![]() |
وجه صغير فى نافذة
كنت معتادا_ و أنا طفل_ أن أشب على قدمي و أضغط وجهي في نافذةحانوت عم فرغلى . تدور عيناى كل صباح في الداخل , كأنني أطمئن أن كل شئ لا زال مبعثرا ! الفوضى المهيمنة على المكان تمنحه رهبة وجدتها حين كبرت في المتاحف , و غرف حفظ السجلات و محلات الكتب القديمة . قد يكون عم فرغلى وحيداساهما في كرسيه يحدق تحت رجليه. غارقا في كرسيه الخشبي, يملؤه تماما و يريح ذراعيه الطويلين على المسندين . و ربما أجده مشغولا بالزبائنيوقفهم في الركن كالمتهمين , لا يعبأ بسيقانهم المقوسة و نظراتهمالتي يحسدونه بها على الأعضاء المستريحة. ينكب على جهاز الراديوالأخرس و تبطئ الحياة دورتها . في كل مرة يشم أنفاسي بعدمدة لا تتغير , و يصيح بصوته الرفيع الذي يشبه صوت طفل يستغيث بأمه : - امش يا ولد العب بعيد. أهبط و أبدأ يومي فيما احتفظ بالأحداث القصيرةالممتعة داخل الدكان المحندق و الأرضية المكتظة بالأسلاك الملونة و السماعات والمكثفات , و استرجع الصيحة المضحكة الصادرة من بطن عال محشور في قميص مخطط ، ضائع إلى ثلثيه في قلب بنطال غول. دخلت الدكانمرة مع أبى . حصرنا في الركن, حدقت في وجهه , كان مستديرا ولامعا كالفطيرة الطرية , بينما تثبت عيناه العسليتان الصغيرتان كعيني الدمى في بطن الجهاز لا تكادان ترمشان. انهمك يضم الأسلاك . لم يفطن إلى زائره اليومي الذي يزجره , و ظليلحمها بالمكواة الموضوعة فوق موقد يئز على المنضدة و لا يخبو طول اليوم. ينبعث منالراديو الميت صوت مفاجئ مرتبك ينزع الابتسامة من أبى الذي اطمأن لإمكانيةإعادة الحياة إلى رفيقه المغشي عليه منذ أيام. يعاود الكي بعدما سكت الصوت ثانية , في هذه المرةيسيل هادئا كماء الجدول و يناوله لأبى في ثقة وهو يقول : - ثلاثة جنيهات. قال أبى وهويضبط المحطة : - غريب طيب جاء بلدنا لأكل العيش. لم أفهم هل أحبه من أجل ذلك ؟ و لمأسأل . ذات صباح شببت و ضغطت وجهي في النافذة . ثمة شئ أضيف إلى الفوضى . إنها امرأة تجاهد لتمسك بالشباب. تجلس على المقعد الخشبي لكنها لا تملؤه مثل عمفرغلى , لعلها المرة الأولى التي أرى فيها مساحة خالية في المقعد 0 ذراعاها لميكونا فوق المسندين بل تحركتا مع كوعيها في دائرة واسعة و توافقت الحركة مع الكلماتالسريعة المتدفقة من فمها. وقفت فرأيت فستانها الأخضر كلهكان منقوشا بالورود الصفراء الصغيرة. فوق المنضدة و بجوار الموقد المشتعل وضعتحقيبتها , و بين لحظة و أخرى تمسكها و تفركها بيديها ثم تعيدها و تزيح الموقد حتىأصبحت إحدى رجليه على الحافة . اقترب عم فرغلى و عدل وضعه لكنها بعد لحظة أزاحتهفوقف معلق البصر بالرجل التي كادت تنزلق و بدا متأهبا ليلحقها. لا زال في مكان الزبائن يجرب عذابهم و المرأة تحولت من العتاب إلى التهديد ! تقف و تشير إشارات غامضة فيطلب منها الجلوس و يهمس بكلمات غير مسموعة و يرضيهابابتسامة نادرة لم أعثر عليها طيلة عشرتي له! الابتسامة تجرى في فطيرته الطريةمع الإحراج و القلق فتصطبغ يلون الدم . جاء صاحب العصارة بكوب من عصير القصب , أزاحني بحافة الصينية كشئ زائد فلم يشعر عم فرغلى بي حتى الآن! تناول الكوب دوننظرة , قدمه لها فارتعش في يدها و ألقى بعضا مما فيه. أخذه منها لكنه لم يجد مكاناخاليا له , بدا متحيرا و ظننت أنه سيلقى به في وجهي’ لكنه تحرك قليلا ووضعه علىالأرض وسط النفايات . اهتز الكوب فوق البقعة الحدباء و ألقى أيضا بعضا ممافيه. صوتها الآن جذب المارة فتطلعوا من فوق رأسي . تخبط الحقيبة و تزحف رجلالموقد نحو الهاوية و يسرع هو فيعيدها . العصير الذي انسكب نصفه صار أسود و فقدلونه الأخضر. و فطيرة عم فرغلى اختفت معالمها و أصبحت كتلة عجين شائهة . كنت فرحا بالموقف و فرحا بانشغاله عنى و فرحا برائحة البرتقال التي تخرج منالمرأة و تصدم أنفى و تدخل إلى روحي . أحس بي أخيرا و أطلق الصيحة : -امش يا ولد العببعيد. نظرت إلي كأنها اكتشفتني . خفضت صوتها و سوت الفستان و أخذت الحقيبة و رمقت بقايا العصير ثم قالت في حنان : - تعالى ادخل يا حبيبي . خفت و ظللت معلقا و حائرا ، أخرجت قطعة حلوى و اقتربت . أخذتها و لم أستجب لإشارتها بالدخول و جريت . طول اليوم أتنفس زهر البرتقال و يسرى طعم الحلوىفي جسدي . رأيتها في الحلم ، كانت تجلس بجانبي على المقعد ذي المسندين و أخذت منهاحلوى كثيرة . في الصباح كان عم فرغلى في مقعده يملؤه تماما , ذراعاه فوق المسندين ، و بطنه المحشو يعلو و يهبط مع أزيز الموقد . بقايا العصير على الأرض لم يزلها ، ورائحة البرتقال تعشش في المكان . رآني على الفور ، سأستعد للانزلاق و الجري . هه سيصيح : _ امش يا ولد العب بعيد . لكنه ابتسم لي مثل ابتسامة الأ مس ، و بدأالدم يغزو الوجه والرقبة. رفع عينيه و قال فجأة : - تعاليا حبيبي ادخل . كان صوته هادئا و مملوءا , و خال من الاهتزازات المضحكة ، و مع ذلك تركتقدمي يهبطان ، أطلقت ساقي للريح , و لم أعد مرة أخرى. |
أستأذنا الكريم والقدير / سمير المنزلاوي
صباحك وردٌ ربيعيٌ طائفي وأهلا بك وبأسلوبك القصصي العذب الآخاذ وما أجمل مصر وذكريات مصر قصة أكثر من رائعة حملت لنا شيئا ً من عبق الماضي الجميل فرحم الله أيام زمان ورحم الله أيام حانوت العم ( فرغلي ) شكرا ً لك أستاذنا القدير وفي انتظار جديدك الذي سنشتاق له حتما ً وتقبل فائق احترامي وتقديري |
القدير/ سمير المنزلاوي
الفـ.. شكر... قصه اكثر من رائعه تقبل فائق الاحترام والتقدير |
| الساعة الآن 08:49 AM |
Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026
