عرض مشاركة واحدة
قديم 16-01-2010, 09:52 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
الحرف العنيد
اللقب:
نبع صافي
الحرف العنيد
نبع صافي
 
الصورة الرمزية الحرف العنيد

 تاريخ التسجيل : Jan 2010
 رقم العضويـة : 4135
 مجموع المشاركات : 24
 بمعدل : 0.00 في اليوم
 معدل التقييم : 10
  Array [msnicon]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
الحرف العنيد غير متصل
وسائل الإتصال:

المنتدى : يحكـى آنـ
5555 عــــــــــــازف الكمــــــــــــــان

أتــــــــــــــــمنى أن يطيب لكم المكوث هنا

عازف الكمان
للكاتبة: دموع اليأس




الجزء الاول
تسللت نسمات رقيقة حانية في تلك الليلة من ليالي الصيف الحارة.. وبددت بحركتها قليلا من الحر السائد منذ أيام عديدة .. وفي غرفتها الصغيرة كانت هيلين مستلقية فوق سريرها الصغير وهبات النسيم الرقيقة تتسلل من نافذة الشرفة الملحقة بغرفتها وتتخلل خصلات شعرها الأشقر الناعم وتعبث بالستارة الوردية الرقيقة المثبتة على باب الشرفة الذي فتحته لتسمح للنسيم بالمرور..

كان الجو حارا قليلا ويغري بالاسترخاء مما جعل هيلين تغمض عينيها في تراخ وتسمح لجسدها بأن يتمتع بالراحة بعد يومها الذي كان شاقا .. وفجأة تناهت إلى مسامعها أنغام رقيقة للغاية تقطر حزنا وعذوبة تأتي من الخارج ..

اعتدلت هيلين في جلستها وأصاخت السمع أكثر كي تتأكد أن ما تسمعه ليس وهما ..
بالفعل أنها نغمات رقيقة جدا تأتي من جهة شرفتها وتتسلل في رفق وحنان إلى داخل غرفتها بل الى أذنيها وكيانها كله.. نغمات حزينة شعرت أنها تتغلغل إلى أعمق أعماق روحها فتحرك فيها عشرات المشاعر والأفكار ..
وتسمرت هيلين في مكانها تماما وهي منسجمة مع النغمات الحزينة لذلك اللحن الساحر وشعرت بكيانها كله يسبح بعيدا جدا وكأنه اصبح في مجرة أخرى من الكون ..

ثم توقف اللحن فجأة وانتفضت هيلين مع انقطاعه المباغت وكأنها تستيقظ من حلم.. وشعرت بلهفة بالغة لمعرفة من اين جاء هذا اللحن الحزين, فقفزت من فراشها في خفة ودست قدميها الرقيقتين في الخف الموضوع اسفل الفراش وأسرعت الى الشرفة تزيح الستارة الرقيقة وتحاول أن تستشف مصدر هذه الموسيقى العذبة ..

ولوهلة.. خيل إليها ان ذلك الشارع الهادىء الذي تطل عليه شرفتها خال تماما لكنها بعد أن أمعنت النظر استطاعت أن تراه جالسا هناك ..
كان فتىً وسيما له ملامح جميلة وتقاطيع نبيلة كأنها لاحد فرسان العصور الوسطى بشعره الأسود الفاحم وعيناه السوداوان اللتان تنافسان سواد شعره .. أما أغرب مافي هيئته فكان ثيابه ..
كانت ثيابه من لون واحد هو الاسود فقط.. حتى ربطة العنق التي يرتديها كانت سوداء وحذاءه ذا لون أسود أيضا واشترك كل هذا مع هيئته ليضفي عليه هالة غامضة وجذابة في نفس الوقت ..
وكان يمسك في يده بكمان صغير قدرت هيلين أنه مصدر تلك الالحان الحزينة ..

كان القمر مكتملا في تلك الليلة مما جعل الرؤية واضحة تماما لعيني هيلين.. وكان ضوء القمر يسقط على ذلك الشاب فيكسبه هالة ساحرة من الغموض والروعة في مزيج لا يوصف ..

لم يكن الشاب ينظر لها على الإطلاق بل كان جالسا على مقعد عتيق عريض يستقر هناك في جانب الشارع .. وكان يمسك في يده بذلك الكمان الصغير وينظر إلى ناحية المنزل المجاور لمنزل هيلين.. كان الشاب يبدو وكأنه لا يشعر بأي شيء حوله وهو يرنو ببصره لذلك المنزل الذي يبدو مظلما تماما ولا حياة فيه.. مرت ثوان وهو في هذا الوضع وخيل لهيلين وكأن الهواء ذاته قد توقف في هذه الثوان.. ثم نهض الشاب من جلسته وبدأ يتحرك في هدوء وبطء ليقطع الشارع ويتوارى في الظلام الذي بدد القمر المكتمل الكثير من عتمته ..

ولدقائق لم تدر عددها ظلت هيلين في مكانها مسمرة غير مصدقة لهذا المنظر العجيب الذي رأته قبل قليل ..
ثم انتفضت فجأة وكأنها تستفيق من حلم لذيذ وسرت في جسدها قشعريرة خفيفة وهي ترنوا ببصرها محاولة اختراق حجب الظلام ..
لم يكن هناك سوى الصمت وضوء القمر الذي يفترش أرضية الشارع الذي كان ساكنا خاليا.. ولم تجد هيلين بدا من العودة لغرفتها وهي تتساءل في حيرة عن كنه هذا الشاب الغامض صاحب الكمان وعن الذي يفعله في هذا الوقت وفي هذا المكان بالذات

لم تستطع النوم بسهولة وهي تفكر في ذلك المشهد وتستعيد تلك الانغام الساحرة التي أخذتها لعالم اخر تماما .. ترى من يكون هذا الشاب وما الذي يبحث عنه في المنزل المقابل

كانت هيلين وأسرتها الصغيرة المكونة منها ومن والدها بعد رحيل والدتها منذ سنوات قد أنتقلوا للعيش في هذه البلدة بسبب ظروف عمل والدها التي جعلته يسافر مع ابنته الوحيدة ويستأجرا هذا المنزل منذ أيام معدودة ..
بالتالي لم تكن تعرف الكثير بعد عن المنطقة والحي الذي تقطن فيه لكنها كانت تعلم على الاقل ان ذلك المنزل المجاور مهجور تماما ولا يسكن فيه أحد ..كان ذلك ظاهرا لاي شخص ينظر الى المنزل من الخارج ويلاحظ الابواب الموصدة والنوافذ التي لا ينبعث منها أي ضوء في الليل ..

وبعد أن تقلبت كثيرا في فراشها قررت ان تنسى الأمر ولو مؤقتا وان تحاول ان سنحت الفرصة ان تعرف أكثر عن ذلك المنزل الغامض لعلها بالتالي تعرف ما قصة هذا الشاب ..

كان اليوم التالي عاديا وانشغلت هيلين في تجهيز العديد من الامور في المنزل ومساعدة والدها في ترتيب بعض الاشياء واللوازم الضرورية وقد استغرق هذا النهار بأكمله مما جعلها تنسى حكاية ذلك العازف لبعض الوقت ..

وحين أقبل الليل وهي في غرفتها عادت تفكر في أحداث الليلة السابقة وتتساءل في سرها هل سيظهر ذلك الشاب مرة أخرى

وفي هذه المرة لم تستطع ان تمكث في غرفتها فغادرتها إلى الشرفة الصغيرة وجلست على كرسي صغير موضوع هناك وهي ترنو ببصرها هنا وهناك وكأنها تبحث عن ذلك الشاب الغامض ..

كان ذلك الشارع الذي تظل عليه غرفتها عريضا إلى حد ما يحده من جانبه الأيسر منزل هيلين وذلك المنزل المهجور وبيت اخر صغير يقع في اقصى طرف الشارع وفي الوسط هناك كنيسة قديمة لها ساحة عريضة تبدو مهجورة أيضا.. ومن الجانب الأيمن يطل الشارع على مجرى لنهر صغير يمتد لمسافة طويلة ويفصله عن الشارع سور حديدي قديم نوعا ما.. وارض الشارع نفسها مرصوفة بحجارة رمادية عريضة تعطيه مظهرا جميلا برغم قدمها ..وهناك جهة الكرسي الذي جلس عليه العازف توجد سنديانة عتيقة يستند ظهر الكرسي على جذعها القديم ..

كانت هيلين تتأمل كل هذه التفاصيل بينما ضوء القمر يفترش الأرض أمامها ويلامس سطح النهر فتتألق قطراته بضوء فضي هادىء يبعث النشوة في النفس ..

وغرقت هيلين تماما في تأملاتها ولم تفق منها الا حين لمحت خيال ذلك العازف وهو يدنو ببطء من ذلك الكرسي.. والغريب ان خطواته لم يكن لها صوت مسموع ولولا دخوله في مجال رؤيتها لما عرفت بقدومه ..
وفي هدوء شديد اتخذ ذلك الشاب مجلسه.. كان يرتدي نفس الملابس السابقة والكمان الصغير بين يديه وعيناه في إتجاه ذلك المنزل المهجور ..

وحبست هيلين أنفاسها وهي تراقب هذا المشهد في فضول وافتتان بدون ان تبدر عنها أدنى حركة.. وبعد لحظات قصيرة رفع ذلك الشاب الكمان إلى كتفه وبدأ يعزف عليه دون أن تفارق عيناه ذلك المنزل ..
وانطلقت الالحان العذبة الساحرة وشعرت هيلين بأنه لم يعد لها وجود مادي وهي تحلق في عوالم أخرى خيالية وتشعر انها تكاد تمتزج بذرات الكون ذاتها لتشاركها رقصتها الأبدية ..

لم تدر كيف ولا متى توقفت الالحان إلا حين شعرت بذلك الصمت يطبق على كل شيء وكأنما يشعر الهواء ذاته بالاعجاب تجاه تلك الالحان حتى انه توقف وتجمد تماما ..

ولم تشعر هيلين بنفسها الا وهي تصفق بكفيها في حرارة واعجاب بذلك العزف الفريد الذي سمعته.. ثم توقفت فجأة وقد خيل اليها ان الشاب سينتبه إليها مع سماع صوت تصفيقها ووضعت يدها على فمها في ترقب وهي تتابعه ببصرها منتظرة ردة فعله ..
لكن العجيب أن الفتى لم يبد وكأنه سمع شيئا وهو لا يزال في مكانه بنفس وضعيته السابقة ينظر في هدوء إلى ذلك المنزل ..
ثم - بنفس الهدوء - نهض من جلسته واستدار منصرفا ومبتعدا عن مجال نظر هيلين ..

ولم تنبس بحرف وهي تتابعه ببصرها في اهتمام والظلام يبتلعه ..
ويبتلعه ..

لم تغير من جلستها هناك لاكثر من ساعة كاملة وهي تفكر في هذا كله ..
ما هذا الذي يحدث أمامها من هذا الشاب ومن اين جاء ولماذا يجيء الى هذا المكان بالتحديد
هل هو يأتي كل ليلة ويفعل نفس الشيء .. مستحيل والا كانت شعرت به من قبل وهم في هذا المنزل منذ أربعة أيام تقريبا ..
ما السر الذي يخبئه خلف مظهره الغامض وعزفه الساحر
ثم ما قصة ذلك المنزل الذي يجلس في مقابله ولا يرفع بصره عنه

شعرت هيلين أن عقلها يكاد ينفجر من شدة التفكير .. واكتنفها إرهاق شديد جراء جهد النهار فقررت ان تخلد للنوم وهي عازمة على أن تفعل المستحيل لتعرف سر هذا الشاب ..


الجزء الثاني
وكان من حسن حظها ان اليوم التالي لم يكن فيه عمل كثير فقد كانوا قد انتهوا تقريبا من ترتيب وتنسيق كل شيء .. وانصرف والدها إلى عمله وبقيت هي في المنزل وحيدة ..

لم تكن الدراسة قد بدأت بعد ناهيك عن أن إكمال إجراءات انتقالها لإحدى المدارس هنا يحتاج إلى تنسيق وإجراءات طويلة يقوم بها والدها , بالتالي كان لديها متسع من الوقت لتفعل فيه أي شيء ..

كانت قد أحضرت معها كمية كبيرة من الكتب كي تقرأها في وقت فراغها الذي قدرت انه سيطول كثيرا خصوصا وهي لا تعرف أحدا بعد في هذا المكان الجديد.. وهكذا امسكت بأحد الكتب وبدأت في قراءته .. لكنها لم تستطع ان تركز مع الكتاب على الاطلاق ..
طوال الوقت كانت أفكارها تتجه إلى ذلك المشهد الذي رأته مرتين ..
وكلما حاولت التركيز وطرد الامر عن ذهنها تكتشف أنها تفشل في هذا تماما .. إلى أن شعرت بالضيق من هذا كله فطوحت بالكتاب جانبا وأرجعت رأسها إلى الوراء وهي تحاول أن تسترخي في مجلسها ..

كان ذلك المشهد يشغل تفكيرها ويشعل فضولها الانثوي الى اقصى حد وادركت انها مهما فعلت لن تستطيع ان تبعد ذلك الامر عن ذهنها ..
وهكذا قررت أن تخرج قليلا وتتعرف على هذا الحي الصغير الذي تقطنه ..

كان الحي يقع في منطقة هادئة للغاية.. مما جعل الشارع الصغير الذي يقع منزلها فيه اشبه بالمكان المهجور.. هناك العديد من الشوارع التي تشبه في مظهرها وحجارتها المرصوفة شارعها والبيوت الصغيرة تصطف على الجانبين بحدائقها الصغيرة الجميلة وذلك النهر يغير اتجاهه من مكان لاخر حتى يصل مجراه إلى ذلك الطريق العريض الذي يقع فيه منزلها.. كانت بلدة صغيرة وجميلة في نفس الوقت.. لم تستغرق جولتها طويلا اذ سرعان ماشعرت بالملل فعادت أدراجها وحين وصلت الى قرب الشجرة العجوز وذلك الكرسي العتيق اسفلها شعرت برغبة في أن تجلس عليه قليلا.. كان الكرسي مريحا إلى حد ما وحين جلست عليه لاحظت ان ذلك المنزل يبدو واضحا أمامها بطابقيه وتلك الشرفة التي تبرز من واجهته لتطل على الناحية التي تجلس عليها الان.. شرفتها ايضا كانت واضحة من هذا المكان لكن العجيب ان ذلك الشاب يبدو وكأنه لا يهتم لاي شيء حوله سوى بذلك المنزل الغامض مثله ..

كان الجو صحوا إلى حد ما مما جعلها تسترخي لفترة في مكانها وهي تستمع لاصوات العصافير العذبة وفي أعماقها كانت تشعر ان عزف ذلك الفتى أكثر عذوبة من غناء هذه العصافير..

بعد أن مكثت في مكانها لأكثر من ساعة شعرت هيلين أن عليها العودة للمنزل وهناك كان والدها قد عاد فأمضت بعض الوقت معه وسألته عن احوال عمله الجديد وقضيا بعض الوقت في الكلام وتناول طعام الغداء ..

حين أقبل المساء هذه المرة خيل لهيلين أنه تأخر دهرا كاملا .. فقد كانت ترتقب موعد الليل الذي يصل فيه ذلك العازف الغامض ليسحر الجو والمكان بألحانه العذبة ..

وفي تلك الليلة تكرر نفس المشهد بحذافيره .. وظلت هي في مكانها في الشرفة تراقب ذلك العازف حتى انتهى من عزفه وغادر المكان في هدوء وصمت ..

وهكذا كانت هيلين في اليوم التالي تتمنى لو استطاعت ان تجعل ساعات النهار تنقضي بسرعة كي يأتي الليل وتمتع أذنيها بذلك العزف الرقيق.. تلك الألحان الملائكية سحرتها تماما وجعلتها تتلهف على سماعها وتنتظرها في شوق ولهفة ..
وحين جاء الليل اخيرا اتخذت نفس المجلس في شرفتها وهي ترمق الشارع مترقبة وصول ذلك الفتى في موعده الثابت الذي عودها عليه لثلاث ليال متصلة ..

ولكن الوقت مضى دون ان يظهر ذلك العازف .. وطال الوقت حتى ايقنت هيلين أنه لن يأتي في هذه المرة.. ولكن لماذا
ظل هذا السؤال يشغلها طوال الليل وهي تتقلب في فراشها وتتساءل عن سر إختفاء الشاب في هذه الليلة
هل اصيب بمكروه اضطره للبقاء في بيته ولكن هل له بيت أصلا أنه يبدو كما لو انه يجيء من العدم ذاته
أنها لا تعرف عنه أي شيء وربما يكون شيئا ما اصابه وعطله عن المجيء ..

شعرت بغصة في أعماقها حين وصلت لهذه النقطة من التفكير ووجدت نفسها تتمنى في اعماقها ان لا يكون قد اصيب بأي مكروه
وشعرت بالعجب من افكارها هذه .. ماعلاقتها هي بهذا العازف الغامض
ولماذا تتمنى في اعماقها ان يكون بخير وأن يأتي مجددا
ظلت تخوض في هذه الأفكار والأسئلة حتى طلع النهار ولم يغمض لها جفن ..

وحين عاد والدها لاحظ أن ابنته تبدو شاحبة ومتغيرة قليلا لكنه عزا هذا الى كونها لم تتأقلم بعد مع المكان الجديد أو ربما شعرت بالحنين لبلدتها الأولى ..
أما هيلين نفسها فلم تكن أفكارها تدور طوال الوقت الا حول ذلك العازف الغامض وسبب اختفائه غير المبرر ..

وحين جاء الليل جلست كالعادة في الشرفة منتظرة ومترقبة وإن أنبأها قلبها بأنه لن يأتي هذه الليلة ايضا ..
وصدق حدسها للاسف .. ومرت الساعات ولم يظهر أثر لذلك الفتى ...
وشعرت هيلين بحسرة بالغة واسف كبير ..

وطوال الاسبوع الذي تلى تلك الليلة لم تكف عن الجلوس في الشرفة في كل يوم حين يجن الليل على أمل ان يظهر ذلك العازف ولكن بدون أي فائدة ..
وأنتابها الضيق الشديد جراء هذا وودت لو أنها تعرف فقط ما الذي جرى لذلك الفتى ولماذا لم يعد يجيء

وفي الاسبوع التالي كانت إجراءات تسجيلها في المدرسة قد تمت وبدأت تذهب للمدرسة يوميا وتعود في موعد ثابت لتجد والدها بانتظارها في البيت.. وبين الحين والحين يأخذها والدها للنزهة وللتعرف على هذه البلدة الصغيرة التي انتقلا إليها.. وقد بذل والدها جهدا كبيرا وهو يحاول ان يرفه عن ابنته الوحيدة ولا يجعلها تشعر بالغربة او الملل.. لكن هيلين لم تكن تشعر بهذه المشاعر بذات القوة بسبب قصة ذلك العازف التي استولت على معظم تفكيرها ..

وفي المدرسة كانت تحاول ان تركز في الدروس وتحاول أن تتأقلم مع وضعها الجديد , كانت تشعر أحيانا بالحنين الى مدرستها القديمة وبلدتها الصغيرة لكنها كانت تحاول ان تتناسى هذا ..

وهكذا مضت الايام رتيبة عادية بالنسبة لهيلين وإن واظبت كل يوم على الجلوس في الشرفة لعل ذلك العازف يظهر ولكن بدون فائدة ..

ومر شهر كامل منذ أول ليلة رأته فيها هيلين ذلك الشاب.. وفي تلك الليلة كانت في غرفتها تقرأ في احد الكتب وقد يئست من الجلوس في الشرفة وإذا بأنغام حزينة عذبة تتسلل إلي مسامعها

لم تدر هيلين كيف قطعت المسافة التي تفصلها عن الشرفة وهي تقتحمها في لهفة لتقع عيناها على ذلك العازف وهو يعزف على كمانه الصغير تلك الالحان الساحرة ..
كان يرتدي نفس الثياب ويجلس ذات الجلسة التي راته عليها لاول مرة .. لكن هيلين شعرت بقلبها يتواثب في فرح وسعادة وهي تتطلع اليه وتسرح مع تلك الانغام ..
وحين أنتهى الفتى من العزف وانصرف في هدوء كعادته كانت هيلين في قمة السعادة وهي لازالت في مكانها غير مصدقة أنه جاء أخيرا ..
واشتعلت لهفتها مرة أخرى لمعرفة قصته .. تمنت لو امتلكت الشجاعة لتذهب اليه وتساله مباشرة لكنها لم تجد في نفسها الجرأة لفعل شيء كهذا ..

في اليوم التالي وحين عادت من المدرسة وهي تشعر بحيوية ونشاط افتقدتهما لايام عديدة كانت تقطع الطريق متجهة لمنزلها حين مرت بذلك البيت الصغير الذي يقع في طرف الشارع ورأت على شرفته إمرأة مسنة تبدو الطيبة واضحة على ملامحها وهي تحمل كيسا فيه مشتريات كثيرة وتحاول ان تحمله إلى المنزل ..

تقدمت هيلين من المراة العجوز وعرضت أن تساعدها في حمل الكيس فرحبت العجوز بذلك وشكرتها كثيرا وأصرت أن تدعوها لتناول كوب من الشاي في بيتها ..

كان الوقت لا يزال مبكرا ولم تشا هيلين ان ترفض دعوة هذه العجوز الطيبة, ووجدت نفسها جالسة مع العجوز في دارها ترتشف الشاي الساخن وتتأملها في صمت ..

كانت إمرأة في حوالي الخمسين من العمر .. تبدو الحيوية واضحة في عينيها برغم سنوات عمرها الكبير وقد كانت بسيطة وطيبة في تعاملها مما اشعر هيلين براحة كبيرة ..

سألتها العجوز وهي تقدم لها كوب الشاي وتجلس مقابلها :أنتم الساكنون الجدد في منزل آل جيلر .. أليس كذلك
أومأت هيلين برأسها إيجابا وهي تقول :نعم .. لقد انتقلنا إليه منذ حوالي الشهر ..
قالت العجوز في ود : لابد انك تشعرين بالكثير من الملل لان هذا الحي الصغير هادىء للغاية ..
ابتسمت هيلين وقالت :الحقيقة نعم .. فالبلدة بأكملها هادئة كثيرا .. من قبل كنا نقطن في حي يموج بالحركة كثيرا لهذا يبدو لي السكون هنا غريبا وغير معتادا ..
وافقتها العجوز بايماءة من رأسها وقالت :أستطيع ان افهم شعورك.. انا نفسي وبعد كل هذه السنين لازلت اجد ان المكان هادئ بدرجة كبيرة.. لست اشعر بالراحة كثيرا خصوصا وانا أعيش لوحدي هنا لكن ليس أمامي خيار آخر منذ أن رحل ولداي عن هذا البيت وتزوجا وانتقلا للعيش في مدينة أخرى ..
تساءلت هيلين: وأين زوجك
بدت مسحة من الحزن في عيني العجوز وهي تقول :توفى منذ زمن بعيد ..
تمتمت هيلين في حرج :أرجو المعذرة ..
تنهدت العجوز وقالت :لا عليك يا ابنتي .. صحيح انه رحل منذ زمن بعيد لكني لازلت اعيش مع ذكراه في كل لحظة.. هذا المنزل الصغير بكل مافيه يذكرني دائما به .. كل ركن وكل زواية كانت لنا فيها الكثير من الذكريات الجميلة ..

كانت صحبة العجوز مسلية وقد وجدتها هيلين في غاية الطيبة واللطف حتى انها دعتها لزيارتها في أي وقت, وهكذا ودعتها هيلين بعد أن وعدتها بتكرار الزيارة , شعرت هيلين بالشفقة تجاه هذه العجوز الطيبة التي تعيش بمفردها وحتى ولداها لا يربطها بهما الا بضع رسائل يرسلانها بين الحين والاخر ليطمئنا على والدتهما ..

قاسية هي هذه الحياة .. هكذا كانت تفكر هيلين وهي في طريق العودة لمنزلها .. وحين وقع بصرها على ذلك الكرسي اسفل الشجرة تداعت ذكريات ذلك العازف إلى ذهنها مجددا وأزاحت عنه كل الافكار السابقة وراحت تتساءل هل ستراه الليلة ياترى

لفت نظرها وهي تتجه لمنزلها منظر رجلين كانا واقفين أمام ذلك البيت المهجور يتحدثان.. كان أحدهما رجل يميل للبدانة قليلا أخضر العينين غليظ الملامح تبدو عليه معالم الثراء والاخر كان شابا أشقر الشعر يمسك في يده بلوح صغير وكان يتكلم وهو يشير طوال الوقت إلى المنزل ..

واصلت هيلين طريقها وهي تتساءل عن كنه هذين الرجلين وما صلتهما بذلك المنزل هل هما من سكانه القدامى أم ماذا يا ترى

وحين أقبل الليل كانت هي في الشرفة كالعادة تنتظر وصول ذلك العازف الليلي .. كانت تشعر ان الوقت يمضي ببطء شديد وهي تنتظر قدومه ولم يبدد مللها ذلك الضوء الساحر الذي يلقيه القمر في تلك الليلة والذي يتألق على صفحة الماء وعلى أرضية الشارع في مزيج جذاب ..

ومن بعيد لمحت خيال الشاب وهو يتقدم ببطء كعادته في طريقه الى ذلك الكرسي .. وحبست أنفاسها وهي تشاهده يدنو حتى صار على قيد متر واحد من الكرسي .. توقعت هيلين ان يجلس ويبدأ العزف كعادته لكن الشاب لم يجلس في هذه المرة وإنما ظل واقفا يتطلع الى ذلك المنزل في صمت وسكون دون ان يبدي أي حركة ..

وعلى ضوء القمر فقط وبالرغم من بعد المسافة نسبيا إلا أن هيلين لاحظت شيئا خفق له قلبها في قوة.. لقد كانت هناك نظرة تقطر حزنا وأسى في عين العازف وهو في وقفته الثابتة تلك .. بحر من الحزن كان ينعكس في عينيه الساحرتين جعل قلب هيلين يخفق في أسى وكأنه يشاركه هذا الحزن ...

وطالت وقفة الشاب في مكانه حتى تمنت هيلين أن تنزل اليه وتريح رأسه على حجرها وتجعله يفرغ كل حزنه وألمه الذي تراه الان في عينيه ..

ثم استدار الشاب فجأة وبدأ يسير في الاتجاه المضاد وهيلين تتابعه في حيرة وهي تتساءل عن الذي حصل له اليوم .. فلأول مرة ياتي ويمضي بدون ان يعزف تلك الألحان الساحرة ..

وفي تلك الليلة لم تستطع هيلين أن تنام وهي تفكر في سر حزن الفتى الشديد هذه المرة.. صحيح انها كانت تلمح في عينيه حزنا من قبل لكنه يختلف عن مارأته هذه الليلة.. كان حزنه هذه المرة قويا جدا وكاسحا كأنه فقد عزيزا لديه

ولكن مهلا .. ماذا لو كان هذا ماحدث بالفعل

لكن أي عزيز هذا الذي فقده هذا الشاب ان ذلك المنزل مهجور من الاصل ولا يسكن فيه أحد فما سر تعلق هذا الشاب به

وهكذا طلع النهار وهيلين غارقة في تلك الافكار .. نهضت وهي مشوشة مرهقة ولم تستطع ان تركز في المدرسة جيدا.. كانت تود ان يمضي الوقت بسرعة كي تعود لمنزلها وتحصل على قسط من الراحة ..

وحين ترجلت من تلك الحافلة العامة التي تستقلها في العادة ثم يكون عليها أن تقطع مسافة لا بأس بها لتصل إلى منزلها ومع ذلك فقد كانت تستمتع كثيرا بالمناظر الجميلة التي تمر بها وهي في طريق عودتها.. وبينما هي متجهة لمنزلها لمحت أمام ذلك البيت الغامض ذلك البدين وفي هذه المرة كان واقفا يتحدث مع والدها.. حين راها والدها ابتسم وأشار لها ان تقترب وهو يقول :تعالي ياهيلين..
اقتربت هيلين منهما ووالدها يتابع :مستر اندرسون هذه ابنتي هيلين.. هيلين أقدم لك السيد أندرسون جارنا الجديد
صافحها اندرسون في هدوء وهو يقول :سررت بمعرفتك انستي ..
أومأت هيلين برأسها في صمت ولم تعلق بينما قال والدها في مرح :لقد عدت اليوم من العمل مبكرا وكانت هذه فرصة طيبة لاتعرف على السيد اندرسون..إنه سيسكن هنا ابتداء من الاسبوع المقبل ..
ظلت هيلين صامتة ووالدها يحيط كتفيها بذراعيه وهو يقول لجارهم :مارأيك بأن تشرفنا ونتناول الغداء سويا
ابتسم أندرسون وهو يقول في لباقة :أشكر لك دعوتك الكريمة سيدي لكني مضطر للإنصراف لان عندي بعض الاعمال العاجلة ..
تمتم والد هيلين مودعا: فليكن .. سررت كثيرا بمعرفتك وأتمنى ان تزورنا قريبا ..
أومأ أندرسون برأسه مودعا بدوره واستدار والد هيلين مع ابنته متجهين إلى منزلهما وهيلين صامتة تماما وما أن استقر بها المقام مع والدها على مائدة الغداء حتى سألته هيلين في فضول :من هو هذا السيد يا أبي
أجابها والدها في بساطة :إنه - كما أخبرني - رجل أعمال يمتلك عددا من المشاريع التجارية في هذه البلدة ..
عادت هيلين تسأل والدها : هل هو متزوج
هز والدها رأسه علامة النفي وهو يقول :لا ليس متزوجا ...
تساءلت هيلين في حيرة :أليس غريبا ان يصل لهذا السن ولم يتزوج بعد
ألتفت إليها والدها في دهشة للحظة ثم وضع الملعقة جانبا وقال :هيلين.. لم أعهد فيك الفضول بهذه الدرجة من قبل .. هل لي أن اعرف لماذا يثير السيد اندرسون فضولك إلى هذا الحد
كانت هيلين تبدو وكأنها توقعت هذا السؤال من والدها فقد قالت مباشرة :الحقيقة إنني أريد أن اعرف سر قدومه ليعيش في منزله في هذا الوقت بالتحديد بعد ان تركه كل هذه المدة
تطلع إليها والدها في هدوء لبعض الوقت وكأنه يسعى لمعرفة ما يدور في خلد ابنته ثم عاد يتابع الأكل وهو يقول :الواقع أنه ليس صاحب المنزل الأصلي إنما اشتراه من ورثته منذ أيام قليلة وقد أخبرني أنه يود أن يهدمه كي يعيد بناءه بالشكل الذي يروق له ..
انتفضت هيلين عند سماعها هذا الجزء من كلام والدها ووجدت نفسها تصيح في استنكار :يهدمه
تطلع والدها اليها في دهشة فتنحنحت في حرج وتمتمت في ارتباك :أعني.. لماذا يقوم بهدم منزل جميل كهذا ويجشم نفسه عناء البناء من جديد .. لم لايسكن فيه ويكتفي ببعض التجديدات
غمغم والدها في هدوء :هذا شأنه على أية حال ..
كادت هيلين تخبره ان هذا ليس من شأنه لكنها اثرت ان تصمت ولم تشأ ان تثير استغراب والدها اكثر .. تابعت طعامها في صمت وهي تفكر في هذا الامر الذي عرفته الان ..
إذن هذا السيد أندرسون يريد أن يهدم المنزل ولكن هل لهذا علاقة بذلك العازف هل هذا هو سر حزنه وما الذي يمثله هذا البيت لذلك الشاب
أفاقت من خواطرها على صوت والدها وهو يقول :ما رأيك في أن نذهب سويا للتنزه في البلدة قليلا
تمتمت هيلين :الحقيقة انني مرهقة اليوم كثيرا وأود أن أنال قسطا من الراحة ..
لم يعلق والدها وهو يتناول منشفة صغيرة ويمسح بها شفتيه , فتابعت هيلين :فيما بعد قد أذهب لزيارة المسز يازوسكي قليلا .
تساءل والدها في حيرة :مسز يازوسكي
أومأت هيلين برأسها ايجابا وقالت :نعم .. إنها جارتنا التي تقطن في اخر الشارع.. أرملة طيبة كثيرا ووحيدة وقد وعدتها بزيارتها كلما سنحت الفرصة .
أومأ والدها برأسه وقال وهو ينهض :فليكن .. أظنني سأنال قسطا من النوم الان ..
انصرف والدها إلى غرفته وانهمكت هي في رفع المائدة وتنظيف الأطباق وترتيب المنزل.. ثم اتجهت لغرفتها وفتحت باب الشرفة على آخره لتسمح للنسيم اللطيف بالدخول واستلقت على فراشها الصغير ..
كانت تخطط للراحة قليلا ثم الذهاب لزيارة الأرملة العجوز لكن ما أن وضعت رأسها على الوسادة حتى راحت في سبات عميق .. ولم تستيقظ إلا على أضواء الغروب الأخيرة وهي تتسلل من الشرفة وتغمر أرضية غرفتها على استحياء ..
نظرت هيلين في ساعتها وقدرت أن الوقت متأخر الان لزيارة مسز يازوسكي وشعرت بالضيق لهذا فقد كانت حقا ترغب في قضاء بعض الوقت مع تلك العجوز الطيبة.. ثم إنها كانت تخطط لسؤالها عن ما اذا كانت تعرف شيئا ما عن قصة ذلك المنزل المهجور الذي اشتراه السيد اندرسون علها تعرف شيئا ما يبدد غموض ذلك العازف ..لو كان هناك من أحد يعرف شيئا ما فهو بالتأكيد تلك المرأة التي عاشت فترة طويلة في هذا الحي ..

كان الوقت لا يزال مبكرا على مجيء ذلك العازف ولم تشعر هيلين بالرغبة في الاستذكار, نزلت الى الطابق السفلي لتجد والدها مستغرقا في القراءة.. ولوهلة فكرت في ان تقص عليه قصة ذلك العازف ومايحيط بها من غموض لكنها أحجمت عن ذلك في اللحظة الأخيرة وفضلت ان تتروى قبل ان تخبر والدها بشيء ..

وفي الليل اتخذت هيلين مجلسها المعتاد في الشرفة منتظرة قدوم ذلك الشاب الغامض وهي تتساءل هل سياتي أم لا في هذه الليلة الواقع انه ليس لديه موعد ثابت ياتي فيه فقد مر شهر منذ راته أول مرة حين ظهر ثانية ..

مرت الساعات بطيئة ثقيلة كالعادة وهيلين في مكانها تنتظر في صبر.. إلى أن لمحت ظله قادما من بعيد فتحفزت كل خلية في جسدها وهي تتابعه ببصرها وهو يخطو الى مكان ذلك الكرسي ويجلس عليه بصمت .. ولوهلة خيل لهيلين أن الهواء ذاته تجمد في مكانه وهي تراقب الشاب في فضول ولهفة والصمت يغلف المكان تماما ..
وفجأة استند الشاب بوجهه على راحتيه وأطرق برأسه في صمت وظل على هذا الوضع لبضع دقائق ثم رفع رأسه في بطء وهو ينظر ناحية ذلك المنزل .
وشعرت هيلين بقلبها ينتفض بين ضلوعها في قوة وهي تلاحظ تلك الدموع الصامتة التي انسابت على خدي الشاب في هدوء حزين ..

ودون أن تدري وجدت هيلين نفسها تشاركه البكاء في صمت .. ولم تدر كم مر من الوقت حتى فوجئت به ينهض بنفس الهدوء ويبتعد بذات البطء ..

خيل لهيلين في هذه المرة ان خطواته ذاتها تقطر حزنا وأسى وظله يبتعد...
ويبتعد ..
ويبتعد ..

وظلت هيلين في مكانها لفترة طويلة والصمت يغلف ما حولها ودموعها تنساب في بطء لتبلل وجنتيها وهي تتساءل بكل الحيرة واللهفة في أعماقها عن قصة هذا الشاب

كانت تشعر ان الشاب حزين لان المنزل سيهدم ولكن ماسر تعلقه بهذا البيت هل هو أحد ورثته السابقين مثلا

تمنت لو استطاعت ان تسأل السيد اندرسون عن كيفية شراءه لهذا المنزل وما قصة اصحابه بالتحديد لكن هل اذا سالته يجيبها ويبدد حيرتها
انه يبدو شخصا عاديا لكنها لم تستطع ان تشعر بالراحة له لسبب لا تدريه ..

وفي تلك الليلة قبل ان تخلد للنوم قررت في عزم ان تذهب في اليوم التالي للأرملة العجوز وتحاول ان تعرف منها أي شيء قد يزيل هذا الغموض ..

وفي اليوم التالي عرجت هيلين على منزل السيدة يازوسكي بعد ان عادت من المدرسة ورحبت بها العجوز في حرارة وسرور بالغين ..

لم تشأ هيلين أن تضيع الوقت كما أن نيران اللهفة والفضول كانت مستعرة في أعماقها لذلك بادرت العجوز بالسؤال فور ان استقر بهما المقام جوار المدفأة العتيقة في غرفة الجلوس :سيدة يازوسكي هل بإمكاني أن أسألك عن شيء ما
فأجابت العجوز في ود :بالطبع يا ابنتي .. ما الذي تودين معرفته
قالت هيلين مباشرة وهي تنظر في عيني العجوز :أود أن أسألك عن قصة ذلك المنزل المهجور الذي يقع جوار منزلنا ..
قطبت السيدة يازوسكي حاجبيها الاشيبين وهي تقول في شك :ولماذا تفترضين ان لذلك المنزل قصة
ارتبكت هيلين للحظة ثم قالت وهي تنظر للأرض :الواقع.. أن.. هناك اشياء غريبة لاحظتها منذ جئنا للعيش هنا ..
لم تعلق العجوز بحرف وهي تنظر لهيلين في تساؤل فتابعت هذه بمزيج من التردد والارتباك :لقد .. رأيت شابا غريبا يأتي ليجلس امام ذلك المنزل يراقبه في صمت وهو يرتدي السواد و..
قاطعها العجوز فجأة قائلة في لهفة :هل تعنين عازف الكمان
انتفضت هيلين وهي تسمع هذا اللقب من بين شفتي العجوز لاول مرة ونظرت لها في حيرة فابتسمت السيدة يازوسكي في حنان وقالت :هلم .. أخبريني بكل ماعندك يا ابنتي ..
ترددت هيلين للحظة ثم قررت ان تلقي بكل ما لديها للعجوز وكأنما ناء صدرها بحمل ذلك السر فاندفعت تروي لها قصة ذلك العازف منذ أن رأته في اول يوم والعجوز تستمع لها في صبر وعيناها تتألقان ببريق عجيب يجمع بين الحزن واللهفة.. حتى انتهت هيلين من قصتها وساد الصمت للحظات بينهما ثم قالت السيدة يازوسكي في هدوء :هل ترغبين حقا في معرفة قصة عازف الكمان هذا
أجابت هيلين في حماس :بالتأكيد ..
ابتسمت العجوز في حزن ورمقت الفراغ في صمت وكأنها تخترق حجب الزمان ببصرها وتابعت والابتسامة الحزينة لازالت على شفتيها :إنها حكاية قديمة للغاية .. ربما يكون مر عليها الان اكثر من ثلاثين عاما ..
ارتفع حاجبا هيلين في دهشة وهي تسمع هذا.. وآثرت الصمت وهي تستمع للعجوز التي تابعت حديثها بينما الاخشاب الموضوعة في المدفأة تحترق وتصدر قرقعة قوية تختلط بصوت العجوز فتضفي على الجو بأكمله رهبة وسحرا عجيبا :
كنت في ذلك الوقت اصغر منك بقليل.. وكان الحي مختلفا عما ترينه الان, كان يموج بالحركة والحياة.. كان الاطفال يلعبون ويمرحون في ساحة الكنيسة, واجراسها تدق بأصواتها المميزة .. كل شيء كان مختلفا ويمتلئ بالحيوية والحياة.. كنت أعيش مع والداي في منزل اخر على مقربة من هذا البيت الذي أعيش فيه الان, وكان الأب جوستاف قس الكنيسة وراعيها يعيش هو وابنه فيها.. لست أذكر اسم الابن للاسف لكننا جميعا كنا نطلق عليه لقب " عازف الكمان " لانه برع في العزف على هذه الآلة منذ صغره .. وكثيرا ما كان يجتمع اليه الكل في ساحة الكنيسة ليستمعوا إلى الحانه الساحرة العذبة.. توقع له الجميع مستقبلا باهرا في العزف على هذه الالة ,كان الكل يحبه لبساطته وخلقه الجميل في التعامل مع الجميع ...
لكنه كان شديد الاهتمام بفتاة واحدة فقط.. كانت في مثل سنك الان.. شقراء فاتنة لها وجه ملائكي وقلب مرهف تدعى ماريانا.. هام بها حبا وبادلته هي ذات المشاعر في صمت.. كانت ماريانا تعيش في ذلك المنزل الذي يقع جوار منزل آل جيلر.. كان والدها محاميا شهيرا كثير التنقل والأسفار في أرجاء البلد لكنه لم يكن انسانا طيبا فقد كان يعمل مع بعض الجماعات الخارجة على القانون وكان أهل البلدة يتحاشون الاحتكاك به.. وحين علم بقصة الحب التي تجمع ابنته بعازف الكمان حبسها في المنزل ومنعها من الخروج او زيارة الكنيسة, وكثيرا ما كان ياتي عازف الكمان ليجلس أمام منزل محبوبته ويعزف لها الالحان الساحرة.. كان الكل في الحي يعلم بقصتهما ويتمنى أن يلتئم شمل العاشقين لكن والد ماريانا لم يكن موافقا على تزويج ابنته من ابن الراهب جوستاف البسيط وحين علم بما يفعله الشاب أمام منزله ذهب للأب جوستاف وهدده باستخدام نفوذه والتسبب في ابعاد الراهب وابنه عن البلدة بأسرها إن لم يجعل ابنه يبتعد عن طريق ماريانا للأبد ولم تجد توسلات الاب جوستاف لوالد ماريانا بأن يوافق على تزويج ابنته من ابنه ..وهكذا لم يجد الاب جوستاف بدا من أن يأمر ولده بأن يبتعد تماما عن طريق ماريانا خصوصا أن والد ماريانا هدده بأن أي شيء يمكن ان يحصل للفتى إن لم يبتعد عن ماريانا ..لم يوافق عازف الكمان على هذا الامر في البداية لكنه اضطر ان يرضخ في النهاية على مضض خوفا وإشفاقا على أبيه الذي ترجاه كثيرا أن يفعل ما يطلبه منه.. لكن في أعماق الفتى كان حبه الملتهب يزيد تأججا في كل لحظة وكان هذا نفس الحال مع ماريانا ..

صمتت العجوز قليلا وهي مطرقة برأسها فهتفت هيلين تستحثها على المتابعة :وماذا حصل
رفعت العجوز رأسها في صمت وقالت في حزن :مرت سنة كاملة على ذلك الوضع ولم ينقص الحب الذي جمع بين قلبيهما طوال تلك المدة برغم انهما لم يلتقيا ابدا.. لكن حالة ماريانا النفسية ساءت كثيرا في تلك المدة ولم تكن تأكل تقريبا أو تكلم أحدا من اسرتها ولم تفلح كل محاولات والدها في جعلها تنسى ذلك الشاب فقرر أن يزوجها من قريب لها ..
هتفت هيلين في حسرة :وتزوجت
أومات العجوز برأسها في صمت وتابعت :تزوجت ماريانا أحد أقربائها وسافرت معه لبلدة أخرى وكان هذا صدمة عنيفة لعازف الكمان.. تصور أن حبيبته غدرت به ولم يستطع ان يصدق انها قبلت ان تتزوج أحدا سواه.. لكن الحقيقة اتضحت بعد ذلك وعرف أحد أصدقاء والدي - الذي كان قريبا لوالدة ماريانا - أن والدها أجبرها على الزواج وهددها ان رفضت بأنه سيسبب الكثير من الأذى لذلك الفتى وقد يصل الامر الى حد قتله.. ولم تحتمل ماريانا ان يصاب حبيبها بسوء فوافقت خوفا على حياته ..
تساءلت هيلين في أسف :وهل عرف عازف الكمان هذا
غمغمت العجوز :نعم عرف ذلك بعد مضي سنة على زواج ماريانا لكن هذا زاده ألما وعذابا واصبح يرى طوال الوقت شاحبا حزينا ليس له صديق يجلس اليه او يكلمه الا ذلك الكمان الذي كان لا يفارقه والذي كان يعزف عليه أنغاما ساحرة وهو يجلس أمام منزل محبوبته ..
غمغمت هيلين في أسى :يالها من قصة حزينة
تنهدت العجوز وقالت في حزن :لم تنتهي القصة بعد يا ابنتي ...
صاحت هيلين في دهشة :حقا












لاإله إلا الله عدد ماكان,وعدد مايكون, وعددالحركات والسكون

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

عرض البوم صور الحرف العنيد   رد مع اقتباس