منتديات منابع الأدبية

منتديات منابع الأدبية (http://www.manab3.com/vb/index.php)
-   يحكـى آنـ (http://www.manab3.com/vb/forumdisplay.php?f=27)
-   -   فجور - قصة - نزار ب. الزين (http://www.manab3.com/vb/showthread.php?t=7114)

نزار ب. الزين 02-04-2008 05:09 AM

فجور - قصة - نزار ب. الزين
 
فجور
قصة
نزار ب. الزين*


كانوا جيرانا ، يحيّون بعضهم بعضا عن بعد ، ثم يمضي كل إلى سبيله ..
كانوا جميعا يسكنون في منزل واحد ذي ساحة كبيرة ، تلتف حولها غرف الساكنين ، لكل أسرة من الأسر الأربع غرفة واحدة ، فلم يكن في ذلك البلد حديث النهضة ، مساكن تكفي هذا الفيضان الدافق من العمالة العربية و غير العربية ..
كان في المنزل حمّام واحد يحتوي على مرحاض واحد ، ففي الصباحات الباكرة ، و قبيل توجههم إلى أعمالهم ، كانوا يصطفون في طابور لقضاء حاجاتهم البيولوجية ، أما النساء فكن أقدر على ضبط أنفسهن ريثما يتحرك رجالهن إلى أعمالهم ، ثم يبدأ طابورهن ، ليتكرر المشهد المضحك المبكي ..
و كان في المنزل مطبخ واحد ، تتناوب النساء على استخدامه ، فكان سببا لكثير من المشادات بينهن بداية ، و لكن أخذن مع الوقت يتآلفن ، ثم توطدت الصلات بينهن ، ثم انتقلت عدوى الإلفة إلى الرجال بالتدريج .
و ما كاد منتصف السنة الأولى يمضي حتى أصبح القاطنون أشبه بعائلة كبيرة ؛ ففي الأمسيات كان الرجال يتحلقون حول لاعبي النرد ( طاولة الزهر ) بين مشجع و متدخل و ناصح ، و النساء يتحلقن في الطرف الآخر في حوارات تكاد لا تنتهي ..
و ما أن أتي شهر نيسان ( ابريل ) حتى تحول البلد كله إلى أتون حارق يشوي الأبدان و الأذهان ، لتصبح مروحة السقف ، و هي أداة التهوية الوحيدة في ذلك الحين ، بلا قيمة ..
في النهار كانت ميساء زوجة الأستاذ بشير ترش الماء من حين لآخر على أرضية الغرفة و جدرانها ، و فوق السرير بفراشه و ملاءاته ، لتتمكن من اجتياز فترة الأوج بين الظهيرة و العصر ، أما في المساء و بعد انتهاء السهرة ، كانت ميساء- كما تفعل جاراتها ، تعلق ملاءات السرير على حبال الغسيل فتشكل منها حاجزا ، يسمح لها و لزوجها و طفلها الرضيع أن يناموا في الخلاء ، طلبا لنسمات الليل الأرحم نسبيا .
و لكن في موسم العواصف الرملية ، كانوا يحرمون حتى من هذه النعمة ...
*****
في أواخر العام الدراسي أعلنت وزارة المعارف أنها ستفتتح في ثلاث مدارس نوادٍ صيفية تجريبية ، تمارس فيها مختلف الأنشطة الرياضية و الثقافية ، و تهدف إلى إشغال أوقات فراغ طلاب المدارس بما ينفعهم و ينمي مواهبهم .
فتقدم الأستاذ بشير للعمل في هذه النوادي مع من تقدموا ، و لم تمضِ أيام قليلة حتى جاءه ما يشير إلى قبوله .
كان القيظ قد بلغ مداه ، فأشفق على زوجته و ابنه ، فقرر سفرهما إلى الوطن .
ثم سافر جيرانه ، الأسرة بعد الأسرة ، فلم يبقَ سواه ، و جاره ثمان النجار و عروسه منوَّر اللذان يقطنان في الغرفة المقابلة في أقصى ساحة الدار ،
عانى الأستاذ بشير مشقة فراق زوجته و ابنه ،
ثم ..
عانى مشقة الوحدة التي لم يعتد عليها ،
ثم ..
عانى من نظام الورديات المتبع في تلك النوادي ،
ثم ...
عانى من تجاوزات بعض الطلبة كبار السن ،
ثم ..
بدأ يعاني من مداخلات عروس جاره منوَّر التي فرضت عليه نفسها :
" إعطني مفتاح غرفتك لأنظفها لك "
" أحضر لي زوجا من الحمام لأطهوهما لك "
" اترك لي ملابسك المتسخة لأغسلها لك "
و بكل لطف كان يحاول التملص من اندفاعها لخدمته :
- يا أختي الكريمة شكرا للطفك و إنسانيتك ، لديَّ أوقات كثيرة للراحة بوسعي خلالها القيام بكل شؤوني المنزلية ..
- يا أختي الفاضلة لا تتعبي نفسك أرجوك ..
و لكنها كانت تصر و تصر و تصر ، فكان يخجل من صدها بغِلظة ؛ و رويدا رويدا أخذ يتقبل منها جمائلها الكثيرة ، و ابتدأ في اعتبارها أختا كريمة ..أو هكذا تراءى له ..
*****
في كل ثالث يوم حيث تكون استراحته في الفترة الصباحية ، كان يحلو له تناول فطوره في الهواء الطلق هروبا من جو غرفته الخانق ، فما أن تراه منوَّر ، حتى تهرع لمجالسته و بيدها دلة القهوة أو إبريق الشاي ..
كانت في البداية تسأله عن طبيعة عمله في النوادي الصيفية .
ثم ..
أخذت تبوح بمشاعرها تجاه زوجها المفروض عليها ،
ثم ...
بدأت تطرح عليه أسئلة حول علاقته بزوجته ،
ثم....
تجرأت – ذات مرة – فسألته عن علاقته الجنسية بزوجته ، فأرتج عليه ، و اشتعل وجهه خجلا ،
ثم.....
انسحب متوجها إلى الحمام بحجة قضاء حاجة ..
ثم ......
أخذ يتهرب منها و من مجالستها ، فكانت تقرع باب غرفته ملحة : " الساعة تجاوزت الثامنة و لا زلت نائما يا بشير ، إنهض يا كسول ، فقد أحضرت لك الشاي و سيبرد إن تأخرت "
و تستمر تقرع و تقرع ، حتى يضطر محرجا لفتح الباب ليجدها و قد أعدت ما لذ و طاب ..
و ذات يوم عاد من ورديته الصباحية و قد أنهكته وطأة الحر الشديد ، فما أن فتح باب غرفته ، حتى وجد منوَّر بمباذلها الشفافة منبطحة على سريره متظاهرة بالنوم .
- ماذا تفعلين هنا يا منوّر ؟
سألها بمزيج من الدهشة و الغضب ، فأجابته :
- المروحة في غرفتي تعطلت ..
فرد عليها – للمرة الأولى – بغلظة :
أرجوك غادري غرفتي حالا !..
اصفر وجهها و ارتعشت شفتاها ، ثم أجابته :
- أتطردني يا بشير ، بعد كل ما فعلته من أجلك ؟
ثم انصرفت و هي تردد :
" صدق من قال ، خيرا تفمل شرا تلقى "
*****
كانت ورديته المسائية قد انتهت لتوها ، عندما عاد حوالي الساعة الحادية عشرة ليلا منهكا ، أدخل المفتاح في قفل باب الدار ثم دفعه كعادته و لكن الباب أبى أن يُفتح ، و بعد عدة محاولات فاشلة ، أخذ يقرع الباب ، و لكن لات من مجيب ، اخذ يدفعه بكلتا يديه ، عندئذ خرج له صاحب الملك من داره غاضبا : " مهلا يا أستاذ ، أنت تكاد تخلع الباب ! " قال له ناهرا ، فأجابه بشير : " اعذرني يا أخي ، فقد عدت لتوي من عملي متعبا و بحاجة ماسة للنوم ، و لكن يبدو أن أحدا ما قد أقفل الرتاج من الداخل " ، فأجابه المالك متسائلا : " ألا تعلم أن للدار بابا آخر ؟ على أي حال هناك مفاجأة بانتظارك ! "
تذكر بشير أن للدار بابا آخرا يطل على الشارع الموازي ، و لكنه أخذ يتساءل في سره " أية مفاجأة في انتظاري ؟ " ، بلغ الباب ، قرعه ، و بسرعة غير متوقعة ، فتح له جاره الباب .
- مساء الخير ، أخي عثمان ، لا تؤاخني أزعجتك ، و لكن الباب الآخر كان مقفولا من الداخل .
فأجابه هذا بجفاء :
- أنا من قفله ، ثم من أين سيأتي الخير بوجودك يا محترم ؟ على أي حال ادخل إلى غرفتي فلي معك حساب ، و فتح باب الغرفة .
و كم كانت دهشته كبيرة ، عندما وجدها ملأى بالرجال ، عرف بعضهم و جهل الآخرين ، و في أقصى زاوية قبعت منوَّر و معها امرأتان ...
- السلام عليكم !!
قالها مرتبكا ، و لكن أحدا لم يرد عليه السلام !
و ابتدأ – من ثم - سيل التأنيب :
- أنت لم تراعِ للجيرة حرمتها ..
- أنت مربي يا أستاذ ؟ بل أنت من المفسدين في الأرض ،
- حرام أن تبقى في سلك التعليم يا أستاذ ...
هنا ، صاح عثمان بعصبية :
- أنا جدع !.. و لا أسمح لأحد أن يتحرش بزوجتي ! و لولا أن صبرني أولاد الحلال هؤلاء ، لذبحتك ذبح النعاج !
و تكاثرت الأصوات المنددة ، و بشير صامت يكاد يتفجر حنقا و غيظا ، فقد كان يخشى أن يبوح بحقيقة ما جرى ، فيكون سببا في خراب بيت هذه اللعينة من ناحية ، و في الوقت نفسه يأبى أن يمس أحد سمعته ، و هو الحريص عليها كل الحرص ؛ و لكن عندما أمره أحد الحاضرين أن عليه أن يرحل من الدار خلال اربع و عشرين ساعة ، استفزه ذلك فخاطب الحضور بما يشبه الصياح :
- كل ما سمعتموه من هذه السيدة و زوجها كذب في كذب !!!
اسألوها من تحرش بمن ؟
اسالوها من فرض نفسه على من ؟
اسألوها من كان يخدم من ، و من كان يطهو لمن ؟
اسألوها من كان يهرع لمجالسة من ؟
ثم وجه كلامه إلى زوجها :
كيف لي أن أعرف ملابسات زواجها القسري منك يا سيد عثمان ؟
كيف لي أن أعرف أنها كانت تحب زميلها في الثانوية و أن والدها عندما علم عاقبها أشرس عقاب ، ثم منعها من إتمام تعليمها ؟
هل كنت معكم يوم أرغمها والدها على الزواج منك ؟
هل كنت معكم حين حاولت الهرب ليلة زفافها منك ؟
وقبل أن يلقي بقنبلته المدوية ، دخل مالك الدار، و قبل أن يلقي بالسلام ، قال يلهجة الواثق مما يقول :
= أشهد أن الأستاذ بشير إنسان شريف .
أشهد أن هذه الحرمة – و أشار نحو منوَّر- هي التي كانت تتحرش بالأستاذ و تتودد إليه .
زوجتاي كلاهما ، كانتا تصغيان إلى ما يدور من حديث بينها و بين الأستاذ من وراء الجدار الفاصل بين دارينا ، و تعلماني به أولا بأول ..
من يجب عليه مغادرة هذه الدار ، هو عثمان و زوجته ..
ثم التفت نحو عثمان منذرا :
= يا سيد عثمان ، عليك أن تسلمني مفتاح غرفتك في آخر هذا الشهر .
ثم انصرف ، و ما لبث الحاضرون أن بدؤوا ينسحبون الواحد إثر الآخر ..
*****
منذ صبيحة اليوم التالي ـ توجه بشير إلى مكتب البريد ليرسل إلى زوجته برقية من كلمتين : " إرجعي حالا "
============================
*نزار بهاء الدين الزين
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
عضو الجمعية الدولية للمترجمين و اللغويين العرب ArabWata
الموقع : www.FreeArabi.com
البريد : nizar_zain@yahoo.com

لون الثلج 02-04-2008 01:56 PM

:




نزار بهاء الدين الزين



من جد أستمتعت بقرأت نصك..

يعطيك العافيه ..لاتحرمنا جديدك وابدااعك

إح ــترامي


.

نزار ب. الزين 08-04-2008 01:52 AM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة لون الثلج (المشاركة 120877)
:
نزار بهاء الدين الزين

من جد أستمتعت بقرأت نصك..
يعطيك العافيه ..لاتحرمنا جديدك وابدااعك
إحـترامي
.

أخي أو أختي لون الثلج
شكرا لمرورك و لثنائك الدافئ
مع خالص المودة
نزار

زين شمر 15-04-2008 06:15 AM

قصه جميلاه جدا استمتعت بقرائتها
يعطيك العافيه وفعلا انا كيدنا لعظيم

نزار ب. الزين 18-04-2008 05:51 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة زين شمر (المشاركة 123303)
قصه جميلاه جدا استمتعت بقرائتها
يعطيك العافيه وفعلا انا كيدنا لعظيم

===========
شكرا يا زين لمرورك
أسعدني استمتاعك بالقصة
نزار

مازن الطباع 18-04-2008 05:58 PM

نزار ب زين
قلم مبدع وقصه بغايه الروعه
انتظر كل جديدك بشوق
تقبل مروري المتواضع
تحيااااتي

مزون المحمد 20-04-2008 05:00 AM



إذا لم تستحي فأفعل ماشئت .. وهذه المرأة ينطبق عليها هذا القول

لاحول ولاقوة إلا بالله .. بالفعل فجور ولكن لايقع إلا على أهله

.
.
لاهنت أخي نزار ,, ألف شكر لحضورك الكريم




فهد الدباسي 20-04-2008 04:06 PM

نزار ب الدين

حضورٌ لافت و قلمٌ أنيق
قصةٌ جميلة
و وقعها على النفس مميز


تقبل تحياتي

نزار ب. الزين 24-04-2008 10:32 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة مازن الطباع (المشاركة 123726)
نزار ب زين
قلم مبدع وقصه بغايه الروعه
انتظر كل جديدك بشوق
تقبل مروري المتواضع
تحيااااتي

[a7la1=FFFF00]
================
أخي الكريم مازن
شكرا لمرورك و لإطرائك الدافئ
مع خالص الود
نزار
[/a7la1]

نزار ب. الزين 24-04-2008 10:35 PM

اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة فهد الدباسي (المشاركة 124235)
نزار ب الدين
حضورٌ لافت و قلمٌ أنيق
قصةٌ جميلة
و وقعها على النفس مميز
تقبل تحياتي

[a7la1=FFCCFF]
********
الأخ المكرم فهد الدباسي
شكرا لمشاركتك و ثنائك العاطر
عميق مودتي
نزار
[/a7la1]


الساعة الآن 03:30 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
إستضافة و تطوير براقما

Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

كل مايطرح في المنتدى مسؤلية الكاتب فقط وليست للإدارة أية مسؤلية