منتديات منابع الأدبية

منتديات منابع الأدبية (http://www.manab3.com/vb/index.php)
-   حوار آلأِقـِــِـَلآم للنقاشـآث الـج ـآدةٌ (http://www.manab3.com/vb/forumdisplay.php?f=10)
-   -   خواطر طبيب (حوار الفصول.. وضراعة خيال) (http://www.manab3.com/vb/showthread.php?t=22276)

الجراح الشمالي 28-02-2012 08:47 AM

خواطر طبيب (حوار الفصول.. وضراعة خيال)
 



عجبتُ لقرِّ شتـــــاء يزداد
كل عام عن ذي قبل..

وللَفـْحَة وقيظ صيف
يشتدان كل عام
وكأن الشمس تقترب

أكثر.. وأكثر..


فما كان مني
إلا أن اعتليت مقصورة
منطاد خيالي..


وحين أتيت
الاجتماع السنوي..


كان الشتاء جالسا يرتجف
في معطفه الصوفي الثقيل
ويهمس وقد ازرقت شفتاه صقيعا
من طرف خفي للصيف
من خلف ظهر الخريف الذي كان
منهمكا في تعرية
مجموعة من الغابات المدارية
من خَضارها:

"صديقي..
إني أشعر بالدفء
كلما تحدثتُ معك
فهلَّا سمحت لي
بالاقتراب قليلا"


فيتمتم الصيف غاضبا
من بين أسنانه
بصوت أقرب للفحيح
وقد احمرَّ وجهه:

"قلت لك ألف مرة
أنا لا أفعل شيئا في الخفاء
فشمسي الساطعة
تفضح كل تفاصيلي..
أنا غير مسئول عن فشلك
في إقناع من يمكنه مساعدتك
فلتستأذن من الخريف
أو الربيع.."


وبخيبة يعود الشتاء
للخلف قليلا
ثم لا يلبث أن يوجه
كلامه للخريف
المنهمك في عمله..

يقول بود مصطنع:

"أخي وجاري لا تغضب لتكرار سؤالي
فأنت تعرف ما أعاني من صقيع..
وأنت بطبيعتك لن تشتكي من البرد
لأنك قريب منه وتألفه
فلم لا نتبادل الأماكن لفترة وجيزة
أستعيد فيها بعض حرارة أوصالي؟"


زمجزة خافتة
تصدر من الخريف دون أن يلتفت
فيكتسي جسده الفارع بمساحة أخرى
من الأوراق اليابسة التي نزعها بسرعة
عن مجموعة أشجار مسكينة
خلال زمجرته الغاضبة:

"إسمع ايها اللحوح..
لقد سئمتُك وسؤالك
وأقولها لك لآخر مرة:
أنا مستريح هكـــــذا
فموعد مجيئي آخر العام يمنحني
الكثير من الوقت خلال العام
للتهيؤ لأعمالي في حينها
وأنا بطبعي أكره الاستعجال
وأكره أكثر.. الإلحاح
فهلا ابتعدت عن ظهري
وتركتني لعملي..؟"


كانت الغضبة الموتورة
قد ألجمت لسان الشتاء
فاكتست شفتاه بالبلورات الثلجية
ونظر للصيف معاتبا ومتسائلا..

فأشار له الصيف
من بين عرقه المتصبب
أن تحَوَّلْ بطلبـِك إلى الربيع
فإنه ولابد سيكون أكثر لطفا..



"لا تضيعا وقتكما معي.."

هكذا ابتدرهما الربيع
فجفلا للحظة..


"أنا لن أغير شيئا ولو ليوم واحد
فماذا سيقول عني الناس
وقد اعتمدوا على قدومي
لإقامة أعيادهم
واحتفالاتهم وأخذ استراحاتهم
وإجازاتهم..؟
لا يمكنني بحال أن أخلف مواعيدي
فأنا مسئول عن سعادة أناس وتفاؤلهم
وهذه أشياء لا يحسن تقدير
قيمتها القســاة أمثالكم
المعذرة منكما يا صديقاي الحميمين
كنتُ أود خدمتكما ولكن..."



ينظر الشتاء والصيف
لبعضهما في صمت..


في عيونهما أشواق لا تنتهي
ورغبة هائلة في التصافح الحميم
حتى ولو لبرهة واحدة..


وتكتمل خيبتهما
حين يلوح في الأفق
موعد انتهاء الاجتماع
بنهايته المعتادة

كل مــرة..



خيبتهما تزداد
كل مرة..

وغيظهما كذلك..


ثم يلتفت كل واحد منهما ببطء

ويتجه في تثاقل
عائدا لمكانه..


لا يشعران
سوى بالغضب..


فلا تلبث أن
تتعالى رجفة الشتاء
الباردة الغاضــبة
وتتوالى زفرات الصيف
الحارة الحــــانقة


ونحن بين هذا وذاك
نشكو قر الشتاء المتزايد
وقيظ الصيف المتصاعـد


وينتهي
الاجتماع السنوي..


فيتجه المنطاد بي خفيفا
إلى عتبة وعيي..


وأقفز من مقصورته



فأنتبه..


وإذا بي أجد لساني يتمتم
من تلقاء نفسه:


"اللهم إنك من رحمتك
ترسل إلينا
كـــــل حين بنُـــذُر..

وتأمرنا كلماتك
في كل واد بالحذر..

بيدك الأمر
رغم كل خيــــــال..

ومنك العصمة
يا ذا الجـــــــــلال..



فإنا وإن شكونا إليك قيظ الصيف
فإنا نعوذ بك من حــــــــــر جهنم

وإنا وإن شكونا إليك قر الشتـــاء
فإنا نعوذ بك من زمهريــــر جهنم


فأزلْ قلوبنـــا
عن الضجر بحكمـــك
والسخط علي قضائك


وارحم جلودنا
فلا نقعُ وتُجلدُ في حد من حدودك
ولا تتبدل بجلود غيرها في عذابك"







اللهم أجرنا من جهنم
اللهم أجرنا من جهنم


ذكريات 28-02-2012 10:51 AM

ولوج انيق بديع في تفاصيل فصولنا الاربعة...وصروف لحياتنا فيها...تمنحنا قيظ وحر وبرد وصقيع وهاجرة واخضرار وتربة خضراء تترع النفس جمالا وعلينا ان نختار ...ولن تكون الحكاية بغير امسنا وغدنا ومستقبلنا المتواترة ايامها تارة عبقة واخرى مزمجرة ...تظل الأرض تحتضن وجعها وفرحها كما لو أنها في مخاض ...الطبيعة يا جراح كالفتنة تجعلنا نحلم الى ابعد حد نمد ايدينا الى غيمها فيعصرنا الى صيفها فيستعر فينا الى خريفها فيعصف بنا الى ربيعها فنركب منطادا كالذي ركبت ونحلم بالجنة
تظل اخي الجراح تثير تاملات وأسئلةفي النفس تغرق الى مدى لاحدود له ...دمت بهذه السمة البارعة في كتاباتك

الجراح الشمالي 28-02-2012 11:28 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ذكريات (المشاركة 267273)
ولوج انيق بديع في تفاصيل فصولنا الاربعة...وصروف لحياتنا فيها...تمنحنا قيظ وحر وبرد وصقيع وهاجرة واخضرار وتربة خضراء تترع النفس جمالا وعلينا ان نختار ...ولن تكون الحكاية بغير امسنا وغدنا ومستقبلنا المتواترة ايامها تارة عبقة واخرى مزمجرة ...تظل الأرض تحتضن وجعها وفرحها كما لو أنها في مخاض ...الطبيعة يا جراح كالفتنة تجعلنا نحلم الى ابعد حد نمد ايدينا الى غيمها فيعصرنا الى صيفها فيستعر فينا الى خريفها فيعصف بنا الى ربيعها فنركب منطادا كالذي ركبت ونحلم بالجنة
تظل اخي الجراح تثير تاملات وأسئلةفي النفس تغرق الى مدى لاحدود له ...دمت بهذه السمة البارعة في كتاباتك



ويظل مرورك أختي
علي مواضيعي

يضفي عليها زخم ثراء هائل
بلوحات جمالية أخرى كثيرة
ترسمها كلماتك الرشيقة

لك مني كل التحية
وصباحك خير إن شاء الله


الساعة الآن 10:47 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
إستضافة و تطوير براقما

Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

كل مايطرح في المنتدى مسؤلية الكاتب فقط وليست للإدارة أية مسؤلية