| السيد سالم |
20-01-2012 08:56 AM |
شعراء العربية النصارى (4)
<H3 class="post-title entry-title">شعراء العربية النصارى (4) |
النصرانية العربية في عهد الخلافة العباسية:
يقول الطبري في " تاريخ الأمم والملوك" ( 5 /235) وفي عهد الخلافة العباسية الذي بدأت من سنة (132هـ) 750م، خَفَتَ إلى حد كبير حدة الصراع بين الدولة الإسلامية والبيزنطية؛ وذلك لأن الخلافة العباسية اتخذت من بغداد والعراق مركزًا لها، وبالتالي صار قلب العالم الإسلامي بعيدًا نسبيًّا عن الدولة البيزنطية، وإن كانت الحروب لم تتوقف، وكان ميدانها في غالب الأحيان أرض آسيا الصغرى، ومن أشهر الصدامات تخريب الدولة البيزنطية لمدينة زبطرة مسقط رأس الخليفة العباسي المعتصم، وذلك في سنة (223هـ) 838م، ثم بعدها حدث الانتصار الإسلامي الكبير بفتح عَمُّورِيَّة مسقط رأس الإمبراطور البيزنطي ثيوفيل سنة (223هـ) (838م).
ويضيف سعيد عاشور في "الحركة الصليبية" (1/50 ) ثم شهدت الدولة العباسية ابتداءً من منتصف القرن الثالث الهجري (منتصف القرن التاسع الميلادي) تدهورًا ملحوظًا، وظهرت الدُّوَيلات المتفرقة بداخلها، ومنها على سبيل المثال: الدولة الغزنوية، والدولة السامانية، والدولة الزيارية، والدولة الحمدانية، والدولة البويهية، والدولة الإخشيدية، الدولة الطولونية وغيرهم.
وفي كتاب البداية والنهاية يقول ابن كثير وهكذا ضعفت الشوكة الإسلامية، وأدى ذلك إلى أن بدأت الدولة البيزنطية تقف موقفًا حازمًا من المسلمين، حتى إنها في بداية القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) ضمت معظم مدن الجزيرة تحت السيطرة البيزنطية، ثم سقطت الجزر التي كان المسلمون قد سيطروا عليها في البحر الأبيض المتوسط مثل كريت وقبرص وذلك في سنة (350هـ) 961م؛ مما أعاد للأساطيل البيزنطية السيطرة من جديد على البحر الأبيض المتوسط، ثم حدث أمر كبير في سنة (358هـ) 969م حيث سقطت أنطاكية، وهي من أهم المدن في يد البيزنطيين، وكان لهذا دويٌّ هائل في العالمين الإسلامي والمسيحي.
ثم حدث أمر ضخم في الأمة الإسلامية حيث سقطت مصر تحت سيطرة الدولة العبيديّة الشيعية المعروفة بالفاطمية، وذلك في سنة (358هـ)969م، وبذلك انقسم العالم الإسلامي إلى قسمين كبيرين وهما: الخلافة العباسية السُّنِّية الضعيفة التي وقعت تحت سيطرة دولة بني بويه الشيعية، و[COLOR=window****]الدولة الفاطمية الشيعية التي تسيطر على شمال إفريقيا ومصر وأجزاء من الشام. وهكذا ازدادت الأمة الإسلامية ضعفًا وفُرقة، وهذا أعطى للدولة البيزنطية الفرصة لكي تزداد جرأة في حربها للأمة الإسلامية، فكان النصف الثاني من القرن الرابع الهجري (النصف الثاني من القرن العاشر الميلادي) ميدانًا واسعًا للبيزنطيين، اجتاحوا فيه أعالي الشام والعراق، حتى وصل الأمر إلى أن دفعت الموصل وميافارقين وديار بكر، بل وحمص ودمشق الجزية للإمبراطور البيزنطي حنا شمشقيق.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الحملة الأخيرة للإمبراطور البيزنطي كانت تستهدف بيت المقدس إلا أنه لم يستطع الوصول له، وكانت تفيض من كلماته ورسائله العبارات الدينية التي تؤكد الروح الصليبية التي كان مشحونًا بها في حربه.
وهذا الوجود البيزنطي في بلاد الشام وأنطاكية سيفسِّر لنا النزاع المستقبلي الذي سيدور بينهم وبين الصليبيين الغربيين حول الحق الشرعي في امتلاك هذه الأراضي والمدن.
أما القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) فقد شهد نموًّا للدولة الفاطمية، وتراخيًا من الدولة البيزنطية؛ نتيجة انشغالهم بحرب البلغار، وأيضًا لانشغالهم بضم بمملكة أرمينية النصرانية، التي كانت قد بلغت حدًّا مغريًا من الرخاء والتقدم، شجَّع البيزنطيين على بذل الجهد لضمها، وهذا أدى إلى أن بسطت الدولة الفاطمية سيطرتها على معظم الشام باستثناء حلب وأنطاكية.
وفي هذا القرن الخامس الهجري أيضًا ظهرت دولة السلاجقة الإسلامية العظيمة، وكان لها دور كبير في الصراع الإسلامي النصراني، وسوف نفرد لها صفحات كثيرة في هذه المقالات للحديث عن مواقفها في هذا الصراع.
كان هذا هو الوضع في المشرق الإسلامي من بداية البعثة النبوية إلى أواخر القرن الخامس الهجري (خمسة قرون متتالية من الحروب المستمرة بين الدولة الإسلامية والدولة البيزنطية).
من المعلوم أنّ الخليفة المأمون (170-218/786-833) هو الذي نشط حركة استيطان الفكر اليوناني في العالم العربي . وقد تساءل محمد بن إسحاق النديم عن " السبب الذي من اجله كثُرت كتبَ الفلسفة وغيرها من العلوم القديمة في هذه البلاد "، يعني في بغداد وما يتبعها سنة 377/987 . فروى قصّة رؤيا المأمون الشهيرة ، وقال " احد الاسباب في ذلك أنّ المأمون رأى في منامه كأنّ رجلاً أبيض اللون جالس على سريره . قال المأمون : وكأني بين يديه قد مُلئتَ له هيبة ، فقلت ُ: من أنتَ؟ قال : " سَل " قلتُ : "ما الحسن ؟ " قال : " ما حسُنَ في العقل " . قلت " ثم ماذا ؟ " قال : " ماحَسُنَ في الشرع " . قلت : " ثمّ ماذا ؟ " قال : " ما حَسُنَ عند الجمهور " قلتُ " ثمَّ ماذا ؟ " قال : " ثمّ لا ثمّ لا " . فكان المنام من أوكد الأسباب في إخراج الكتب " .
وكان أبو زكرَّيا يوحنّا (أو يحيى) بن ماسَوَيه (777/857م) مدير بيت الحكمة أيَام المأمون ؛ ثمَّ تبعه تلميذُه أبو زيد حُنيَن بن إسحاق (809-873م) الطائر الصيت ، أيّام المتوكل على الله (232-247/847-861) وقال فيه ابن جُلجل في " طبقات الأطباء والحكماء " الموضوع صدر سنة 377هـ /987م : كان " عالماً بلسان العرب ، فصيحاً باللسان اليونانيّ جداً ، بارعاً في اللسانين بلاغةً بلغ بها التمييز عِلَل اللسانين " . وقال بن القفطي فيه : " ولم يزل أمره يقوى ، وعلمُه يتزايد ، وعجائبه تظهر في النقل والتفاسير ، حتّى صار ينبوعاً للعلوم ومعدناً للفضائل . فلمّا انتشر ذكرُه بين الأطبّاء ، اتصل خبرُه بالخليفة ، فأمر بإحضاره ولمّا حضرَ ، أُقطع إقطاعاً سنيّاً ، وقُرّر له جارٍ جيّد " .
ويستحيل علينا ذكر أسماء النَقَلة والأطبّاء والفلاسفة العرب من النصارى ، فضلاً عن ذكر مآثرهم . إنما نكتفي بملاحظة عن " طبقات الأطبّاء والحكمّاء " ، وهو أوّل مؤلَّف عربي يؤرَّخ للعلوم القديمة ، سبق " فهرست النديم بشهورٍ . لقد قسم ابن جُلجُل الأندلسي كتابه إلى تسع طبقات . فالسابعة سمَّاها : " من حكماء المسلمين ممنّ برع في الطبّ والفلسفة ، ومنهم إسلام ومسيحيّون " ، فذكر منهم اثنى عشر ، هم : بُختيشوع ، وجبريل بن بختيشوع ، ويوحنا بن ماسويه ، ويوحنا ابن البطريق ، وحنين ابن إسحق ، ويعقوب بن إسحاق الكندي ، وثابت بن قُرة ، وقسطا بن لوقا ، ومحمد بن زكريا الرازي ، وثابت بن سنان الصابئ ، وابن وصيف الصاري، ونسطاس المصري " . وجدير بالذكر أنّ سبعاً منهم مسيحيّون .
كذلك إذا أخذنا " الفهرست " للنديم ، الموضوع ايضاً سنة 377/987، في المقالة السابعة الخاصّة بـ " الفلسفة والعلوم القديمة " ، لَوَ وجدنا أنّ إسهام النصارى فهذه الحركة الفكرية الجبّارة لايَقل عن إسهام المسلمين فيها ، ولاسيما في الفصّل الأول ( " في اخبار الفلاسفة الطبيعيين والمنطيقيين ") والفصّل الثالث (" ابتداء الطبّ وأخبار المتطبّبن") . وكنت قد أجريتُ بحثاً عن الأطبّاء المؤلَّفين المذكورين في المجلد الثالث من " تاريخ التراث العربي ، للمستعرب التركي الدكتور فؤاد سزكين (Sazegin) الخاصّ بالطب والصيدلة في القرون الأربعة الأولى للإسلام ، واتضّح أنّ الأغلبيّة الساحقة منهم هم من النصارى.
هذه الظاهرة تدلّ على شيئَين : على تفتُح حكماء الإسلام على الحضارات القديمة ( من يونانيّة وسريانيّة وفارسيّة وهنديّة ) وعدم تعصبُّهم إطلاقاً (اللهم إلا أيام المتوكل ، في كفاحه ضدَّ المعتزلة وإلى حدّ ما ضد النصارى ) من ناحيةٍ : وعلى اندماج النصارى في الحارة العربيّة والدولة الأسلاميّة ، بلا تحفُظ وتأخُّر، من ناحيةٍ أخرى . وفي نظري أنّ هذين العامِليَن هما السبب الأساسي لقيام النهضة العبّاسيَة الكبرى .
[/COLOR] |
</H3>
د. السيد عبد الله سالم
المنوفية - مصر
|