العقلانية...أو المجال الذي يرتبُ طاقات الإنسان المنفعلة والمتفاعلة بين ذاته الواعيةِ وعقله الباطن،ويجعله ينطلق بوتيرةٍ منسجمةٍ مع إيقاع الكون والحياة،في صورة من التناسق مع الفطرة السويةِ ونواميس الخَلْق والوجود،بما يسمونه بـ ( العقلانية الخلاقة ؛ Rational créatifs ) بحيْثُ لا شذوذَ ولا نشاز بالصورة المتطرفةِ التي يُروجُ لها الوجوديون وأرباب الانفلات....
هناكَ فارقٌ-سيدي الكريم-شئنا أم أبينا بيْن عقلانيةِ المواجهة والمناجزة لما وراء العلم،وبين عقلانيةِ الاستقصاء والاستكشاف من غير ضرورةٍ إلى تلك المواجهة والمناجزة التي تجعلُ من العلم المادي المحسوس معسْكَراً مضادا لما ورائه...
قسمة ٌضيزى،تلكَ التي تجعل العقلانية تشمَلُ كلَّ ما وراءَ المادةِ-من ميتافيزيقا الروح والمُعتقد والغيْبيات-في سلةٍ واحدةٍ من الرفض والممانعةِ والثجاوز،وعبثاً نحاولُ التقريبَ بين فلسفتين،إحداهُما تضعُ فاصلاً بين العقل والنقل بصورةٍ من الحسم النظري لا نقاشَ فيها ولا مجادلة وبين رؤيةٍ إنسانيةٍ أخرى،كانَ لها-ولا يزال-امتدادُها الفلسفي في إمكانية استمراء ( السوبر عقل) لما وراء المادة،مادامَ ما وراء المادة مستقرأ بالاستدلال ومنهج الاستقصاء المنطقى لتداعياتِ الوجود وما وراء الوجود...
في معمعة الشرح وإذكاءِ عقلانية السوبر في مواجهةِ عقلانيةِ العنصرية،لا يَخفى أبداً على باحثٍ،يبحث بحثاً مجردا من هوى التجاذبات المختلفة-ولو كانتْ عقائدية-أن كل ما تفضلتَ به سيدي مشكوراً في نقولاتِكَ الأمينةِ واستقراءاتِكَ الممنهجةِ بمنهج البحث الفلسفيِّ المجرد،هي في الحقيقةِ نِتاجٌ سليمٌ صحيحٌ لنتائج طروحاتٍ فلسفيةٍ،تمتد جذورُ إشكاليتِها الجدليةِ إلى بؤرةِ ذلكَ الصراع التاريخي المرير-في أوروبا-بين ( الكنيسةِ ) و ( العلم )...وكيفَ كان ( الإقطاعُ ) و ( الأوروستقراطية المالكة ) يتحالفان سرا وعلانية،بل ويتزاوجان بالتناوب أو التساوق في قمع ( العقلانية السوبر )-التي كانت أرضية َ العلم والانعتاق الفكري-ومحاصرةِ كل ما من شأنه أن يُعقلنَ الحياة ويستكشف ما ورائياتِها...
أظن مثلكَ-سيدي الكريم حَسَــن-وقد خبرْتَ رحلة الصراع في أوروبا،وكيف كان عنيفاً وقاسيا وبوحشيةٍ وساديةٍ لا مثيلَ لها،ابتداءً بالتعذيب الوحشي لدرء الأرواح الشريرة المستوطنة في عقل ( جوردانو برونو ) و( كوبرنيكوس ) وانتهاءً بالرمي في الأفران الملتهبة كما نجا منها ( غاليلو ) بأعجوبةٍ لما تراجعَ عن القول بكروية الأرض... !!
مآسٍ...وفضائعُ لا مثيلَ لها نزلتْ بالعقل الذي تجرأ أن يُمنطقَ الوجودَ لصالح ( السوبر عقلانية )،ومعروفٌ أن محاكم التفتيش-تحت الرعاية البابوية السامية-سحقتْ آدمية َ ألوفٍ مؤلفةٍ من المفكرين والعلماء والفلاسفة باسم التطهير الروحي ومقارعةِ الروح الشيطانية الشريرة... !!
لذلكَ كانتْ أشهر ثورتين،قلبتا الكيانَ الأوروبي رأسا على عقب في القرنين التاسع عشر والعشرين ردْعاً للملكية الإقطاعية وحليفتها الكنيسة الجائرة...كان الشعار المعروف للثورة الفرنسية ؛ (( اشنقوا آخرَ مَلِكٍ بإمعاء آخر قسيس )) وكان شعار الثورة البلشفية (( لا إله والحياة مادة ))...
ولستُ في حاجةٍ-سيدي-إلى اقتفاءِ شهادةِ عشرات أو مئاتِ ( العقلانيين ) من الفلاسفة والمفكرين الذين أرخوا لما حدث وجرى وبالتفصيل الممل....
فما الذي نتج عن ذلك...؟؟؟
الذي نتج عن ذلك ببساطة أن الثورة َ على رجال الدين الكنسي-وهم يمثلون مظهرا من مظاهر ما وراء الطبيعة-انقلبَ على الدين نفسه،وظهرتْ مذاهبُ فكرية وسياسية تقوم على مناجزة كل ما وراء المادة وتعتبره ترجيعاً مرعباً مخيفاً لما حدث منذ القرون السوداء الوسطى...
لكن السؤال -سيدي الكريم-هو...ألا تتفق معي أن طروحاتِ أصحاب ( العقلانية السوبر) قد تـُقبَلُ ضمن الظروف والمنطلقات والحيثيات التاريخية التي يبني عليها هؤلاء فكرَهُمُ الفلسفي-وهم في كل الأحوال معذورون وصادقون ومنطقيون ولا يستطيعُ مَنْ عنده أدنى خلفيةٍ بلسفة العقل والفكر أن ينكرَ أو يُشكك في ما ذهبوا إليه-بينما ما بالنا نحن سيدي..؟؟!!!!
أقصد نحن الذين تحدثتْ عنا زيغريد هونكه وبرنار شو وجولد زيهر ومئات...؟؟؟!!!!!
ما بالنا...ونحن الذين في فترة تلك الفجوة الجهنمية الرهيبة بين ( العقل ) و ( الدين ) كانتْ سوامقنا الفكرية،تحرر العقلَ،فتجعله يشب عن طوق القيود والمهاترات والخزعبلات والهرتقات المقدسة التي كانت تنزلها الكنيسة أمام العقل كمسلماتٍ لازبة...كانتْ سوامقنا الفكرية والفلسفية-على سبيل المثال لا الحصر-تقود العالم بقلم القاضي أبي الوليد محمد بن رشد في درء التناقض بين العقل والنقل،وبسوامق أبي نصر الفارابي،وحتى بإسقاطاتِ الفكر الاعتزالي في أصوله الخمسةِ على ما به من دخن ودَخَلٍ....؟؟؟
لقصةِ ( العقلانية السوبر في مواجهة العقلانية المتعصبة) أبعادٌ وذيولٌ أخرى-سيدي الكريم-يجب أن تعْرَضَ في إيهابها الاستقرائي الصحيح،حتى تتضح الصورة ككل وحتى لا نتألى على القراء بالنظرةِ ( الغربية ) الأحادية الجانب،والتي لها مبرراتها في تقدير الأمور وفي الأحكام على كنه الأشياء وجوهر الأفكار،لأننا نعلم-يقيناً لا استنتاجاً في دراساتنا الأكاديمية العليا-أن عبارة ( السوبر العقلانية في مواجهة العقلانية المتعصبة )-وأشباهها كثيرة- لها في العقل الباطن الأوروبي ما لها من دِلالاتٍ مستبطنة،تنسحبُ على واقعهم الفكري،اتكاءً وانطلاقاً من ذلكَ ( الصراع المرير ) الذي وقعَ...
فنحب هنا أن لا تنطلي علينا هذه ( التقليعة الفكرية التاريخية ) باسم الفِكْر وحريته تارة،وباسم المنهج والاستقراء طوْراً آخر...!!!
وبوركَ فيكَ سيدي الكريم على الطرح والنقل...والخلاف في الرأي لن يُفسِدَ-قي النهاية-للود قضية...