![]() |
لا أين و لا كيف قصة سمير المنزلاوى
تركتنى أمى أمام قبر مرمرى يتوهج فى الشمس . فوقه يقيم اناء به صبار ذو زهار صفراء تتنفس عطرا قاسيا . لا صوت , ثمة فراشات تحوم و لا تهبط . فى الطواف الثانى انبثق رجل كأن الصحراء أنبتته لتوها . جاف طويل , حاولت الفرار فرفع عقيرته بالعويل الملتاع الذى يقطع نياط القلب. اقتربت و ابتعدت فى آن و قلت فى رعب حقيقى : - كيف ظهرت و. . .
صاح صيحة منكرة اهتز لها الجدث و ربما من فيه أيضا ! ثم خر صعقا لا خبر له عن نفسه. لا نقطة ماء , ناديت أمى من الخباء فلم ترد . انتزعت زهرة صبار و قربتها من أنفه فأفاق و عاد يحاول الصياح ، نهرته فى شجاعة وهمية فيما تصطك ركبتاى وقلت : - ما هذا السخف ؟ أشار الى كتابة منمنمة فى جانب القبر , ألصقت عينى بالحروف التى نجت من مقام المحو: ( جساس قتل كليبا بالغدر ). ناح فزجرته: - أمن أجل ناقة عجفاء ؟ : - ناقة ؟ : - هذا ما قرأته فى كتاب الأغانى. :- آه . و حق صمته الثقيل , لو أكل كبدى و شرب دمى و نحر صبيانى ما امتدت يدى اليه بسوء ! : - زدنى. : - لله أنتم معشر المتحذلقين. مضى يخب كالجمل الهائج و يردد الفضاء العريض صوته الفخم البائس: - لو رايتنى أغمد الرمح من الخلف ثم أذبح العزيز و أتركه للعقبان ! تخرج أمى من الخباء, بصحبتها جارية بيضاء تترجرج كالزبد فى ثياب سوداء سابغة. سمعت أمى تودعها و تقبلها , ثم تباهت : - هذه صديقتى جليلة بنت مره . ********************* استأذنت أمى أن أرحل مع طلاب العلم الى دا ر السلام فرفضت . قبلت قدميها و خرجت أبكى. نزلت بحرا من ظلام , تمر أمامى أشباح طلاب دار السلام يحملون أخراج الطعام و الأقلام و الورق . فى عيونهم لمعة العلم و دهشته و على شفاههم بسمات الاشفاق و هم يودعوننى . ذهبت أبكى على قبر أبى , غفوت , و لما أفقت وجدت رأسى على فخذ شاب أمرد نفحنى أوراقا مكسوة بجلد عظاءة: - خذها عوضا عن الر حلة. : - عرفتك من كتاب الفتوحات. : - هات ما عندك. : -انك فى الأولى خرقتها و لا ماء ولا غرق! و فى الثالثة أقمته بلا ملاط أو أجرة! فما بال الثانية ؟ أشار بيده فرأيتنى و أنا هنا . . هناك . أعذب بالسياط حتى يتساقط لحم وجهى و صدرى و بطنى و عورتى و أطرافى و مخ عظامى و أخلاط دماغى. أشار ثانية فولى المشهد و قال: - أهونه ما ترى. *********************** فى هدأة الليل و لواعجه و أشواقه فتحت الأوراق . أمى تغط بجوارى . تتابع الطرق عنيفا على الباب فجعله ينبعج . فتحت ، فى فراغ الباب كهل بثياب من قصب ، و عمامة من حرير و نعل من جلد الثعبان. ذكرتنى رائحته بزهر الصبار . اندفع الى الداخل فرأى أمى نائمة , لكن الخوف هزم الخجل, قال يتضرع : -أجرنى من الخليفة. قلت : - عرفتك من كتاب ألف ليلة و ليلة. أيقظت أمى لتعد الطعام و تباهيت : - هذا صديقى الربيع بن يونس حاجب أمير المؤمنين. حدق فى الغرفة . وقعت عيناه على الحاسوب المغطى . كشفه بلا استئذان و دخل غرفة المحادثة. كتب كثيرا و كان يأكل , ثم شربنا الشاى و غسلنا أيدينا و هتفت : - سيدى أنت فى دارك عينى زاد , و الأخرى ماء , فقط أخبرنى لماذا غضب عليك مولانا ؟ : - حبا كرامة لكن الوقت ضيق . بكيت بدمع هتون و شرعت أنشد : ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا و عند الله منها المخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت و كنت أظنها لا تفرج ما كدت انتهى من نظمى و انشادى حتى امتلأ البيت بجنود الربيع و جنود الخليفة المدججين! صرخت أمى و جاوبتها نساء الشارع , و ارتفع الغبار و قعقع السلاح و سقط القتلى و الجرحى , ووجدت أمام الباحة عشرات من مندوبى وكالات الأنباء و الفضائيات, أحاطوا بى يستأذنوننى فى بدء البث المباشر. |
سمير المنزلاوى
هلا وغلا ابن بلدى قلم ادبى رائع دمت بود ونقاء نــــ غ ــــم |
قصة رائع
بروعة القلم الراقى تقبل خالص تحياتى |
سمير المنزلاوي حضورٌ جميل و قصةٌ رائعة كما اعتدنا منك تحياتي |
سمير المنزلاوي ألف شكر لروعة حضورك لاهنت |
.
. الف شكر لك اخي على هذه القصة الرائعة ولاعدمنا حضورك لك مني فائق التقدير والاحترام |
| الساعة الآن 07:13 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
