-2-
كانت الدبكة دائرة في ساحة القرية،وأبو فناد دائماً الأول في دائرة الراقصين
يلوح بمسبحته وينزل ويطلع القرفصاء مع تحريك كتفيه حركة دائرية تتناغم مع
حركات اقدامه،وبالرغم من كبر سنه،إلا أن حركات جسده النحيل كانت رشيقة جداً،فهو
أول من يحضر إلى الأعراس،وأخر من يغادرها،ولا يكتمل عرس بالقرية إلا بوجوده.
كنت أنظر إلى قارع الطبل بدهشة،وهو يقرع طبله الكبير المتدلي على بطنه
فيصدر صوتا،له لحنا جميلا في صداه،يتناغم مع حركات الأرجل ومع عازف المزمار
الذي يصدر حركات من فمه تشبه حركات فم الضفدع،وكانت النساء تشاهد الدبكة
من بعيد،غير مسموح لها بالأقتراب من مكان الرجال،إلا من بعض العجائز اللواتي
يبللن الخبز بالماء ليسهل مضغه.
اقتربت مني جدة أبي وسألتني بدافع الفضول:
- ابن من أنت
- أنا عامر بن حمودة
- مين حموده
-حمودة بن بنتك
-اذهب إلى ابيك و قل له أن يشتري لي الدواء لأني مريضة
- حاضر يا ستي
ورحت اركض مهرولاً إلى الجهة الأخرى من الساحة حتى لا تراني،وعلى علمي ان أبي
أخذها إلى الطبيب أكثر من مرة،وكان الطبيب يعطيها حبوب مسكنة،ويقول لأبي
أنها لا تشتكي من أي مرض،ولكنها تتخيل الأمراض بسبب الشيخوخة.
تركت الساحة،واتجهت إلى بيت أم امينة،لعلي استطيع أن أجعلها تهرب من أمها
لكي نعود،ونكمل اللعب سوية.
كان بيت أم امينة يكتظ بالنساء،وأمي كانت موجودة في الداخل مما ساعدني في
الدخول،والوقوف بجانبها،فسألتني بغضب:
-ماذا تفعل هنا!? أذهب و ألعب مع الأولاد في الساحة
-أريد أن العب مع امينة
-امينة سوف تتزوج إلا تستحي من نفسك
-ولكن أمها قالت انها ستلعب عروس وعريس مع الطحش!
-اذهب قبل أن أضربك
تركت أمي،واندسست بين النساء حتى وصلت إلى امينة التي كانت تجلس على كرسي
كبير يتوسط الغرفة،وقد ارتدت ثوب ابيض تهدلت اكمامه على ركبتيها الصغيرتين.
اقتربت منها،وقد فاحت منها روائح عطرية كافية لتقتل جيش من الناموس،وصبغوا
وجهها بجميع الألوان حتى صارت تشبه الجوكر،همست بأسمها لكي الفت إنتباهها من
بين النساء
-امينة..امينة..امينة
نظرت نحوي مستغربة وجودي وقالت بصوت منخفض:
-ماذا تريد?
-هيا لنخرج ونلعب سوية
-لا استطيع..ألا ترى أني العب هنا!
-دعي أحداً يلعب بدلاً منك وتعالي نهرب
-قلت لك لا استطيع،سيضربني أبي اذا هربت،اذهب الأن وسوف اناديك عندما ينتهي العرس.
-حسناً،ولكن لا تتأخري
ولم أكمل كلامي حتى شعرت بيد أمي تشدني من شعري وتسحبني للخارج،للحظات ظننت
بأنها سوف توبخني،ولكنها أخرجت من جيبها العميق بعض النقود،وقالت:
-خذها واشتري لنفسك شيئاً رطباً،أفضل لك من الجلوس بين النساء.
ثم غادرت وهي تتمتم،بالكاد سمعتها تقول...من ستشبه..أكيد أباك..يحب النساء.
وضعت النقود في جيبي وانطلقت راكضاً إلى الدكان،وفي الطريق استوقفتني نظرات
مروان،وهو يجلس على حجر صغير،بيده قطعة حديد يحفر بها التراب،وكأنه اشتم
رائحة النقود بجيبي.
تابعت الركض ولم أعره أي اهتمام،فمنذ أن وعيت على هذه الدنيا وأنا أعلم
أنه فقير،وكنت أشتري له الحلويات في كل مرة،عندما تعطيني أمي مصروفي،ولكني
صدمت به منذ اسبوع،فقد أعطاه أحد أقاربهم النقود ليشتري الحلوى،وكنت سعيداً
من أجله،ولكني فوجئت به يشتري لنفسه فقط،وبقيت أنظر إليه وهو يأكل الحلوى
فتألمت كثيراً،وعاهدت نفسي أن لا أشتري له بعد الأن.
لم أشعر بحلول الظلام،وأنا أتنقل بين الساحة،وبيت أم امينة مختلساً النظر
من بعيد،متلهفاً لرؤية امينة،لعلها تخرج للعب معي.
فجأة تجمع الناس امام بيت أم امينة،وخرجت النساء دفعة واحدة من البيت
تتوسطهم امينة،وقد ارتدت عباءة سوداء فوق ثوبها الأبيض،ثم انطلق موكب
النساء إلى بيت الطحش،والرجال يمشون في الخلف،يتبعهم الطبال والزمار.
أيقنت أن اللعبة قد قاربت على الانتهاء،وما هي إلا لحظات،حتىتصل امينة
إلى بيت الطحش،ثم تعود إلى بيتها وينتهي كل شيء.
ركضت سابقاً الموكب ودخلت إلى بيت الطحش الذي كان خالياً من الناس،واختبئت
في غرفته تحت السرير لكي أفاجئ امينة عندما تدخل،ونهرب سوية من النافذة.
ما هي إلا دقائق حتى دخلت امينة ومعها أم الطحش،أجلستها على السرير ونزعت
عنها العباءة السوداء،ثم خرجت بعد أن أغلقت خلفها الباب.
خرجت مسرعاً من تحت السرير،مما أخاف امينة وارعبها،ولكنها اطمئنت عندما
رأتني،وسألتني مستغربة:
-كيف وصلت إلى هنا?
-لقد دخلت قبل قليل،،،هيا لنهرب من النافذة
-هيا بسرعة،قبل أن يأتي الطحش
فتحت النافذة المطلة إلى خارج المنزل،ولكني فوجئت بشبك من الحديد يمنع دخول
أو خروج أحد من الغرفة،فلم يكن امامنا سوى الخروج من الباب،ولكن عندما
اقتربنا من باب الغرفة سمعت صوت الطحش قادم وهو يضحك بصوت يرعب القلب.