الفصل الخامس
حقائق صادمة
.... و تذكّرته . أجل، هو الوحيد الذي خطر على بالي في تلك اللّحظة . سارعت نحو الهاتف ، و بأصابع مرتجفة و أوصال مرتعدة ضغطت الأرقام، و انتظرت قليلا. و أوّل ما سمعت صوته قلت:" أريد التحدث إليك الآن ، أنتظرك أمام المحكمة."
و أقفلت الخطّ دون أن أنتظر جوابا ، و أسرعت إلى الغرفة أعيد كلّ شيء لمكانه ،ثمّ جهّزت نفسي بسرعة و خرجت أمشي في الطريق كأنني أسير فيه لأوّل مرّة، لا شيء من حولي ، لا أرى شيئا. الطريق خالية و الأصوات شاحبة و الشمس تؤذي عينيّ ، و أنا أسير و كأنني مبرمجة أو مسيّرة .
و فجأة ، سمعت صوتا يناديني إنه صوته، استدرت و نظرت كأنني أبحث في فراغ. و إذا به يبتسم و يقول:" لماذا كلّ هذا الشرود و الشحوب؟ هل أنت بخير؟".
"أيمكن أن نتمشى قليلا ، سأخبرك بكلّ شيء."
" طيب ، تفضلي ، لقد أقلقتني نبرات صوتك في الهاتف . ماذا هناك ؟ يبدو الموضوع هامّا."
حينها سكتت ، عجزت عن الكلام. إذا كنت أنا نفسي لا أفهم شيئا ، ماذا سأقول و كيف سأبدأ.
"لماذا سكتتي ؟ أنا أسمعك...."
" اليوم....... اليوم........."
"مم..... ماذا؟اليوم ماذا؟....."
" فكّرت ماذا سأفعل إن رفضوني ، أقصد إن رفضوا طلبي البقاء كقاضية بهذه المحكمة؟."
"و هل يستحقّ هذا كلّ القلق الذي في عينيك ؟ و كلّ هذا الارتباك الذي يهزّك بوضوح.؟"
" طبعا، طبعا، أليس مستقبلي؟"
"لا تقلقي ، خير إن شاء الله ، دعي أملك بالله كبير. و عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم. ثم أنا إلى جانبك. إن احتجت لأيّ شيء ، أنا جاهز."
" شكرا...
" هذا واجبي ، لا تشكري صديقا على أبسط واجب يقدّمه."
"إذن سأذهب أنا الآن..."
"بهذه السّرعة ، ألم تقولي تودّين أن تتمشي."
" إيه، صحيح ، لنذهب على الواجهة البحرية."
و واصلنا السّير و كلّ منّا ساكت ، أمّا أنا فلم أكن صامتة بداخلي، بل كنت أغلي و أكاد أنفجر مثل البركان . ما هذا الذي قلته؟ لٍم لم أتحدث عن مشكلتي الحقيقية؟ أنا لم أقل ما أتيت من أجله ، أنا أخفي الآن ما يكدّرني. أليس صديقي الذي أثق به ، فلم لا أخبره؟
ربّما لأنني أخشى أن يصغر مقامي في نظره ، ربما لأنني أخجل من أن أتحدث عن اعتدائي على خصوصيات والدي.
لا ليس هذا هو السبب. هناك شيء آخر منعني من أن أبوح . كالعادة ،أنا لا أعرف. شيء آخر ينضاف إلى قائمة الأشياء التي تحيرني.
و سمعته يسعل ، إنه ينبّهني لوجوده. أنا أفهم عليه جيّدا ، أحفظ كلّ حركاته الآن سينظر إليّ بطرف عينه ، سيسألني إن كنت أريد شرب عصير في تلك الكافيتيريا ، سيقول أنه ليس مطمئنّا لحالتي ، أنني لست بخير ، أنه يشعر بي و يفهمني.
" ما رأيك في كوب عصير ،سيهدأ أعصابك، تبدين متوتّرة ، هذا واضح."
" أنا بخير ، إنه ضغط العمل فقط."
"بل أنا أعرفك. إنه توتر بسبب دراسة ملف نقلك. و إن كنت أحسّ بشيء آخر ، لأننا سبق و تناقشنا في هذا الموضوع و كنتٍ أقلّ توتّرا."
" موعد تقرير مصير طلبي اقترب و لذلك أنا متوتّرة."
و واصلنا السير ، و شربنا العصير ، و بذل هو جهدا لا ينكر في إضحاكي و في الترفيه عنّي ، فأضحكني رغما عني ، و نسيت جزءا من همّي.
ثم عدت إلى البيت بعدما ودّعته ، لم أحسّ بالوقت معه، نسيت كلّ شيء، حقا إنه لطيف معي ، على الأقلّ هناك من يسمعني و يحترم مشاعري و يساعدني.
كيف سأواجه الآن من في البيت و قد عرفت جزءا من الحقيقة؟.... هناك التباس في ذكرى مولدي عليّ معرفته ، و هناك ذئب عليّ الحذر منه . لكن هل يمكن أن يكون أبي ، ذلك القلب الطيب ، ذلك الذي طالما دافع عنّي.
" هنا لم تستطع محدّثتي إمساك عبراتها التي جعلت عينيها أشبه بمنبع ماء صاف رقراق يسيل على طرفي خدّيها في هدوء ."
"" اعذريني يا ابنتي إنّ البكاء يطهّر جرح الماضي و كلّ جرح في هذه الدّنيا رغم أنه لا يداويه و لكن يريح ."
دخلت البيت و أنا متوترة للغاية. لم أستطع اصطناع تلك الابتسامات الكاذبة و لا إخفاء دموع حبيسة.
لا يوجد أشياء يمكن أن نطلق عليها اسم أسرار ، مادام كلّ شيء يفتضح في النهاية. هكذا أصبحت أرى أنّ الأمور لها وقت يأذن فيه الله بالكشف عنها فقط. لا وجود للأسرار الأبديّة. تأكّد لي ذلك حين رأيت أمي و نظرت في عينيّ و سألتني عن سبب قلقي و اضطرابي، لم أجبها بل بقيت أنظر إليها و أبكي، وهي تستغرب سبب بكائي.
و لاحظت في عينيها كتابا مفتوحا تتساءل صفحاته عمّ إذا كان سبب اضطرابي اكتشافي لشيء ما من الموضوع الذي تخفيه. كان باديا بوضوح أنّها تريد أن تقول : هل سمعت كلّ شيء؟ هل عرفت شيئا؟
و لكنها قالت بهدوء مفتعل:" كلّ شيء يمكن أن نتعامل معه بعقلانيّة و هدوء ، تعالي و احكي لأمّك ، أو اعتبريني صديقتك و أفرغي ما لديك. على كلّ لن أرغمك على شيء . أنا في غرفتي إن أردت التحدث ."
تبعتها إلى الغرفة و أنا أقول في نفسي:" أنا التي يجب أن أكون الصديقة التي تعترفين أمامها بكلّ شيء ، أنا من يطلب الإجابات ، أنا لا أخفي الأسرار ، بل أنت ، هاتي ما لديكي ، و اعترفي . اليوم سأنهي عذابي أو أبتدئه أنا من تطلب تفسيرات أنا...."
ثم نظرت إليها و قلت:" أيّ الفتاتين هي أنا.؟"
و لا تسأليني عن وجهها، لأنني أعجز عن وصف هول كلماتي ووقعها في نفسها ، و لكنّها قالت :" عمّ تتحدّثين ؟ أيّ فتاتين؟"
"_ أمي ، و الله لا أعرف حتى إن كان من حقي أن أناديك أمي "
"_ أكيد ، أنت ابنتي ، ما بك؟ ما هذه التخاريف هل جننت ؟"
" _ لو لم تكن هناك أوراق تقول العكس ، لفكّرت أنني قد أكون مصابة بهوس أو لا أعرف ماذا بالضّبط."
"_أوراق ماذا هذه التي تتحدثين عنها؟ أنا لا أفهم شيئا."
"_ لا فائدة من إخفاء الأمر ، لم يعد سرّا ، هيّا لماذا لا تعترفين ؟ قولي لي ، لا أريد أن أصاب بالجنون ، من هذه الحيرة القاتلة . أرجو كي ، ماذا فعلت حتى أستحق هذا؟"
و انتابتني هستيريا بكاء ، ثم بكاء ، فنواح حدّ الإغماء . و أفقت أخيرا في فراشي ، و أمي بجانبي تبكي في هدوء ، فتحت عيني و كأنني كنت في حلم ، بل تمنّيت لو كان كذلك.
و هاهي تقول:" لا تتوتري و لا تحزني ، فأنت حقا ابنتي . و سأخبرك بما تودين معرفته، لكن يجب أن يبقى هذا سرّا بيننا ، أنا و أنت ، و يجب أن تعديني بأنك ستواصلين العيش كما كنت سابقا، كأنّك تجهلين الأمر، لا أريد أن أخسرك مرتين أمام عينيّ ، أرجوك يا ابنتي ."
و أومأن برأسي كأنني أعدها ، أو أطمئنها ، لكنني لم أقل كلمة و لا نبست بحرف ، فقط كنت استمع و احبس أنفاسي حتى لا أقطع حديثها. و قالت :"من أين تودينني أن أبدأ ، الحكاية طويلة لكنني سأختصر: أنا ولدت في عائلة محافظة ، لكن تهتم كذلك بالمظاهر كثيرا ، و كبرت و كبرت معي أحلامي كأي صبيّة شابة يافعة في سن الزواج. و أحببت كما تحبّ كلّ الفتيات شابا كان أول حب في حياتي و أول سعدي كذلك. كنت سعيدة بخطبتي له.لكن الله يشاء أن يتوفى في حادث سير ، فأعيش أياما سوداء من الحزن و قلبي يتمزق أسى على فقدان أمله في الحياة.
و لم يمض أكثر من شهرين على وفاة خاطبي ، ليتقدّم لي صديقه ، الشاب الغني ابن الأكابر الذي لا يمكن لأهلي أن يرفضوه. فهو الفرصة التي لا تعوّض و مطمح كلّ فتاة . كان هذا والدك.
رفضت في البداية . و أصرّيت على قراري لكن أهلي ضغطوا علي و أرغموني بكل الوسائل و شتّى الطرق.
و لو لم يكن الانتحار من الكبائر لفعلت و لحقت بمن أحبّ إلى حيث لا يمكن لأحد أن يجبرني على شيء .
إنه قدري، الذي اقتنعت به أو لأكون صادقة قبلت به كما هو مسلّما .لكنني لم أستطع أن أنسى الحبّ القديم ، و أن أكفّ عن بكائه كلّ يوم أو أن أنسى ذكراه. إنه شيء أقوى مني . ووالدك لم يكن ذلك الصديق المخلص الوفيّ . بل كأنه انتظر موت صديقه بفارغ الصبر ليفتكّ منه كنزه. لم أستطع أن أحبّه رغم ما بذلته من جهد ، و كان يدخل أحيانا فيراني باكية . كنت أفتعل الضحكات و أرتعب لمجرّد اقترابه منّي . كان واضحا له أنني لا أطيقه.
و حملت بعدها. و قلت في نفسي لعل هذا سيغير مجرى الأمور الى الأحسن. و يوم ولادتك قرّر أن ينتقم مني ، فاتفق مع الممرضة على أن تأخذك مني و تقول لي أنك متت. بعدها أحضر لي فتاة صغيرة ، رضيعة بعمر الشهرين ، قال أنها يتيمة يمكن أن نتبناها.
أحسست خلال ذينك الشهرين أنه يتلذذ بعذابي ، عذاب فقداني لأغلى ما يمكن أن تمنحني إياه الحياة .
أحسست أنه يستمتع برؤيتي أتألم عقابا لي على أنني عجزت على محبته ، عقابا لي على وفائي لذكرى خاطبي و جزاء على برودتي معه طيلة تلك الفترة.
فكرت أنه ربما أشفق عليّ بعدها ، فأحضر رضيعة لأتبناها . فرحت بك كثيرا ، شعرت أنك تعويض من الله ، لكنه كان يبعدك عني بين فترة و أخرى لأي سبب واه.
و بعد فترة ، بدأت أحواله المادية تسوء جدا و بدأت أعصابه تفلت منه أحيانا ، فيصرخ و يحطم ما يراه أمامه ثم ينظر إليّ و يقول أنني سبب ما يحصل له من مشاكل.
و مع الأيام ، اكتشفت أنه يمر بأزمة مالية حادة تطورت لتصل حدّ الإفلاس . و لم يبقى له شيء .فبدأ يحتال على الناس بعقود لشركات وهمية ، كلها عبر الهاتف ووكلاء مزيفين ، حتى اشترى هذه الأرض و بنى هذا المنزل بنقود التحيل. و لما وقت في وجهه هدّدني بك و أبعدك عني و لم يكن لدي خيار رغم أنني لم أكن أعلم أنك ابنتي الحقيقية إلى حين ذاك اليوم الذي فتحت في تلك الخزنة.
كان يجب أن أصبر من أجلك . أنت فقط من كان يؤلمني رؤيته يعيش في هذا الوسط.
و كبرتي و بدأ يزرع فيك الخوف مني و يجذبك إليه ليستعملك أداة ضغط عليّ ، و أنا أردت أن أريه أن هذا الأسلوب لن يغير من سلوكي تجاهه ، أردت أن أكون قوية و لو لمرة في حياتي ، فأذيتك بقسوتي ، آذيت مشاعرك البريئة ، و لم أنجح في إثبات شيء له، فقط أحييت مشاعر الأبوّة في قلبه ، لكنّ هذا لم يغيّره . أبوّته لم تجعله يفكّر في التكفير عن ذنوبه بل جعلته أنانيا أكثر و أكثر ، و لم يخبرني حتى أنّك ابنتي ، لم يعترف لي بشيء . لم يصفح عني حتى الآن و لا أنا أستطيع ذلك. أنا عرفت بالصدفة أنه يتهرب من الكثيرين الذين تحيّل عليهم من المكالمات الغريبة التي تأتيه. لقد أخذت منه المفتاح وهو نائم و نسخته بالشمع ثم ألصقته تحت الصندوق قلت في نفسي لن يشكّ قي ذلك .
" لكنني وجدته تحته لم يكن ملصقا."
" ربما أنا لم أحسن تثبيته جيدا لكنني أعرف أنه لا يحركها من مكانها لذلك وضعت النسخة تحتها."
" والدي لا يمكن أن يكون بهذا السوء ، إنه طيّب . لماذا تحاولين تشويه صورته أمامي ، هذا أكثر مما يمكن أن أسامحك عليه."
" ألم أقل لك ، أنه أخذك مني."
" لا ، لا ن مستحيل. لا يمكن . أبي ليس مختلسا و لا محتالا. ليس شريرا إلى هذا الحد. إنه يحبني لا يمكن أن يفعل بي هذا."
هكذا صحت حينها. تخيلت أن أمي هي منبع كل هذه الخرافات التي أسمعها و أن ما قالته لا يمكن أن يكون حقيقة . هل يوجد زوج بهذه القسوة حتى يعاقب زوجته بإخفاء حقيقة
وجود طفلتها بجانبها؟ هل يمكن أن يحصل هذا إلا في الأفلام و الروايات؟ أو ربما لأنني لا أسمع هذا كل يوم ، ربما لأنني لم أخض بعد في قضايا مهمة ، لم أصادف مثل هذه القصة، سأعترف بأنه عندما تدرس الحقوق تستمع إلى عجائب الدنيا لكن لا تتوقع أن تكون منها، أن تنتمي في يوم إليها. أن تعيش مع مجرم في بيت واحد. أنا قاضية المستقبل أشارك متهما في سقف بيت واحد. أنا من تدعو للعدالة و من تقول لا ترحم المذنب حتى لا يكرر فعلته مرة أخرى ، تواجه اليوم مذنبا من نوع جديد: أباها. بأي منظور يجب أن أقيّم الوضع ؟ من ناحية القضاء و العدل و هدفي الذي ينحصر في تطهير المجتمع من المستهترين بالقانون أم من ناحية الابنة التي تكتشف حقيقة أبيها تلك الحقيقة الصادمة التي تخشى كل فتاة أن تصدم بها يوما ؟ يا للمهزلة.
بقيت مذهولة ، عاجزة ، صامتة ، لأنني ببساطة أواجه حقيقة غير عادية. من العاديّ أن يتواجد المختلسون ، المحتالون ، أناس خلف شركات وهمية ، أناس منعدمة الضمير ، أناس يتلذذون بعذاب الآخرين ، لكن ما ليس عاديا هو أن يكون والدي من بين تلك الفئة.
" لماذا نرفض تصديق الأمور عندما نكون طرفا فيها ، نرفض تطبيقها على أنفسنا و على المقربين منا. لكن إن سمعناها نقول يمكن ، ربما ، لا أستغرب وقوع هذا أو نهزّ برؤوسنا قائلين لا حول و لا قوة إلا بالله ."
حقا إن من تكون يداه في النار ليس كمن يضعهما في الماء البارد. و من يقول أنه يحس بك و يتفهم إنما هو لا يحس في حقيقة الأمر شيئا .يا لسخرية الأقدار حين تضعك في موقف مشابه. أمي تطلب مني أن أعيش حياتي ، أواصل التعامل مع هذه الكذبة و أشارك فيها ، كأن شيئا لم يحصل. من يقدر على تجاهل الحقائق و العيش على هامش الحياة ؟ ليس أنا بالتأكيد.
لو تساءلت عن أكثر شيء ٍ آلمني في ذلك الوقت ، سأقول لك ببساطة أنني شعرت بالخيانة . أجل ، أحسست أن صورة الأب المثالي لديّ تهتزّ، أنه قد خانني و مزق واجهة حياتي ليريني خلفيتها . خان محبتي له و ثقتي به. كان الشخص الذي لم أتخيل أنه يمكن أن يكون. آلمني أنني كنت أداة بيد كل منهما ، أن أحدا منهما لم يراعي مشاعري ، أن كلا منهما نظر إلى المسألة على أنها تحدّ خاض و أنا كنت الضحية . قسوة و حقد و غيرة من شخص ميت بل من ذكراه ، تسببت لي في كل هذا الأذى. جشع و طمع جعل من والدي من ذلك المثل و تلك القمة تنهار أمامي ، صرح محبّته ينهار. لكني لم أعرف إن كنت قد كرهته أم لا. فقط أشعر أنني مشوشة ، أن جزءا مني يتمزق ، أنني أريد أن أطير من هذا المكان لأعانق الهواء النقيّ ، الهواء الصافي الخالي من شوائب الحياة الخانقة.
و الآن ، هل سأقف مكتوفة الأيدي أنظر إلى مختلس ينهش في رزق الآخرين . هل أسكت عن التجاوزات التي أراها ؟ ألست ممّن يمثلون القانون؟ ألست قاصية مرتبطة بقسم و مبدأ.
إنّ من أصعب الأمور في الحياة أن تواجه والديك بقناعات قد تغيّر مجرى حياتهما ، و أنا قناعاتي تحتّم عليّ أن أتّخذ خطوة قد تجعلني أندم على ذلك طوال حياتي . لكن أليس من العدل أن أطبق القانون على الناس كافة.؟ أليس من باب الصدق مع نفسي و الوفاء لقسمي أن أعاقب هذا المختلس و المزور؟
عندها فكرت في أمي قد تكون مذنبة من نوع لا يعاقب عليه القانون . هي لم تراعِ
كونها متزوجة من شخص له مشاعر أيضا . ظلّت حزينة على ذكرى إنسان اندثر و تحلل و صار ترابا . هي لم تمنحه السعادة التي أرادها ، فجعلت منه مجرما. ملأته بالغضب و الحقد و الغيرة حتى أعمته ، فجاء انتقامه بشعا بقدر بشاعة ما تغلغل في كوامن نفسه من غضب و ما غلّف قلبه من سواد الغيرة القاتلة.
" آه ، يا بنيتي لو اعترفت بأن الحبّ الصادق يأتي لوحده و ليس بيدنا في ذلك الوقت ن لعذرتها. فهي أرغمت على الزواج بوالدي و لم تختره بإرادتها. و القلوب و إن كانت بأجسادنا فنبضها خارج عن إرادتنا لأن أقدارها مسطّرة مسبقا.
إنها الحياة ، في النهاية اختبار و أيام معدودة ."
و تنهدت محدثتي تنهيدة نابعة من أعماق قلبها خلتها قد أفرغت فيها آخر أنفاسها ، تنهيدة جمعت أصوات الألم و نسجتها مثل صوت الناي الحزين ، و فيها لوعة حارقة ، شيء لا يمكن وصفه لأنني أعتقد أن الكلمات تتبخر أمام حرارة هذه الأنفاس فتقصر عن تبليغ المطلوب و المنشود.
" طالما تنهدت بعمق ، بل ربما أعمق مما سمعت الآن . خاصة يوم اتخذت قراري بأن أواجه والدي . قلت في نفسي أنني دائما كنت جبانة ، اعجز عن المطالبة بتفسير لما يجري من حولي . دائما لا تسمع مني سوى حاضر و نعم و أكيد . إنني الابنة المطيعة التي ترفض كل أشكال التمرّد ، إنني الابنة التي تعجز عن اتخاذ القرارات المصيرية و تدع الآخرين يقررون مكانها . لكن هذه المرة لا . هذه المرة ، سأكون أشجع من قبل . قرار دخولي كلية الحقوق ن صحيح كان تحديا و لكن لم أكن لوحدي ، كانت أمي تساندني و كل من أخبرته كان يشجعني ، أما القرار الذي اتخذته ذلك اليوم لا يمكن لأحد أن يتقبّله بسهولة، قرار سيراه الجميع بمنظور لا إنسانيّ أو بالتحديد لا أخلاقي. لا تنظري إليّ هكذا، لأنني لن أخفي عنك شيئا. لقد قررت أن أنبش في الماضي الغابر ، أن أخرج التفاصيل من سجلّ الذكريات ، و أن لا أتردد في اتخاذ خطوة جادّة لمعاقبة المذنب إن وجد حقا، حتى و إن كان أبي . كنت أقول في نفسي، هناك خيارات تأتيك مرة واحدة في الحياة،فإما أن تقبلها و تحارب من أجلها و من أجل ما تؤمن به و إما أن ترضخ للواقع و تعيش كما يريد الآخرون . لا يهم إن كنت على خطأ . أنا لن أعيش سوى مرة واحدة و لا ضير أن تحملت نتيجة خطئي . لن يحدث لي شيء أسوء من الموت إن واجهت الأمر وهو آت لا محالة اليوم أو غدا. قد أبدو لك بهذا الموقف مثالية جدا لكن هذا خطأ . لست كما تعتقدين.
كنت أعرف أن هذا القرار لم يكن نابعا من قناعتي بمبادئي كما كنت أوهم نفسي، بل من شيء آخر.
هل تؤمنين بأن الأحقاد تورّث . أنا ورثت ذلك الحقد ، ورثت الحقد على أقرب الناس إليّ ، فكانت المواجهة بالنسبة لي استعادة لقيمتي و انتقاما من سنين أضعت فيها سيولا من الدموع على حافة نافذتي .
و كأنني حينها أردت أن أكون فيصلا و سيفا يقطع خطّ الماضي ليخطّ بنفسه مصير الآخرين.
لو لخصت عذاب حياتي إلى تلك اللحظة ، فلن أقول أكثر من أنني كنت صانعته، أنني عشت وهما كاذبا ، كبر و كبر بداخلي إلى أن أقنعت به عقلي الباطن. أكيد أنك فهمتني . ببساطة أوهمت نفسي أن أمي تكرهني بسبب جفائها و نقص الحنان الذي عشت فيه. ثم توهمت أن أبي هو الصرح الشامخ و الملاك المتخفي في صورة بشر يطوقني بجناحيه.
على كل ، شعرت حينها أنني غبية ، إنسانة تافهة ، حساسة لدرجة قد توصلها للجنون . أما الآن ، و في هذا الفصل من حياتي ، صرت أخشى الناس. بدى لي أن كل حمل وديع يمكن أن يكون ذئبا و أن كل المفاهيم تنقلب في لحظة.
لذلك قلت ، الأكيد أن ما اعتقده حبا تجاه ذلك الشاب ليس سوى رغبة في سد نقص.
المهم أنني حرصت على أن أتعامل بشكل عادي مع كل من حولي في تلك الأيام حتى لا يدرك أحد مخططاتي ثم ترصدت الوقت المناسب الذي يكون فيه والدي خارج البيت لفترة طويلة و أتفرّد فيه بتلك الخزنة. أخذت منها كل الأوراق التي تتعلق بعقود بيع و شراء إضافة إلى أوراق التبني المزورة و الوصل و كلّ شيء.و نسختها كلّها بالحاسوب كي تبدو كالأصلية تماما . و استخدمت أوراقا قديمة في الطباعة .
لكن أمي كانت تعيش تلك الفترة في خوف بأكل أوصالها و يمتص صحتها، لتكتشف في النهاية اختفاء الأوراق من الخزنة لأنها كانت تتفقدها كل يوم و كأنها تريد أن تتأكد من نسياني للموضوع.
و هاهي تدخل غرفتي ، تكاد عيناها تشتعلان غضبا و خوفا في الآن نفسه . و سألتني أين اختفت الأوراق . كنت قد خططت لهذا أيضا قد جهزت أسلحتي ، قد صنعت إجابة حفظتها عن ظهر قلب .
" لقد أخذتها أنا ، و سأرجعها بعد أن أتأكّد من شيء."
" ماذا إن علم بالأمر؟ سيهددني ، سيذيقني الجحيم. إن اللبؤة حين تحس بالخطر تأكل أولادها ، ووالدك لن يتردد في شيء إن اكتشف أنك عرفت ، إن أحسّ بالخطر قد ينسى أنك ابنته قد يعاقبك كما لم تري من قبل."
" لا تخافي ، لم أفعل شيئا. إنه لا يفتح الخزنة . سأعيد الأوراق ، كنت أحاول ترتيب الأحداث وحدي ليس إلا . هاهي ذي كلّها ، أعيديها أنت لمكانها بنفسك."
و أخذتها مني بسرعة و هرولت في الرواق الطويل و دخلت غرفتها و أعادت كل شيء لمكانه و لم تقل شيئا من شدة خوفها لم تحقق معي بالموضوع حتى. إن الاختلاط بالمتهمين في قاعة المحكمة و مشاهدة المسلسلات تعلّمك العجب العجاب. أنت و لا شكّ تضحكين في نفسك عن طريقتي في التفكير . لكن صدقيني ، في هذه الحياة من لا يفكر جيدا لا يمكن أن يجد مكانا فيها . و مهما كانت حيلتك قليلة فالوسائل متعددة. لقد سلّمتها المستندات المزيفة طبع
التفاصيل الدقيقة غير مهمة جدا ، المهم أنني استعنت ببعض زملائي و معارفي في البحث في هذه القضية و توليت الإشراف على الأمر و مراقبة التحقيقات بنفسي على أن جاء اليوم الموعود.
خلال هذه الفترة ، كنت في أشدّ الحالات النفسية سوءا. كنت متوترة ن باكية طوال اليوم، أو عندما أريد أن ادعي التجلّد و القوة كنت أخفي عيوني المنتفخة من السهر و البكاء بنظارات سوداء.
لم يكن يٌذهب عني كل هذا التعب و الألم و العذاب إلا هو. كلماته الرقيقة ، و مشاعره الصادقة تجاهي كانت تظهر كل يوم و تزيد و تشتدّ. و أنا أيضا كنت أنجذب إليه و أتعلّق به أكثر، لكن كنت أقول سأخسر هذا الصديق بسبب الفضيحة الكبرى التي أقدم عليها. لا أريد أن أصدم بأنني تركت العنان لمشاعري في طريق أكتشف في النهاية أنها مسدودة بسبب الفضيحة و العار الذي سيلحقني بعد كشف حقيقة والدي .كيف يمكنني أن أنظر في عينيه بعد ذلك و أنا أشعر بالذل ؟ كيف يمكن أن أسمح له بتعذيب قلبي بعد ذلك بأي كلمة مهينة.
حمدت الله على أنني لم أصارحه بشيء من الحقيقة و إن كنت أشعر بأن هناك كلاما يأتي على طرف لساني كلّما تحدّثنا ، كل مرة تمشينا فيها على الطريق. هو كان يحس بذلك. نظراته المتسائلة حركاته عن التماع عينيه وهو يحدثني عن المستقبل الذي يطمح إليه و عن الشيء الذي ينقصه و لا يعرف كنهه ن عن الفراغ الذي يحس به و يريد ملأه بعد فقدان والديه.
ووجدتني في يوم أقول له:" ماذا إن وجد شخص نفسه في ظروف لم يخترها بإرادته ، ماذا لو ارتبط اسمه بشخص سيء لكن لا يستطيع أن يتبرّأ منه لأنه والده."
" ماذا تقصدين؟"
" أقصد .....أقصد.....هل يؤاخذ الأبناء على أخطاء آبائهم؟"
" طبعا لا."
" هذا لأنك لا تعايش الموقف."
" وضحي كلامك ،أي موقف؟"
" ماذا لو اكتشفت أنني ....أنه ... لدي مثلا مجرد افتراض طبعا، لديّ والد مختلس و خارج عن القانون ، هل ستغيّر نظرتك لي ؟ هل ستنسى صداقتنا و تتخلى عني؟"
" و هل ما يحدث فعلا؟ تكلمي أنت لا تجيدين الكذب علي للأسف."
" لا أريد أن أكذب ن أنت تفهمني جيدا ، لا أعرف كيف أفسر لك ، أنا...."
" لا داعي لتكملي، فقط اسمعيني. الإنسان ليس ما يكون عليه والده بل ما هو عليه . أنا لا يهمني من يكون والدك واو إن كان سيئا ، أنا أهتم فقط بك أنت ، بما أراه أمامي. قد لا تصدقينني لكن الحب أعمى ماذا أفعل؟"
" ماذا ؟:
" أنا أسف ،لكني كلما أردت أن أحدثك بالموضوع، أخجل و أخشى أن تفهميني خطأ."
" اعتقد أن الوقت غير مناسب ، أرجوك ، فأنا في مشكلة كبيرة ."
" أسف ، لم أقصد. كنت أحس أنك تخفين عني شيئا ، لكن لم أشأ إحراجك."
و بعدها فسرت له الوضع و حكيت له كل شيء بالتفصيل و أخبرته أن تصريح القبض على والدي قد صدر و أنه سيتم التحقيق معه ثم تحويله إلى القضاء . و أنني سأستقيل .
و فوجئت به يقول لي :" لا أدري لماذا أحس هذا الآن؟ أنا عوض أن أنفر منك مثلما يفعل الكثيرون في هذه المواقف ، أحس أنك قد كبرت في نزري ، لقد ازددت إعجابا بشخصيتك . لا تسعفني الكلمات حقا ، لكنك نادرة الوجود في هذه الأيام ن اقصد أن أمثالك نادروا الوجود...."
و ابتسمت حينها ، ابتسامة جمعت بين الألم و الحرقة التي أحس بها و طعم الانتصار و الشموخ في الآن نفسه. لا أعرف إن كان من حقي أن أقول أن كلماته أشعرتني بالفخر و لكنّها فعلا قد رفعت من معنوياتي.
و جاء اليوم الموعود ، اليوم الذي ثم فيه إلقاء القبض على والدي الذي بدأ يدّعي البراءة من التهم المنسوبة إليه و ينكر و يلحّ في الإنكار. و أنا أنظر إليه في جمود دون ذرّة من الشفقة أو الرّحمة. لقد تحوّل بنظري إلى واحد من أولئك الذين كنت أراهم في قفص الاتهام ينكرون و يقسمون كذبا ثم يعترفون في النهاية أو يسلّمون أمرهم لله.
أما أمي فلا تسل عن حالها . لقد أغمي عليها من هول الصدمة و أدخلت المشفى و بقيت فيه أياما بعد أن اعتلّت صحتها بسبب الفضيحة.
هنا فقط أحسست بالذنب ، أنا أقتلها يوما بعد يوم ، أنا سبب معاناتها الآن ، ليتها تسامحني على ما فعلت بقلبها .
و بعد أيام ، حوّل والدي على القضاء و حوكم محاكمة عادلة أخذ بسببها سنوات من السجن ، لم أهتمّ لطولها ، لأنني لم أستطع أن أفكر في شيء حينها إلا في عذاب ضميري.
و لا زلت أذكر كلماته قبل أن يأخذوه لمصيره:" أنا لست غاضبة منك . أنا سعيد لأنك اخترت الصواب ، لأنك لم تكوني مثلي ، أنا الأب في النهاية و أتمنى أن يكون أبنائي أفضل مني . أنا أخطأت في حياتي كثيرا ، و أنا نادم حقا ليس لأنني اختلست بل لأنني خذلت ابنتي و خنت ثقتها بي . لست الوحيد الذي اختلس ليعيش و لكن ابنتي حكمت علي و عاقبتني . أهذه هي الحياة؟"
كلماته كانت قاسية بالنسبة لي ، فهو يظن أنني من عاقبه ، معه حقّ فأنا التي بلّغت عنه . لكن الآن كل ما يهم هو أن لا أخسر آخر ما بقي لي في هذه الحياة : أمي