا و أؤخر الأخرى ، بمجرد أن فتحت الباب غمرني هذا الضوء المنبعث من غرفة أخي الأكبر ، حاولت التراجع عن هذه المهمة و العودة ثانية إلى مخبأي ، استحلفني جفاف حلقي بالتقدم ، فلم يبق إلا القليل جدا على شلالات الجنان الباردة التي ستجرفني و تغمرني بعذب مياهها ، تلذذت بتخيل عذوبة مذاقها على لساني فقررت عدم التراجع ، يبدو أن حب الاستطلاع قد استيقظ بداخلي أيضا ، وسوس لي الفضول بإلقاء نظرة على غرفة أخي ، بالكاد لمحته يجلس إلى مكتب أبي العتيق من بين سحب سجائره التي حجبت الرؤية ، لمعت زجاجة ماء بين الدخان الكثيف بجانبه فوق المكتب ، عدلت الخطة في لمح البصر ، فلتكن هذه الزجاجة هدفي الجديد ، تسارعت الخطوات إليها ، همهمت بإلقاء السلام عليه بينما بالكاد أحاول فتح عين واحدة لاستبيان مكان الهدف ، مددت يدي في تكاسل ، خيبة ظن وقعت في كفي فأمسكت بالفراغ ، فتحت عيني مذعورا ، وجدته يمسك بها ، مددت يدي إليه أطلب قربها فلقد أحرقت قلبي حرارة الاشتياق ، هز رأسه بالنفي ، لا حول و لا قوة إلا بالله ، ابتسامة ارتسمت على وجهي ، بادرني ) ـ روح اعمل لي كوباية شاي الأول . ـ نعم ؟ شاي مين و الناس نايمين ؟ ( ابتسم و هو يمد يده بها ، تناولتها من بين يديه بسرعة قبل الرجوع في قراره ، رفعتها أغرق بها هذه الفيافي الجدباء ، سيول فاضت تحملني فوق أمواجها المتلاحقة ، تحطني مستلقيا فوق ربوة يـــانعة ، خضــــراء ، عــــالية ، عبقــة ، رطبــة ، بــــــــاردة ، منعشــــــــة ، ألقيت بنفسي فوق كرسي بالزاوية ، أحاول التقاط أنفاسي المتلاحقة من طول السفر ، زفير ارتياح انفجر من صدري أزاح أمامه سحب الدخان التي تملأ الغرفة ) ـ إيه يا عم ؟ حاسب لتطيرنا . ـ اسكت ، ده أنا كنت خلاص ها أموت من العطش ، بس انت إيه اللي مسهرك لدلوقتي ؟ ـ قضية يا سيدي محيرانا . ـ قضية إيه دي . ـ قتل عقبال عندك ، واحد قتل مراته . ـ أعوذ بالله منك يا شيخ ، لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم ، و إيه اللي محيركم بقى إن شاء الله ؟ ـ مش لاقيين سلاح الجريمة ، شوف صورة تقرير الطب الشرعي بيقول إن القتل تم بالطعن في الصدر بأداة حادة .... ( ناولني بعض الأوراق ، أخذت أتفحصها ، اختطف الفضول من بين جفوني ما تبقى من رغبة في العودة لسريري ، أخذت أحدث نفسي ) ـ معقولة ؟ لا لا مش معقول . ـ إيه هو اللي مش معقول ؟ قووووووووول . ـ بسيطة جدا ، دا أنا اللي ما ليش في الكلام بتاعكم ده عرفت اتقتلت بإيه . ـ لا ؟ بتتكلم جد ؟ ـ آه و الله ، عرفت ، بس مش ها أقول لك إلا لما تقوم انت تعمل لي شاي . ـ ها اعمل لك و الله ، بس قول بجد عرفت قتلها إزاي ؟ ـ الشاي الأول . ـ ما تبقاش غلس بقى ، قووووول . ( ذهبت بسرعة إلى المطبخ ) ـ إنت رايح فين ؟ ـ ثواني و راجع لك ، ثانية واحدة . ـ الواد ده اهبل و إلا إيه ؟ تلاقيه لا عرف و لا حاجة . ( عدت إليه ممسكا بشيء في يدي ) ـ قتلها باللي في إيدي ، حذر فزر . ( أخذه الفضول فأخذ ينظر إلى أصابع كفي التي بدأ الماء يتسرب من بينها ، قفز من فوق كرسيه ، أمسك برأسي يهزها ) ـ إنت دماغك دي معجونة إيه ؟ معجونة إيـــــــــــه ؟ ( احتضنني بقوة ، حملني لأعلى و أخذ يلف بي الغرفة و يصرخ ) ـ يا ابن الذين آمنوا، قتلها بقطعة ثلج مدببة صح ؟ ـ كلام سليم . ـ كان محضرها مخصوص عشان يقتلها بيها ، ـ و عشان كده الطب الشرعي بيقول إن هدومها مبلولة و لا حدش قدر يفسر ليه . ـ و في الحالة دي لا ها يبقى فيه لا بصمات و لا سلاح جريمة أصلا . ـ و خصوصا لو اكتشفوا الجريمة متأخر بعد ما تنشف المية و تجف ... ( أخذ يلف بي و يصرخ و يلف و يضحك ، سقطنا أرضا لا نستطيع الحراك ، فلقد أخذت الغرفة هي الأخرى تضحك و تدور من حولنا ) |
محمد سنجر
قصة راااائعة وطرح إبداعي جميل ولكن هل يشترط في كل جريمة أن يكون السلاح موجودا ً ؟ بمعنى ألا يمكن أن يكون الطعن بإية أداة ويتم الخلص منها وجهة نظر :) وفي انتظار نزف قلمك المميز وتقبل فااائق تقديري واحترامي |
اقتباس:
أخي الحبيب قديم الشوق على طيب ردك وهذا السؤال المهم جدا نعم في أية جريمة لابد من ذكر نوع السلاح الذي تمت به الجريمة و لابد من الطب الشرعي وصفه بكل دقة هل هو مسدس و عيار طلقاته و المسافة التي كانت بين القاتل و المقتول أو هل تم القتل بأداة حادة و نوع هذه الأداة و من أي المواد صنعت فكل ذلك سيفيد في اكتشاف الأركان الأخرى في الجريمة و هل هناك شركاء مثلا و هل تم القتل عمدا مع سبق الإصرار أم كان قتل خطأ و هل هو دفاع عن النفس أم ماذا ؟ كل هذه الأسئلة يجيب عنها الطب الشرعي عندما يخبرنا تقريره بنوع السلاح الذي تمت به الجريمة و يعتبر سلاح الجريمة بالبصمات التي عليه و دراسته جيدا من خلال متخصصين و بأحدث الطرق التكنولوجية من أهم أركان الجريمة و بنفس أهمية الجثة نفسها و أول ما يفكر القاتل أو المجرم يفكر في اثنتين السلاح و الجثة و كيف سيتخلص منهما فبدون جثة لا توجد جريمة و لذلك كانوا يذوبونها بالأسيد قديما و يلقونها في البحر مع ربطها بثقل لكي لا تطفو أبدا حتى يأكلها الأسماك و منهم من يحرقها حتى تتفحم وكذلك بدون سلاح فلا يمكن اثبات القتل تيقنا و لكن اشتباها فقط بمعنى آخر أنه من الممكن أن تتهم إنسان بالقتل و لكنك لا يمكن أن تحكم عليه بالحكم المفروض إلا إذا كان هناك سلاح للجريمة و بدونه ينال القاتل أقل القليل من العقوبة المفروضة و لذلك يحاولون التخلص منه بشتى الطرق و الكباري هههه دمتم بحفظ الله أخي العزيز قديم الشوق |
:
استاذي محمد سنجر أستمتعت بالقرأه .. يعطيك العافيه لاتحرمنا من ابداعك . |
| الساعة الآن 02:28 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
