قصة المثل :
ألا من يشتري سهرا بنوم
السعادة أهم مطلب في الحياة ، يسعى إليها الإنسان جهده ، ويحاول أن يصل إلى كنهها ومعرفة حقيقتها
أهي فيما يجمع من مال ؟ أهي في الجاه العريض ، والمنصب الرفيع ؟ أهي كل تلك المظاهر مجتمعة ؟
حارت البرية في تحديد مفهومها ، ومعرفة حقيقتها حتى إن البعض قد خدع بتلك المظاهر البراقة فاستقر
في نفسه شعور بأنها تمثل السعادة الحقيقية التي ينشدها ، ومادرى أنها مظاهر براقة وقشور زائفة تتلألأ
أمام العين ، ولكنها كالأصداف الصناعية التي تبهر العيون ، وتأخذ بالألباب بحسن طلعتها وجمال منظرها
ولكنها في جوهرها خالية من القيمة .
السعادة الحقيقية هي راحة النفس ، واطمئنان القلب إلى أن كل مايجري في الكون بقضاء وقدر .
وسلامة الضمير من كل ألوان النفاق والحسد والحقد ، ومراقبة الله في كل الأعمال والأقوال
فهذا هو المفتاح الحقيقي للسعادة التي ينشدها الإنسان ليحيا سعيدا بما وهبه الله من نعم .
وهذا المثل يمثل صوت الضمير المعذب الذي استيقظ بعد موت ، وأحس الشقاء ، والظلام الذي يحيط بصاحبه
ظلام الغدر والخيانة وبطانة السوء وقرناء الشر الذين يزينون الباطل ويوقعون في الرذيلة فتكون النهاية التعسة
التي تجلب على صاحبها سوء المصير ، إنه يمثل قصة الحياة بما فيها من شرور وآثام ، قصة من يغمط النعمة
ويكره العافية ، وقائله : ذو رعين .
وأصله : أن ملكا من ملوك حمير يسمى ( حسانا ) كان سئ السيرة ، فتفرقت عنه حمير ولم تطعه ، وإنما أغروا
أخاه ( عمرا ) بأن يقتله ، ويتولى مكانه ووعدوه حسن الطاعة والمؤازرة ، إلا أن ذا رعين نهاه عن قتله ، لأنه
إن قتله فسيندم ولن يذوق طعم النوم ولن يهدأ له بال ، وسيعاقب كل من أشار عليه بذلك ، فرأى ذو رعين أن
يحتاط لأمره فكتب بيتين في صحيفة ، وختم عليها بخاتم ( عمرو ) وقال له : هذه وديعة لي عندك إلى أن أطلبها
منك . فأخذها عمرو ودفعها إلى خازنه ، ليحتفظ بها ، فلما قتل أخاه وجلس مكانه في الملك منع منه النوم
وسلط عليه السهر ، فطلب الأطباء والكهنة والمنجمين والعرافين ثم عرض عليهم أمره وأخبرهم بقصته وشكا
إليهم مايجد . فقالوا له : ماقتل رجل أخاه وذو رحم منه إلا أصابه السهر ، ومنع منه النوم .
فلما قالوا ذلك أمر بقتل كل من أشار عليه بقتل أخيه . حتى وصل إلى ذي رعين ، فقال له أيها الملك :
إن لي براءة مما تريد أن تصنع بي . قال الملك : ومابراءتك وأمانك ؟ قال : مر خازنك أن يخرج الصحيفة
التي استودعتكها يوم كذا وكذا . فأخرجها الخازن فنظر إليها عمرو ، ثم فضها فإذا فيها :
ألا من يشتري سهرا بنوم ............. سعيد من يبيت قرير عين
فأما حمير غدرت وخانت ............... فمعذرة الإله لذي رعين
ثم قال لعمرو : قد نهيتك عن قتل أخيك . وعلمت أنك إن فعلت أصابك الذي قد أصابك فكتبت هذين البيتين
براءة لي عندك . فعفا عنه وأحسن جائزته .
لي عودة