هنيئاً لكِ-أختي الكريمة طيبتي-هذه الإجازة الموْسمية الدورية المُسْتَحَقَّة بعَدَ أنْ تضَلَّعَ الفِكْرُ والقلبُ من مَغْرَمِ البذل والعَطاء في رحلةِ العِلْمِ والتدريس المُضنية....
والحَقًّ-أختي الكريمة-أن الإحساسَ الجميلَ بنكْهَةِ الإجازةِ لا يتأتَّى إلا حينَ يَستهلِكُ الإنسانُ-في سبيل مهنتِه الشريفة-كلَّ أشواطِ العَطاءِ والإخلاص والتفاني،يسترخِصُ في حَقِّهَا فِكْرَهُ وبصيرَتَه وما في كنانتِه من نورٍ وتنوير...
فحينما يؤدي المُعَلِّمُ ما عليه..حُقَّ له أن يستريحَ قليلاً،لأخْذِ النفَسِ ولاستعادةِ النشاطِ والدَّأب..تماماً كذاكَ الفارسُ البطلُ الذي لمْ يَدَّخِرْ وُسْعاً في المُضِيِّ إلى باحةِ المَعركةِ،وبعدَ أن انجلى غبارُ الهيْجاءِ ولفْحِها وَوَهَجِها اللاحبِ عن نصْرٍ مُؤزَّرٍ،كانَ لابد له بشَيءٍ من راحةٍ،يَستفيءُ في دوْحَتِها ويُجددُ العزْمَ والنشاطَ فوقَ رَبْوَتِها الوارفة...
نَعَمْ-أختي الكريمة-لِلَّهِ ما أجملَهُ إحساساً بِمَقْدِمِ الإجازةِ،وما أجلََّهُ حَمْداً وشُكْراً لصاحب الحمْد سبحانه وتعالى على نِعْمَةِ الشعور بتمام الواجب الذي أُنِطْنَا بهِ،فَصَاحَبَنا التوفيقُ والسدادُ بما قدمناه لتلامذتنا الزنابق ولِطلبَتِنَا الرياحين،فأتَتِ الإجازةُ وليسَ في القلب والعقل والوجْدانِ سوَى بَرَدُ الرِّضَى وَنَدَى السكينةِ والطمأنينةِ،لا يَشوبُهُما أبداً شُعُورُ بالتقصير أو التفريطِِ أو التَّلَكُّؤِ....
أنا عادةً-أختي الكريمة-ما يَعتريني في إجازاتي إحساسٌ بالديْمومةِ والاستمراريةِ في خَطِّ ( العِبَادَةِ ) و ( التبَتُّلِ )،لأنني أومِنُ دائماً أن حياةَ المسلمِ كُلِّها في رِبَاطٍ دائمٍ وعِبادةٍ مَوْصُولةٍ..سَواءٌ وهو أستاذٌ،مُعَلِّمٌ،يربي ويُوَجِّهُ ويَقودُ عُقولَ الطلبةِ إلى مَراشِدِ الأمور وعَظائم الغَايَاتِ وقتَ الدراسةِ والتدريس..أو سَوَاءٌ وهو في إجازتهِ التي-وإن كانتْ في منآى عن مَعمعةِ الحِصَصِ والفصول-لا تخلو من برنامج مليءٍ بمظاهر الخيْر الأخرى،أقَلُّهَا الخَلْوَةُ والجلوسُ مع الذاتِ لمراقبةِ مَسَارِها في ما قدمتْ وستُقَدِّمُ،أوْ أقلُّهَا الاستئناس بِمَعِيَّةِ الأهل والأولادِ وذوي الأرحام....
في إجازاتي-أختي الكريمة-دائماً ما استذكرُ بيني وبين نفسي كلمةَ شَيْخِ الإسلام تَقِيِّ الدين أحمد بن تيْمية-رضيَ الله عنه ورحِمَهُ-حينما أحالَ بهاَ الوجودَ من حولهِ إلى مجالاتٍ لا تنتهي من استدرار الخيْرِ وفِعْلِ المَكْرُماتِ واستباق الخيْراتِ،حتى وهو في أحْلَكِ الظروفِ وأعْسَرِها...
قالَ مٌستهزئاً بخُصُومِه-وقد كانَ مَحبوساً في سجن القلعةِ في دِمَشْقَ-: (( جَنَّتِي وبُستاني في صَدْري..إنْ حَبسُوني فَحَبْسِي خَلْوَة،وإنْ أخرجوني فخروجي سِيَاحة،وإن قتلوني فقتِلي شهادةٌ في سبيلِ اللهِ..إن في صَدْري كتابَ اللهِ وسُنةَ رسولِه..!! ))....
حتى في محنةِ السجن والتضييق،حيْثُ يتقيَّدُ حَرَاكُ المَرْءِ،يوجَدُ عنده مَجالٌ أرْحَبُ للعطاء والخيْر والفائدة،فإذْ بظاهر الخسائر تنقلبُ في حِسِّهِ إلى مَكاسب..!!!
ونحن أيضاً...ممكنٌ جدًّا-أختي الكريمة-أن نصنعَ في إجازاتِنا مجالاً آخرَ من الاستمتاع والاستزادةِ في الخير لِمُجَــرَّدِ أن نَنْوِهَا خُلوةً وتأمُّلاً وتَجَلِّي....
مَرةً أخرى..هنيئاً لكِ بتلكَ الإجازة أختي الكريمة..وهنِئَتْ نفسُكِ بالحمْدِ والشكر لصاحب الحَمْدِ..وإلى أن تعودَ إليْنا إشراقتُكِ الوضيئةُ في منابعنا،ندعو المولى عز وجلَّ أن ينثلِجَ فيكِ الصدْرُ والقلبُ والخاطِرُ بنعمةِ الراحةِ والارتياح بين رافدِ الأهلِ والأحِبَّة....