عرض مشاركة واحدة
قديم 22-05-2009, 01:57 PM   المشاركة رقم: 8
المعلومات
الكاتب:
اشراق
اللقب:
نبع صافي

 تاريخ التسجيل : May 2009
 رقم العضويـة : 3455
 مجموع المشاركات : 30
 بمعدل : 0.00 في اليوم
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
اشراق غير متصل
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : اشراق المنتدى : يحكـى آنـ
افتراضي

اعزائي الكرام اكمل طرح الرواية
(حقوق النشر محفوظة:ممنوع نقل الرواية لمنتدى اخر بغير اذن رسمي )
الكاتبة:اشراق الغشام

الفصل التاسع
حلم غريب
أحيانا تأتينا إشارات النهاية ، فلا نفهمها ، أحيانا نعجز عن تفسير الأشياء من حولنا. هو ذلك الحلم الغريب الذي يشغل بالي و لم أجد له تفسيرا.
نور أبيض يخترق السحاب الأسود و يقترب أكثر فأكثر من جهة الأفق ، ثم يتقدم و يتقدم في طريق طويلة إلى أن يغشى بصيرتي، فأعجز عن فتح عيني و أحاول النظر إليه لرؤية مصدره فلا أستطيع. ثم أستفيق منفزعة ، أفرك عيني كأنني أتأكد أنهما لم تغادرا محجريهما.
هذا الحلم و إن شغلني فهو لم ينسني الحلم الأجمل على الإطلاق الذي أعيشه. و أخيرا سأنهي سلسلة العذاب و الألم و أرى الحياة بوجهها الضحوك و أنا داخل القفص الذهبي .
لعلك تتساءلين لماذا حين أفرح أعتبره حلما و حين أحزن واقعا مرا.الإجابة بسيطة . نحن نذكر دائما لحظات السعادة على أنها قصار تمر مر السحاب مثل الأمنيات و الأحلام بينما نطيل وصف و شرح العذاب لأنها تمر مثل القرون.
لم يكن يكدر علي سعادتي غير التفكير في أن أمي ربما ماتت وهي غير راضية عني. لكن وجوده إلى جانبي كان يخفف عني آلامي و يمنحني القوة على المضي قدما.
لم أكن أعرف أن محبة الناس من حولك تمنحك طاقة على المواصلة ، لم أكن أعرف أن الحب و الحنان من شخص يرى الدنيا بعينيك يمكن أن ينسيك ما تعجز عن نسيانه لوحدك.
لن أقول أن لا شيء في الحياة يستحق دمعة لأن الحياة كلها أمر عظيم ، زمن لا نعيشه إلا مرة واحدة و لذلك فهو يستحق منا كل شيء، و كما تستحق أن نبكي لأجلها ، تستحق أن ننعم بالراحة.
هكذا بعد أن سكبت من الدموع ما تجف له المآقي ، طرت على أجنحة السعادة إلى الأعالي ، شعرت أنني خفيفة الوزن منبسطة السريرة ، أمتلك الدنيا بقبضة واحدة أصبح سيدتها بعد أن قهرتني .
لقد عشت عيشة الملوك من غير قصور و لا جواري و خبرت الحب دون أن أنام لمائة عام .
أنا الآن أدفع ما بقي لي من لحظات في الحياة لمجرّد أن أرى تلك الأيام في أحلامي .
عشت معه و أنا أرى الدنيا بعينيه ، كل المشاكل كانت تمر كسحابة صيف عابرة . كل شيء عاد حلوا جميلا من جديد أو ربما أحلى مما كان عليه من قبل .
عندما أراجع نفسي أحيانا أندم بشدة على سنين مضت و ضيعتها بسبب تسرعي في الحكم على حقيقة مشاعري . كم تسببت له في آلام حادة كل تلك الفترة. جرحته كثيرا و لكنه صفح عني .
" و دمعت عينا محدثتي ، لتنزل قطرة لوعة صادقة تتدحرج على جانب عينها ، تعانق سطح الوسادة و تتبخر فيها تنهيدة من الماضي الجميل هذه المرة . لم تكن تنهيدة حزن ، بل شوق إلى الأيام الخوالي حيث وجدت السعادة."
عندما قدم اليوم المنتظر ، الذي أرتبط فيه بذلك الشخص . أحسست برغبة جامحة في البكاء لأنني تذكرت أبي.
ربما كان طيف أمي يحلق حولي و يبارك سعادتي و لكن نقمة أبي تتبعني. لم أكن أعرف ماذا يحس تجاهي و لا حتى زرته في سجنه . لكن كل ما فعلته أنني كنت أتقصى أخباره من بعيد و أسأل عنه بين الحين و الآخر ، و أحاول أن أساعده عندما يحتاج لذلك دون أن أجعله يراني . بصراحة ليست لدي الجرأة لذلك . لم أكن أعرف ماذا سأفعل يوم يخرج من السجن . عندها أيعقل أن أقدمه لأبنائي و عائلتي ، أم أتجاهله ، أم ماذا؟
ثم قلت في نفسي:" لم أجعل من أسعد أيام حياتي أتعسها؟ فلأبتسم أصمد و أنسى . لن يحدث لي أسوء مما حدث..
فعلا الأمل دواء يا ابنتي. لو استسلمت للوحدة و الحزن لغرقت في بحر من الظلام الدامس و لعجزت عن الاستمرار.ليتني أستطيع أن أخبر أبي فقط بأنني لازلت أحبه رغم كل شيء ، و أنني لازلت أرى فيه في مكان ما من أعماقي صورة للأب الحنون و المحب.
الفصل العاشر
أيام لا تنسى
كل ما حدث بعد ذلك من أحداث كان رائعا . عشت حياة سعيدة . كنت أستيقظ كل يوم و أنا أشعر كأنه أول يوم عشته. سأتجاوز كل هذه التفاصيل لأنها خاصة جدا و لست أقدر على وصفها لأن الكلمات لا تسعفني.
المهم يا ابنتي هو أن السعادة عرفت دربي و أن قناعتي بسوء حظي قد زالت و أن الحياة جادت عليّ من كرمها بعد أن كدت أيأس .
واصلت سنوات من حياتي هكذا ، و أعتمد مبدأ " أضفي على حياتك طعما جديدا كل يوم." كانت أول مفاجأة ، قدوم ابننا الأول الذي ملأ علينا الدنيا فرحا و قربنا من بعضنا.
يومها عرفت إحساس الأمومة ، أدركت كم كنت ظالمة و قاسية في حق أمي غفرت لها من قلبي . الأكيد أنني كنت كل حياتها و النور في عينيها و لكنني لم أحاول اكتشاف ذلك الجانب فيها الأكيد أنها أحبتني كما أحببت أنا أولادي ، لقد تركت وهمي يأسرني بعيدا في عالم الخيال الزائف.
أغدقت على ابني كل الحب و الحنان و العطف ، كل ما يمكن أن يجود به قلب أم على أبنائها . وهو كان سندا لي و أبا صالحا و حنونا.
معه كنت أشعر أن كل يوم هو اليوم الأول من زواجنا ، لا شيء تغير. بالعكس ، ازداد تعلق كل منا بالآخر .
" تلك الأيام الخوالي ، لا تنسى أبدا. بعدها أنجبت ابنتي طفلتنا الثاني. كل شيء كان يسير على ما يرام ، راقبنا ابنينا و هما يكبران . استغلينا كل دقيقة من حياتنا في بناء مستقبلنا و تأسيس أسرة متكاملة متماسكة.
أمضيت ثلاثين سنة زواج تأكدت خلالها أن الماضي لا يعيد نفسه بالضرورة و أن لكل بشر حياته الخاصة حسب تصرفاته ، لا يعني وجود نقطة سوداء في الماضي أنها ستكرر نفسها في صفحات حياتنا.
نسيت في غمرة هذه الحياة الجديدة الهانئة كل آلام الماضي و جروحه . عشت إنسانة جديدة و حاولت جاهدة التجرد من الشخصية القديمة تلك الشخصية الواهمة التي تبني من أبسط الأسباب وهما كبيرا و تلك الشابة التي لا تعرف ما تريد تماما.
الفصل الحادي عشر
نهاية المأساة
مثلما تعرفين : تدور عجلة الزمن و في خضم هذه الحياة لا بد من حدث مميز.
كان يوما لا ينتسى ، رأيت فيه ذلك الحلم الغريب من جديد ، أفقت منزعجة. كان زوجي يبذل قصارى جهده لتهدئتي وهو يقول :" النور خير لا تخافي."
ثم هب كل منا إلى عمله كعادته ، و كان يقول لي:" اليوم مميز جدا ، فهو آخر يوم لي في العمل . أتعرفين ؟ سآخذك للعشاء بمناسبة تقاعدي ، ثم آخذك في رحلة حول العالم ، سنرى مع بعضنا ما لم يستطع أن يراه الآخرون. الأولاد كل منهم شق طريقه و صارت له حياته الخاصة و لم يبق سوانا في هذا المنزل . ما بك ؟ لست على ما يرام . أهو بسبب الحلم؟"
" _ لا أعرف ، فقط أحس بقلق يطبق على أنفاسي و يخنقني . لا أعرف كيف أصف هذا..."
" حاولي أن ترتاحي ، لا داعي لتذهبي إلى العمل. ثم ليس هناك ما يقلق. اتصلي بي إن لم تذهب حالة القلق هذه. اتفقنا؟."
و أومأت برأسي ، و احتضنته في دلال كأنني أشكره على حنانه و رقته معي.
و بعد مغادرته البيت بحوالي ساعتين اتصل بي يسأل عني و يخبرني أنه ذاهب لتفقد أحد المشاريع و سيعود متأخرا قليلا على الغداء.
ترجيته أن لا يذهب ، و أصريت ، فوعدني بأن يسرع في العودة. أمام إلحاحه وقفت عاجزة ثم أحسست بألم يعتصر قلبي و يجتث روحي و كأن قلبي صار ينزف و سمعت صرخة مدوية في أذني ارتج لها جسمي ن. و رن الهاتف.
"في هذه اللحظات الحاسمة من روايتها تنهمر دموع هذه السيدة كالسيل ، و يختنق صوتها بفائض الدموع ، لتسيل معها دموعي في عفوية بالغة."
" آلو . هلا حضرت فورا إلى المستشفى لمرافقة المصاب.."
هذه كانت الجملة الوحيدة التي تمكنت من فهمها و استو عابها مما قاله لي المتصل المجهول. و أسرعت نحو المستشفى لتستقبلني فوضى عارمة . بحثت في قسم الاستقبال عن حقيقة الاتصال فأعلموني أن زوجي مصاب وهو الآن في غرفة الطوارئ. انتظرت أمام ذلك الباب الكبير أدعو أن يخرج أحدهم ليطمئنني. و بعد دقائق خرج أحد الأطباء يقول لي :" آسف يا سيدتي إن حالته خطيرة جدا إن مجموعة الألواح التي سقطت عليه أصابت دماغه إصابات بالغة جدا ، و لو لا الخوذة لمات من فوره. المشكلة الآن أننا لم نستطع التحكم بالنزيف في مستوى الدماغ و دماء زوجك من فئة نادرة لا يسعنا إلا الدعاء له على أمل أن نؤمن كمية الدم اللازمة و أن نتمكن من السيطرة على الوضع."
و أمضيت ساعات أنتظر و أنتظر . إنه نفس الألم الذي شعرت به يومها يعتصرني الآن . إنه الموت يسخر مني مرة أخرى ، و لا أتمكن من إبعاده عني ، إنه يعتصرني ، يعتصرني ، يعتصرني......
لا تسألي عن حالتي بعدها ، بعد أن ألقى الطبيب على مسامعي تلك الأنباء الجديدة . بقيت أدعو و أتضرع و أنا في أشد حالات اليأس. لكن الموت سرقه مني كالعادة و لم يترك لي مجالا لتوديعه حتى.
دخلت في حالة هستيريا أدت بي إلى اكتئاب حاد . حتى إبنيّ وقفا عاجزين أمام الحالة التي وصلت إليها.
كانت الصدمة بالنسبة لهما قاسية لكن لم تكن أقسى مما أحسست به أنا. كان كل حياتي و الآن خسرت كل شيء خسرت أبي و أمي ثم ظننت أنني استعدته لكن سرق مني ثانية.
اشتد بي الاكتئاب و احتدّ كثيرا إلى أن تطور و تسبب لي في اعتلال قلبي. هذا القلب الذي حيرك فما عرفت له دواء بقي سنة كاملة يقاوم الألم بمفرده دون مسكنات.
يئس أبنائي من شفائي و أسلموا أمرهم لله. أما أنا فأصبحت أرى ذلك الحلم كل ليلة و أبقى أفكر فيه و في حقيقة ذلك النور.
فكرت أن الحياة تعاقبني على إهمالي لأبي و عدم سؤالي عنه . لقد نسيت أمره بطول المدة و ما عدت أسأل عنه.
في تلك الفترة حاولت أن أجد خيطا يربطني به ، أردت أن أتخلص من عذاب الضمير ، كان الزمن قد طوى الكثير.
كنت يائسة من معرفة أي شيء عنه ، و لكن مشيئة الله خدمتني كثيرا. قصدت إدارة السجن الذي كان فيه. و تحدثت مع المسؤولين هناك لأعرف أنه قد قدم طلبا لدخول دار المسنين إثر خروجه من السجن و أنه نتيجة لحسن سلوكه طيلة فترة الحجز قد وافقوا على ذلك.
أخذت عنوان المؤسسة بيد راجفة و سعيت للوصول إليها. ذهبت إلى هناك بعد تردد كبير ، خلت أنني سأجد ذلك الرجل القوي الذي أعرفه ، فإذا بي أرى أمامي شيخا هرما على مشارف الخامسة و الثمانين ، شيخا يرتعش و يعتمد على إحدى ممرضات الدار في المشي و التنقل من مكان لآخر ، شيخا يبدو عليه التعب و الوهن و الضعف.
حاولت أن أكلمه ، أن أعرفه على نفسي و لكنه كان ينظر إليّ مبتسما و أنا عاجزة عن النطق بكلمة واحدة.
قال لي فجأة:" غريب ، أنك تشبهين واحدة أعرفها ، و لكن لا أتوقع أن تزورني أبدا . هي تظن أنني غاضب منها و حاقد عليها ، لأنها لا تعرف معنى الأبوة . ليتها تسامحني كما سامحتها . أنا لم أقصد إيذاءها . لم أقول لك هذا؟ ربما لأنني أبحث في وجه كل فتاة أو امرأة أو حتى طفلة صغيرة عن ملامحها رغم أنني أعرف أنها لو لا تزال على قيد الحياة فستكون امرأة ناضجة في الثامنة و الخمسين تقريبا.
قلت في ذلك الوقت بصوت مرتعش و عيون دامعة :" هل ستغضب منها إن لم تزرك ، إن نسيتك ، إن....؟"
و اختنق صوتي فجأة.
" أبدا ، أعرف أنها لن تنساني لأن قلبها صاف و رغم أوهامها الكثيرة و حساسيتها فهي لم تخطئ في شيء ، لقد فعلت ما كان يجب أن يكون . أنا لا ألومها ، أريد فقط أن تعرف أنني راض عنها و فخور بها رغم كل شيء لكن قلبي حزين و يود رؤيتها قبل موته و لو لمرة واحدة . لقد كانت الشخص الذي عاقبني و لكنني كنت أستحق ذلك. أعترف مع ذلك أنه كان من القاسي جدا أن أتلقى تلك الضربة من ابنتي ."
لم أستطع حينها أن ٌول له شيئا فقط خرجت مسرعة أبكي كمن انزاح عنها هم كبير بعد أن أثقلتها الجروح. خرجت من هناك لا أعرف إلى أين أذهب. لكنني شعرت بتلك الطفلة البريئة تحيى بداخلي في هذا العمر ، ووجدت رجليّ تحملانني إلى حيث لم أتوقع أن أعود يوما، إلى مهد الطفولة . وصلت أمام باب ذلك البيت القديم و نظرت حوله ، لأفاجئ بخرابة و أعمال بناء قائمة الذات على هذه الأرض التي كنت أركض في رحابها ذات مرة. مشيت نحو المزرعة في ذلك الطريق المعهود ، كل شيء تغير منذ رحيلي لم يبق شيء على حاله. مشيت و مشيت إلى أن وصلت إلى قطعة الأرض ، تلك التي يقطعها الوادي فإذا بالأرجوحة تتدلى بين شجرتين ذبلتا و انحنتا بفعل الزمان . لكن الطفيليات هجمت على أغصانهما تلتهم لحاءهما و الأزهار الجميلة اختفت بين الأعشاب و ماتت . أخذتني الذاكرة لوهلة إلى تلك الأيام ، فرأيت تلك الفتاة الصغيرة بضفائرها تطير في السماء صعودا و نزولا و تلاعب مياه الوادي ذلك الذي أراه الآن قد جف و صار أحافير قديمة في تربة الماضي .
و أردت السؤال عن هذه الأيادي الآثمة التي تهدم هرم طفولتي . لم أفاجئ بالجواب أبدا. فمن الطبيعي لأرض قد تركت من سنوات طوال و لم تجد البلدية مالكها بعد سنوات من البحث ، أن تحوّل إلى ملكية عامة تابعة للدولة و أن تستغل في مشاريع أخرى.
رحلت عن ذلك المكان مسرعة خشية أن يتعرف على احدهم . و اشتد بي المرض بعدها و خشيت أن أموت قبل أن أخبر والدي حقيقة من أكون . و بعد يومين ، فكرت أن أبعث له رسالة ، أخبره فيها أنني أبنته و أنني ممتنة لصفحه عني . لقد ترددت كثيرا و ارتعش القلم بيدي كثيرا و أنا أخط له رسالة الاعتذار و الاعتراف في نفس الوقت:
" أبي ، لا اعرف كيف أبدأ و ماذا أقول . لقد أحسست بشلل في لساني ز أنا واقفة أمامك في ذلك اليوم . أردت أن أرتمي في حضنك و أبكي كما كنت أفعل و أنا طفلة صغيرة . أردت أن أعتذر و أعتذر. لقد تعذبت كثيرا لفكرة أنك ناقم عليّ و تكرهني بسبب تصدّي لك.
و لكن صدقني كان ذلك رغما عني . لن أقدّم تبريرات و أعذار ، أنا فقط أريد فقط أن تعلم أنه بداخلي لا تزال لديّ تلك الصورة القديمة الحلوة عنك. تعذبني رؤيتك هكذا. و لكن الحياة تقسو علينا و نحن تحت أمرها. سأزورك حين تسنح لي الفرصة .ربما هنالك الكثير لأقوله لك و لأسمعه منك و لكنني أخشى أنني تأخرت في البحث عنك. لم تعد صحتي تساعدني على التنقل .شاخ قلبي من هول ما رأى من آلام ."
ابنتك التي لم تنساك يوما .
و ختمت الرسالة بدموعي و أرسلتها في نفس اليوم.
لم تسمح لي الفرصة بزيارته ثانية. فقد اعتلت صحتي و زاد بي المرض و توغل الداء في أعماقي.
خرجت أتمشى في ذلك الطريق الطويل الذي اعتدت أن أتمشى فيه مع زوجي دائما حين فاجأتني النوبة و أطاحت بي وسط زحام الناس. لم أفق إلا و الأطباء محيطون بي من كل ناحية و صوتك الدافئ يا ابنتي يناديني في حنان.
البقية تعرفينها ، لكن ما لا تعرفينه هو أنني صرت أرى الآن ذلك النور الأبيض في نهاية الطريق المظلمة الطويلة . إنه أمامي الآن ، لقد صرت أراه في يقظتي و لكن هذه المرّة دون أيّ شعور بالخوف.
و التمعت عينا محدثتي ببريق لؤلئي و ازداد تنفسها اضطرابا و اتسعت حدقتاها و سارعت أتفحّص نبضها ، فإذا به يتباطؤ و يتباطؤ.
أسرعت أحاول إنقاذها ، و لكنها كانت قد عبرت الظلام الدامس و سارت بخطى ثابتة نحو ذلك النور الساطع دون أن تسمح لي بجذبها إلى الوراء.
و كلما تقدمت هي جذبها النور إليه شيئا فشيئا إلى أن بدأ بالتقلّص و التقلّص . ومدت محدثتي يدها في الفضاء كأنها تمسك بشيء ما ، ثم أخفضتها إلى الأبد...
قد تتساءلون ماذا وجدت في نهاية ذلك الأفق النير ، إنني أراها ترتدي حلة النور و تمسك بيد زوجها و تبتسم له وهو بطوّقها بذراعه في سعادة . إنها الآن في جنة السعادة الأبدية حيث ترقد بسلام مع أحلام طفولتها الوردية و حبها النقيّ ، تاركة وراءها جسدا مفرغا و قلبا هامدا و ذكرى تكتسي رداء الألم و المعاناة تغمرها لذّة السعادة بلقاء الأرواح من جديد.
لعلها كانت محطّة عابرة في حياتي ، أقفل بها كتاب الرّوايات هذا و أفتح صفحات جديدة لا تزال ناصعة البياض.
"تمت بحمد الله "












عرض البوم صور اشراق   رد مع اقتباس