نعم أيها الأحبة
المال لا قيمة له إن لم يُجمع من الحلال ويوظف في مرضات الكبير المتعال
وأظن أن الدرس الذي رأيناه وسمعناه أبلغ من كلام البلغاء
وأفصح من كلام الفصحاء
{إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ }
لا تفرح يا صاحب المال الحرام
لا تفرح يا من سعيت في الأرض فساداً وجمعت المال بالاحتكار والظلم
{ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ }
إن قارون كان رمزاً من رموز الفساد
التي تتكرر في كل عصر ومصر
اقرءوا القرءان وتدبروا الآيات
إن قارون كان ابن عم موسى عليه الصلاة والسلام
على الراجح من أقوال أهل العلم
كان ابن عم موسى
ومع ذلك طغى وبغى وظلم وتجاوز الحق
واستعلى على قومه بهذا المال
وخرج من آن لأخر
في زينته
بمنتهى الكبر والفخر والخيلاء
يستعلي بماله وجاهه وسلطته وسطوته ومركزه وسلطانه
فماذا كانت النتيجة
{ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ}
ظلمهم
وما أشنع الظلم
وما أبشع الظلم
ولا تستهن بدعوة مظلوم
فإن الملك الحق يغار للمظلومين
ويرفع دعوتهم فوق الغمام
ويخاطبها جل جلاله ويقول لها :
(وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)
كما في رواية الحاكم من حديث ابن عمر بسند صحيح
يقول لها : (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)
وقد ذكرت موقفاً أراني مضطراً لذكره الآن في دقيقة
لما انتهت دولة البرامكة وسُجن حاكم البرامكة خالد المبرمك
سُجن مع ولده حُبس مع ولده
ويشاء ربنا جلاله أن يُحبس الحاكم مع ولده في زنزانة واحدة
لا إله إلا الله
يُحبس مع ولده في سجن واحد في زنزانة واحدة
فبكى ولده في السجن وأجهش بالبكاء
ونظر إلى أبيه وقال :
يا أبتي من الملك والعز والجاه والسلطان
إلى السجن في زنزانة واحدة
إلى السجن والقيد في زنزانة واحدة
فنظر إليه والده وقال يا بني إنها دعوة مظلوم سرت إلى الله بليل غفلنا عنها ولم يغفل عنها الله
دعوة مظلوم
فكيف إذا كانت دعوة لملايين المظلومين
والله لا أبالغ
كيف إذا كانت الدعوة لملايين المقهورين
لآلاف المعذبين
لآلاف المحرومين
المقهورين المظلومين
المكبوتين
أن تتخيل أن الله لا يغار للمظلومين؟
لا ورب الكعبة
ليس أحد أغير على الحق وأهله من الله
وليس أحد أغير على المستضعفين والمظلومين من الله
(وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)
هكذا يُخاطب ربنا جل جلاله
دعوة المظلوم فوق أي أرض وتحت أي سماء
بل إن الله يُقيم دولة العدل وإن كانت كافرة
ولا يُقيم دولة الظلم وإن كانت مسلمة
{ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ}
ولاحظ أن الكنوز هو ما زاد عن حاجة الاستعمال الشخصي
فالكنز مدخر
الكنز هو ما يستغني عنه الإنسان
يكنزه لا يستعمله في البيع والشراء
فالكنوز فقط مفاتِيحها يعجز عصبة من الرجال الأشداء الأقوياء
على حمل مفاتيح الكنوز
فكيف بالكنوز نفسها
وكيف بما زاد عن كنوز قارون
قصور ومليارات وعقارات في الداخل والخارج وأرصدة
{ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}
وهل الفرح حرام؟
والجواب :
الفرح نوعان : فرح مُحرّم وفرح محمود مشروع
أما الفرح المحرم : فهو فرح الكبر والبطر ،
فرح الاستعلاء والظلم والبطش والطغيان
فرح الاستعلاء بالنعمة فرح التبطر بالنعمة على المُنعم
أما الفرح المحمود : فرح القرب من الله فرح الأنس بالله {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}
{لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ }
استغل ووظف ما أنعم الله به عليك في القرب منه في نيل رضوانه في العمل للأخرة فهي دار الحيوان
أي دار الحياة الأبدية القائمة الدائمة
{ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا }
ليس معنى أن تعمل للآخرة أن تهجر الدنيا
ما قال بذلك قرآن ولا سنة
بل الدنيا مزرعة للاخرة
ازرع هنا لتحصد هنالك
إن لله عباد فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا أنها ليست للحي وطنا
جعلوها لجة واتخذو صالح الأعمال فيها سفنا
قال علي رضي الله عنه : (الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار غنى لمن تزود منها ودار نجاة لمن فهم عنها فهي مهبط وحي الله ومُصلى أنبياء الله ومتجر أول أنبياء الله فربحوا فيها الرحمة وكسبوا فيها الجنة )
وها هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم يجمع جمعاً بديعاً بين الدنيا والآخرة فيقول في دعاءه
(اللهم اصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة لي من كل شر )
يتبع إن شاء الله