منتديات منابع الأدبية

منتديات منابع الأدبية (http://www.manab3.com/vb/index.php)
-   يحكـى آنـ (http://www.manab3.com/vb/forumdisplay.php?f=27)
-   -   إحتضـــار .... (بقلمي د. محمد محمود) (http://www.manab3.com/vb/showthread.php?t=22043)

الجراح الشمالي 29-01-2012 08:55 PM

إحتضـــار .... (بقلمي د. محمد محمود)
 

إحتضار


المكان: المستشفي التخصصي قسم الأورام
الزمان: أواخر رمضان



يقال أنك لا ينبغي أن تنظر إلى إحداهن فتعرف عمرها..
يقال أنها من بديهيات الأمور أن تكذب المرأة فيما يخص عمرها الحقيقي قولا وفعلا مهما ارتقت بثقافتها وعلاقاتها الاجتماعية..
ديدنها المبالغة في التزين واستخدام المساحيق والأقنعة - أقصد اقنعة الخيار والعسل والفواكه وما إلى ذلك - فلا شيء يغير ذلك..

ولكن ما حدث معي ذلك اليوم كان من الشذوذ عن هذه القاعدة بمكان..

فقد رأيتها وتأثرتُ كثيرا بحالتها..

هي امرأة سبقت حالة جسدها عمرها الحقيقي بعقود من المعاناة،
تقطعت قسماتها بتجاعيد حفرها الألم المستمر..
وذبلت عيناها على نظرة غريبة خليط من يأس ورجاء امرأة اختبرت قسوة الحياة فخذلها الجسد سريعا..، وسقط،

فقط ليسقط عندنا في وحدة زرع النخاع الرهيبة..،
حيث الأمل يتجدد يوما،
ويوما ينسحق تحت وطأة المرض واستحالة العلاج..

تلقفتها ايدي اعتادت على مناظرة الألم والموت فلم تعد تسأل أو تتفاعل..،
لليأس والإحباط جمهور عريض هنا ومريدين من كل أنحاء المحروسة،
بَدْءا بالأطفال المرفوع عنهم القلم،
مرورا بالشباب اليافع المفعم بالطموح المبتور،
وصولا إلى هذه السيدة ومن مثلها..

أم لطفلتين زهرتين
يؤلمني أنه سيكون عليهما - فيما بعد - الخضوع للعديد من الفحوصات والمتابعات
لاستبعاد ما إذا كانت إحداهما أو كلتاهما قد التقطت في خلاياها ذلك الجين اللعين المسئول

مُطلقة حديثا هي..

همسات متناثرة بين افراد التمريض و بعض المترددين:

"سبحان الله.. وقعت مرة واحدة.. ربنا يرحم اولادها.." ،

"دي كانت زي الجمل ياعيني.. انا اعرفها.. ساكنة في الشارع اللي ورايا.." ،

"يا منجي من المهالك يا رب.. ودي فين جوزها ميت ولا الندالة بقت عادي المفروض يكون جنبها
حتي يساعد عشان نقدر نلاقي متبرع ينفع.."
..

وقد صار بحثها عن متبرع مطابق حديث المكان خلال أيام ولسان حال الجميع كأنه يقول في تضرع:

"اللهم نج هذه السيدة من أجل صغيرتيها"..

مرت الأيام والمرأة تدخل في الغيبوبة تلو الأخرى
تعود من آن لآخر نصف عودة
فلا تتحصل من عودتها الهزيلة إلا على المزيد من الشفقة
..


******


المكان: محكمة الاستئناف جنوب العاصمة
الزمان: ٢ رمضان



جلسة منعقدة..

قضــــايا متتالية..

قاضي ومستشارين..

أحــــوال شخصية..

وأمام المنصة تقف امرأة ممشوقة القوام في أواسط العمر وقد علا محياها التحفز وتأفف مكتوم..،
بجوارها وقف شيخ متواضع الهيئة.. ضعيف البنية.. وقد نكس بصره لأسفل..
بعد مشاورة قصيرة،
القاضي موجها كلامه للمرأة:

" يابنتي إنتي أكيد متوقعة الحكم..
مش حاسة انك عايزة تراجعي نفسك؟"

المرأة:

"يا سيادة القاضي انا فعلا اتحملت كتير عشان بناتي بس انتوا سمعتوا بنفسكم شهادة الشهود..
ده كان ضرب موت.."


الشيخ الواقف هامسا في أسى:

"والله شهود مأجورين.. والله ظلم.."

القاضي ملتفتا إلى الشيخ:

"بتقول ايه يا حاج؟ علِّي صوتك.."

الشيخ يرفع عينين دامعتين:

"انا مش عارف جنابك ايه اللي بيحصل ده بس
والله انا ما مديت إيدي عليها
ولا اقدر اضربها حتى لو حاولت.."

القاضي للمرأة وهو ينظر إليها نظرة ذات معنى:

"راجعي نفسك يا بنتي احنا في بداية شهر كريم وأيام مفترجة..
وجوزك شكله باقي عليكي وأضعف من إنه يئذيكي راجعي نفسك.."


المرأة بتحدي:

"الهي ما اوعى اكمل الشهر الكريم يا بيه لو كنت بافتري عليه.."

القاضي زافرا بتوتر وعائدا بظهره إلى الوراء:

"الحكم للمدعية طبقا للقانون رقم..........."

الشيخ ينخرط في البكاء

المرأة تلتفت مغادرة

الحاجب بصوته الجهوري:

"القضية رقم ٥٦٢١ لسنة..........."


******


المكان: مكتبي
الزمان: ٢٦ رمضان



تغادر الممرضة بشيت أوامر الطبيب
واستعد لمغادرة المكتب بدوري للمرور المعتاد على الحالات المحجوزة بالقسم،
ولكن الباب يبقيه احدهم مفتوحا
ويدلف إلى المكتب شيخ تبدو عليه إمارات السماحة والطيبة
أرفع إليه ناظري فيقترب قائلا:

"ممكن لحظة يا دكتور؟"

أشير إلى المقعد أمام مكتبي:

"اتفضل يا والدي استريح.. خير؟"

يجلس بتؤدة ثم يعتدل ليواجهني قائلا بصوت هادئ:

"أولا السلام عليكم معلش لو هاخد من وقتك يا بني........" ثم يستطرد سائلا عن حالة بعينها..

يسكت ثم تتغير ملامحه لنظرة الأسف التي علت وجهي وأنا أقول:

"أنا عارف يا حاج إن موضوع بنتك بالذات مؤلم بس ده قضاء ربنا..
الحقيقة هي حاليا في غيبوبة عميقة..
أنا نقلتها لقسم العناية المركزة إمبارح الصبح وباتابع حالتها..
بس للأسف الدكتور نوبتجي العناية مش مطمئن لتطور الوضع...."


تدمع عيناه في استكانة لألم نفسي واضح وهو يقاطعني برفق:

"معلش يابني بس انت تقصد انه خلاص مافيش أمل؟!"

أعقبُ بسرعة:

"الأمل موجود طبعا..
في الله يا حاج.."


تبتر كلماتي إطراقة رأسه.. ثم يتمتم في حزن عميق:

"إنا لله وإنا إليه راجعون"

ثم يجهش في البكاء فجأة ويقول من بين دموعه:

"هي فعلا بنتي وحبيبتي وأمي وكل ما حبيته في الدنيا دي.. ليك الأمر من قبل و من بعد يا رب.."

اشعر بإجلال بالغ لهذه اللحظة ولكن يغادرني السؤال رغما عني:

"هو حضرتك زوجها أنا آسف افتكرت غير كده اعذرني.."

يرد من بين بكائه الذي ظل مستمرا خفيضا:

"كانت زوجتي لحد اسبوعين فاتوا.."

تركته ليكمل فاستطرد:

"الشيطان لعب بدماغها وشبابها واتغيرت..
بعد عشر سنين عشرة وأولاد..
هاقول إيه بس..."


ثم فجأة قرر المغادرة فسألني مباغتة:

"دكتور.. لو ممكن احسَنلَها ناخدها على البيت بدل البهدلة في المستشفى يعني لو حالتها ميئوس منها"
"أنا مستعد أتكفل بكل شيئ في البيت بس تستريح آخر ساعاتها وسط أهلها.. ممكن؟"

اربكني طلبه للحظة ثم رددت وكان هو يقوم بالفعل من على مقعده فقمت بدوري قائلا:

"يا حاج هي مش عندي في القسم دلوقتي بس تقدر حضرتك تتكلم مع الدكتور في العناية يفيدك أكتر.."

شكرني بسرعة وصافحني:

"شكرا على وقتك يا دكتور.."

ثم أولاني ظهره ببطء وهو يدعو لي بالصحة وتوجه نحو الباب..

"يا حاج علي مهلك انت مستعجل اجيبلك حد يوصلك ولا آجي اوصلك...."

إلتفت نصف التفاتة وعلى وجهه نظرة لن أنساها وقال:

"لازم اتحرك بسرعة دي فرصتي الوحيدة أكون جنبها في الشوية اللي فاضلة.."
"أنا اتحرمت منها اسبوعين كنت هاموت.. مش هاضيع لحظة تاني.."

والتفت متابعا مغادرته..

جلست متعجبا لما سمعت..
هو حب عميق بلا شك في ظروف غريبة..
تمتمت في سري شاردا مُطرقا:

"أعانك الله على ما ستجد من معاناة رعايتها في مثل هذه الحالة وأنت في هذا العمر.."

قاطع شرودي صوته وهو عند الباب دون أن يلتفت:

"خدمة أخيرة يا دكتور لو تكلملنا دكتور العناية يسهل مسألة خروجها ربنا يجازيك عنا خير؟؟"..!!

كان بالفعل قد أصبح خارج الباب


لم أرد ولم ينتظر ردي..


ذكريات 30-01-2012 08:21 AM

نص في طيه نصوص وشخصيات في معاناة جماعية معاناة جسدتها اخي الجراح في مرض فتاك هتاك يعصف بعمر امراة تاريخها فيه قمع ووحشية زوج طاغ قاس ظلوم وتعاطف طبيب يفصح عن رأيه معبرا عن وعي بمرضاه ...في النص ايضا صراعات وتناقضات متمثلة في القمع في الحرمان في الطلاق في الاستغلال ...قهر نفسي واجتماعي
النص و القصةمعاينة لواقع بشري في همومهم ومشاغلهم واوضاعهم وفيها من الدلالات ما ينفتح على عوالم كثيرة...من تعاطف طبيب مع محيط مرضاه الى وضعية أسرة يعصف المرض بربتها
تفاعل وتمازج رائع بين كل هذا الصخب حتى كأننا نقرأ لوحة بريشة فنان تبدو ألوانها قاتمة الى حد ما
قد أعود لقراءة القصة لأستنفر ما فيها من تعقد وانصهار في الألم والحزن
ارجو ان تروقك هذه القراءة السريعةمني

الجراح الشمالي 30-01-2012 09:08 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ذكريات (المشاركة 265171)
نص في طيه نصوص وشخصيات في معاناة جماعية معاناة جسدتها اخي الجراح في مرض فتاك هتاك يعصف بعمر امراة تاريخها فيه قمع ووحشية زوج طاغ قاس ظلوم وتعاطف طبيب يفصح عن رأيه معبرا عن وعي بمرضاه ...في النص ايضا صراعات وتناقضات متمثلة في القمع في الحرمان في الطلاق في الاستغلال ...قهر نفسي واجتماعي
النص و القصةمعاينة لواقع بشري في همومهم ومشاغلهم واوضاعهم وفيها من الدلالات ما ينفتح على عوالم كثيرة...من تعاطف طبيب مع محيط مرضاه الى وضعية أسرة يعصف المرض بربتها
تفاعل وتمازج رائع بين كل هذا الصخب حتى كأننا نقرأ لوحة بريشة فنان تبدو ألوانها قاتمة الى حد ما
قد أعود لقراءة القصة لأستنفر ما فيها من تعقد وانصهار في الألم والحزن
ارجو ان تروقك هذه القراءة السريعةمني


طبعا أتمنى عودتك مرة أخرى

المهتمة الرائعة

ذكريات..

هذه القصة من ملفات واقعية
وهي وغيرها مما لو أفاء العليُّ القدير علىَّ بطرحه في منتداكم المحترم
غالبا ما سيكون من عصارة تجاربي الشخصية..

الحقيقة في هذه التجربة
هي مخالفة ربما تماما لما يبدو من واقع السرد
وهي التي أرجو منك ملاحظتها حال عودتك..

وطبعا سوف أكون تواقا لنقد واعي مثل نقدك
ومن غيرك سيكون أقدر على إفادتي
في هذا الشأن؟

شاكر لك العودة مقدما..،

العف الخجول 30-01-2012 06:06 PM



الجراح الشمالي 30-01-2012 06:31 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة العف الخجول (المشاركة 265199)


شاكــــــــــــر
للمرور والإطراء..،



الساعة الآن 10:24 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
إستضافة و تطوير براقما

Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

كل مايطرح في المنتدى مسؤلية الكاتب فقط وليست للإدارة أية مسؤلية