![]() |
القاصمة
القاصمة، بقلم يوسف نايف 1 تصادف أن اسمينا وزنهما واحد: فهو كريم وأنا حليم. منذ أسبوعين فقط أتممت الثالثة والستين، أما هو فما زال في الخامسة والخمسين. لم نتوقع إطلاقا بأن أعمارنا ستتقارب يوما ما، أو أن مصيرنا سيكون هنا، أقصد في دار العناية بالعجزة. (أولادنا لم يطيقونا) ولكن هنا نجد المطعم والمشرب دون أي معاناة، ولهذا يسيطر علينا الفراغ القاتل. فلا مفر لنا من الحديث وخاصة في الذكريات. في كل خميس، نذهب إلى مناطق نائية في الأرياف. نجلس تحت ظل أغصان الشجر المتمايلة، فيصيبنا نور الشمس تارة وتخطؤنا أخرى. نتنافس أيّنا يستعيد الذكريات أكثر. والفائز فينا من كانت رواياته الأكثر عددا وتأثيرا. ودون فخر، كنت أفوز في كل مرة. حتى إذا بلغت الستين، غلبني كريم. بصراحة، قد كنت ولازلت سعيدا بأنه يغلبني، لا لسبب إلا لأنه صديقي وأنه قد نجا من سرطان الرئة بعد العمليات الجراحية والأدوية اللانهائية. 2 أفقته بصوت متعب: -كريم...كريم. -نعم، يا صاح! أمن عز الصبح؟! -هيا، نحن ذاهبون. -من؟ -كلنا طبعا. سأحضر لك الدواء... -حسن... أبحث عن دوائه وأذكره: -لا تنسى أن تأخذ معك بعض النقود... -كم قد نحتاج؟ -آم...خمسة فقط... -أليس قليلا؟ -بصراحة، لا. فهو يكفينا. -كما تشاء. وأخذ كل منا يجهز حقيبته ببطء. حال السكوت وقلة المواضيع بيننا. فمن قوة السكوت جعلت ألمحه لعله يقول شيئا. لم أستفد من نظري إليه إلا حقيقة أن وجهه كان قد تغير. كأنه غاضب. لم أعرف لماذا...فحاولت أن أتذكر ما حصل مساء البارحة. حاولت وحاولت، ثم قررت أن أتحدث معه أحاوره. -كريم؟ -نعم. -أريد أن أجلس قليلا... فقال لي: -اجلس لا أحد يمنعك. جلست. ثم اقترحت عليه: -لم لا ترتاح أنت أيضا؟ حدق فيّ، ثم وضع قميصه المفضل جانبا وجلس بجانبي. -تفضل...قل ما لديك. -(تنحنحت) كريم، سأكون صريحا معك، حيث أنّنا اعتدنا على الصراحة بيننا. لا أنوي مضايقتك أو ما شابه ذلك، لكني حرصا على صداقتنا. سـ... -اختصر، يا أخي. -حسن، آسف. آم...هل أنت بخير؟ -لماذا السؤال؟ -أراك مغموما نوعا ما. -(ابتسَم) أنا؟! أبدا، يا عزيزي! من الممكن أن تجاعيد وجهي زادت فيهيئ لك ذلك. -إذن فأنت بخير؟ -والشكر لله. -ممتاز. الآن اطمأن قلبي. ذهب كي يكمل تحضير حقيبته. سألته: -هل تريد بعض الشاي، كريم؟ -لا، لا. أود أن أشربه هناك. وكان مبتسما وهو يضع بنطاله في الحقيبة، ثم نظر إلي عابسا فجأة، وعاد لترتيب الحقيبة مبتسما. 3 -وصلنا! كانت الساعة السابعة مساءا. نزلنا بحرص عن الحافلة. كدت أنسى الخيمة التي أتحمل مسئولية نصبها إلا أن كريما ذكـّرني. بدأ الآخرون بتحضير الطعام ريثما قمت و كريم بنصب الخيمة. عندما انتهينا شممنا رائحة الأكل. -الطعام جاهز! جعلنا نأكل ونتبادل النكت البسيطة ونحن متشوقون لسماع القصص. في الساعة الثامنة والنصف دخلنا الخيمة... جلسنا في شبه دائرة. واستهل صديقنا أحمد بقصة طريفة لكن الجميع يعرف أن التحدي الحقيقي سيكون بيني وبين كريم. بعد أن انتهى الجميع من الضحك، أخبرنا كريم قصة قصيرة. تأثر الجميع فغرت قليلا. ليس لهذا السبب فحسب، لكني تأثرت لأن القصة كانت عن أيام طفولتنا، وقد قالها وكأنه مستاء منها مع علمه بأنها من أجمل الذكريات لدي. جعلت أنصح نفسي بأن لا أسيئ إليه. فذكرت لهم قصة من قصص طفولتنا الجميلة الممتعة. ولم أتفاجئ كثيرا عندما لم أجد أي درة فعل منه. احمرّ وجه كريم. وأخبرهم قصة أخرى باستهزاء وهو معرض عني، وكانت أيضا عن طفولتنا. لم يتأثر أصدقاؤنا بالقصة إذ أنهم بدؤوا يشعرون بأن كريما ليس كعادته. اضطررت أن أقول لهم قصة أخرى، لكن دون أن يكون لها أي علاقة بكريم. فما زاد كريما إلا نفورا. استأذنهم كريم وخرج غضبا. قال أحمد: -يبدو بأنك قد فزت أخيرا يا حليم. لم يعجبني إطراؤه. 4 نحن في طريقنا إلى دار العناية بالعجزة. ... سمعنا صوتا عاليا و توقفت الحافلة. وذعر الجميع. توقعنا الأسوأ لأن الطريق كان وعرا. جعل كريم يهدّأ أعصابنا. نزلنا جميعا فغشانا الظلام. وجعلنا ندور حول الحافلة حتى وجدنا العجل الذي خرج منه الهواء. لحسن الحظ كان معنا مصباحان. ووجدنا الثالث لاحقا. قسمنا أنفسنا ثلاثة أقسام. واخترت أن أرافق كريما. وانطلقنا بحثا عن سيارات أجرة. لم يكلمني كريم في تلك فترة. وزادت مدتها. حتى إذا وجدنا أجرة تكلم كريم فقال: -أنا سأدفع. فقلت له: -انتظر قليلا...السلام عليكم. فرد علي السائق بسرعة: -أهلا. سألته: -كم من هنا لدار العجزة؟ فأعرض بوجهه عني وقال: -تقريبا ستة ورقات. تفاجأت وقلت: -أليس كثيرا؟ -هذه أسعرنا الآن، ليس ذنبي. قال كريم: -أنا سأدفع خمسة. لا تهتم. فقال السائق: -لا طبعا! كريم: -ماذا تقصد؟ فكرر السائق: -لا، هذه تعاليم المكتب. -إذا سأذهب مشيا. هيا يا حليم. فذكرته: -ولكن أنا لدي المال، يا كريم...وأنت لن تستطيع أن تمشي في هذا البرد وأنت لا لزلت مريضا! فقال لي كريم: -ما شأنك! أنت لست والدي! -كريم!؟ قال لنا السائق: -مع السلامة. ورحل. ثم قال لي كريم: -أنا ذاهب. ومشى بعيدا ومعه المصباح وألقى المصباح. وانطفئ نوره. |
بسم الله الرحمن الرحيم
قصة رائعة في أسلوب متين يحمل كثيرا من الرمزية رغم كونها تبدو للقارىء البسيط واقعية وفق الله هذا القلم الجميل مع فائق إحترامي |
مع احترامي
أشكرك مع احترامي كذلك
|
| الساعة الآن 04:22 PM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
