صدقتِ والله-ست صمت الكريمة-فإن من الناس من يظهَرُ في هذه الحياة الدنيا،وينطلق في أعمائها وليس له من هَمٍّ إلا الاستجابة المباشرة لنسيجه الطيني وضروراته العضوية ( البيولوجية ) فحسب...يأكل ويشرب ويستمتع...ويعيش ما شاء الله له أن يعيش،ثم-إذا لم يداهمه مرضٌ أو خطبٌ-يشيخُ ويهرم،فينتهي ويَنفِقُ-كما تنتهي السائمة وتـُنفقُ-في تسعةِ أشبار من الأرض،حيث يندسُّ ويتآكلُ،ثم....ثم لاشيء..!!
إنه يظهَرُ في هذه الحياة كالرغوة العابرة التي تتقاذفها الأمواجُ،تتلاشى بعدَ حينٍ كأثرٍ لعيْن...!!!
ما الفرق بينه وبين أي كائن آخر غير ناطق...؟؟!!!
لا فرق..إلا أن هذا أرذل وأحقر،لأن الله سبحانه وتعالى أوجدَ في كيانه ذلكَ الجانب المهم والخطير الذي به تتحقق إنسانيته وتتسامى آدميته...جانب القلب والفكر والروح،فراحَ يُطفِئُهُ في بلادةٍ وجنون..!!!
الحقيقة-أختي الكريمة صمت-أن أولئكَ الذين أطفؤوا في حياتهم نبضَ قلوبهم الحي،وأماتوا فيها الإحساسَ بقِيَم الوجود ومبادئها التي تمتد طولاً حتى تتجاوز الدنيا الفانية إلى الآخرة الباقية...هؤلاء في الحقيقة موتـَى،وإنما تأجَّلَ إعلانُ وفاتِهم إلى حين....!!!
ورَحِمَ اللهُ شاعرَنا الحكيمَ حين قال :
ليسَ مَنْ ماتَ فاستراحَ بمَيِّتٍ ** إنما الميتُ ميِّتُ الأحياءِ
إنما الميِّتُ مَنْ يعيش كَـــئِيباً ** كاسِفاً بالـُهُ،قليلَ الرَّجَاءِ..!!!
إن الإنسانَ منا سيبقى بخير ما دامَ قلبُه تسري فيه جذوَة ٌمن إحساس،ونفحة ٌمن شعور،يتفاعلُ مع نسَماتِ الحق والخير،ويستعذبُ الحُسْنَ والجميلَ كما تمليه الفطرة السوية،وينفرُ من الباطل والشر وكل ما هو قبيحٌ مُستـَهْجَنٌ في هذه الحياة...يفرح وينبسط لفرح الفرحين ويحزن وينقبض لحزن البؤساء والمكلومين...يمتد مع النقاء والطيبة والسمو إلى أقصى حدود الامتداد وينكمشُ مع اللوثاتِ الحياتية المختلفة...
ألمْ يقلْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ما صحَّ عنه من بـِشاراتٍ : (( إذا أسرَّتـْكَ حسنتـُكَ،وأساءتكَ سيئتـُكَ،فاعلم أنكَ مؤمن ))....؟؟؟ !!!!
وكيف-يا ترى-يتفاعلُ الإنسان مع سرور الإحسان بالانشراح،ومع ضِيق النفس بالإساءةِ إذا صادفَ ذلكَ فيه قلباً بارداً ميِّتـاً...؟؟!!!
نعمْ-أختي الكريمة-ما من شكِّ أن مَوَاتَ القلوب بالبلادةِ والبرودِ بقايَا جثثٍ تحنطتْ لحظة َقررَ أصحابُها أن يعيشوا ليأكلوا،لا أن يأكلوا ليعيشوا....
حفظ َالله قلوبَنا جميعاً،وأنعشَ نبَضاتِها بينابيع من ماءِ الحياة...وبوركَ في قلمِكِ المنير....