-3-
عدت إلى تحت السرير،وامينة جلست مكانها على السرير،أملاً بأن يغادر الطحش
بسرعة،فنعود للهرب إلى الخارج.
دخل الطحش،وأغلق وراءه باب الغرفة الحديدي،الذي يصدر صوتاً مخيفاً بسبب
احتكاك المفاصل ببعضها،التي لم تزيت منذ زمن طويل.
مرت دقائق رهيبة من الصمت،كتمت خلالها أنفاسي حتى لا يكتشفني الطحش
أعتقدت لولهة أني وحيداً في الغرفة،لأن الطحش منذ دخوله لم يتفوه ولا بكلمة.
كان الصمت رهيباً،ودقات قلبي تتسارع،حتى تخيلت أن الطحش قد سمعها،وما هي
إلا لحظات،ويمد يده الكبيرة السوداء،ليسحبني من تحت السرير،ومن يدري ماذا
سيفعل بي،فقد رأيته ذات مرة يتشاجر مع جاره سعيد،فقد ضربه ضرباً مبرحاً
وفج رأسه،فقط لأن بقرة سعيد دخلت بالخطأ إلى ارضه،فقد كانت ترتعد أوصالي
كلما فكرت ماذا يمكن أن يفعل بي.
وفجأة ضحك الطحش بصوت عال مخيف ارتجت من صداه جدران الغرفة،ثم تكلم بنشوة:
-أهلاً بك يا جميلة
فردت عليه امينة،وصوتها لا يكاد يسمع
-أنا امينة ولست جميلة
-امينة،جميلة،كله عند العرب صابون،الناس ينتظروني في الخارج ويجب أن أبيض
وجهي،حتى لا يثرثر أحد،ويقول أن الطحش ليس رجل،ثم القى بثقله على السرير،حتى
أني شعرت بأني أعصر من تحت السرير.
كانت رائحة عرق الطحش تصل إلى أنفاسي فتصيبني بالغثيان،وهو يهمهم،وينفث
الهواء،مثل الثور الهائج،مزلزلاً السرير من تحته،أما امينة فكانت تصرخ بقوة
وتلعنه قائلة:
- دعني،لا أريد أن العب معك،دعني يا بن الكلب،دعني ياحقير.
وراحت تصرخ تستنجد بأمها..أمي..أمي..أمي..أمي
كان قلبي يدق بسرعة،والدم يكاد يتفجر من عروق رأسي،وبدأت تخاطبني روحي
العميقة بلسان امينة:
- اخرج يا جبان،اخرج وقاتل الطحش،دافع عني يا جبان،ظننتك رجل يا نذل...
حاولت الخروج من تحت السرير لألبي نداء روحي العميقة،ولكني لم استطيع سحب جسدي
المرعوب من شدة الخوف.
فجأة هدأت العاصفة،وتوقف الطحش عن الحركة تماماً،إلا من صوت انفاسه المتعبة
وأنين متقطع تصدره امينة.
وقف الطحش على قدميه،وقال متهكماً:
- الأن خلصنا لعب! غداً نلعب من جديد،ثم فتح الباب وغادر،وهو يضحك ضحكته
القبيحة،التي تقشعر البدن،وما أن خرج الطحش إلى خارج الغرفة حتى علت زغاريد
النساء،وكأن أبو زيد عاد من الحرب منتصراً.
أول ما وقع نظري عليه،عندما خرجت من تحت السرير،كان ثوب امينة الأبيض
وقد مزقه الطحش،إلى قطع صغيرة،أما امينة فقد لفت جسدها العاري بغطاء
السرير،وامتزجت الألوان على وجهها الجميل فسالت على جيدها الطويل،وهي تطرق
بعينيها إلى الأرض بحياء،مما هي عليه،والحقيقة أني أنا الذي كنت خجلاً
منها ومن نفسي،لعدم قدرتي على فعل شيء،ولجبني وخوفي من الطحش.
ادركت بأنها لن تخرج معي بهذه الحال،فتركتها وتسللت إلى خارج الغرفة،حيث كان
العرس مازال قائماً،والطحش يجلس بين رجال القرية يهنئونه،ويرتبون على كتفه
وكأنه أنجز بطولة ما،وفجأة التقت عيني بعين الطحش،الذي نظر إلي نظرة مرعبة
ومخيفة وكأنه رأني أخرج من غرفته،فركضت مسرعاً من بين الناس،هارباً إلى بيتنا
ولكني اصطدمت بجدة أبي،ووقعت على الأرض،فمدت يدها تساعدني على الوقوف
وهي تلعن السرعة،وسألتني مستفسرة:
-لماذا أنت مسرع هكذا،
-اريد أن أذهب للبيت فقد تأخر الوقت
-أين بيتكم? وابن من أنت?
لم أرد عليها،تركتها تتكلم،ورحت أركض إلى البيت،الذي كان خالياً تقريباً
سوى من قط كبير،كان يتربص بفأرة صغيرة،تحاول الخروج من بين الحجارة لتبحث عن
طعام لها في ساحة المنزل.
أخرجت الفراش من غرفتي وصعدت به إلى سطح المنزل،فقد اعتدت النوم على السطح
في الصيف من شدة الحر،استلقيت على الفراش،ورحت أتمعن بالقمر الساطع بالسماء
والنجوم الكثيفة تحيط به،ولم تغب عني صورة امينة ولا للحظة،تلتف بالغطاء
خجلة أن تنظر نحوي،كانت صورتها تتماوج مع ضوء القمر،فتعكس حالة من الحزن
والألم على صفحات الكون الساكنة،يقطعها شهاب احمر ناري،يرسم خيطاً من الأمل
سرعان ما يزول.