منتديات منابع الأدبية

منتديات منابع الأدبية (http://www.manab3.com/vb/index.php)
-   يحكـى آنـ (http://www.manab3.com/vb/forumdisplay.php?f=27)
-   -   ظـــــلّ مشــــــوّه..! (http://www.manab3.com/vb/showthread.php?t=25909)

وجدان الشاذلي 04-02-2014 06:31 PM

ظـــــلّ مشــــــوّه..!
 
ظـــــلّ مشــــــوّه..!
فتحت عينيّ هذا الصّباح على عنكبوت بسقف الحجرة ، تعمل بهمّة ونشاط على نصب شراكها لحشرة صغيرة تعيسة الحظّ، لوهلة .. خيّل لي أنّها تنظر صوبي.. ومن ثمّ تشرع تخاطبني ..
أيّ امرأة أنتِ..! أ وَلم تدركي طوال عشرين عاماً أنّ الحياة ظلّت تنصب لك شراكها. وأنت كحشرة كبيرة تقفزين من شرك إلى آخر..! أيّ متعة تلك الّتي تجدينها في القيام بدور الضّحية ؟
-
أنا لست على مايرام .. تمتمتُ بيني وبين نفسي.
Ôكأيّ زوجة ريفيّة تبدأ يومها عند الغبش بمكنسة تجوب بها أروقة ودهاليز المنزل ، التقطتُ مكنستي وذهبت اُربت بها على كتف التّراب في محاولة لإيقاظه ، ودفعته برفق إلى الخارج، ليمارس هوايته المعتادة في الالتصاق بأحذية وملابس وأجساد المارة .. لكنّه يعود دائماً ليتمدّد بكسل في هذه الأروقة والدّهاليز ..
كلّما تأمّلت حركة وسكون هذا التّراب الّذي يحتلّ منزلي وينكّد معيشتي ، أستدرك كيف أنّه من الصّعب إلقاء القبض على مشاعر البشر والتّحكّم في ومضاتها وسكناتها ، أو حتّى مجرد إصدار الأحكام بشأنها .. أولسنا من تراب !؟
بالسّرعة المعتادة تمرّ المكنسة ذهاباً وإياباً في أرجاء المنزل . تعود بعدها لتستلقي خلف الباب كحارس كسول في مكانها المعتاد..وأذهب أنا صوب الفناء الخلفيّ للدّار فألقي تحيّتي الصّباحية المعتادة على الدّجاج والأغنام ، وفي طريقي أربت على جذع شجرة الزّيتون .. لماذا أفعل ذلك ؟
هل أحاول إيقاظها أم كسرها؟ (ألواح الخشب لا تكسر، وحدها الأرواح قابلة للكسر).
يبدو كلّ شيء من حولي في حركة دؤوبة ماعداي .. اخترت الرّتابة أم هي من اختارني!؟ بالواقع لا أعلم.. فكلّ شيء بداخلي ثابت ، ثبات أهرامات الفراعنة.. و الزمن وحده يزحف على جسدي من الخارج ،عابثاً بأنوثتي الرّابضة خلف حطام السّنين ، صانعاً نتوءات شحميّة في عدّة مواضع حسّاسة ؛ وأخرى ليست ذات أهميّة قياساً بنظرة الرّجل.!
كلّ شيء أقوم به هنا، أفعله على وجه الاعتياد، وبطريقة آلية .. مثلما يحدث كلّ شيء في هذه القرية على وجه الاعتياد و برتابة مملّة ..
الأحداث الخارقة للعادة التي تنتشر في سماء قريتنا بقدر السرعة نفسها التي تنتشر بها رائحة (اللّحمة ) الّتي تشوى أوّل جمعة من كلّ شهر في بيت الشّيخ ..
حدثان إضافيّان لجمعة الشّيخ .. ميلاد أحدهم أو وفاة آخر ..
Ôبعض العادات حين يصادف تكرارها لامرأة مثلي ، يمكن عدّها نوعاً من أنواع التّرف. ولكنّها لاتحدث إلّا في خيالي.
Ôكلّما أمالت الشّمس رأسها خلف ذاك التّل أرسلت بصري في مداه إلى سفح الواديّ حيث تلوح من هناك خيالات رجال آيبين متوشّحين معاولهم .وذاك خياله. خيال الرّجل الّذي لا أفتأ أسأل نفسي كم عاما مضى وأنا برفقته أحاول جاهدة أن أعلّم ذاكرتي التقاط بعض ملامحه ، وأدرّب مسامات جلدي على إلقاء القبض على بعض أنفاسه الشّاردة حين يجود بها ، وأحنّط ملابسي كلما حظيت بشيء من عطره أو عرقه ..
كم عاما مضى وأنا أرتّب صباحاتي وأعيد صياغة أبجديّاتها بما تمليه عليّ اللّحظة ؟ وأدير ظهري لمساءاتي كلّما ألّحت عليّ بسؤال الحاجة .
كم عاما مضى منذ أنطفأت قناديل مسائي، وعلّقت رغباتي على مشجب الأمل حتّى بليت !؟ فبتّ أعرض عنها كلّما صادف أن أشيح بصري صوبها ..

لمَ أحاولُ جاهدةً حصر تلك الأعوام ؟ هو عمر و كفى. عمر منذ أن اقتناني ذاك الرّجل كما لو كنت زينة إلى منزله .. الفرق الوحيد أنّي كنت كائنا حيّا يتحرّك ولا ينكفّ يذكّره بعجزه الحقيقيّ، الّذي لا يستطيع أيّ رجل احتماله. ذاك الكائن الّذي أتى به ذات مساء تحت كومة ملابس و مساحيق باتت اليوم أسوء كوابيسه ، وأيّ كابوس أسوء من اقتران عجز رجل بأنوثة امرأة تفتّحت للتّو..
- ظلّت أمّي توسوس لي قائلة:
"ظلّ رجل ولا ظلّ جدار" . فوجدت نفسي ذاك المساء أومئ برأسي لأبي بالقبول، رأيته حينها مثل قشة في بحيرة مبهمة الحدود ، فمنّيت نفسي بالنّجاة قبل الأفول . هاربة كنت من شبحان ظلّا يطاردانني ردحاً من العمر ؛ شبح العنوسة الذي رأيته يلقي القبض على أختي ، وشبح آخر كان ينقضّ علينا جميعاً بين الفينة و الأخرى ، هو شبح العوز والفاقة .
كانت أمنيتي أن أغادر دارنا إلى أيّ مكان لا يهمّ أين.. فأيّ مكان على وجه البسيطة لن يكون أكثر سوء من تلك الهوة السّحيقة.
لم أكن أدرك أنّني كنت تمام كما أخبرتني تلك العنكبوت هذا الصّباح؛ أقفز من شرك إلى آخر، بوعي أو بدونه ، أيّ لذّة تلك الّتي أجدها في القيام بدور الضّحية ! مازلت أتساءل..
حين كفّ عن محاولاته وخرج من هذا الباب تاركاً أيّاه مفتوحاً لشيطان الشّكّ ، الّذي دلف يغرس خنجره في خاصرة منزلي . و يستدعى ذويه و أبناء عمومته فظلّوا يعزفون ألحانهم و يمارسون الرّقص فوق ذاك الرّأس الأقرع في غفلة منّي ..
كنت معرّجة ما بين السّقف والعنكبوت ، المكنسة والتّراب ، جذع شجرة الزّيتون ولحمة الشّيخ ، صوت أمّي والحرائق الّتي يشعلها أبي كلّما نفذ عتاده من لفافات التّبغ ، الحائط والظّلّ ، عجز زوجي ونظرات الشّكّ والارتياب ، مشجب الأمل الّذي ينوء بثقل رغباتي وشبح مستجد تلوح بعض ملامحه في الأفق ..
معرجة ما بيني وبيني حيث لا سماء ، ولا بحر ، ولا بر ، ولا أفق في مداي .. وفي رحلة البحث عن بعضي فقدت نصفي الآخر .. وعدت من رحلتي خاوية ؛ جسدا بلا روح بات من السّهل أن تطاله أنامل العابثين ..
الشّكّ وحده قصم ظهر صبري الّذي لم يتمخض سوى عن صقيع يجوب أعماقي ، ولم يفرّخ غير أحزان جرّها ذيل ثوبي ذات مساء وأنا عائدة إلى مسقط رأس وجعي وخيباتي ..
- لماذا..؟ سألت أمّي
- فأجابت دموعي بفصاحتها المعتادة . وبقيت أنا ألوك عاميّتي بتمتمة يتردّد صداها في أعماقي حتّى اللّحظة :
عدت لأنّي لم أجد الجدار والظّلّ الموعود . كلّ ما وجدته هناك : ظلّاً مشوّهاً.



وجدان الشّاذلي
26/10/2013 م


الساعة الآن 12:07 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
إستضافة و تطوير براقما

Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

كل مايطرح في المنتدى مسؤلية الكاتب فقط وليست للإدارة أية مسؤلية