منتديات منابع الأدبية

منتديات منابع الأدبية (http://www.manab3.com/vb/index.php)
-   منابع الدر النفيس (http://www.manab3.com/vb/forumdisplay.php?f=43)
-   -   أغزل بيت قالته العرب (http://www.manab3.com/vb/showthread.php?t=19686)

مراد عبد السلام 21-07-2011 03:04 PM

أغزل بيت قالته العرب
 
قال ابراهيم بن محمد المعروف بـ " ابن أبي عون " ـ وقد نسب في شهرته لجده الثاني و المتوفى سنة [ 322هـ = 934م ] ـ في كتابه " التشبيهات " :
" وقيل أغزل بيت قالته العرب قول جرير :
إنّ العيونَ التي في طرفها مرضْ *** قتلننا ثم لم يحيينَ قتلانا
يصرعنَ ذا اللبِ حتى لا حراكَ به *** وهنَّ أضعفُ خلقِ اللهِ أركانا ". أهـ

على أن للبيت الأول رواية ثانية وهي :
إنَّ العيون التي في طرفها حورٌ *** قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

وفي كتاب " الأغاني " ذكر الأصفهاني [ المتوفى سنة 384هـ = 993م ] :
" أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك قال لأصحابه ذات ليلة: أي بيتٍ قالته العرب أغزل؟ .

فقال بعضهم: قول جميل:
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها *** ويحيا إذا فارقتها فيعود

وقال آخر: قول عمر بن أبي ربيعة:
كأنني حين أمسي لا تكلمني *** ذو بغيةٍ يبتغي ما ليس موجودا

فقال الوليد: حسبك والله بهذا! ". أهـ

وفي موضع ثاني من الكتاب ذكر أن عبد الملك بن مروان سأل أعرابيا فقال :
" فأي بيتٍ أغزل؟ .

قال: قول جرير:
إن العيون التي في طرفها مرضٌ *** قتلننا ثم لم يحيين قتلانا ". أهـ

وفي كتاب " العمدة في محاسن الشعر و آدابه " لابن رشيق القيرواني [ المتوفى سنة 463هـ = 1071م ] ذكر أنه :
" روى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: أغزل بيت قالته العرب قول عمر بن أبي ربيعة:
فتضاحكن وقد قلن لها *** حسن في كل عين من تود

وكان الأصمعي يقول: أغزل بيت قالته العرب قول امرئ القيس:
وما ذرفت عيناك إلا لتضْربي *** بسهميك في أعشار قلب مقتل

وحكى عن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أنه قال: لم تقل العرب بيتاً أغزل من قول جميل بن معمر:
لكل حديث بينهن بشاشة *** وكل قتيل عندهن شهيد

وفضلته بهذا البيت سكينة بنت الحسين بن علي رضوان الله عليهم ، وأثابته به دون جماعة من حضر من الشعراء.

وقال بعضهم: الأحوص من أغزل الناس بقوله:
إذا قلت أني مشتف بلقائها *** وحم التلاقي بيننا زادني سقما

وقال غيره: بل جميل بقوله:
يموت الهوى مني إذا ما لقيتها *** ويحيا إذا فارقتها فيعود

وقال آخر: بل جرير بقوله:
فلما التقى الحيان ألقيت العصي *** ومات الهوى لما أصيبت مقاتله

والأحوص عندهم أغزلهم في هذه الأبيات الثلاثة ؛ لزيادته سقماً إذا التقى المحبوب .

وقال الحاتمي: أغزل ما قالته العرب قول أبي صخر:
فيا حبذا زدني جوى كل ليلةٍ *** ويا سلوة الأيام موعدك الحشر

وقال أبو عبيدة: ما حفظت شعراً لمحدث، إلا قول أبي نواس:
كأن ثيابه أطلعـ *** ن من أزراره قمرا
يزيدك وجهه حسناً *** إذا ما زدته نظرا
بعين خالط التفت *** ير من أجفانها الحورا
وخد سابري لو *** تصوب ماؤه قطرا ". أهـ

وقال أحمد بن يحي التلمساني المعروف بـ " ابن أبي حجلة " ـ و [ المتوفى سنة 776هـ = 1375م ] ـ في كتابه " ديوان الصبابة " , وبعد أن ذكر عن باب الغزل أنه :
" نعم هذا الباب من أوسع هذه الأبواب مجالاً , وأجرأها جرياً لا وأحسنها خطاباً , وأعذبها نصاباً , فيه يتميز سمين الشعر من غثه , وجديده من رثه , ولا يكاد يجود فيه إلا ذاك , ولا يدركه إلا كثير الدراية وما أدراك , وقد تقدم أن أغزل بيت قالته العرب قول بشار :
أنا والله أشتهي سحر عينيك *** وأخشى مصارع العشاق ". أهـ

هكذا ذكر البيت في النسخة التي عندي , أما هو فمدور :
أنا والله أشتهي سحر عينيـ *** ـك وأخشى مسارع العشاق .

ـ المراجع :
ـ الأغاني : الأصفهاني .
ـ التشبيهات : ابن أبي عون .
ـ العمدة في محاسن الشعر وآدابه : ابن أبي رشيق .
ـ الموسوعة الشعرية الإليكترونية : المجمع الثقافي 2003م .
ـ ديوان الصبابة : ابن أبي حجلة .

حسان اللغبي 21-07-2011 06:10 PM

أشكرك على الموضوع الجميل مع العلم أني لا أوافقك الرأي

برأيي الخاص أن أفضل بيتٍ قيل في الغزل هو :

وأمطرتْ لؤلؤاً منْ نرجسٍ وسقْت ** ورداً وعضتْ على العُنابِ بالبرد

وهو ليزيد بن معاوية
وفقك الله!

ميساء 21-07-2011 06:54 PM

وقيل ايضا ان اغزل بيت قاله العرب
الستم خير من ركب المطايا
واندى العالمين بطون راح
اما اهجى بيت فهو
فغض الطرف انك من نمير
فلا كعب بلغت ولاكلابا
واهجن بيت قيل
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا
حين الزيارة فارجعي بسلام

يزيد فاضلي 21-07-2011 10:15 PM

مع العلم أن في هذه الأحكام مـــــــــقالاً..!!!
 
[justify]
جوزيتَ خيراً-أخي الكريم المبدع مراد عبد السلام-على هذه ( الانتقاءاتِ ) الجميلةِ،المستقاة من بطون أمهاتِ تراثنا الشعري العربي القديم..

والحقيقة-أخي الحبيب-أن قصة (
أغزل بيت ) و ( أفخرُ بيتٍ ) و ( أحكَمُ بيتٍ ) و ( أهجا بيتٍ ) و ( أمدحُ بيتٍ ) و ( أرقى بيتٍ )..بل لقد ذهبَ بعضهم إلى القول بـ ( أسخف بيتٍ ) و ( أغبى بيتٍ )...الخ...

قصة هذه الأحكام المُطلقة توقفَ عندها كثيرٌ من نقادِنا المعاصرين الكبار بالدراسةِ والتمحيص والنقد الأدبيِّ البناء،بل كانتْ لبعضهم جَوْلاتٌ وصوْلاتٌ نقدية ٌمستفيضة،منها جولاتُ الأستاذ الكبير
عباس محمود العقاد وخصمُه-في في الاتجاهات الأدبية-الأستاذ الدكتور طه حسين رحمهما الله...

وأخالُ أيضاً أن أستاذنا الشاعر والأديب الكبير
فاروق شوشة-حفظه الله-قد قتلَ هذه الإشكالية الأدبية-بحثاً واستنتاجاً-في سلسلة مقالاتٍ عبر مجلة ( العربي ) الكويتية الغراء...

والذي استقرَّ عندي-أخي الحبيب-هو ما استقرَّ عند هؤلاء النقاد في شأن هذه الأحكام التي تضعُ أبياتاً معينة ًفي طليعةِ الريادةِ والأفضليةِ من خلال الأغراض الأدبية،المتعارَف عليها في الشعر العربي العمودي القديم (
كالغزل والفخر والرثاء والهجاء والحكمة والمدح )...

الذي استقر عندي أن كثيراً من هذه الأحكام تستوجبُ من الأديب الناقد بعضَ الوقوف والنظر الأدبي الحصيف الذي من خلاله ستتبين كثيرٌ من الأمور التي قد تغيبُ عنا،ولا يَراها العامــة إلا بعد شيءٍ من الدراسة والتمحيص...

الحقيقة-أخي الحبيب-أنا أميلُ إلى القول بأن هذه الأحكام المرسلة في أغزل بيت..وأفخر بيت..وأهجا بيت..ألخ،تنحَــى (
للنسبية ) أكثر منها ( للإطلاق )...

بمعنى..لو تأملنا مليا،سنكتشف بسهولةٍ أن هذه الأحكام،لا يمكنُ أن تكونَ-هكذا إجماعاً وبالقول الواحدِ-صحيحة ًبالكليةِ في إطلاقها،ومن الخطأ الجسيم-كما بين الأستاذ العقاد رحمه الله في بحثه حول شاعر الغزل الأموي الكبير
عمر بن أبي ربيعة-أن تـُطلقَ على عواهنها،دون الإحاطة بالظروف النفسية والاجتماعية والأدبية والسياسية التي جعلت الأديب الفلاني والعلاَّمة العِلاني،يقرر في كتابه أو مخطوطته أن هذا أغزل بيت وذاكَ أفخر بيت وهاتيكَ أهجا بيت...

فقد يرى-مثلاً-
أبو الفرج الأصفهاني ( صاحب موسوعة الأغاني ) أن دعبلاً الخزاعي أو الشريف الرضي كانا أشعرَ العرب والعجم قاطبة ً..وقد يرى المسعودي في ( مروج الذهب ) أن السَّيدَ الحِمْيَريَّ كان شعلة الزمان كله في مدائحه لخلفاء بني العباس..فهل هذا دليلٌ أدبيٌّ،منصفٌ كافٍ على صِدق هذه الأحكام حتى لو صدرتْ عن نحرير كبير كأبي الفرج أو المسعودي..؟؟

الحق أن المسألة تحتاج-من الأديب المنصف-إلى شيءٍ من النظر...!!

تسألني-أخي الحبيب-لِـــمَ..؟؟!!

لأن هناكَ اعتباراتٍ (
سياسيةٍ )-بالدرجة الأولى-وربما ( مذهبية ) و ( عوامل نفسية معينة ) هي التي جعلتْ صاحبَ ( الأغاني ) مثلاً يقرر ما يَراه في دعبل والرضِــي،ولنا أن نقرأ حياة أبي الفرج الأصفهاني وخلفيته الفكرية والمذهبية من المصادر الموثوقة التي وصلتْ إلينا-كمعجم البلدان لياقوت الحموي مثلاً أو وافيات الأعيان لابن خلكان-وسنعرف ما الذي جعلَه يقرر ما قرره في ذانيْكَ الشاعريْن تحديداً...

ونبادرُ بالقول ابتداءً أن شعرَ دعبل والشريف الرضي من أرقى وأجود وأجزل ما قيلَ في الشعر العباسي على امتداد مراحله الأدبية الثلاثة التي احتوتها الستة قرون،هي عمْر الخلافة العباسية كلها..وهما وإن كانا ليسَا في ذِرْوَة المتنبي أو البحتري أو أبي تمام أو أبي العلاء،لكنهما يقيناً من طبقةِ هؤلاء...

بَيْدَ أن القولَ من الأصفهاني في ريادة شعرهما له من الحقائق ما قد تخفى على غير الراسخ في الأدب العربي القديم..وإذا عَرُفَ السببُ بطلَ العَجَبُ..!!

لقد كانَ أبو الفرج الأصفهاني-كما وصفه ابن خلكان وابن قتيبة وغيرُهما- (
شـُعوبيًّا )،تحِنُّ في دمه ( الفارسي،المجوسي ) إيحاءاتٌ ( خبيثة ٌ) ضد الجنس العربي،وبني أمية تحديداً،لا تخفى على كل ذي بصيرة،وفضلاً عن كونه مُدَلـِّساً في النقل و( حاطب ليل )،فقد كانت عصبيته ( لآل البيت )،في سبيل إرضاء ( شعوبيته ) في أغوار نفسيته واضحة ً من خلال الإزراء بخلفاء بني أمية،وتنعيته لمعاوية-رضي الله عنه-في قصص وغرائب من أعجب ما نقرأ سخافة ًوإفكاً ودجَــلاَ..لذا فقد قيض اللهُ لنا أساتذة كباراً،باحثين ونقدَة ً،تناولوا كتابَ ( الأغاني ) وفضحوا كل الألاعيب التي تمتْ..ويأتي على رأس هؤلاء الباحثين ،أستاذنا الشاعر العراقي والأديب الكبير ( وليد الأعظمـــي ) رحمه الله من خلال كتابه القيم ( السيف اليماني في نحر أبي الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني )..!!!

إذن..لم يكن في الحقيقةِ شعر دعبل والرضي هو الأمدح والأفخر بقدر ما أن هناك أسباباً أخرى-ليستْ أدبية-هي التي أوعزتْ للأصفهاني أن يقول في شعرهما ما قال...

مثال آخرُ مما شاعَ عندنا...

يقولون : أمدح بيت وأهجا بيت وأغزل بيت وأفخر بيت..كان للشاعر الأموي
جرير...

ومرة أخرى،نحن هنا لا نتشكك في الصنعة الشعرية والبلاغية وروعة الحبكة والجزالة التي اتصفَ بها شعر جرير (
في نقائضه الهجائية خاصة ً) إلى جانب شعر الفرزدق والأخطل والبغيث..وعندما ينقل لنا ابن رشيق القيرواني في ( العمدة ) أو الإبشيهي في ( المستطرف من كل فن مستظرَفٍ ) أو أبي الحسن الماوردي في ( أدب الدين والدنيا )..أو حتى الأصمعي-وهو مَن هو في جلالة قدره دراية ًورواية ًللشعر-في ( أصمعياته ) المعروفة..عندما ينقل هؤلاء عن جرير،كوْن شِعره،فيه الأمدح والأفخر والأغزل والأهجــا،فلا شكَ أن القصة المروية في ذلكَ صحيحة من حيث المتن والسند لأنها بلغتْ في كتب التراجم الأدبية حد التواتر..

لكن السؤالَ هنا ما الذي دفعَ
الرجلَ الذي كان في مجلس الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان-رحمه الله-يقرر،عندما يسأله الخليفة عن أمدح بيتٍ وأغزل بيت وأفخر بيت وأهجا بيتٍ..يقرر من أن جـرير-وقد كان حاضراً المجلسَ-هو أمدَحُ شاعر وأغزلُ شاعر وأفخرُ شاعر وأهجا شاعر..!! حتى قال الرواة ُ ؛ ...فكان جريرُ يخرجُ من جلدته طرباً،ويتوقف قلبُه انتشاءً وهو يسمعُ شهادة الرجل،أمامَ الخليفةِ في شعره...؟؟؟!!!!

لقدْ قال الرجلُ-في معرض أحكامه-إن أمدحَ بيت قالته العربُ قول جرير في مدح الخليفة عبد الملك وباقي بني أمية :

ألستم خيرَ مَنْ ركبَ المطايا ** وأندى العالمين بطونَ راح..؟؟!!!

ونسيَ الرجلُ أن مطلع القصيدةِ التي تضمنتْ هذا البيتَ،كان من الإزراء والإسفاف بالخليفة عبد الملك،ما جعلَ الخليفة يكاد يأمر بضرب عنق الشاعر في حينه..!!

لقد كان المطلع-والخطاب للخليفة عبد الملك-هكذا :

أتصحو أم فؤادُكَ غيْر صاح ** عشية َهَــمَّ صحبُكَ بالرواح..؟؟!!!

قال الرواة : فنظرَ عبد الملك بن مروان-وكان حازماً مَهيباً-في جرير نظرة غضبٍ،كادتْ تخلـَعُ قلبَه من مكانه،وصاح فيه : ((
بل فؤادُكَ أنتَ..!!! ))

فكان الموقف إذن،يقتضي من جرير أن يستجمعَ قدرته الشعرية في ثنايا القصيدة،حتى يستدركَ بالمدح ما فرَّط فيه في المطلع..!!

والرجل الجالسُ في المجلس،كان نديماً للخليفةِ،ومتعصباً للأمويين،ويُدركُ إخلاصَ جرير-في شعره-لبني أمية..فكان لزاماً أن يكون شعر جرير هو الأغزل والأفخر والأمدح والأهجا...وإلا فلِمَ لا يكونُ
الفرزدق هو الأمدحُ شعراً،وقد كان لا يَقل جزالة ًأو صنعة ًعن شعر جرير..؟؟!!

بل إننا عندما نقرأ قصيدة الفرزدق في مدح الإمام
زين العابدين بن علي بن الحسين-رضي الله عن الجميع-نشعر أن مجردَ المقارنة بينها وبين قصيدة جرير لا تصلح أو لاتصح..شتان،شتان بين الثرى والثريا..!!

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ** والحِل يعرفـــــه والبيْتُ والحَرَمُ
هذا ابن خير عباد الله كلــــــهم ** العُرْبُ تعرف من أنكرتَ والعجَمُ


ومادامَ الفرزدقُ قد مَدَحَ زين العابدين-باعتباره جهة مناوئة للأمويين-إذن لا ذِكْرَ له أو لشعره في بلاطِ الخليفة..!! مع أن الفرزدق لم يكن (
عَلويَّ ) النزعة بمفهوم الرافضة الغلاة..!!!

هل كان الرجل صادقاً في حكمه من أن بيت جرير هو الأمدح..؟؟!! أم أن المقامَ والظرفَ هما من أوحَيا له أن يقولَ ما يقول...؟؟

أظن-أخي الحبيب-فكرتي،قد وصلتْ في شأن الحكم المطلق على البيت الفلاني بأنه الأفخر أو الأغزل أو الأهجــى..ومن أن هذه الأحكام تبقى دائماً نسبية،لا يمكن على مر الزمان أن يتفق الكُلُّ على رأي مُوَحَّــدٍ،لأن اعتباراتٍ كثيرة،هي في الحقيقة ما تدفعُ بعضَ الناس أن يقولوا في شِعر فلان أنه الأغزل أو الأفخر أو الأهجــى..بل إن
العاملَ النفسي ؛ كثيراً ما يكون وراء هذه الأحكام...

ألا نقرأ في (
الطبقات الكبرى ) لابن سعد أن شاعراً عباسيا ضخماً كبشار بن برد،حين راحَ يمدحُ جاريته الساذجة ( ربابة ) بقوله :

ربابة ربة البيْــــت ** تصبُّ الخلَّ في الزيْتِ
لها عَشرُ دجاجاتٍ ** وديكٌ حَسَـــنُ الصوت
..!!

فاستعظمَ أحدُهُمْ أن ينزلَ ( بشار )-وهو مَنْ هوَ في جزالة شعره وعنفوان معانيه-إلى هذا المستوى الأسيف من القول والأداء،وقال له مستغرباً : (( كيفَ طابتْ نفسُكَ أن تقولَ هذه السخافة،وأنت القائلُ :

على الملك الجبار يقتحِمُ الردى ** ويَصرعُه في المأزق المتلاحِــم..؟؟!!! ))

ينبهه إلى الفارق الأدائي بين ضحالة البيْتيْن وسموق المعنى وقوته في البيت الآخــر...!!!

فرد بشار : ((
واللهِ الذي لا إله غيْرُه..للبيْتين عند ( ربابة ) أجمل وأبدع وأحسَنُ من (( قِفا نبْكِ..!!! ))...))

ما جعلَ
ربابة َهنا ترى أن بيْتيْ بشار-على سذاجتهما الواضحة وركَّتِهما الشعرية-هو الذي جعلَ كثيرين يرون البيْتَ الفلاني هو الأغزل والأفخر والأهجا..كلٌّ يراه انطلاقاً من اعتباراته الفكرية والنفسية،لذا تعددتِ الأحكامُ ولم تستقرَّ على رأي واحدٍ...

بوركَ فيكَ-أخي الحبيب-ودمتَ ينبوعاً أدبيا دفاقاً...
[/justify]

الطيبة 21-07-2011 11:10 PM


حمد الدريهم 22-07-2011 12:40 AM

جزاك الله خير أخي مراد ولا حرمنا من إبداعك يا أستاذ يزيد .

العف الخجول 22-07-2011 03:56 AM

الله يعطيك العافيه اخوي
ننتظر جديدك بشووووووووق
تحياتي

مراد عبد السلام 23-07-2011 12:24 PM

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذي جعل القلم حبل وصل بين الغريب وأهله , وترجمان ما يلجلج في الصدور , خطيب العي الصموت , والحمد لله الذي شفعه الورقة فكانت ناموس صدق لمن حملّها , رسول برّ لمن أرسلها , رشح صدر المنفوث على أحشائها .

وأشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا عبده ورسوله :

أما بعد :

فأشكركم على تفضلكم علي بقراءة هذا الموضوع , وأشكركم كذلك على ما منحتموني من وقتكم , وأنا ممتن لكم بما أجزلتموني به من ردودكم , فهي كالغيث إذ تنعش تربة الأمل بصدري بعد أن أحرقتها شمس يأسي .

وأخص بالذكر حسان اللغبي و يزيد فاضلي , والآنسة ميساء , وذلك بما نحلتني أقلامهم الرفيعة من المعرفة والازدياد من العلم , والتوجيه والإيضاح , فالعلم يزكو بالمذاكرة , والأخذ والرد , والإنسان إذا وجد من يشاركه في العلم زاد عمره العلمي , وأعطاه قوة يسير بها قدما في طريق العلم .

غير أني أريد أن أذكر كلاما , أرجو إن أخطأت فيه أن يرشدوني طريق الصواب .

فقد قال حسان اللغبي :
" مع العلم أني لا أوافقك الرأي :
برأي الخاص أن أفضل بيت قيل في الغزل هو :
وأمطرتْ لؤلؤاً منْ نرجسٍ وسقْت ** ورداً وعضتْ على العُنابِ بالبرد

وهو ليزيد بن معاوية " . أهـ

سيدي الكريم أذكرك أن هذه الاختيارات الشعرية ليست من انتقائي , فالذي قام بهذا الانتخاب هو جهابذة اللغة العربية , وقد عزوت كل اختيار لصاحبه مع ذكر المصدر , فإن كان لي شرف هنا , فهو لا يتعدى النقل .

وأنا أحترم ذوقك الشعري , غير أني أذكرك أن جهابذة الشعر ونقاده أكثرهم اجمع على هذه الأبيات التي ذكرتها , وهذا الإجماع لم يأتي من فراغ , بل اعتمد على ذوقهم , ونخلهم للشعر , وتدبرهم لمعاني الأبيات جيدا , واعتمادهم على الأخبار المتواترة عن جودتها .

ولا أنكر أنه كان لبعضهم اختيارات شعرية اعتمادا على ذوقه الخاص , و خبرته في نقد الشعر وتمحيصه , فقد قال أبو هلال العسكري في كتابه " ديوان المعاني " :
" وقول آخر:
إخترْ فِناءَ بني عَمْرو فإنهمُ *** أولُو فضولٍ وأقدار وأخطارِ
إن يُسألوا الخير يُعطَوهُ وإن جهدوا***فالجهد يخرج منهم طيبَ أخبار
وإن تودَّدتهم لانوا وإن شتموا *** كَشَفْتَ أذمارَ سرٍّ غير أسرار
هْينون ليْنون أيسارٌ ذوو يُسرِ *** أربابُ مَكرُمة أبناء إيسارِ
من تلقَ منهم تقلْ لاقيتُ سيدَهم***مثلَ النجوم التي يُهدَى بها الساري

وهذا عندي أمدح شيء قيل في وصف جماعة ".أهـ

ولو كان في غير باب الغزل , فالمثال أنموذجا على الاختيارات الفردية , لكن مع التوضيح أنه اختيار فردي .

إذن سيدي الكريم فالأبيات تكاد يقع عليها الإجماع من نقاد الشعر وجهابذته , على أنها أغزل أبيات الشعر العربي .

أما الحديث عن البيت فهو ذو شجون :

فقد رجعت إلى إحدى وثلاثين كتابا , لأتأكد من نسبة البيت إلى قائله , فوجدت تسعة عشر مرجعا منها تنسب البيت إلى الوأواء الدمشقي وهو :
" محمد بن أحمد العناني الدمشقي أبو الفرج , شاعر مطبوع ، حلو الألفاظ , في معانيه رقة ، له ديوان شعر مطبوع .
توفي سنة 385 هـ = 995 م ".

ومرجعا واحدا ذكر أنه :
" ولعبد المحسن الصوري:
قالتْ وقد فتكتْ فينا لواحظها *** مهلإن فما لقتيلِ الحبّ من قودِ
وأسبلتْ لؤلؤاً من نرجسٍ وسقتْ *** ورداً وعضتْ على العنابِ بالبردِ

أبو نواس:
يا قمراً أبصرتُ في مأتمٍ *** يندبُ شجواً بينَ أترابِ
يبكي فيذري الدمع من نرجسٍ *** ويلطمُ الوردَ بعنابِ
فقلتُ لا تبكِ قتيلاً مضى *** وابكِ قتيلاً لكَ بالبابِ ". أهـ

وهذا المرجع هو كتاب " البديع في البديع في نقد الشعر " لأسامة بن منقذ .

والذي يفهم من ذكره أبيات عبد المحسن الصوري ثم أردفها بأبيات من قصيدة لأبي نواس , أن الشاعر أخذ المعنى من أبي نواس , مع أن المصادر الأخرى كما سيمرّ معك تنسب البيتين لِـالوأواء الدمشقي , حتى أن أغلبها كان وفاة أصحابها متقدم عن الشاعر , والله أعلم .

فعبد المحسن الصوري , المعروف بـ " ابن غلبون الصوري " هو :
" عبد المحسن بن محمد بن أحمد بن غالب الصوري أبو محمد ابن غلبون.
شاعر، حسن المعاني. من أهل صور، في بلاد الشام.

مولده سنة 339هـ = 950 م , ووفاته 419 هـ = 1028 م .

وهو صاحب البيت:
بالذي ألهم ثناياك العذابا *** ما الذي قالته عيناك لقلبي فأجابا

له ديوان شعر ".

ومصدر وحيد آخر , وهو يأكد نسبة البيت ليزيد بن معاوية , كما ذكر السيد حسان اللغبي ـ حفظه الله ورعاه ـ , وهو كتاب " تزيين الأسواق في أخبار العشاق " , فقد قال فيه داود الأنطاكي :
" أبو عبادة ويعزى إلى يزيد بن معاوية وهو الصحيح :
واستمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت *** ورداً وعضت على العناب بالبرد
وهو من قصيد كلها ملح وعيون ".أهـ

لكن إذا اجتمع أكثر من اثنين ممن مشهود لهم برسوخ القدم في علم ما , فيقدموا على من خالفهم ممن هم دونهم في الباع , أو أقل منهم في العدد , خاصة أن هذا العدد لم يتعد الواحد .

ناهيك أنه ممن ذكر نسبة البيت للدمشقي هم من أمثال أبي منصور الثعالبي , و أبي هلال العسكري , وأبي رشيق القيرواني .

والمصادر الثمانية المتبقية لم تنسب البيت لشاعر معين .

وخلاصة الكلام أن البيت لـالوأواء الدمشقي , وهذا ما تذكره أكثر المصادر , على أن أغلب أصحابها مشهود لهم برسوخ القدم , وسعة العلم , والتقدم في فنون علمهم .

زد على هذا , فإن الثعالبي قد اطلع على ديوان الوأواء الدمشقي , وهذا ما ذكره في كتابه " يتيمة الدهر في شعراء أهل العصر " , ولو لم يكن للبيت أثر في ديوان الوأواء لما نسب البيت له في أربعة من أماة كتبه , فقد قال :
" ومما أنشدنيه كل من الخوارزمي والمصيصي له ، ووجدته في ديوان شعره , والبيت الرابع منه نهاية في الملاحة :
أتاني زائر من كان يبدي *** لي الهجر الطويل ولا يزور
فقال الناس لما أبصروه *** ليهنك! زارك البدر المنير
فقلت لهم ودمع العين يجري *** على خدي له در نثير:
متى أرعى بروض الحسن منه *** وعيني قد تضمنها غدير؟
ولو نصبت رحى بإزاء دمعي *** لكانت من تحدره تدور ". أهـ

فقد قال الثعالبي في كتابه " الإعجاز والإيجاز " وتحت ترجمة " أبو الفرج الواو الدمشقي "
أمير شعره قوله في جمع خمسة تشبيهات في بيت واحد:
وأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت *** ورداً وعضت على العناب بالبرد ". أهـ

وفي كتابه " لباب الآداب " وتحت ترجمة " أبو الفَرَج الوأواءِ الدمشقي " , قال :
" أمير شعره في الغزل :
وأمطرَتْ لؤلؤاً من نرجسٍ وسَقَتْ *** ورْداً وعضَّت على العُنَّابِ بالبَرَدِ ". أهـ

وقال في كتابه " من غاب عنه المطرب " :
" ولأبي نواس أربع تشبيهات:
يا قمراً أبصرتُ في مأتمٍ *** يندبُ شجواً بين أترابِ
يبكي فيذري الدُرَّ من نرجسٍ *** ويلطمُ الوردَ بعنَّابِ

وأحسن الوأواء الدمشقي حيث قال :
وأمطرَتْ لؤلؤاً من نرجسٍ وسقتْ *** ورداً وعضَّتْ على العنَّابِ بالبَرَدِ ". أهـ

والذي يفهم من نسق ترتيب ذكره لـالأبيات والشعراء , أنه يشير إلى أن الوأواء أخذ المعنى من بيت أبي نواس , والله أعلم .

لذا في كتاب " الصناعتين " لأبي هلال العسكري ذكر أنه , ويذكر فيه رواية ثانية للبيت :
" أخذ بعض المتأخرين بيتَ أبي نواس ، فزاد عليه زيادةً عجيبة ، فقال :
وأسبلتْ لؤلؤاً من نرجسٍ فسقتْ *** ورداً وعضّتْ على العنّاب بالبردِ

فجاء بما لا يقدرُ أحدٌ أن يزيد عليه ". أهـ

وفي موضع ثاني من الكتاب ينسب البيت لصاحبه , فقال :
" وأتمّ ما في هذا قول الوأواء:
وأسبلتْ لؤلؤاً من نرجسٍ فسقتْ *** ورداً وعضَّتْ على العنَّابِ بالبردِ

فشبّه خمسة أشياء بخمسة أشياء في بيت واحد: الدمع باللؤلؤ ، والعين بالنرجس ، والخدّ بالورد ، والأنامل بالعنّاب ، لما فيهنّ من الخضاب ، والثّغر بالبرد . ولا أعرف لهذا البيت ثانيا في أشعارهم ".أهـ

والكتاب الرابع من كتب أبي منصور الثعالبي , فهو كتابه المبدع " يتيمة الدهر في شعراء أهل العصر " , وهو مرجع معتمد عن الشعر والشعراء , وفيه كذلك ذكر رواية ثانية للبيت , حيث يقول :
" ومن بدائع تشبيهاته قوله:
قالت وقد فتكت فينا لواحظها *** كم ذا أما لقتيل الحب من قود
وأسبلت لؤلؤاً من نرجس وسقت *** ورداً وعضت على العناب بالبرد

هذا البيت مما أحسن فيه، وضمنه خمس تشبيهات بغير أداة التشبيه ". أهـ

والله أعلم سيدي الكريم , فإن أخطأت سيدي فقومني , وإن كان لك رأي آخر فأفدني به .

أما ما ذكرته الآنسة ميساء أنه :
"وقيل أيضا أن اغزل بيت قاله العرب :
ألستم خير من ركب المطايا *** وأندى العالمين بطون راح ".أهـ

فالمصادر والمراجع تذكر البيت على أنه أمدح بيت قالته العرب .

أما يزيد فاضلي , فسيدي الكريم أشكرك على التوضيح , والإفادة غير أني كنت أتمنى أن تذكر اسم المصادر التي تحدثت عنها , سواء كتب العقاد أو طه حسين , أو فاروق شوشة حتى أستفيد منها وغيري من القراء .

أما الأسباب التي جعلتني أذكر هذه الأبيات مع عنوانها المشهور , فهو سبب واحد :
أن أمات مصادر الشعر العربي , وكتب جهابذة النقد الأدب العربي , تذكرها مع عنوانها المشهور , سواء كان " أمدح بيت قالته العرب " , أو " أفخر بيت قالته العرب " , أو " أغزل بيت قالته العرب " , إلى غيرها من العناوين .

فصارت حكمها حكم الاختيارات الشعرية , كالحماسات , والأصمعيات لـالأصمعي , والمفضليات للمفضل الضبي , وغيرها من المنتخبات الشعرية , فالغرض الأول و الأخير من ذكرها تعريف القارئ بباب له مكانته في الشعر العربي , بعيدا عن صواب الإختيار أو خطأه .

فحكمها إذن " ما لا يعذر الجاهل به , من طلاب الشعر العربي ".

أما قولك :
" قصة هذه الأحكام المُطلقة توقفَ عندها كثيرٌ من نقادِنا المعاصرين الكبار بالدراسةِ والتمحيص والنقد الأدبيِّ البناء،بل كانتْ لبعضهم جَوْلاتٌ وصوْلاتٌ نقدية ٌمستفيضة،منها جولاتُ الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد وخصمُه-في في الاتجاهات الأدبية-الأستاذ الدكتور طه حسين رحمهما الله...

وأخالُ أيضاً أن أستاذنا الشاعر والأديب الكبير فاروق شوشة-حفظه الله-قد قتلَ هذه الإشكالية الأدبية-بحثاً واستنتاجاً-في سلسلة مقالاتٍ عبر مجلة ( العربي ) الكويتية الغراء...

والذي استقرَّ عندي-أخي الحبيب-هو ما استقرَّ عند هؤلاء النقاد في شأن هذه الأحكام التي تضعُ أبياتاً معينة ًفي طليعةِ الريادةِ والأفضليةِ من خلال الأغراض الأدبية،المتعارَف عليها في الشعر العربي العمودي القديم ( كالغزل والفخر والرثاء والهجاء والحكمة والمدح ) . ". أهـ

اسمحلي سيدي الكريم أن أذكرك ان اختيار الأقدمين لها لم يكن على تقدم أكثرها على نظيراتها في أبوابها الشعرية , ولكن كما قلت لك أنها جرت العادة على ذكرها , إذا ذكرت الأبواب الشعرية , لذا تجد بعضهم استعمل لفظة " قيل " وكما تعلم أنها صيغة مريضة وليست قوية .

كذلك علل بعضهم بكلامه بعد ذكر الأشعر التي تقدمت في بابها , ما يرد على بعض هذه التساؤلات , فقد قال ابن عبد ربه ـ [ المتوفى سنة 328هـ = 940م ] في كتابه " العقد الفريد " :
" واختلف الناس في أَشعر نصف بَيت قالته العربُ .

فقال بعضهم: قولُ أبي ذُؤيب الهُذلي:
والدهرُ ليس بمُعتب من يَجْزَع

وقال بعضهُم: قول حُميد بن ثَور الهِلاليّ:
نوكّل بالأدنى وإن جَلَّ ما يَمضي

وقال بعضهُم قول زُميل:
ومَن يَكُ رهناً للحوادث يَغلق

وهذا ما لا تُدرك غايته، ولا يُوقف على حده , والشعر لا يفوت به أحد ، ولا يأتي له بديع إلا أتى ما هو أبدعُ منه ، وللّه دَرّ القائل : أشعر الناس مَن أبدع في شعره .

ألا ترى مَروان بن أبي حَفصة ، على موضعه من الشعر وبُعد صِيته فيه ، ومَعرفته بغَثِّه وسَمِينه ، انشدوه لامرئ القَيس , فقال : هذا أشعرُ الناس ". أهـ

فبعد أن ذكر اختلاف أقوال العلماء , في أشعر نصف بيت , نبه إلى أن تقديم بيت على آخره في أي أغراض الشعر كانت , صعب المنال , وجودة الشعراء لا تبلى وفي كلامه كفاية .

كذلك ذكر أن من قال " هذا أشعر الناس " عن امرأ القيس بعد أن أسمعوه شعره , هو مروان بن أبي حفصة , ثم ذكر قدره في الشعر , وكذلك في كلامه كفاية .

يأتي آت بعد ذلك فيضرب بكلامه عرض الحائط , ويزعم أن في حكمه نقص , وأنه نسي الحالة الإجتماعية والسياسية وغيرها من أحكام علماء الإجتماع , والقوالب التي قولبها نقاد الشعر الأنجليزي والفرنسي , وهذا المتكلم لم يبلغ مبلغ مروان بن أبي حفصة , في رسوخ القدم في فن الشعر , المسألة فيها ظلم !!!.

وأعطيك مثالا على ذلك , فقد ذكر أبو هلال العسكري ـ [ المتوفى سنة 395هـ = 1005م ] ـ , وفي كتابه " جمهرة الأمثال " أنه :
" سمع عمر رضي الله عنه أصحابه يتذاكرون الشعر ، فأقبل ابن عباس فقال: قد جاءكم ابن بجدتها .

وقال : يا بن عباس ، ما أشعر بيت قالته العرب؟ .

قال: قول زهير:
قوم سنان أبوهم حين تنسبهم *** طابوا فطاب من الأولاد ما ولدوا
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم *** قوم بآبائهم أو مجدهم قعدوا
محسدون على ما كان من نعم *** لا ينزع الله عنهم ماله حسدوا
إنس إذا أمنوا، جن إذا فزعوا *** مرزءون بها ليل إذا جهدوا

فقال عمر: ما أحد أولى بهذا الشعر منكم يا بني هاشم .

فقال ابن عباس: فينا ما هو أكبر منه ، كتاب الله والنبوة ". أهـ

فالسائل عمر بن الخطاب , والمسؤول عبد الله بن عباس وهو في كلام العرب من هو , فإن كان يحتج بكلامه في تأويل آية فما بالك في بيت شعر , والجواب كان بيت لشاعر جاهلي

فإذا صح الخبر , فكيف نتعامل معه بأسلوب علماء الإجتماع أم على طريقة مدرسة النقد الإنجليزي , أم على طريقة الفرنكفونيين , أم ماذا ؟.

زد على هذا أن ممن ذكرتهم واستشهدت بكلامهم , هو كذلك عند خصومه في كلامه نظر , فطه حسين إذا سألت أحد خصومه عنه قال لك :" أنه يتبع قاعدة خالف تعرف " وأنه يأتي للمتعارف عليه فيقلبه منكرا , وللغريب فيجعله متواترا , ويقوي الضعيف , ويضعف القوي , وقصة انتحال الشعر الجاهلي خير دليل .

وأوافقك الرأي على أن فيها من الأبيات التي تتطلب النظر والتمحيص , قبل أسباغها بلباس الجودة والتقدم في بابها .

و أما قولك :
" الحقيقة-أخي الحبيب-أنا أميلُ إلى القول بأن هذه الأحكام المرسلة في أغزل بيت..وأفخر بيت..وأهجا بيت..ألخ،تنحَــى ( للنسبية ) أكثر منها ( للإطلاق (...

بمعنى..لو تأملنا مليا،سنكتشف بسهولةٍ أن هذه الأحكام،لا يمكنُ أن تكونَ-هكذا إجماعاً وبالقول الواحدِ-صحيحة ًبالكليةِ في إطلاقها،ومن الخطأ الجسيم - كما بين الأستاذ العقاد رحمه الله في بحثه حول شاعر الغزل الأموي الكبير عمر بن أبي ربيعة - أن تـُطلقَ على عواهنها ، دون الإحاطة بالظروف النفسية والاجتماعية والأدبية والسياسية التي جعلت الأديب الفلاني والعلاَّمة العِلاني،يقرر في كتابه أو مخطوطته أن هذا أغزل بيت وذاكَ أفخر بيت وهاتيكَ أهجا بيت ".

فما يؤكد قولك على أن بعضها تنحى نحو ( النسبية ) أكثر منها نحو ( الإطلاق ) , لكن النسبية التي أريد أن أعطي مثالا عنها تخالف التعقيب الذي ذكرته , كذلك تبين أن الأقدمين ذكرهم لهذه الأبيات , كان من قبيل معرفة المشهور و المتعارف عليه في بابه .

فقد قال ابن رشيق الأندلسي ـ [ المتوفى سنة 463هـ = 1071م ] ـ في كتابه " العمدة في محاسن الشعر وآدابه ":
" سأل أبو جعفر المنصور أبا دلامة فقال: أي بيت قالته العرب أشعر؟ .

قال: بيت يلعب به الصبيان .

قال: وما هو ذلك؟ .

قال: قول الشاعر:
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا *** وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل ". أهـ

والبيت لأبي دلامة نفسه , لكن لو فتحت كتاب " معاهد التنصيص على شواهد التلخيص " تجد أن عبد الرحيم بن عبد الرحمن , والمعروف بـ " عبد الرحيم العباسي " و [ المتوفى سنة 963هـ = 1556م ] , أنه يذكر تفصيلا أكثر للرواية , مما يعطيها من الوضوح الشيء الكثير .

حيث تقصر رواية عبد الرحيم العباسي للقصة , شعرية البيت في المقابلة , وهو كما تعلم الجمع بين الشيء وضده , كما في بيت أبي دلامة , فقد جمع بين الحسن والقبح , والدين والكفر , والدنيا والإفلاس .

فقد ذكر أنه :
" ما أحسن الدينَ والدُّنيا إذا اجتمعا *** وأقبح الكفر والأفْلاَسَ بالرَّجُلِ
البيت من البسيط، ويعزى لأبي دلامة.

يحكى أن أبا جعفر المنصور سأل أبا دلامة عن أشعر بيت قالته العرب في المقابلة .

فقال: بيت يلعب به الصبيان .

قال: وما هو على ذاك؟ .

قال: قول الشاعر، وأنشده البيت.

قال ابن أبي الأصبع: لا خلاف في أنه لم يقل قبله مثله ، فإنه قابل بين أحسن وأقبح ، والدين والكفر، والدنيا والأفلاس ، وهو من مقابلة ثلاثة بثلاثة , وكلما كثر عدد المقابلة كانت أبلغ .

وأحسن من بيت أبي دلامة قول المتنبي من الطويل:
فلا الجودُ يفني المالَ والجدّ مقبلٌ *** ولا البخلُ يبقي المالَ والجدُّ مدبر ِ ". أهـ

إذن رواية ابن رشيق عامة أما رواية رواية عبد الرحيم فخاصة بالمقابلة , وقص عليها الكثير , ولولا أن أطيل لأتيت بغير هذه القصة هنا .

أما ما ذكرته عن الأصفهاني , فأنت تعلم سيدي أن كتابه على ما قيل فيه , هو مرجع للشعر العربي , بل مصدر من مصادره , فكما ثار على الكتاب بعضهم , قام بخدمته الآخرون , وعلى رأسهم طه حسين , وتكاد تكون إحدى طبعات كتاب الأغاني , أحسن طبعة للقرن الماضي , وهي طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب , هذه الطبعة قد ضم التحقيق فيها ألمع محققي القرن الماضي , وممن لهم غيرة على الدين .

ولتلميذ طه حسين , واسمه شفيق جبري , الدمشقي الموطن كتاب سماه " دراسة الأغاني " , وهو في الأصل نصرة لكتاب الأغاني .

خلاصة الكلام :
أن هذه الاختيارات الشعرية يغلب على تقديم بعضها الصنعة و التكلف والهوى , ويصدق على بعضها الآخر التقديم والأولية لأنها من اختيار جهابذة العلم ونقاده .

وأخيرا تقبلوا احترامي .


الساعة الآن 05:16 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
إستضافة و تطوير براقما

Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

كل مايطرح في المنتدى مسؤلية الكاتب فقط وليست للإدارة أية مسؤلية