تابع خروج عن النص....
دخلت المقهى وكالعادة طلبت قهوة امريكية وفتحت كتابي وبدأت في القراءة هذا هو جدولي اليومي في مدينة القاهرة ...
لم أسافر من أجل السياحة رغم جمال أهرامات الجيزة إلا إني لم أقم بزيارتها لأني سافرت من أجل قراءة الكتب الممنوعة ...
كانت هناك عيون تتبعني في الدخول والمغادرة يوميا أنثى لا أعلم عنها من تكون تستقبلني بابتسامتها المشرقة ..(امرأة ناهزت السبعين عاما)
تلك الأنثى كانت شخصية عادية في نظري أحيانا كنت اصطحب معي ابنتي الصغرى كانت تدللها وتلعب معها حتى انتهي من قراءة الكتاب ثم أغادر وتبتسم لي وتلوح بيدها للوداع...
لم نتحدث سويا فقط نوزع الابتسامات هي مشغولة بعملها داخل المقهى وأنا مشغولة بقراءة الكتاب ..يبدو لي عملها مشرفة عامة...
وفي يوم من الأيام دخلت فأبتسمت لي وسألتني عن ابنتي قلت لها ذهبت لمشاهدة فيلم (كركر – محمد سعد)
ردت بابتسامتها: فيلم جميل ولكن كنت أود اللعب معها ...
ابتسمت لها اعتقدت بأنها مجرد مجاملة لا أكثر تابعت القراءة ...
مللت من القراءة فوضعت رأسي على ظهر الكرسي وأخذت قسطا من الراحة ودارت ذكريات لعينة برأسي فسقطت دمعتي عفويا نسيت بأني في مكان عام ..
فأقبلت علي تلك الأنثى صاحبة التجاعيد الطاهرة وسألتني ...
لماذا تبكين يا ابنتي ؟؟
ولماذا تقرئين كل يوم كتاب ثم تتركينه على الطاولة ؟؟
إني أرى كتبك يوميا مكتوب عليها (نسر العروب)
وهل أنتِ تتركين الكتاب متعمدة؟؟
أنا: لا ابدا ... تذكرت موقفا أبكاني فقط ..
نعم أنا أترك الكتب متعمدة لأنها ممنوعة في بلدي....
فقالت :لن أسألك ولن ألح بالسؤال ..
ولكني أجد الحزن بعينيك يا صغيرتي...
أراك كل يوم شاردة الذهن وتشغلين نفسك بالقراءة ..
جميلة هي القراءة ولكن ....بقيت أتابع خطواتك الثقيلة ...
فصرت ألاحظ مشيتك إنها مشية اليأس صاحب القلب المحطم..
لا تهتمين بمظهرك ولا تضعين المكياج مثل النساء ..
أشعر وكأن اهتمامك فقط بالقراءة...
سألتك يوما هل زرت الأهرامات؟؟؟
قلتِ لا ...
سألتك هل ذهبت إلى السينما؟؟؟
قلت لا...
سألتك ما الذي أعجبك في مصر؟؟؟
قلت الكتب !!!!!
أيقنت بأن خلفك أسرار دفينة وألم عميق..
إن أردت الصمت والتكتم فأصمتِ وهذا من ابسط حقوقك..
ولكني سأحكي لك قصتي واسمعيها يا صغيرتي ..
اني أراك كإبنتي سعاد تماما ..
سألتها على الفور وأين هي سعاد؟؟؟
قالت : لا أعلم...
وسقطت دمعتها تلك الأنثى الرائعة ...
تحول وجهها المبتسم إلى وجه حزين ....
وأكملت سردها الأليم تزوجت برجل كان بيني وبينه علاقة وأنجبت منه ابنتي سعاد...
كانت سعاد هي حلمي الأول والأخير...
لا تسأليني عن مدى حبي لإبنتي...
فقد اصبحت أما وتعرفين ماذا يعني حب الظنا...
كبرت سعاد وترعرعت أمام عيني نأكل ونلعب ونسهر ونمرح معا ..
طلقني زوجي واخذت ابنتي كان عمرها آنذاك ثلاث سنوات..
وبقيت معي ومضينا أنا وهي في بيتنا الصغير الذي يضمنا ..
سهرت عليها وتعبت من أجلها ...
قدمت لها كل ما استطيع ...
وحين صارت في عمر طفلتك تقريبا ست سنوات ..
جاء الأب وأخذها ومنذ ذاك اليوم لم أراها ...
ولا أدري اين هي سمعت بأنه سافر بها خارج البلاد...
اني اسمع صوتها كل يوم (ماما ماما)....
ولم تستطيع أن تكمل حديثها لأنها بدأت تجهش بالبكاء...
فوضعت يدي على كتفها وقلت لها ان شاء الله تعود لحضنك يوما فيستحيل على المرء نسيان أمه مهما كان..
قالت: لا اعتقد يا ابنتي لأن سعاد الآن صار عمرها 35 عاما ....
*** *** ***
ربـــــاهـ 30 عام لم ترى ابنتها الوحيدة!!!
ماذا جرى بعقول الرجال؟؟؟؟؟؟
هل يعقل أن صاحبة هذه القصة المؤلمة جدا هي تلك المرأة التي تستقبلني كل يوم بإبتسامتها المشرقة ..؟؟
سألتها ماذا تعملين بهذا المقهى؟؟
قالت :هو لي أنا مالكته الحقيقية ..وأتمنى أن أقدم لك كل ما تريدين مجانا إهداء مني لعقلك الراجح...
وبعدها ساد الهدوء بيننا...
ثم قالت: احكي لي قصتك أيتها العروب...
قلت لها : لا ..
قالت: لماذا؟؟؟
قلت :لأني عابسة في اليوم 24 ساعة وأتحسر على ما حدث لي..
وحين رأيتك أول مرة تبتسمين قلت في نفسي هنيئا لها تلك الأنثى لا يوجد بقلبها أحزان..(خجلت من نفسي)
عهد عليا يا أمي الحبيبة أنا ابتسم كل يوم ...
وحين ابتسم سأقول هذه الابتسامة من أجلك يا أم سعاد..
يا أستاذتي الجميلة اسمحي لي أن اقبل رأسك ويدك العفيفة..
وشكرا لدموعك التي حولت أوجاعي إلى ابتسامات...
وسأمضي اليوم وأعود إليك غدا...
ابقي كما أنتِ فقد اذهلتيني بهذه الابتسامة التي تتحدى جميع الأوجاع
*** *** ***
قلب أم انفطر على ابنتها وما زالت تبتسم للزبائن..
وفي اليوم التالي .....
دخلت المقهى فشاهدتها ابتسمت لي...
ولكني بكيت فصرخت بي ماذا دهاكِ أيتها العبوس..
أما وعدتيني بأن تبتسمين للعالم كل يوم ..
فقلت لها اني ابكي لأني سأرحل غدا إلى السعودية ..
ابكي لأني لن أراكِ لأتعلم منك المزيد...
ماما أمينة احتفظي بكتبي وأكتبي عليها (سعاد العروب..)
أنا سعاد وأنا لكِ فلن أتركك أستاذتي ...
أستاذتي التي علمتني كيف ابتسم...
اترك لك رقمي وإذا كتب لك السفر إلى السعودية فلا تنسيني ...
ان سكنك سيكون داخل قلبي ..
فأهلا بك أستاذتي المصرية الرائعة...
هنيئا للفراعنة الأقوياء بحضورك...
نسر العروب..