منتديات منابع الأدبية

منتديات منابع الأدبية (http://www.manab3.com/vb/index.php)
-   يحكـى آنـ (http://www.manab3.com/vb/forumdisplay.php?f=27)
-   -   النظارة الشمسية والإصبع المهشم (http://www.manab3.com/vb/showthread.php?t=22235)

الجراح الشمالي 24-02-2012 12:14 AM

النظارة الشمسية والإصبع المهشم
 



إنهم يحفرون - أي عمال الصرف الصحي - في الشارع من جديد..

كان الجو صيفيا لزجا..
وكنتُ واقفا بجوار سيارتي أراقب شابا أعرفه بعمله في أحد الجراجات
وقد انهمك بصبر في إزالة آثار الغبار الناتج عن الحفر عن سيارتي
وكان لونها داكن فكانت المهمة حقا شاقة..

وفيما كنت أنتظر وأعبث في جيب قميصي باحثا عن عملات تصلح كأجرة لهذا الشاب
لفت نظري أحد عمال الحفر
وقد بدأ في الطرق على إحدى القطع الحديدية بشكل مزعج متصل..

كان أسمرا أشعث مغبر الوجه
لا ينبؤك أي جزء منه عن حقيقة سنه لفقر مظهره ونحول جسده
وكان طرقه بلا انقطاع على قطعة تبينتُ أنها قائم حديدي مثبت إلى الأرض



"تن.. تن.. تن.."



كانت المطرقة ثقيلة


وكنتُ قد يئست من العثور على عملة مناسبة
فقررت أن أعبر الطريق إلى البقال في الجهة الأخرى من الشارع
لأستبدل ببعض النقود ذات الفئة الكبيرة، أخرى تصلح كأجرة للشاب المسكين
الذي يحاول عبثا إظهار كل ما يمكن من جسد سيارتي بصفته اللامعة الأصلية
رغم غبار الحفر..


عبرت الشارع في تعثر
وأنا أحاول أن لا تصيبني الشظايا
التي تطلقها الطرقات المتتالية من آن لآخر..




"تن.. تن.. تن.."




فكرت وأنا أتفادى شظية استهدفت عيني اليمنى:


"هي طاقة جسدية وذهنية هائلة يفرغها هذا العامل في قائمه المعدني
ويتجلد مستمرا في عمله المرهق تحت هذه الشمس الحارقة
كل هذا من أجل خمسين جنيها في الأسبوع علي الأكثر..
لله في خلقه شئون..
لا أتعجب من حاله..
لأني كففتُ عن التعجب لأحوال بلادنا من زمن.."




"تن.. تن.. تن.."




كنت قد أتممت العبور الناجح
وإذا بسيارة فاخرة سوداء تتوقف في هدوء بقرب البقال
ويُفتح بابها وتخرج منه.. امرأة


نعم


لابد أنها كذلك


ولكن الأمر أن النساء
في هذا الحي نساء من نوع آخر..

فارعة الطول هي وترتدي نظارة شمسية سوداء كبيرة..



"تن.. تن.. تن.."



تنبؤك ملابسها - على قلتها -
بكم النقود وبطاقات الائتمان التي ترقد في جيب
ذلك الأخ - الذي أعتقد أنه زوجها - الجالس في مقعد السائق..

فهو حتما من مظهره
وعدم هرولته أمامها حين نزولها.. ليس السائق..


حسنا
أنت لن تعرف سن هذه المرأة أبدا أيضا
ولكن لأسباب أخرى مختلفة تمام الاختلاف
عن حالة صاحبنا ومطرقته..




"تن.. تن.. تن.."



كانت المرأة - لشدة العجب - ممسكة بسيجارة لم تكن مشتعلة
وكانت متوجهة لمكان يبدو قريبا مني ولم يتضح لي
ويبدو أن السيارة لم تكن تستطيع الوصول إليه
لظروف الشارع بسبب الحفر..




"تن.. تن.. تن.."




تهيأتُ لنفض دهشتي
من وجود مثل من ينتمون إلى هذه الطبقة هنا


حين فجأة توقف الطرق..



"تن.. تـ...."



كان العامل الأسمر
قد وهب نفسه كلية لهذا المشهد الرهيب
مشهد هذه التحفة الأنيقة النادرة
وهي تعبر الطريق بكل عطرها أمامه..



توقفت


وقلت لنفسي:


"ترى.. - لو كان مازال محتفظا بعقله -
فيم يفكر الآن؟

هل يتخيل نزع بعض هذه الملابس
للمزيد من ضراوة العرض؟

ربما..

لن يكون ذلك صعبا على أية حال
فملابسها بطبيعتها كانت تكاد تكون مقتصرة
على ستر ما لا يختلف كثيرا بين امرأة وأخرى..
وقد كشفت هذه المرأة تقريبا
عن كل ما يمكن أن يميزها في جسدها..

هل يتخيل نفسه
مكان هذا الجالس في السيارة؟

ربما..

الأمر سهل
ألق بهذه المطرقة الثقيلة جانبا
واجلس متململا في استرخاء غائصا في هذا المقعد

وممسكا بمقود السيارة..

فقط لا تنس إلقاء نظرة احتقار سريعة
على "ريس العمال" الواقف هناك..

هو يستحقها..


أو ربما كان يتخيلها تتعثر في سيرها
فيهب بكل نخوة لمساعدتها ويمسك - مضطرا - بيدها
وربما - ويا له من خيال واسع - يظفر بقبضة
على ذراعها الأبنوسي الطويل..

أقول ربما

وربما أكون مسيئا للظن بهذا العامل المذهول المسكين
الذي لا يفكر في هذه اللحظة في شيء
وقد توقف
حتى لا تصيبها الشظايا المتناثرة
من حول القائم الذي يدقه،
فهو حتما لن ينجو بسهولة
من بطش الأخ خلف مقود السيارة.."




"تن.. تن.. تن.."




قطعت عودة الصوت استرسال أفكاري
وفهمتُ أنها صرخة
من "ريس العمال" هي التي انتفض لها العامل
فعاد لعمله طارقا من جديد..


كانت التحفة - أقصد المرأة - قد عبرت منطقة الحفر إلى حيث كنتُ أقف
الحق أنها كانت فعلا ملفتة للنظر وخاصة حين اقتربت من مكان وقوفي
لم أترك نفسي تراوغني..


التفتُّ مكملا سيري لوجهتي
وفي لحظات كنتُ قد أتممت مهمتي
وغيرتُ العملة..



"تن.. تن.. تن.."




وبدأت رحلة الرجوع الوعرة
وتأهبتُ لكدمة أو شظية ما
فانتويتُ بالإسراع في المرور عندما..






"تن.. آآآآآآآآآآآى"





صرخة هائلة توقعتها
ولم أكن أتخيل
أن تكون عالية بهذه الطريقة البشعة..



هو العامل المسكين..



فكما توقعت هو لم يتوقف عن متابعتها بنظره من ظهرها
رغم أنه عاد يدق بهمة..


فكانت النتيجة الحتمية
هي إصبع قدم مهشم بين مطرقة ثقيلة
وقائم معدني يصلح تماما لهذه المهمة..



وضاع المشهد في لحظات
بين عمال تطوعوا
بحمل زميلهم إلى جانب الشارع لإسعافه..


أصابني الهم للحظات
ولكنني لم أتدخل في عملية الإنقاذ
لأن القرار خرج من وسط العمال سريعا
بحمل زميلهم إلى مستشفى فيه قسم للعظام
وبدءوا فعلا في التحرك..


وأفقت من همي على صوت هذه المرأة
وقد صارت تقف إلى جواري
تقول وقد ساءها المنظر وكأنها تكلمني:


"ياي.. ياربي.. إيه الغبي ده.. مش يحاسب...!!"

ثم زفرت في رقة..




إبتسمتُ في سخرية مريرة في أعماقي
وأنا أستدير مكملا سيري وتاركا إياها متأففة خلفي..


لابد أن هذا المنظر
قد أفسد عليها نضارة يومها
في حين لم يبدُ على الجالس خلف مقود السيارة
أي اهتمام بما حدث..



لوحتُ بيدي للشاب الذي وقف ينتظرني
بعد انتهائه من إخراج سيارتي من قبرها الترابي..


واتجهتُ إليه
دافنا مرارتي الساخرة في أحد جيوب وعيي
وكان في عقلي
يتردد بإلحاح سؤال غريب:




"تُرى..

أيهما
أفسد حقا على الآخر يومه؟


وأيهما ينبغي
أن يكون أكثر قرفا
واشمئزازا من الآخر..؟



أهي التحفة - أقصد المرأة - خلف ظهري




أم عامل الصرف الصحي ذو الإصبع المهشم..؟"




د. محمد محمود
٢٠٠٥


العف الخجول 25-02-2012 03:41 PM


ايها المتالق ( الجراح الشمالي ) ربي لايحرمنا من هذا القلم الذهبي
يعطيك الف عافيه على القصه الرائعه

ننتظر جديدك
بشووووووووق


الجراح الشمالي 25-02-2012 11:55 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة العف الخجول (المشاركة 267027)

ايها المتالق ( الجراح الشمالي ) ربي لايحرمنا من هذا القلم الذهبي
يعطيك الف عافيه على القصه الرائعه

ننتظر جديدك
بشووووووووق




العف الخجول
الفاضلة

أسعدني جدا

مرورك
وتعليقك
وثناؤك..


دُمتِ بكل خير..،

نداء الذات 27-02-2012 04:02 PM


لوحتُ بيدي للشاب الذي وقف ينتظرني
بعد انتهائه من إخراج سيارتي من قبرها الترابي..


واتجهتُ إليه
دافنا مرارتي الساخرة في أحد جيوب وعيي
وكان في عقلي
يتردد بإلحاح سؤال غريب:

الله يعطيك العافيه

والله يحفظك ويسعدك يارب

الجراح الشمالي 28-02-2012 10:11 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نداء الذات (المشاركة 267213)

لوحتُ بيدي للشاب الذي وقف ينتظرني
بعد انتهائه من إخراج سيارتي من قبرها الترابي..


واتجهتُ إليه
دافنا مرارتي الساخرة في أحد جيوب وعيي
وكان في عقلي
يتردد بإلحاح سؤال غريب:

الله يعطيك العافيه

والله يحفظك ويسعدك يارب



أشكرك

على كريم مرورك
وجميل تفاعلك

دمتِ بهناء..

بسكوته 09-03-2012 09:31 PM


آنتقآء آجمـــل من الراآئع
لآعدمنآ روعه وجميل عطاااك
لروحك آطيب الورود

الجراح الشمالي 21-03-2012 04:54 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بسكوته (المشاركة 268112)

آنتقآء آجمـــل من الراآئع
لآعدمنآ روعه وجميل عطاااك
لروحك آطيب الورود

أشكرك كثيرا للتوقف بصفحتي
وأود أن أخبرك بأنه ليس انتقاء
لأن القصة بقلمي
لك جزيل مودتي


الساعة الآن 11:12 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
إستضافة و تطوير براقما

Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

كل مايطرح في المنتدى مسؤلية الكاتب فقط وليست للإدارة أية مسؤلية