بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
باقة ورد
كانت حنين تستعد للخروج بهمة عالية،وتنتقل من حجرة لأخرى كفراشة تسعى بين الحقول الواسعة..ألقت نظرة خاطفة إلى الشارع للتعرف على الطقس،وكانت القطرات الباردة تتهافت على نافذتها و تطرقها بعنف و اصرار قبل أن تذوب على الزجاج و تشكل أخاديد تهوي إلى الأسفل...
وضعت حنين لباسها الشرعي المكون من قطعتين لونهما بني، و شرعت تحكم ربط خمارها المنسدل على كتفيها...
أسرعت إلى الخزانة وأخذت حذاء شتوي بني و حقيبة في نفس اللون...ومظلة
جرت في يديها حقيبة ملأتها بالأكل، و بعض المشروبات الدافئة وتوجهت نحو السلم وهي تتمتم بدعاء الخروج من المنزل
*"بِسْمِ اللهِ ، تَوَكَّلْـتُ عَلى اللهِ وَلا حَوْلَ وَلا قُـوَّةَ إِلاّ بِالله"
*"اللّهُـمَّ إِنِّـي أَعـوذُ بِكَ أَنْ أَضِـلَّ أَوْ أُضَـل ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَل ، أَوْ أَظْلِـمَ أَوْ أَُظْلَـم ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُـجْهَلَ عَلَـيّ "
إنطلقت و لسانها يلهج بذكر الله و الصلاة على حبيب الله، وهي تسافر بعينيها في هذه المدينة الجميلة...
ارتسمت على شفتيها وهي تلحظ مراقبة المارين لها و علامات الترفع والحنق، تقذف من اعينهم حينا و من لسانهم أحيانا أخرى..
كان هذا المنظر بنسبة الى حنين منظرا عاديا، ويكاد يكون مألوفا..
فالناس لم يعتادوا ان يروا امرأة محجبة مسلمة في هذه المنطقة...
كان الأمر مزعجا سابقا،خصوصا و أنهم كانوا يبتعدون عنها و يتهمونها بالتخلف و الرجعية..
لكن إصرارها و حسن جوارها و إلتزامها بشعائر الإسلام حبب جيرانها و صديقاتها فيها و إستطاعت أن تثبت لهم أخلاق المرأة العربية المسلمة..
ماتزال صديقتي تواصل طريقها و هي تذكر الله في سرها قبل أن تتوقف فجأة.
*حنييييييين...
استدارت...وعلت وجهها،إبتسامتها المعهودة..
*مرحبا، حنين.. .صباح الخير، مابك الم تسمعي ندائي و ركضي وراءك.؟
*أهلا،و صباح الخير...ابدا !! لم أسمعك ليزا ...الآن فقط سمعتك تناديني..
*هل تنصتين الى الموسيقى تحت هذا اللباس لذلك لم تسمعي..؟
*موسيقى...!! لا لا ابدا ...يبدو أنني كنت ساهية
*أخبريني كيف حالك ؟ إلى أين أنت ذاهبة في عجلة من امرك؟
*أنا بخير ...حمدا لله. سأزور صديقة لي في المستشفى ...وأنت كيف احوالك؟ وليس من عادتك أن تنهظي باكرا،
*ههههههه...أنا بخير رغم أني سأفقد رشدي مع ذلك المعتوه..امي مشغولة و أوصتني بأن آخذ هذه الأشياء إلى جدتي في المستشفى ؟! ورغم تضمري اضطررت لآتي..
*آه اذن وجهتك نفس وجهتي...هيا معا إذن
*هيا...عزيزتي..
كانت ليزا،أول صديقة تتعرف عليها حنين منذ وصولها إلى هذه المدينة، وكان ذلك بمحض الصدفة،،جلست جنبها في الطائرة، فتبادلا أطراف الحديث، لتكون جارة لها في نفس العمارة..
ليزا نموذج نادر، فأمها فرنسية و ابوها صيني و هي ايطالية المسقط..
وصل الصديقتين إلى المستشفى الضخم..
أشارت ليزا إلى صديقتها أنها وصلت إلى غرفة جدتها..
*هذه غرفة جدتي، إنتظري سوف اعطيها الحاجيات و نذهب بسرعة، لأنها ثرثاره ولن تتركني إذا جلست..
*لا خذي راحتك،سوف انتظرك ...أو دعنا نسعدها و ندخل معا
*حسنا، لكن تظاهري بأنك مشغولة كي تتركنا نذهب ...
طرقت ليزا الباب، ودخلت
تبعتها حنين، كانت الغرفة كبيرة،يوجد فيها 6 أسرة ،قد نام في كل واحدة منها عجوز، كان الجو كئيبا..
كانت حنين تتبع ليزا و هي ترافق الغرفة و من فيها،عجائز مرضى وحيدين من دون معيل، فقط بعض الممرضات اللاتي على ما يبدو قد تعبوا من رقودهم و كثرة اوجاعهم ،و تذمرهم المستمر..
فكانو يمرون مسرعين كإنهاء للواجب ليس إلا..
عمل بلا حنان ورفق..
جلست ليزا عند رأس جدتها، وقبلت جفنها، كانت العجوز في إغفاءة قصيرة، أيقضتها قبلة ليزا،وهي سعيدة....
طوقت العجوز رأس ليزا وانهمرت القبلات الحارة،كانت ليزا تحاول التملص و علامات الضجر بادية على محياها،والعجوز سعيدة بحفيدتها...
أشارت السيدة إلى حفيدتها بأن تجلس معها قليلا،فجلست وهي تنظر إلى جهة حنين، لتتفوه بشيء وتنقذها..
حنين كانت تغوص في ملامح تلك العجزة، و كيف أبشرت سرائرهن لمجرد رؤية ضيف قادم، حتى وإن لم يكن من اجلهن..
لم تنتبه لليزا التي قطعت تفكيرها
*جدتي حبيبتي علي أن اذهب الآن فصديقتي في عجلة من أمرها،
كانت ليزا تحدث جدتها بالفرنسية،فلم تكن تعرف لغة البلاد ما جعلها أكثر غربة و حزنا
نظرت الجدة بأعين،ثاقبة لحنين ...التي فهمت معنى نظراتها..والتي شربت منها كثيرا من عجزة الحي...الذين يرون في لباسها سلاحا فتاكا سينفجر فيهم
قطعت حنين نظرات العجوز بكلمات فرنسية متقنة وهي تتقدم إلى جوارها
*مرحبا سيدتي، كيف حالك، أرجو أن تكونين بخير ...؟
ابتسمت العجوز،وهي تمد بيديها الى حنين،التي طوقتهما بحنان
*أنا اسمي حنين صديقة ليزا...تبدين بخير الآن...لا تقلقي فيبدو أنك قد شفيتي ..وجهك يبدو مشرقا و جميلا..
*ابتسمت العجوز، و السعادة تشرق من عينيها...صحيح ..أنا ايضا احس باني أسترجع عافيتي و جمالي
اطلقت ليزا ضحكة دوت لها اركان الغرفة،،،،
*جدتي،هل تفكرين أنك ماتزالين صغيرة ..إن أقرانك قد دفنو منذ اعوام لم تبقي إلا انت لتلحقي بهم
كسرت حنين كلامها...
*لكن الأعمار بيد الله وحده ليزا، ولا تدرين من سوف يدفن الآخر، فربما تكون شاهدة على موتنا و تعيش طويلا بعدنا..
*لا موتي أنت إذا شئت أنا ما أزال صغيرة و أريد أن أعيش...قاطعتها ليزا
*هيا نذهب حنين فقد تأخرت على مريضك، استمرت ليزا
*ارجوك ابقين قليلا فأنا اشعر بضجر وحيده، ولا اجد مع من أتحدث...طوال الليل والنهار، حتى تلك النسوة لا اجيد لغتهم ...لا يفهمونني و لا افهمهم..طول اليوم أنتظر من يطرق بابي و يؤنسني في وحدتي
*انت مزعجة جدتي، وكثيرة التذمر،أمي تزورك يوميا...
*أمك تزورني نصف ساعة في اليوم و تسرع الى دنيتها...رمتني في المستشفى و.و.و...و
*أووووووه...كفى انك تزعجينني جدتي..علي أن اذهب الآن،فلا وقت لي لهذه الأشياء..هيا حنين، اتبعيني و لا تعارضيني
*لكن ليزا...يجب..
*انها جدتي و أنا اعرف ما يجب ان افعل
كانت دموع العجوز تسيل بحرقه و ابكت كل العجزه في تلك الغرفة، حالتهم متشابهة و همهم واحد..
اشارت العجوز الى حنين أن ترافق ليزا و لا تحزن...فقد اعتادت منهم هذا الجفاء...
قبلت وجنة العجوز و انسحبت في صمت..
*أوووووه هذه العجوز تسبب لي نوبات العصبية،فلا تكاد تتذمر و تشكو وتبكي وتنشر الكآبة في كل مكان ...أمي تترك عملها و تفكر فيها وتحاول مساعدتها وهي تنكر جميلها..
قالت ليزا و هي تصفق باب الغرفة بعصبية، قاطعتها حنين بألم بادي على وجهها
*جميل،هل عندما حملت بها 9 اشهر كان ذلك جميلا، هل عندما ربتها و علمتها و زوجتها و سهر ت عليها بليل ونهار كان جميلا...امك تفديها بحياتك..وليس فقط بوقتك و مالك...
لكن كيف يمكن ان تدركي انت ذلك...فمثل الأم عظيم ...أخبرنا به ربنا الكريم على لسان رسوله الأمين...
كانت قد وصلت الى الغرفة التي تريدها..طرقت الباب..طرقا خفيفا ..فلم تسمع جوابا فكررت ذلك ثلاثا و ليزا تدعوها لتفتح الباب و تدخل، و حنين تمانع...
فتح الباب، كانت شابة محجبة في مقتبل العمر من فتح الباب و هي تدعوهم الى الدخول..
*السلام عليكم و رحمة الله، طهور ان شاء الله سيدتي
*وعليكم السلام و رحمة الله وبركاته...اجابت الشابة و المريضة
تقدمت حنين، و اخذت كرسي إلى جانب المريضة وليزا تراقب....
قبلت جبين السيدة و جلست، ´
*تبدين الآن بخير، لقد تحسنت كثيرا عن المرة الفارطة،حمدا لله على سلامتك..متى ستغادرين المستشفى باذن الله الى منزلك و حضن العائلة الدافئ..
*شكرا يا ابنتي،احس بأني افضل والحمد لله،لا ادري فلم يكتب لي بعد عن موعد الخروج
*ستخرجين قريبا خالتي، لا تقلقي..لقد احضرت لك الحساء الذي تحبينه، والقهوة و بعض الفطائر صنعتها لك خصيصا...قالت ذلك وهي تحمل الابريق و الأكل إلى الطاولة
*لقد اتعبتك معي يا ابنتي، اللهم نور طريقك و حفظك من كم شر، و اعطاك من خيري الدنيا و الآخرة..آمين
*آميين، والله يا خالة ، إني لأفعل ذلك عن طيب خاطر و بسعادة تامة...وكأني اخدم أمي
إنطلقت الدعوات الطيبة من الخالة ، والفتاتين تؤمان..
وبدأت تؤكلها بيديها و تحدثها، وتسليها ...وليزا تراقب في صمت..
و بعد مدة، اعتذرت حنين لتذهب و تتركها ترتاح...
*إسمحي لي يا خالة سأذهب لاتركك ترتاحين فلا يجب أن ترهقي نفسك كثيرا،
وضعت بيدها اليمنى على جبهة السيدة وهي تقول
بسم الله ثلاث مرات وقل سبع مرات :أعوذ بالله وقدرتة من شر ما أجد وأحاذر
وختمت بالقول:
"للهم اشفها شفاء ليس بعده سقما ابدا..اللهم خذ بيدها اللهم احرسها بعينيك التى لا تنام .
و اكفها بركتك الذى لا يرام و احفظها بعزك الذى لا يُضام .و اكلأها فى الليل و فى النهار .
و ارحمها بقدرتك عليه ّ.أنت ثقتها و رجائها يا كاشف الهم . يا مُفرج الكرب يا مُجيب دعوة
المُضطرين .اللهم البسها ثوب الصحة والعافية عاجلا غير اجلا ياأرحم الراحمين..
اللهم اشفها اللهم اشفها اللهم اشفها..اللهم امين."
و سلمت و خرجت من الغرفة وبالها لا يزال مع تلك العجزة
*من هذه المرأه يا حنين يبدو أنك تعزينها كثيرا
*انها اختي في ديني الاسلام
*انك اخبرتني أن اختك الوحيدة في بلدك،،هل هذه حقا اختك
*هي ليست اختي من ابي او امي،بل هي مسلمة مثلي ، والمسلمون اخوة، اني لم اتعرف عليها قط قبل ان تدخل المستشفى،،هي صديقة جارتي...زرتها في احدى المرات معها ..
ومن شهر تقريبا اصبحت ازورها باستمرار...
*كل هذا و لا تعرفينها....قالت في ذهول
*كيف لا اعرفها...قلت لك انها اختي في الاسلام
تسمرت ليزا في مكانها برهة من الزمن قبل أن تلحق بحنين التي أسرعت الى الخروج بخفتها المعهودة.