منتديات منابع الأدبية

منتديات منابع الأدبية (http://www.manab3.com/vb/index.php)
-   مسَاحَة بوح دافئِة (http://www.manab3.com/vb/forumdisplay.php?f=9)
-   -   سياحة في كتاب (http://www.manab3.com/vb/showthread.php?t=20386)

عبدالله باسودان 09-09-2011 07:37 PM

سياحة في كتاب
 
عبدالله علي باسودان


من روائع المنفلوطي

سياحة في كتاب

أعجب ما أعجب له من أمر نفسي أني أحب الجمال خيالا, أكثر مما أحبه حقيقة فيعجبني وصف الروض أكثر مما يعجبني مرآه , ولا أطرب لمنظر الفتيات الجميلات, طربي لمنظر القصائد الغزليات, وأحب أن أقرأ وصف المدن الجميلة , وماكتبه الكاتبون عن قصورها ودورها , وسهولها وبطاحها وأنهارها وجداولها , وميادينها وتماثيلها , وأنديتها ومجامعها , ولا يهمني أن أراها , كأنني أريد أن أستديم لنفسي تلك اللذة الخيالية وأخاف أن تحول الحقيقة بيني وبينها.
وأحسب أني لو كنت عاشقا لأصبحت أضحوكة العاشقين ,وأعجوبة الهازئين والساخرين ، ولكان مثلي مثل ذلك الرجل الذي أحب امرأة , فاستزارها , فمنعته حينا, ثم زارته , فلما رآها تركها وذهب لينام فعجبت لشأنه وسألته: ماباله ؟ فقال لها : أريد أن أنام علني أرى طيفك في المنام !
جاء يوم شم النسيم , فخرج الناس إليه يستقبلونه استقبال الجيش المدجج للملك المتوج , ويرحبون به ترحيب العشاق بيوم التلاق , بعد طول الفراق , ويبسمون له ابتسام الرياض الزاهرة للسحب الماطرة , وقد ذهبوا في شأنه المذاهب كلها ؛ فمن صاعد إلى رؤوس الجبال , وسارب في سهل الرمال , وواقف موقف الإعجاب والإجلال , بين جمال الأنوار, وأنوار الجمال ومقلب طرفه بين حسن الزهرات وحسن الفتيات , لايعلم أتشبه القامات الغصون , أم الغصون القامات . ذهب الناس في ذلك اليوم تلك المذاهب , وماكان لي أن أذهب مذهبهم لأني لا أعجب بما يعجبون , ولا أهتف لما يهتفون , فقبعت في كسر بيتي أفتش عن ضالة خيال أجد فيها من السعادة والهناءة مايجده الهائمون بين ثغر الحسناء وثغر الصهباء , فلمحت بجانبي كتاب بلاغة العرب , وهو الكتاب الذي ترجمه الأستاذ ( كامل حجاج) وجمع فيه نفائس اللغة الفرنسية , وزبدة ماجادت به قرائح كتابها وشعرائها , فقلت : حسبي من الرياض هذه الزهرات , ومن النسائم تلك النفحات . خطوت الخطوة الأولى من سياحتي في هذا الكتاب , فرأيتني واقفا تحت نافذة قصر اللوفر في باريس, ورأيت الناس وقوفا في ذلك الميدان الفسيح , وقد هاج بعضهم في بعض , حتى ضاقت بهم رقعت الأرض , ورأيتهم يمدون أعناقهم إلى تلك النافذة , وينظرون إليها نظرة الفلكي إلى كوكبه اللامع, ويرقبون منها مايرقب الروض من غادية السحب , وإنهم لكذلك , إذ أطل عليهم نابليون الأول من نافذة قصره كما يطل البدر من وراء الأفق يحمل بين يديه طفله الصغير كما يسميه الناس, وملك روما كما يسميه أبوه, فضج الناس لمطلعه ضجيجا ملأ مسمع الخافقين, وابتسموا لمرآه ابتساما أضاء مابين المشرقين والمغربين, وهنا سمعت الشاعر الكبير يخاطب ذلك الملك العظيم بصوت يشبه صوت البحرالزاخر قائلا له :
رويدا أيها الرجل المغرور بالتاج والسرير, والملك الكبير,والجيش الخاضع, والشعب الطائع, أنت تقدر لطفلك في مستقبل الأيام ملكا كملكك, ومجدا كمجدك ,وعزا وسلطانا كعزك وسلطانك, غير عالم بما تكتمه ضمائر الأيام من الحوادث العظام , والخطوب الجسام , فهل أخذت على الأيام عهدا لنفسك, فتأخذه لولدك ؟ وهل وثقت بما في يدك, فتثق بما في يد غيرك ؟أيها الملك المغرور: إنك ستفارق عما قليل هذا القصر الكبير إلى الكوخ الحقير , وسيحيط بك الجند في منفاك إحاطة الإخضاع والإذلال , لا إحاطة الإعظام والإجلال, وسيموت ولدك محروما هذا العرش الذي هيأته له, بل محروما بضعة أشبار من تربة فرنسا يضجع فيها ضجعة الموت .
أيها الملك المغرور : لاتقل إن المستقبل لي , فإنما المستقبل لله .
تركت هذا الموقف الفخم الجليل , وقد امتلأت نفسي عبرة بمصائب الأيام, ومصارع الكرام ,وتقلبات الدهر مابين رفع وخفض,وإبرام ونقض,ومشيت حتى وصلت إلى برية جرداء, ودوية قفراء, لايطرقها إنسان, ولايدب بها حيوان, فلمحت على البعد رجلا يمشي على بعض الشواطئ فوق أرض رملية يخدع ظاهرها, ويقتل باطنها,ويدب ماؤها في أحشائها دبيب الصهباء في الأعضاء, ويكمن في صدورها كمون الأسرار في صدور الأقدار.فما هي إلابضع خطوات حتى وقع نظري على رجل مسكين غاصت قدماه في الرمل, فحاول نزعهما, فغاص إلى ركبتيه, فتحلل, فغاص إلى صدره, ومازال يساعد على نفسه بنفسه, ويهبط شبرا كلما حاول إن يرفع فترا, حتى لم يبق منه على ظهر الأرض غير فم يصرخ بالنداء, وعين تذرف بالبكاء, ثم مالبثت أن غطاهما الرمل, فرفع يديه بالدعاء, فلم يجد من رحمة في الأرض ولا في السماء.
وقفت أمام هذا المشهد المؤثر المحزن وقفة أرسلت فيها بضع قطرات من الدمع على هذا البائس المسكين,وقلت في نفسي:إنني عجزت عن إسعاده في نكبته,ومعونته في شدته, فلا أقل من أن أسعده بقليل من الأسف على مصيره المحزن الأليم .
ثم فارقته ومشيت حتى بلغت منزل الشاعر لامرتين فرأيته جالسا في غرفته الصغيرة , وليس معه من يؤنسه غير كلبه المقعي على عتبة بابه, فسمعته يخاطبه ويقول له :
أيها الكلب الأمين, قد هجرني الناس وبقيت بجانبي؛وخانني الأصدقاء ووفيت لي؛ فأنت في نظري أوفى الأوفياء, وأصدق الأصدقاء؛ ولولا أنك كريم الأخلاق متواضع, تأبى إلا أن تعرف لسيدك منزلته من السيادة عليك, وتحفظ له فضل ماأسدى من النعمة إليك,لأكبرت جلستك هذه عند عتبة الباب, ولأجلستك بجانبي على فراشي,لأنك صديقي ومؤنسي,ولأنك أحق بالإكرام من كثير من أولئك الذين يفترشون الطنافس , ويتوسدون الوسائد.
وحسبي منك هذه النظرات التي تلقيها علي بهدوء وسكون, كأنك تقرأ فيها صفحة وجهي, وماغاب عنك من دخيلة أمري, وكأنني أسمعك تقول: ماباله, وماشأنه ؟ وما الذي يبكيه؟ ليتني أعرف دخيلة أمره, وليتني أستطيع أن أكون فداءه ! فحسبي منك ذلك,وهل يطمع الإنسان أن يجد من أوفى أصدقائه أكثر مما أجده في لفتاتك, وألمحه في نظراتك ؟
سمعت لا مرتين يناجي كلبه بهذا النجاء الرقيق, فتسللت وذهبت لشأني وأنا أقول في نفسي : إذا كان لامرتين – وهوأشعر شاعر في فرنسا, وفرنسا مهبط وحي الشعر – لم يجد له صديقا وفيا غير كلبه المقعي على عتبة غرفته, فأين يذهب سائر الشعراء,ومتى يجدون الأصدقاء؟
تركت منزل لا مرتين وذهبت إلى منزل (دي موسيه) فرأيته معتزلا في غرفة من غرف منزله يبكي بكاء مرا, ويزفر زفيرا شديدا, تكاد تتقطع له أحشاؤه. فقلت : ليت شعري ما أبكاه ؟ وما الذي دهاه؟
فسمعته يترنم بقصيدة من قصائده يشرح فيها تاريخ وجده وهواه, شرحا مؤثرا مؤلما حتى كان يخيل إلي أن كل بيت من أبياتها جذوة نار ملتهبة .وسمعته يشكومن خيانة حبيبته (جورج صاند), ويعالج نفسه على أن يسلوها, ويتناسى عهدها وزمامها, فلا يجد إلى ذلك سبيلا, وماهو إلا أن أتم قصيدته حتى تغير لونه وشخص بصره, واضطرب اضطراب الأغصان اليابسة بين أيدي الرياح العاصفة .ثم أخذ يهذي هذيان المحموم, ويخلط في كلامه خلطا شديدا, فعلمت أن الرجل قد جن, وأن العالم الشعري قد فجع إلى الأبد.
فمضيت إلى سبيلي , وأنا أسأل الله العافية وأقول : إن جمال المرأة أحقر من أن يقتل أوفر عقل , وأعجز أن يطفىء أكبر قريحة.
ولكنــهــــا الأقدار تجري بحكمهــــا علينـــا وأمـــر الغيب سر محجــــب
تركت منزل دي موسيه , ومشيت في شارع من شوارع باريس , فرأيت شيخا رث الثياب , زري الهيئة , يمشي مشية هادئة مطمئنة, ويجر في رجليه نعالا بالية , قد أطلت أصابعه من خروقها كما تطل الحيات من أجحارها . فأتبعته نظري , فرأيته لا يرفع طرفه سكونا وإطراقا , ولايكاد يحرك عضوا من أعضائه رزانة ووقارا, فقلت في نفسي: إن لهذا الرجل شأنا . فمشيت وراءه حتى رأيته قد وقف على باب حانوت إسكاف , فلم يجد صاحب الحانوت في مكانه , فجلس على الأرض ينتظره حتى يعود فيخصف له نعله, فسألت بعض المارة عنه فقال : هذا ((كورني)) شاعر فرنسا.
فأخذتني الدهشة , وملكني العجب ,حتى كاد يحول بيني وبين عقلي, وقلت في نفسي ويح لكم معشر النساء! أتضنون بقطعة من الجلد الأسمر, على رجل يقلد أعناقكم الدر والجوهر, أعجزتم عن أن تجمعوا أمركم على أن تمسحوا هذه الغضون عن تلك الجبهة التي تجود عليكم كل يوم بما يفرج كربتكم , ويخفف محنتكم .ثم رجعت أدراجي وأنا أقول: كان قضاء حتما على الدهر ألا ينيل هؤلاء الأدباء من دهرهم مايريدون ولايمنحهم من العيش مايشتهون .
إن في جلسة (لامارتين) منفردا في منزله لامؤنس له غير كلبه , وفي عزلة (دي موسيه) في غرفته بين دموعه وأحزانه , وفي جلسة ((كورني))أمام حانوت الإسكاف ينتظر ترقيع نعله,لآية للمتفكرين, وعبرة للمعتبرين .

ذكريات 09-09-2011 08:32 PM

إن في جلسة (لامارتين) منفردا في منزله لامؤنس له غير كلبه , وفي عزلة (دي موسيه) في غرفته بين دموعه وأحزانه , وفي جلسة ((كورني))أمام حانوت الإسكاف ينتظر ترقيع نعله,لآية للمتفكرين, وعبرة للمعتبرين .
أهو بوح من أديب.جعل السياحة سياحة في الكتب لا في النزل ..اختزل مباهج الأدب ودرره المكنونة في كتاب راق له ان يعنونه سياحة في كتاب...سياحة لا تكلفنا جواز سفر ولا عمولة أجنبية ,و لا تأشيرة عبور...ام هو بوح لمضامين تشبع منه السائح با سودان في مؤلفه..فأوردها حتى لا يتسلق الشوق...ولا يبوح الوجد بسره ولا تحوم الطيور ولا تعلن صبها وحتى ترتبك الخطاطيف على نافذته فتهاجر...فذاك أمر وذاك شأن الأدباء متقلبوا المزاج......ليلهم شكول طويل نفحهم عليل وصبهم ضنين..نجوم وضاءة لا نطال سماهم...ويبقى الولع عندنا سراب ...والشوق غياب
اما اذا كان في البوح مما طفح به كتاب في السياحة حول المنفلوطي الذي يتفق الجميع أنه من أفضل الأدباء المعاصرين وأبدعهم...ملا أدبه الدنيا وترجمته شملت اثرى وأرقى الآداب ..ومن منا لم يستمتع برواية ماجدولين التي ترجمها وأضاف اليها ما راق مزاجه من ابداع
اعود للتكميل تعقيبي وقد طرأ ببيتي طارئ اضطررت للأنقطاع ...فمعذرة ان لم أفلح في الربط والتسلسل...فالمنفلوطي سيدنا الغالي أعزكم الله والحديث الذي أفردته به في مؤلفك القيم ما أره الا عنوانا لأدب راق وأسلوبعزيز أن يقارع وجليل أن يشابه.ولهذا الأسلوب في الكتابة عند مصطفى المنفلوطي مدلولاته وخصائصه وفنونه...فأنظر كلامه في هذا المقطع وهو يقول في ترجمته لرواية الأديب الفرنسي ماجدولين
مدت يده فصافحته فلم تكن بين تلامس كفيهما وخفوق قلبيهما الا ما يكون بين تلامس أسلاك الكهرباء و أشعال الفوانيس...وقد ذهب الأدباء في تحليل أسلوبه الى القول أنه متأثر بمن يترجم عنهم لا من تاليفه
سيدي با سودان الغالي .اذهلني بوحك لما فيه من خفايا تنم على أبداع في الأبداع وحديث في الحديث وسياحة الخاطرة في سياحة في الكتاب ...امتعتنا والله ..فلا تنأئ عنا سيدي ولا تتردد في أتحافنا من أدبك الرفيع فنحن به شغفون... نظير در لاينآئ عن أدب هؤلاء العظماء...شكرا ايها العزيز

عبدالله باسودان 09-09-2011 09:59 PM

عبدالله باسودان
 
أختي الناقدة القديرة ذكريات

شكراً على مرورك وتعليقك أنت ناقدة قديرة


اقتباس :
اذهلني بوحك لما فيه من خفايا


عفواً سيدتي، هذا بوح المنفلوطي وليس بوحي.

ذكريات 10-09-2011 09:47 AM

با سودان العزيز يسعدني منك هذا التواضع والقبول بالرأي الآخروانت بما عليه من علم وسعة أطلاع ...ففي ردودك تفتح دوما با با للنقاش والأثراء والأغناء مما يؤسس لحوار بناء راق بكل المقاييس...فما رأيتك مرة تضيق برأي ولا بوجهة نظر ...وهذا يحسب لك في منتدانا لأن هذا التشابك والتعقد أحيانا في المواضيع هو الرهان والمقصد في منتدى رفيع بكل المقاييس
اعود سيدي فقط لرفع ألتباس حاصل...انا ما قصدت من خلال ما كتبته أن أفكار منك تتخفى لتنصهر مع هذا النص الرائع الذي امتعتنا به لأديبنا المنفلوطي.....فالأديب فيما يكتب لا يشبه الا نفسه...ولكن وأنتم سيد العارفين بذلك دردشة النقد والتحليل فيها بعض من الصلف اللطيف المقبول ...لأنالتكيف مع الأبداع تنوع وتواصل واستفزاز فيه من التصرف ما يربك ويرج أحيانا ...
سيدي الغالي لا تؤاخذني فقد فتحت واشرعت باب النقاش والتواصل والحوار معك واني لأقر بهذه المتعة الأدبية التي قد لا يستصيغها غيرك....اعرف انك أديب لك باع وذراع..وما أنا الا قارئة يستهويها أدبك الرفيع...أنا يا سيدي احد السياح في سياحة في كتاب فأمتعنا بما جاد به قلمك واقتطع لي تذكرة أقامة في مرافئ الكتاب ...فعنوانه يستهوي ويغري...ومعذرة دوما على كل لبس يحصل


الساعة الآن 07:37 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
إستضافة و تطوير براقما

Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

كل مايطرح في المنتدى مسؤلية الكاتب فقط وليست للإدارة أية مسؤلية