منتديات منابع الأدبية

منتديات منابع الأدبية (http://www.manab3.com/vb/index.php)
-   يحكـى آنـ (http://www.manab3.com/vb/forumdisplay.php?f=27)
-   -   صرخة مسن (http://www.manab3.com/vb/showthread.php?t=16399)

زهر البيلسان 26-09-2010 08:21 AM

صرخة مسن
 
إهداء:

لجدي، جدتي، كل مسن خذله أبناءه وألقوه في دار العجزة، كل عجوز عاندها الزمن ورمى بها في دار المسنين. أهدي قصة خجولة بقلمي الباكي تعبر عن لمسة وفاء كي لا ننسى "فنر البيت".

يتأرجح على كرسية الهزاز تارة للأمام ومرة للخلف، يتنفس دخان الغليون وبيده كتاب لم يعد يفقه كوامنه، وكأنه بحالته هذه أشبه بوليد يمص الحلمة ليكبت بها نشيجه لاهياً بلعبته المخرخشة في مهد خشبي يهزه إلى أن تغمض أجفانه.

ترك كتابه جانباً وراح يدور في أرجاء داره الأثري العتيق، يدخل إلى حجرة ويخرج من الأخرى، تنقله قدماه اللتان تجر بعضها بعضاً تتهادى كالسلحفاة من عتبة إلى أخرى دون جدوى، ضاق ذرعاً بوحدته، راح يفرك أحد المصابيح النجاسية لعل وعسى يخرج له مارد يحادثه أو يظهر من بين الجدران جني يؤنسه، ذهبت جميع محاولاته اليائسة سدى. فيالردهة تقبع صورة قديمة وقد احتلت مكانا وسط الجدار المتداعي، اقترب منها.. يااااااااااه لقد كان هذا المكان يعج بكم، شهد بلاطه حبوكم عليه وجريكم وضحكاتكم المجلجلة وبكاؤكم الصاخب يملأ جوه بهجة ونشاطاً، واليوم أصبحتمن ذكرى معلقة على جدرانه، وغدا السكون البغيض ضيفاً ثقيلاً يرقص على صفير الرياح الباردة يقابلها صدى صوتي المبحوح يتردد على قيثارة تعزف النغم الحزين. أنزَل الصورة المقصودة واهتدى إلى أقرب كرسي وضمّها إلى صدره الواهن بقوة حتى ليكاد يسمع صوت طقطقة ضلوعه وكأنه يحضن حبيباً حُرِم رؤيته لقرون.

راح يتأملها ملياً ويقول: سلبني القدر راحتي عندما فجعني بزوجتي التي كانت تحنو عليّ وتربت بيديها على كتفي، وبعد رحيلها تركت دمعتي ترثي لحالي وتشفق عليّ، وأبناؤنا خذلوها وخذولني، لم يهتموا بي كما أوصيتيهم، أخذوا شبابي وضيعوني شيباً. صَمَت لبرهة يستجمع فيها قواه ويكفكف أدمعه التي تدفقت حارة من من مآقيها ويكمل: انظروا إلى ظهري الأحدب إن كنتم نسيتموه فهو لا يزال يذكر لعبكم ولهوكم فوقه، يدي المجعدة هذه غاصت إلى الأعماق وجابهت الأهوال لتصطاد لكم رزقاً بين سمكة ولؤلؤة، وقدماي شققتها رمال القفار الملتهبة لأجمع قوتكم، تجرعت من صنوف المر كؤوساً من أجل أن تحلو أيامكم، ضحيت بحياتي رخيصة في سبيل إسعادكم وماذا كان جزائي؟! أجيبوني.. أستنطقكِ أيتها الصورة الجامدة، ليس لديكم رد مقنع، كيف وأنتم بعيدون عني هناك!، عفراء تزوجت، وبدر هاجر ليدرس، و سعد شغل منصباً مرموقاً، لم أعد أراكم وأمتع ناظري الضعيف بكم سوى في المناسبات، حتى الأعياد بت أستعجلها وأنتم أعيادكم تقضونها في السفر والإجازات. لديكم مسؤوليات تلك أعذاركم دائماً، أبناءكم وبناتكم أحفادي الذين لا يعرفون معنى كلمة "جد" لم يعودوا يروني، أخشى أنهم نسوني، ألا يسألوا عني؟!، ربما تخافون عليهم من هذا البيت القديم ذي الحالة الرثة، أو تخشون أن أسألكم العناية والرعاية فتضيقون بي وأثقل عليكم، تراودني كثيراً القصص التي أسمعها عن أبناء جاحدين يلقون آباءهم عظاماً هشة في دور المسنين والعجزة. يلتفت حوله بأسى مطلقاً زفرة ملؤها الحسرة وعبراته تكاد تجهز عليه متمتماً، لم أجد سوى هذا الجدار المنهار أحادث من خلاله ظلي المرسوم عليه وصفحة المرآة المكسورة التي سئمت من النظر إلى وجهي المترهل وقوامي الواهن والتجاعيد المتموجة على جبهتي والتي تفنن الدهر برسمها بإتقان، وكأني بتلك المرآة تقول لي: أنت أقدم رجل على وجه الأرض، نظر إلى الصورة فهاله منظر الدمعات المختلطة بغبار الزمن، مسحها وأعادها إلى حيث كانت.

تذكر أنه على موعد هام، فأخذ عصاه التي يتوكأ عليها وخرج ينفس عن الهم الجاثم على صدره ويكاد يطبق على آخر ما تبقى من أنفاسه، كان على موعد مع الأيام بما فيها من ذكريات، بعضها أحلام والآخر آلام، في جعبته كلام، وشيء من ملام، سار في الظلام، على غير هدى، لوحده بلا أنام، وفجأة.. نادته أمواج ثائرة تبحث هي الأخرى عن أنيس في زمن تعيس! قادته خطاه المرتبكة ليجده ينتظر لقياه وهو يمتع عينيه برؤياه. جميل.. جميل هذا البحر بغموضه وانعكاس ضي القمر يزيده رونقاً وتألقاً، أخيراً وجد ما يفرح النفس الحزينة، اعتبرها فرصة سانحة ليغسل بهذه الأمواج المصطخبة أحزانه، جلس يحاوره، وشكوك البحر تساوره بأن هذا الكهل الهرم هارب من عالمه. ما بين مد وجزر، كانت الأمواج تستمع إلى شكواه وأنينه، تذهب موجة وتأتي أخرى، استرسل في حديثه. آه أعذرني أيها البحر تعبت من البوح، دعني أتوسد شاطئك وأذهب في إغفاءة قصيرة لأسبح في دنيا المنام، تأخذني الأحلام بعيداً عن الواقع. استيقظ صاحبنا ليجد نفسه بين فكي العباب الهائج والأمواج المتلاطمة تتقاذفه بقسوة، وكأن البحر كتم سره وأراد أن يدفنه معه، وراحت الأمواج تجره عنوة إلى غموضها بل إلى أعماقها، يتوسل، يصرخ، يستنجد الأقدار بصوته الخافت ولا يسمعه أحد، يمد يديه ولا مساعد، حتى أنت أيها البحر غدرت بي، أردتك عوناً فانقلبت عدواً، ولا عجب.

الراجي 26-09-2010 12:10 PM

اختنا الحتوت / زهر البيلسان
اولا احب ان ارجب بك هنا قي هذا القسم العتيد (( القصص والروايات )) ويسعدني ان تكوني عضوة فاعلة فيه .. نفرش ممراتنا لك وردا وننرها فوق رأسك حتى تستقري فوق عرشك الجديد فاهلا بالغالية بيننا ..
احييك من اعماق الروج لما جاد به قلمك علينا واتحفنا بهذه الفريدة التي تنبض بالمشاعر المخلصة والمعاناة الرهيبة التي ذاق مرها اولئك المساكين الذين تخلوا عنهم من ماتت قلوبهم وتجمدت ضمائرهم من ابناء وبنات ... وهم كثر في هذا الزمن السيء الذي تنكر فيه الخليل واسلمهم للحسرة القريب والبعيد
شكرا لمشاعرك الصادقة وامنياتك الهادفة ان ينزاح عنا كواهل كبراءنا ومن بهم البركة هذا الهم الثقيل ..
تقبلي تقديري واحترامي

سمو الذكريات 26-09-2010 02:11 PM

مؤسف جدا ان يذهب عمرك هباء منثورا لأناس ليسو اهلً لذلك

عزيزتي زهر البيلسان سرد رائع ووصف دقيق
شكرا لكِ على قلمك الجميل
بربك لاتحرمينا بعد ان اذقتينا روعته
دمتِ

حمادي بلخشين 26-09-2010 05:28 PM

الفاضلة زهر البيلسان
جميل و سلس و معبرّ و هادف ما كتبت
... تهانيّ الحار ة.
.. أشاركك اهتمامك بمعاناة هذه الشريحة المهجورة في وطننا العربي. شريحة تتعاظم لوعتها و تتضاعف حسرتها حين تتذكر عطفها و حدبها على الجاحدين من الولدان و حين تتذكر ايضا عنايتها الشديدة بالعجّز من الاباء و الأمهات و حتى الجدود و حتى الجيران و الغرباء .. و هذا على خلاف المنسيّ الأروبي و الأمريكي الذي قد تخفّ معاناته و يقل شعوره بمرارة ظلم ذوي القربي لمجرد تذكره بانه يسدّد ثمن ما قدمت يداه فهو من بدأ بالإساءة الى ابنائه ووالديه .. اساء الي ابنائه حين اطردهم من بيته بمجرد البلوغ ليتمتع بحباته الخاصة بالطول و العرض، و أساء الي والديه حين القى بهما في دار العجّز ثم ضنّ عليهم بعد ذلك بمجرد زيارة سنوية...
مع تحياتي و مودتي

زهر البيلسان 26-09-2010 07:18 PM

صاحب القلم الحساس الراجي..
أخي العزيز حمادي بلخشين..
صاحبة السمو هنا.. سمو الذكريات..


قسم القصص والروايات الأدبية منور بكم أساتذتي الكرام وبوجودكم يا من لكم باع طويل وخبرة ثرية في هذا المجال، وما أنا إلا ضيفة عليكم فيه، لأني في حقيقة الأمر لست قاصة، مهووسة بقراءتها هذا صحيح، لكني لا أتقن كتابتها، حيث إن الأدب القصصي له فنونه وأساليبه ومدارسه الخاصة وأدواته التي تميز هذا النوع من الكتابات عن الأشعار والخواطر والقصائد.

هل تعلمون أني كتبت هذه "القصيصة" منذ 12 عاماً! نعم هي من قديم كتاباتي، وكنت قد عرضتها على أساتذة كبار في الأدب العربي بجامعة قطر وشجعوني وحمسوني جداً لأواصل في هذا الطريق، وأبدوا عليها بعض الملاحظات التي استفدت منها وهذه هي بعد التعديل، وتم نشرها بعد ذلك في الصحف المحلية القطرية.

لا أعتبرها قصة بالمعنى المقنن لكتابة القصص، فهي قصة الشخصية الواحدة، بطلها هو محورها وغالباً مثل هذه النوعية من القصص تنتهي بعظة معينة أو تهدف إلى مغزى معين، وهذا ما قصدته من وراء كتابتي لهذه القصة.
كلما كان ما نكتبه مرتبط بتجاربنا الإنسانية، يحكي واقعنا، ويعبر عن مآسي غيرنا، يشاركهم شجونهم، يشاطرهم عذاباتهم، يقترب من دواخلهم، يتحسس مشاكلهم، يعالج قضاياهم، كلما كان أكثر صدقاً وتأثيراً على المتلقي، الذي قد يكون يواجه نفس الإشكالية التي نكتب عنها.

شريحة كبار السن "أجدادنا وجداتنا" تلك الفئة المنسية، تعاني بصمت، أذهب إلى المجمعات والأسواق ولا أراهم سوى بالمستشفيات بصحبة الخدم يجرونهم بالكراسي المتحركة! ألمح في عيونهم أدمعاً محبوسة، وحشرجات مخنوقة في أصواتهم المبحوحة، محبوسين في البيوت بصحبة مذياع قديم وسبح بأيديهم يسبحون بها، فضلاً عما تعج به دور العجزة والمسنين بشيوخ وعجائز تمر السنون دون أن يسأل عنهم أحد سوى بعض المتطوعين من أهل الخير وناشطو الخدمات الاجتماعية الذين يزورونهم من حين لآخر للسؤال عنهم وعن أحوالهم والتخفيف عنهم وأنا أحدهم.

حقاً إن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة . . على المرء من وقع الحسام المهند

كم ضحوا من أجل أبنائهم وكافحوا وسهروا وتعبوا، عاشوا أزمنة قاسية وأوقاتاً صعبة، واليوم كبروا وعادوا كالأطفال بحاجة للرعاية والحنان والاهتمام، حتى نفسياتهم تصبح أكثر حساسية، "وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا".
كما تدين تدان.. حكمة قديمة تعني الكثير، واللبيب بالإشارة يفهم.

في النهاية، أحببت من هذه القطعة الأدبية المتواضعة التي قدمتها بكل ود واحترام بين أيديكم، أن ألقي الضوء على بركة البيت ونوره.. رجاء لا تنسوا جداتكم وأجدادكم.

رأيكم يهمني جداً، فيا أصحاب القرائح الفذة والأقلام المتميزة لا تبخلوا عليّ بصريح وصادق انتقاداتكم وتوجيهاتكم، سأستقبل كل ما تقولون بصدر رحب وذراع مفتوح وفكر واع ومسؤول.



ملك بلا ملكه 26-09-2010 08:29 PM

عزيزتي زهر البيلسان
بكل ماتعنيه كلمة شكر قليله في شخصكم الكريم على هذا الطرح الأكثر من رائع . حقيقةً مثل تلك المواضيع تعيدنا للجلوس مع انفسنا
مراراً للبدء فيما نحن قد قصرنا بحقهم من اجدادنا وجداتنا . هاؤلاء كنز لايمكـــــــــن ان يباع ولو بأي ثمن كان . كما يفعل بعض البشـــــــر
كيف يفعلون بآبائهم ذلك ويرمون بهم في دور العجزه دون الاهتمام بهم . اي نوع من البشر هم الا يخشون دائرة الايام وان ماتفعله بوالديك
اليوم سيرده لك ابنائك في الغد ( دين لابد من تسديده ) .وتقبلي تحياتي وودي


زهر البيلسان 26-09-2010 08:46 PM

والشكر موصول لك عزيزي "ملك".. فهذا بعض مما عندكم.

ألست أنت السباق دائماً في تذكر العزيزون على قلوبنا والذين لولاهم لما وصلنا إلى ما نحن عليه، لمسات وفاء من حقهم ومن واجبنا تجاه من يتذكرونا دائماً وننساهم نحن.

يبدو أنني دخلت معك في منافسة شريفة عنوانها: فقط كي لا ننسى!



ملك بلا ملكه 26-09-2010 11:30 PM

كم هو جميل ان تُسعد قلوب الناس , هنا فقط تعرف طعماً للحياه بالفعل..
اما عن المنافسه يازهر...
فلا أضن أن التلميذ يغلب مُعلمته.
فلازلت غض الغصن تحت شجرة كبيرة غصونها...

ظَمَأْ 28-09-2010 05:36 PM

زَهْرُ آلبَيْلَسَآنْ |..
يَلْتَهِبُ حَنِينُهُ مِنْ نَآرِ آلأَمْسْ ..
يَسْقُطُ فِي وَحَلِ آلعَجْزْ ..
يَتَجَرَّعُ مَرَآرَةَ آللَّيَآلِي وَحْدَهُ ..
يُحَآوِلُ آلنُّهُوضَ مُتَّكِئاً عَلَى عُكَّآزٍ مَكْسُورْ ..
فَيَبِيتُ مُتَرَنِّحاً عَلَى شَفِيرِ آلهَلاَكْ ..
؛؛
حِينَ تَصُبُّ آلأَبْجَدِيَآتُ نَبِيذَ آلحَرْفْ ..
يَرْتَشِفُ آلعَقْلُ بِنَهَمْ ..
وَتَتَبَلَّلُ آلصَّفَحَآتُ شَغَفاً ..
؛؛
حَرْفُكِ حِمَمٌ يَرْشُقُهَآ قَلَمُكِ كَنَآرٍ حَآرِقَه ..
كُنْتِ شَمْعَةً أَضآءَتْ جَآنِباً مُعْتِماً مِنْ حَيَآةِ آلأُصُولِ بَعْدَ آلكِبَرْ ..
شُكْراً تُلاَمِسُ كَبِدَ آلسَّمَآءْ ..
وَلِرَآحَتَيْكِ http://www.manab3.com/vb/images/icons/fakyou.gif ..

زهر البيلسان 28-09-2010 08:12 PM

ظمأ يروي!
 
وظمأ غمر الربوع..
حياة حتى التفت من حوله الجموع..
ترتوي من ذلك الينبوع عبثاً..
لعلها تروي ظمأ مدادها الموجوع..
تظمأ لتروي عطش المروج..
تركتَ اثراً لا يزول وكلما ظمأنا..
تأكد أن إليك الرجوع..



شكراً لكَ.. بعدد ما ارتويتُ من مداد أحرفك العطشى.



الساعة الآن 05:18 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
إستضافة و تطوير براقما

Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

كل مايطرح في المنتدى مسؤلية الكاتب فقط وليست للإدارة أية مسؤلية